الآية ١٦٥ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٦٥ من سورة الأنعام

وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ١٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٥ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) أي : جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، وخلفا بعد سلف .

قاله ابن زيد وغيره ، كما قال : ( ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) [ الزخرف : 60 ] ، وكقوله تعالى : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] ، وقوله ( إني جاعل في الأرض خليفة ) [ البقرة : 30 ] ، وقوله ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) [ الأعراف : 129 ] .

وقوله : ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أي : فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق ، والمحاسن والمساوئ ، والمناظر والأشكال والألوان ، وله الحكمة في ذلك ، كقوله : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) [ الزخرف : 32 ] ، وقوله تعالى : ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ) [ الإسراء : 21 ] .

وقوله : ( ليبلوكم في ما آتاكم ) أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره ، والفقير في فقره ويسأله عن صبره .

وقد روى مسلم في صحيحه ، من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا ، واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء " وقوله : ( إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) ترهيب وترغيب ، أن حسابه وعقابه سريع ممن عصاه وخالف رسله ( وإنه لغفور رحيم ) لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خير وطلب .

وقال محمد بن إسحاق : يرحم العباد على ما فيهم .

رواه ابن أبي حاتم .

وكثيرا ما يقرن تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين ، كما قال تعالى : وقوله : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] ، وقوله : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) [ الرعد : 6 ] وغير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب ، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه ، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها ، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه .

جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر ، وترك ما عنه نهى وزجر ، وصدقه فيما أخبر ، إنه قريب مجيب سميع الدعاء ، جواد كريم وهاب .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا زهير ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة أحد ، خلق الله مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها ، وعند الله تسعة وتسعون " ورواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز الدراوردي ، عن العلاء به .

وقال : حسن صحيح .

ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر ، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء .

آخر تفسير سورة الأنعام ولله الحمد والمنة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته: والله الذي جعلكم، أيها الناس، (خلائفَ الأرض)، بأن أهلك مَنْ كان قبلكم من القرون والأمم الخالية, واستخلفكم، فجعلكم خلائف منهم في الأرض, تخلفونهم فيها, وتعمرُونها بعدَهم .

* * * و " الخلائف " جمع " خليفة ", كما " الوصائف " جمع " وصيفة ", وهي من قول القائل: " خَلَف فلان فلانًا في داره يخلُفه خِلافة، فهو خليفة فيها ", (88) كما قال الشماخ: تُصِيبُهُـــمُ وَتُخْـــطِئُنِي المَنَايــا وَأَخْــلُفُ فِـي رُبُـوعٍ عَـنْ رُبُـوعِ (89) وذلك كما:- 14308- حدثني الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض)، قال: أما " خلائف الأرض "، فأهلك القرون واستخلفنا فيها بعدهم .

* * * وأما قوله: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، فإنه يقول: وخالف بين أحوالكم, فجعل بعضكم فوق بعض, بأن رفع هذا على هذا، بما بسط لهذا من الرزق ففضّله بما أعطاه من المال والغِنى، على هذا الفقير فيما خوَّله من أسباب الدنيا, وهذا على هذا بما أعطاه من الأيْد والقوة على هذا الضعيف الواهن القُوى, فخالف بينهم بأن رفع من درجة هذا على درجة هذا، وخفض من درجة هذا عن درجة هذا .

(90) وذلك كالذي:- 14309- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ورفع بعضكم فوق بعض درجات)، يقول: في الرزق .

* * * وأما قوله: (ليبلوكم في ما آتاكم)، فإنه يعني: ليختبركم فيما خوَّلكم من فضله ومنحكم من رزقه, (91) فيعلم المطيع له منكم فيما أمره به ونهاه عنه، والعاصي؛ ومن المؤدِّي مما آتاه الحق الذي أمره بأدائه منه، والمفرِّط في أدائه .

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " إن ربك "، يا محمد، لسريع العقاب لمن أسخطه بارتكابه معاصيه، وخلافه أمره فيما أمره به ونهاه, ولمن ابتلى منه فيما منحه من فضله وطَوْله, تولِّيًا وإدبارًا عنه, مع إنعامه عليه، وتمكينه إياه في الأرض, كما فعل بالقرون السالفة =(وإنه لغفور) ، يقول: وإنه لساتر ذنوبَ مَنْ ابتلى منه إقبالا إليه بالطاعة عند ابتلائه إياه بنعمة, واختباره إياه بأمره ونهيه, فمغطٍّ عليه فيها، وتارك فضيحته بها في موقف الحساب =(رحيم) بتركه عقوبته على سالف ذنوبه التي سلفت بينه وبينه، إذ تاب وأناب إليه قبل لقائه ومصيره إليه.

(92) * * * آخر تفسير سورة الأنعام ---------------------- الهوامش : (88) انظر تفسير (( الخليفة )) فيما سلف 1 : 449 - 453 .

(89) ديوانه 58 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 209 ، واللسان ( ربع ) ، من قصيدته التي قالها لامرأته عائشة ، وكانت تلومه على طول تعهده ماله ، أولها : أَعَــائِشَ ، مَــا لِقَـوْمِكِ لا أَرَاهُـمْ يُضِيعُــونَ الهِجَــانَ مَـعَ المُضِيـعِ يقول : لها تلوميني على إصلاح مالي ، فمالي أرى قومك يقترون على أنفسهم ، ولا يهلكون أموالهم في الكرم والسخاء ؟

ثم يقول لها بعد أبيات : لَمَــالُ الْمَــرْءِ يُصْلِحُــهُ فَيُغْنِـي مَفَــاقِرَهُ ، أَعَــفُّ مِــنَ القُنُـوعِ و (( القنوع )) ، السؤال .

وقوله : (( وأخلف في ربوع ...

)) ، (( الربوع )) جمع (( ربع وهو جماعة الناس الذين ينزلون (( ربعا )) يسكنونه ، يقول : أبقي في قوم بعد قوم .

وعندي أن هذا البيت قلق في قصيدة الشماخ ، سقط قبله شيء من شعره .

(90) انظر تفسير (( الدرجة )) فيما سلف ص : 25 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(91) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف 10 : 582 ، تعليق : 1 والمراجع هناك .

= تفسير (( الإيتاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أتى ) .

(92) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .

* * * عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلته عنه نسختنا ، وفيها ما نصه : (( آخر تفسير سورة الأنعام والحمد لله كما هو أهله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله يتلوه تفسير السورة التي يذكر فيها الأعراف )) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم[ ص: 144 ] قوله تعالى وهو الذي جعلكم خلائف الأرض خلائف جمع خليفة ، ككرائم جمع كريمة .

وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة .

أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة .

قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوعورفع بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم .درجات نصب بإسقاط الخافض ، أي إلى درجات .ليبلوكم في ما آتاكم نصب بلام كي .

والابتلاء الاختبار ; أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب .

ولم يزل بعلمه غنيا ; فابتلى الموسر بالغنى وطلب منه الشكر ، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر .

ويقال : ليبلوكم أي بعضكم ببعض .

كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة على ما يأتي بيانه .

ثم خوفهم فقال : إن ربك سريع العقاب لمن عصاه .وإنه لغفور رحيم لمن أطاعه .

وقال : سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإمهال ، ومع أن عقاب النار في الآخرة ; لأن كل آت قريب ; فهو سريع على هذا .

كما قال تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب .

وقال يرونه بعيدا ونراه قريبا .

ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا ; فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة .

والله أعلم .تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ } أي: يخلف بعضكم بعضا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخَّر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون.

{ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } في القوة والعافية، والرزق والخَلْق والخُلُق.

{ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ } فتفاوتت أعمالكم.

{ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } لمن عصاه وكذّب بآياته { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب من الموبقات.

آخر تفسير سورة الأنعام، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) يعني : أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من بعدهم ، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم ، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه .

( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ) أي : خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل ، ( ليبلوكم في ما آتاكم ) ليختبركم فيما رزقكم ، يعني : يبتلي الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد ، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب ، ( إن ربك سريع العقاب ) لأن ما هو آت فهو سريع قريب ، قيل : هو الهلاك في الدنيا ، ( وإنه لغفور رحيم ) قال عطاء : سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهو الذي جعلكم خلائف الأرض» جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضا فيها «ورفع بعضكم فوق بعض درجات» بالمال والجاه وغير ذلك «ليبلوكم» ليختبركم «فيما آتاكم» أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي «إن ربك سريع العقاب» لمن عصاه «وإنه لغفور» للمؤمنين «رحيم» بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض بعد أن أهلكهم الله، واستخلفكم فيها؛ لتعمروها بعدهم بطاعة ربكم، ورفع بعضكم في الرزق والقوة فوق بعض درجات، ليبلوكم فيما أعطاكم من نعمه، فيظهر للناس الشاكر من غيره.

إن ربك سريع العقاب لمن كفر به وعصاه، وإنه لغفور لمن آمن به وعمل صالحا وتاب من الموبقات، رحيم به، والغفور والرحيم اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختمت السورة بهذه الآية { وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض } أى : خلائف القرون الماضية ، فأورثكم أرضهم لتخلفوهم فيها وتعمروها بعدهم .وخلائف : جمع خليفة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، لأنه يخلفه .وقوله : { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أى : فاوت بينكم فى الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوىء والمناظر والأشكال والألوان وغير ذلك .ثم بين - سبحانه - العلة فى ذلك فقال : { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ } أى : ليختبركم فى الذى أنعم به عليكم ، يختبر الغنى فى غناه ويسأله عن شكره ، ويختبر الفقير فى فقره ويسأله عن صبره .وفى الحديث الشريف الذى رواه الإمام مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الدنيا حلوة خضرة .

وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء " .ثم رهب - سبحانه - من معصيته ، ورغب فى طاعته فقال .

{ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لمن عصاه وخالف رسله .

{ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن أطاعه واتبع سبيل المؤمنين الصادقين .أما بعد : فهذه هى سورة الأنعام التى عالجت من مبدئها إلى نهايتها قضية العقيدة بكل مقوماتها علاجاً قوياً حكيماً يهدى إلى الرشد لمن عنده الاستعداد لذلك ، والتى طوفت بالنفس البشرية فى الكون كله لترشدها إلى خلق هذا الكون ، وتجعلها تستجيب له وتنتفع بما منحها من نعم ، والتى كشفت عن مواطن الشرك ومظاهره فى كل مظانه ومكامنه .

لتدمغه وتدحضه وتخلص النفس البشرية والحياة الإنسانية من أمراضه وأدرانه .تلك هى سورة الأنعام التى نزلت مشعة بالملأ العظيم من الملائكة وذلك تفسير تحليلى لها ، لا نزعم أننا استقصينا فيه كل ما يتعلق بهذه السورة الكريمة ، من توجيهات وهدايات ، وإنما هو قبسات من نور القرآن الكريم ، نرجو الله أن ينفع به ، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم .{ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في قوله: ﴿ جَعَلَكُمْ خلائف الأرض ﴾ وجوهاً: أحدها: جعلهم خلائف الأرض لأن محمداً عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين، فخلفت أمته سائر الأمم.

وثانيها: جعلهم يخلف بعضهم بعضاً.

وثالثها: أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها.

ثم قال: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات ﴾ في الشرف والعقل، والمال، والجاه، والرزق، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل، فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا أتاكم ﴾ وقد ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال، إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيهاً بالابتلاء والامتحان، فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة، ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصراً فيما كلف به، وإما أن يكون موفراً فيه، فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب، وهو قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب ﴾ ووصف العقاب بالسرعة، لأن ما هو آت قريب، وإن كان الثاني، وهو أن يكون موفراً في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ أي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته، وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه، وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه، وهذا آخر الكلام في تفسير سورة الأنعام، والحمد لله الملك العلام.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَعَلَكُمْ خلائف الارض ﴾ لأنّ محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فخلفت أمّته سائر الأمم.

أو جعلهم يخلف بعضهم بعضاً.

أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات ﴾ في الشرف والرزق ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءاتاكم ﴾ من نعمة المال والجاه، كيف تشكرون تلك النعمة، وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والحرّ بالعبد، والغني بالفقير ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب ﴾ لمن كفر نعمته ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لمن قام يشكرها.

ووصف العقاب بالسرعة، لأنّ ما هو آت قريب.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ الأنعام صلّى الله عليه وسلم واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة»

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ يُخْلِفُ بَعْضَكم بَعْضًا، أوْ خُلَفاءَ اللَّهِ في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها عَلى أنَّ الخِطابَ عامٌّ، أوْ خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ في الشَّرَفِ والغِنى.

﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ مِنَ الجاهِ والمالِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ لِأنَّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ أوْ لِأنَّهُ يُسْرِعُ إذا أرادَهُ.

﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وصَفَ العِقابَ ولَمْ يُضِفْهُ إلى نَفْسِهِ، ووَصَفَ ذاتَهُ بِالمَغْفِرَةِ وضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفَ بِالرَّحْمَةِ، وأتى بِبِناءِ المُبالَغَةِ واللّامِ المُؤَكِّدَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى غَفُورٌ بِالذّاتِ مُعاقِبٌ بِالعَرَضِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ مُبالِغٌ فِيها كَثِيرُ العُقُوبَةِ مُسامِحٌ فِيها.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  : «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً، يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، فَمَن قَرَأ الأنْعامَ صَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ يَوْمًا ولَيْلَةً» .

تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وحُسْنِ تَوْفِيقِهِ طَبْعُ الجُزْءِ الثّانِي مِن تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في مَطابِعِ دارِ إحْياءِ التُّراثِ العَرَبِيِّ بَيْرُوتَ الزّاهِرَةَ، أدامَها اللَّهُ لِطَبْعِ المَزِيدِ مِنَ الكُتُبِ النّافِعَةِ، ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّالِثُ وأوَّلُهُ سُورَةُ الأعْرافِ، وآخِرُ دَعْوانا أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)

{وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض} لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم أو لأن بعضهم يخلف بعضاً أو هم خلفاء الله فى أرضه يملكونها ويترفون فيها {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الشرف والرزق وغير ذلك {درجات} مفعول ثانٍ أو التقدير إلى درجات أو هى واقعة موقع المصدر كأنه قيل رفعة بعد رفعة {لّيَبْلُوَكُمْ فِى ما آتاكم} فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني بالفقير والمالك بالمملوك {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب} لمن كفر {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن قام بشكرها ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آتٍ قريب وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أقرب عن النبى صلى الله عليه وسلم من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام حين يصبح وكل الله تعالى به سبيعن ألف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة

سورة الأعراف (٥ - ١)

سورة الأعراف مكية وهي مائتان وخمس آيات بصرى وست كوفى ومدنى

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ أيْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا كُلَّما مَضى قَرْنٌ جاءَ قَرْنٌ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مِن عالِمٍ مُدَبِّرٍ وإلى هَذا ذَهَبَ الحَسَنُ أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها كَما قِيلَ والخِطابُ عَلَيْهِما عامٌّ وقِيلَ: الخِطابُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ﴿ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ في الفَضْلِ والغِنى كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ ﴿ دَرَجاتٍ ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً ﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِمّا يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ ﴿ إنَّ رَبَّكَ ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ  مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ  ﴿ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ أيْ عِقابُهُ سُبْحانَهُ الأُخْرَوِيُّ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ لِتَعالِيَهُ سُبْحانَهُ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعِقابِ عِقابُ الدُّنْيا كالَّذِي يَعْقُبُ التَّقْصِيرَ مِنَ البُعْدِ عَنِ الفِطْرَةِ وقَساوَةِ القَلْبِ وغِشاوَةِ الأبْصارِ وصَمِّ الأسْماعِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (165) لِمَن راعى حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى كَما يَنْبَغِي.

وفِي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الوارِدَيْنِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مَعَ التَّأْكِيدِ بِاللّامِ مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ ما لا يَخْفى مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ لا تَتَوَقَّفُ مَغْفِرَتُهُ ورَحْمَتُهُ عَلى شَيْءٍ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» مُبالِغٌ في ذَلِكَ فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ وبَعْدَ صُدُورِ ذَنْبٍ مِنَ العَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ وما ألْطَفَ افْتِتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ بِالحَمْدِ وخَتْمَها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفَرَ مِنهُما إنَّهُ ولِيُّ الإنْعامِ ولَهُ الحَمْدُ في كُلِّ ابْتِداءٍ وخِتامٍ.

* * * ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ بِاللَّهِ تَعالى وأثْبَتُوا وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِهِ ﴿ لَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ ما أشْرَكْنا ﴾ بِهِ سُبْحانَهُ شَيْئًا ﴿ ولا ﴾ أشْرَكَ ﴿ آباؤُنا ﴾ مِن قَبْلِنا ﴿ ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ ﴾ قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا ﴾ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ وهو الحِجابُ ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ ﴾ فَتُخْرِجُوهُ لَنا بِالبَيانِ ﴿ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ ﴾ لِأنَّكم مَحْجُوبُونَ في مَقامِ النَّفْسِ ﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴾ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتُمْ فَلَيْسَ لَكم حُجَّةٌ بَلْ لِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ في الأزَلِ ولا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ فَلَوْ لَمْ تَكُونُوا في أنْفُسِكم مُشْرِكِينَ سَيِّئِي الِاسْتِعْدادِ لَما شاءَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنكم ﴿ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ ﴾ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَيْسَ في اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ ذَلِكَ.

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ لَعَلَّها غَيْرُ خَفِيَّةٍ ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ فَإنَّ إثْباتَ مَوْجُودٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ أيِ الرُّوحِ والقَلْبِ أحْسِنُوا ﴿ إحْسانًا ﴾ بِرِعايَةِ حُقُوقِهِما ﴿ ولا تَقْتُلُوا ﴾ أيْ تُهْلِكُوا ﴿ أوْلادَكُمْ ﴾ قُواكم بِاسْتِعْمالِها في غَيْرِ ما هي لَهُ ﴿ مِن إمْلاقٍ ﴾ أيْ مِن أجْلِ فَقْرِكم مِنَ الفَيْضِ الأقْدَسِ ﴿ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ ﴾ بِأنْ نُفِيضَ عَلَيْكم وعَلَيْهِمْ ما تَتَغَذَّوْنَ بِهِ مِنَ المَعارِفِ بِمِقْدارِ إذا تَوَجَّهْتُمْ إلَيْنا ﴿ ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ﴾ الأعْمالَ الشَّنِيعَةَ ﴿ ما ظَهَرَ مِنها ﴾ كَأفْعالِ الجَوارِحِ ﴿ وما بَطَنَ ﴾ كَأفْعالِ القَلْبِ ﴿ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ تَعالى قَتْلَها ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ أيْ إلّا بِسَبَبِهِ بِأنْ تُرِيدُوا تَوَجُّهَها إلَيْهِ أوْ إلّا قَتْلًا مُتَلَبِّسًا بِهِ وهو قَتْلُها إذا مالَتْ إلى السُّوى ﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ ﴾ أيْ ما أُعِدَّ لِيَتِيمِ القَلْبِ المُنْقَطِعِ عَنْ عَلائِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي هي وراءَ طَوْرِ العَقْلِ ﴿ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴾ وهي التَّصْدِيقُ بِذَلِكَ إجْمالًا وعَدَمُ إنْكارِهِ ﴿ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ ﴾ فَيَقْوى عَلى قَبُولِ أنْواعِ التَّجَلِّياتِ وحِينَئِذٍ يَصِحُّ لَكم أنْ تَقْرَبُوا ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن هاتِيكِ المَعارِفِ لِقُوَّةِ قُلُوبِكم وتَقَدُّسِ أرْواحِكم.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ اليَتِيمَ إشارَةً إلى حَضْرَةِ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو كَما تَرى ﴿ وأوْفُوا الكَيْلَ ﴾ أيْ كَيْلَ الشَّرْعِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الظّاهِرَةِ ﴿ والمِيزانَ ﴾ أيْ مِيزانَ الحَقِيقَةِ بِمُراعاةِ الحُقُوقِ الباطِنَةِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ بِالعَدْلِ ﴿ وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ﴾ أيْ لا تَقُولُوا إلّا الحَقَّ ﴿ وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ غَيْرَ مائِلٍ إلى اليَمِينِ والشِّمالِ ﴿ فاتَّبِعُوهُ ﴾ لِتَصِلُوا إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ﴾ الَّتِي وصَفَها أهْلُ الِاحْتِجابِ ﴿ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ فَتَضِلُّوا ولا تَصِلُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ لَتَوَفِّيَ أرْواحَهم ﴿ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾ بِالتَّجَلِّي الصُّورِيِّ يَوْمَ القِيامَةِ كَما صَحَّ في ذَلِكَ الحَدِيثِ ﴿ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وهو الكَشْفُ عَنْ ساقٍ ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ﴾ وهو الكَشْفُ المَذْكُورُ ﴿ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها ﴾ حِينَئِذٍ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ أهْواءً مُتَفَرِّقَةً كالَّذِينِ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ صِفاتُ النَّفْسِ ﴿ وكانُوا شِيَعًا ﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ غَلَبَةِ تِلْكَ الأهْواءِ ﴿ لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ ﴾ إذْ هم أهْلُ التَّفْرِقَةِ والِاحْتِجابِ بِالكَثْرَةِ فَلا تَجْتَمِعُ هِمَمُهم ولا تَتَحِدُّ مَقاصِدُهم ﴿ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ﴾ في جَزاءِ تَفَرُّقِهِمْ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ ﴾ عِنْدَ ظُهُورِ هَيْئاتِ أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُتَفَرِّقَةِ ﴿ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ واتِّباعِ الهَوى ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ السَّيِّئَةَ مِن مَقامِ النَّفْسِ وهي مَرْتَبَةُ الآحادِ والحَسَنَةَ أوَّلُ مَقاماتِها مَقامُ القَلْبِ وهي مَرْتَبَةُ العَشَراتِ وأقَلُّ مَراتِبِها عَشَرَةٌ وقَدْ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ إذا كانَتْ مِن مَقامِ الرُّوحِ أوْ مَقامِ السِّرِّ وهَذا هو السِّرُّ في تَفاوُتِ جَزاءِ الحَسَناتِ الَّتِي تُشِيرُ إلَيْهِ النُّصُوصُ ﴿ قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ الذّاتِيِّ ﴿ دِينًا قِيَمًا ﴾ ثابِتًا لا تَنْسَخُهُ المِلَلُ والنِّحَلُ ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ الَّتِي أعْرِضُ بِها عَنِ السُّوى ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ فِيهِ شِرْكٌ ﴿ قُلْ إنَّ صَلاتِي ﴾ حُضُورِي وشُهُودِي بِالرُّوحِ ﴿ ونُسُكِي ﴾ تَقَرُّبِي بِالقَلْبِ ﴿ ومَحْيايَ ﴾ بِالحَقِّ ﴿ ومَماتِي ﴾ بِالنَّفْسِ ﴿ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ﴾ لا نَصِيبَ لِأحَدٍ مِنِّي في ذَلِكَ ﴿ لا شَرِيكَ لَهُ ﴾ في شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ سِواهُ ﴿ وبِذَلِكَ ﴾ الإخْلاصِ وعَدَمِ رُؤْيَةِ الغَيْرِ ﴿ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ المُنْقادِينَ لِلْفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ فَأطْلُبُ مُسْتَحِيلًا ﴿ وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ وما سِواهُ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ مَرْبُوبٌ ﴿ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ إذْ كَسْبُ النَّفْسِ شِرْكٌ في أفْعالِهِ تَعالى وكُلُّ مَن أشْرَكَ فَوَبالُهُ عَلَيْهِ ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ لِعَدَمِ تَجاوُزِ المَلائِكَةِ إلى غَيْرِ صاحِبِها ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ بِأنْ جَعَلَكم لَهُ مَظْهَرَ أسْمائِهِ ﴿ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ في تِلْكَ المَظْهَرِيَّةِ لِأنَّها حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ وهو مُتَفاوِتٌ ﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ ويَظْهَرَ عِلْمُهُ بِمَن يَقُومُ بِرِعايَةِ ما آتاهُ وبِمَن لا يَقُومُ ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ لِمَن لَمْ يُراعِ ﴿ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن يُراعِي ذَلِكَ.

نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِمِراضِيهِ ويَجْعَلَ مُسْتَقْبَلَ حالِنا خَيْرًا مِن ماضِيهِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا يعني: يقول أعبد وأطلب رباً غيره وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ من خلقه في السموات والأرض، لأنهم كانوا يقولون له: نحن كفلاء لك بما يصيبك ومن تابعك.

فنزلت وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها يعني: إلا لها أو عليها إن كان خيراً فلها وإن كان شراً فعليها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ أي مصيركم في الآخرة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم الحق من الباطل بالمعاينة.

ثم قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض من بعد إهلاك الأمم الخالية، لأن النبي  خاتم النبيين، وأمته قد خلفوا جميع الأمم.

ويقال: خلائف يعني: يخلف بعضكم بعضاً وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فضل بعضكم على بعض في المال والرزق لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ يعني: ليبتلي الموسر بالغِنَى ويطلب منه الشكر، ويبتلي المُعْسِر بالفاقة ويطلب منه الصبر.

ويقال: لِيَبْلُوَكُمْ يعني: بعضكم ببعض كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان: 20] .

ثم خوّفه فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ كأنه جاء لأن ما هو آتٍ فهو قريب، كما قال: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [القمر: 50] وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: لمن أطاعه في فاقة أو غِنى.

ويقال: سَرِيعُ الْعِقابِ لمن لم يشكر نعمته وكان مصراً على ذلك.

إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن رجع وتاب رَحِيمٌ بعد التوبة.

ويقال: سَرِيعُ الْعِقابِ لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من فضل الله وترك حق الله في ذلك وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بعد التوبة.

قال الفقيه قال: حدثنا أبو الحسن بن حمدان بإسناده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله  : «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلَف مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ» قال.

وقال رسول الله  : «مَنْ قَرَأ سُورَةَ الأنْعَامِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولئكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ في سُورَةِ الأنْعَامِ يَوْماً وَلَيْلَةً» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)

وقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ...

الآية: أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته- إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته «١» بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ على هذا التأويل- راجعاً إلى قوله: لاَ شَرِيكَ لَهُ فقطْ، أو راجعاً إلى القول وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ في هذه الآية: الذبائح.

قال ع «٢» : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع:

«وَمَحْيَايَ» - بفتح الياء-، وقرأ نافع «٣» وحده: «وَمَحْيَايْ» - بسكون/ الياء-، قال أبو حَيَّان «٤» : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة.

انتهى، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أي: من هذه الأمة.

وقوله سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ...

الآية: حكى

النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية «١» ، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، وأَبْغِي: معناه أَطْلُبْ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، وَلا تَزِرُ، أي: تحملُ وازِرَةٌ، أي: حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و «الوِزْر» : أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم تجوُّزاً واستعارة، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: تهديد ووعيد، وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخَلائِفَ:

جمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضاً لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحسن في أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، ويروى: «أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» .

وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد تخويفاً منه وترجيةً، فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع» لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي (رحمه اللَّه) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، ربّ إني ظلمت

نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.

انتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخراً ونوراً يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسلما/.

انتهى هذا الجزء مصحّحا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه، وقدّس سرّه ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف ولله الحمد والمنة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخَلائِفُ: جَمَعَ خَلِيفَةٍ.

قالَ الشَّمّاخُ: تُصِيبُهم وتُخْطِئُنِي المَنايا وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيمَن خَلَّفُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم خَلَّفُوا الجِنَّ الَّذِينَ كانُوا سُكّانَ الأرْضِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنْ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا؛ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ خَلَفَتْ سائِرَ الأُمَمِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ أيْ: في الرِّزْقِ، والعِلْمِ، والشَّرَفِ، والقُوَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ لَيَبْلُوَكم أيْ: لَيَخْتَبِرَكم، فَيَظْهَرُ مِنكم ما يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سَمّاهُ سَرِيعًا، لِأنَّهُ آَتٍ، وكُلُّ آَتٍ قَرِيبٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إذا شاءَ العُقُوبَةَ، أسْرَعَ عِقابَهُ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلِّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حَكى النَقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اِرْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا؛ واعْبُدْ آلِهَتَنا؛ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ؛ وآخِرَتِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وهي اسْتِفْهامٌ يَقْتَضِي التَقْرِيرَ؛ والتَوْقِيفَ؛ والتَوْبِيخَ؛ و"أبْغِي"؛ مَعْناهُ: أطْلُبُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَيَحْسُنُ عِنْدَكم أنْ أطْلُبَ إلَهًا غَيْرَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟

وما ذَكَرْتُمْ مِن كَفالَتِكم لا يَتِمُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَظُنُّونَهُ؛ وإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الشَرِّ والإثْمِ عَلَيْها وحْدَها؛ "وَلا تَزِرُ"؛ أيْ: لا تَحْمِلُ؛ "وازِرَةٌ"؛ أيْ: حامِلَةُ؛ حِمْلَ أُخْرى؛ وثِقْلَها؛ والوِزْرُ أصْلُهُ الثِقْلُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإثْمِ؛ لِأنَّهُ يُنْقِضُ الظَهْرَ؛ تَجَوُّزًا واسْتِعارَةً؛ يُقالُ مِنهُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ يَزِرُ؛ فَهو وازِرٌ"؛ و" وزِرَ ؛ يَوْزَرُ؛ فَهو مَوْزُورٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ "فَيُنَبِّئُكُمْ"؛ أيْ: فَيُعْلِمُكم أنَّ العِقابَ عَلى الِاعْوِجاجِ تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الحَقِّ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ - عَلى ما حَكى بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -: "مِن أمْرِي؛ في قَوْلِ بَعْضِكُمْ: "هُوَ ساحِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "هُوَ شاعِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِفْتَراهُ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِكْتَتَبَهُ"؛ ونَحْوَ هَذا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْسُنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ الِاخْتِلافاتِ؛ مِنَ الأدْيانِ؛ والمِلَلِ؛ والمَذاهِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَ"خَلائِفَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفَةٌ"؛ أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وسائِرِ أصْنافِ الناسِ؛ لِأنَّ مَن أتى خَلِيفَةٌ لِمَن مَضى؛ ولَكِنَّهُ يَحْسُنُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَمّى أهْلُها - بِجُمْلَتِهِمْ - خَلائِفَ لِلْأُمَمِ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَخْلُفُهُمْ؛ إذْ هم آخِرُ الأُمَمِ؛ وعَلَيْهِمْ قِيامُ الساعَةِ.

ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "تُوَفَّوْنَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ"؛ ويُرْوى: "أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في المالِ؛ والقُوَّةِ؛ والجاهِ؛ وجَوْدَةِ النُفُوسِ؛ والأذْهانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ فَيَرى المُحْسِنَ مِنَ المُسِيءِ.

ولَمّا أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذا؛ فَفَسَحَ لِلنّاسِ مَيْدانَ العَمَلِ؛ وحَضَّهم عَلى الِاسْتِباقِ إلى الخَيْرِ؛ تَوَعَّدَ؛ ووَعَدَ؛ تَخْوِيفًا مِنهُ تَعالى وتَرْجِيَةً؛ فَقالَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ ؛ وسُرْعَةُ عِقابِهِ إمّا بِأخْذاتِهِ في الدُنْيا؛ وإمّا بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ وحَسُنَ أنْ يُوصَفَ عِقابُ الآخِرَةِ بِـ "سَرِيعُ"؛ لَمّا كانَ مُتَحَقَّقًا؛ مَضْمُونَ الإتْيانِ؛ والوُقُوعِ؛ فَكُلُّ آتٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالقُرْبِ؛ ويُوصَفُ بِهِ؛ و ﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ؛ تَرْجِيَةٌ لِمَن أذْنَبَ وأرادَ التَوْبَةَ؛ وهَذا في كِتابِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - كَثِيرٌ؛ اقْتِرانُ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ؛ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِعِبادِهِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي؛ ونِعْمَ الوَكِيلُ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يَظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث، وعلى وقوعه، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبَقَها، فعمَروا الأرض جيلاً بعد جيل، لا يُعجزه أن يحشرها جميعاً بعد انقضاء عالم حياتها الأولى.

ثمّ إنّ الذي دبَّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله: ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ ، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله: ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلونكم في ما آتاكم ﴾ .

ولذلك أعقبه بتذييله: ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ .

فالخطابُ موجَّه إلى المشركين الذين أمِر الرّسولُ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: ﴿ أغير الله أبغي رباً ﴾ [الأنعام: 164]؛ وذلك يذكّر بأنَّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك.

فموقع هذه عقب قوله: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ [الأنعام: 164] تذكير بالنّعمة، بعد الإنذار بسلبها، وتحريض على تدارك ما فات، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها.

ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة، وتكون الإضافة على معنى اللام، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكتْ الأرض فأنتم خلائفُ للأرض، فتكون بشارة للأمّة بأنَّها آخر الأمم المجعولة من الله لتعمير الأرض.

والمراد: الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأياً ما كان فهو تذكير بعظيم صنع الله ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر.

والخلائف: جمع خليفة، والخليفة: اسم لما يُخلف به شيء، أي يجعل خلفاً عنه، أي عوضَه، يقال: خليفة وخِلْفة، فهو فَعيل بمعنى مفعول، وظهرت فيه التّاء لأنَّهم لما صيّروه اسماً قطعوه عن موصوفه.

وإضافته إلى الأرض على معنى (في) على لوجه الأوّل، وهو كون الخَطاب للمشركين، أي خلائف فيها، أي خلف بكم أمماً مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرّسل في مخاطبة أقوامهم: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69] ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ﴾ [الأعراف: 74] ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ [الأعراف: 129].

والإضافة على معنى اللام على الوجه الثّاني وهو كون الخطاب للمسلمين.

وفي هذا أيضاً تذكير بنعمة تتضمّن عبرة وموعظة: وذلك أنَّه لمّا جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم، فهذه نعمة، لأنَّه لو قدّر بقاء الأمم التي قبلها لما وُجد هؤلاء.

وعطْف قوله: ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله: ﴿ جعلكم خلائف الأرض ﴾ فهو أيضاً عبرة وعِظة، لعدم الاغترار بالقوّة والرّفعة، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النّعمة والسّعي في زيادة الفضل لمن قصّر عنها والرّفق بالضّعيف وإنصاف المظلوم.

ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ ليبلونكم ما آتاكم ﴾ أي ليَخْبُركم فيما أنعم به عليكم من درجات النّعم حتّى يظهر للنّاس كيف يضع أهل النّعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبّر عنها بالدّرجات.

والدّرجات مستعارة لتفاوت النّعم.

وهي استعارة مبنيّة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه.

والإيتاء مستعار لتكوين الرّفعة في أربابها تشبيهاً للتكوين بإعطاء المعطي شيئاً لغيره.

والبلْو: الاختبار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ [البقرة: 155].

والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنّفع بمواهب الله فيها وما يسرّه لها من الملائمات والمساعدات، فالله يعلم مراتب النّاس، ولكن سمّى ذلك بَلْوى لأنَّها لا تظهر للعيان إلاّ بعد العمل، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات، فهذا موقع لام التّعليل، وقريب منه قول إياس بن قبيصَة الطائي: وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا *** لأعلم مَنْ جَبانها مِن شُجاعها وجملة: ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ تذييل للكلام وإيذان بأنّ المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة ﴿ سريع العقاب ﴾ وصفة ﴿ لغفور ﴾ ليناسب جميع ما حوته هذه السّورة.

واستعيرت السّرعة لعدم التردّد ولتمام المقدرة على العقاب، لأنّ شأن المتردّد أو العاجز أن يتريّث وأن يخشى غائلة المعاقَب، فالمراد سريع العقاب في يوم العقاب، وليس المراد سريعه من الآن حتّى يؤوّل بمعنى: كلّ آت قريب، إذ لا موقع له هنا.

ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف (سريع العقاب) على موكِّد واحد، وتعزيز وصف (الغفور الرحيم) بمؤكدات ثلاثة وهي إنّ، ولام الابتداء، والتّوكيد اللّفظي؛ لأنّ (الرّحيم) يؤكِّد معنى (الغفور): ليُطمئِن أهل العمل الصّالح إلى مغفرة الله ورحمته، وليَسْتَدعي أهلَ الإعراض والصدوف، إلى الإقلاع عمّا هم فيه.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

والثّانِي: أنَّ أهْلَ كُلِّ عَصْرٍ يَخْلُفُ أهْلَ العَصْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، كُلَّما مَضى أهْلُ عَصْرٍ خَلَفَهُ أهْلُ عَصْرٍ بَعْدَهُ عَلى انْتِظامٍ، حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ عَلى العَصْرِ الأخِيرِ فَلا يُخْلَقُ عَصْرٌ، فَصارَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ خَلَفًا لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ.

والثّالِثُ: جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيفَةً لِبَعْضٍ لِيَتَآلَفُوا بِالتَّعاوُنِ.

والرّابِعُ: لِأنَّهم آخِرُ الأُمَمِ وكانُوا خَلَفًا لِمَن تَقَدَّمَهُمْ، قالَ الشَّمّاخُ: تُصِيبُكم وتُخْطِئُنِي المَنايا وأُخْلَقُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ يَعْنِي ما خالَفَ بَيْنَهم في الغِنى بِالمالِ وشَرَفِ الآباءِ وقُوَّةِ الأجْسامِ، وهَذا، وإنِ ابْتَدَأهُ تَفَضُّلًا مِن غَيْرِ جَزاءٍ ولا اسْتِحْقاقٍ، لِحُكْمِهِ مِنهُ تَضَمَّنَتْ تَرْغِيبًا في الأعْلى وتَرْهِيبًا مِنَ الأدْنى، لِتَدُمْ لَهُ الرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ.

وَقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ الغِنى والقُوَّةِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَخْتَبِرَكم بِالِاعْتِرافِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ جَعَلَهُ سَرِيعًا وهو في الآخِرَةِ.

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ  ﴾ .

والثّانِي: إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ في الدُّنْيا لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنهُ تَعْجِيلَ العِقابِ فِيها.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا شاءَ عاقَبَ، فَصارَ عِقابُهُ سَرِيعًا لِأنَّهُ يَقْتَرِنُ بِمَشِيئَتِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ بَحْرٍ.

﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ جَمْعًا مِنهُ بَيْنَ ما يَقْتَضِي الرَّهْبَةَ مِن سُرْعَةِ العِقابِ وبَيْنَ ما يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ مِنَ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ أبْلَغُ في الِانْقِيادِ إلى الطّاعَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعْصِيَةِ، واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قال: أهلك القرون واستخلفنا فيها من بعدهم ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ قال: في الرزق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ جعلكم خلائف الأرض ﴾ قال: يستخلف في الأرض قوماً بعد قوم وقوماً بعد قوم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله: ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ يعني في الفضل والغنى ﴿ ليبلوكم فيما آتاكم ﴾ يقول ليبتليكم فيما أعطاكم، ليبلوا الغني والفقير، والشريف والوضيع، والحر والعبد.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ﴾ الآية.

ذكرنا [ما] (١) ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ ﴾ ) يا أمة محمد ﴿ خَلَائِفَ ﴾ الأمم الماضية بأن أهلكهم (٢) (٣) ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ [قال الكلبي: (فضائل في المعاش) (٤) (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق: (دل بقوله: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: لأعدائه بعد النبي  بهلاكهم وقتلهم.

﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يريد: غفور لأوليائه رحيم بهم) (١١) وقال غيره (١٢) ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ (أراد في الآخرة وجعله سريعًا؛ لأن كل ما هو آت قريب)؛ وهو معنى قول الزجاج (١٣) (١) لفظ: (ما) ساقط من (ش).

(٢) في (ش): (أن أهلكتهم).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 600، و"معاني الفراء" 1/ 367، و"تفسير الطبري" 8/ 114، و"معاني الزجاج" 2/ 312، و"معاني النحاس" 2/ 526، و"تفسير السمرقندي" 1/ 529.

(٤) "تنوير المقباس" 2/ 79 وفيه: "فضائل بالمال والخدم) ا.

هـ وقال الواحدي في "الوسيط" 1/ 154: (في المعاش والغنى والرزق.

قال الكلبي ومقاتل والسدي) اهـ.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).

(٦) "تفسير مقاتل" 1/ 600 - 601.

وفيه: (يعني: الفضائل والرزق ..) اهـ.

(٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 114، وابن أبي حاتم 5/ 1436 بسند جيد.

(٨) لفظ: "الواو" ساقط من (ش).

(٩) لفظ: (بما يكون) ساقط من (ش).

(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 312، وانظر: تفسير الطبري 8/ 114، و"معاني النحاس" 2/ 527.

(١١) في "تنوير المقباس" 2/ 79 نحوه، وذكر البغوي "تفسيره" 3/ 212 عن عطاء قال: (سريع العقاب لأعدائه، غفور لأوليائه رحيم بهم) اهـ وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 114.

(١٢) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 197، واللفظ عام يشمل الدنيا والآخرة.

(١٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 312، و"معاني النحاس" 2/ 527.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خَلاَئِفَ ﴾ جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضاً في السكنى في الأرض أو خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا لجميع الناس، وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم خلفوا الأمم المتقدمة ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ ﴾ عموم في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين العباد ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتاكم ﴾ ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالكم فيما مكنكم فيه ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ جمع بين التخويف والترجية، وسرةعة عقابه تعالى: إما في الدنيا بمن عجل أخذه، أو في الآخرة لأن، كل آت قريب، ونسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.

الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.

ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.

الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.

الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.

﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالعكس.

﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.

الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.

﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.

﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.

﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.

﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.

﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.

﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.

﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.

﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.

و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.

والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.

فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.

فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.

ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.

واعلم أنه  بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله  فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة  ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم  ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.

ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.

ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.

أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.

وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في  بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.

ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه  ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله  وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.

ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.

والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.

ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.

ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.

ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.

قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.

وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.

وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.

وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.

فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟

قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.

ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.

فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله  فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.

وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.

وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.

وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.

ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.

فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.

أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله  .

قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟

وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.

وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.

وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.

والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.

وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب  ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.

وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله  ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.

قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.

وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.

وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.

ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.

قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.

عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟

إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.

ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.

قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.

والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.

وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.

وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.

ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.

والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.

وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.

وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.

روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله  : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.

أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟

جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.

آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟

جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم  وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.

آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.

آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.

آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.

الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.

وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.

فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.

والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.

ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.

قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله  فلا إشكال.

وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.

ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.

وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.

ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.

﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.

ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.

ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.

وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.

وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر  ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.

﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.

وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.

وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.

وقال في التفسير الكبير: إنه  أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله  وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله  خالق الكل فكأنه  قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.

وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.

ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم  ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله  فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.

وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس  ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.

ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.

وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.

التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.

﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله  هو صراط محمد  ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.

وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.

ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً  ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.

فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله  أعلم ورسوله.

﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".

﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله  وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله  بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.

وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني أصحاب رسول الله  جعلهم خلائف من تقدمهم من المكذبين والصديقين؛ ليعلموا ما حل بالمكذبين برسول الله  ليحذروا تكذيبه والخلاف له، ويرغبوا في تصديقه والموافقة له والطاعة؛ ليكون لهم بمن تقدمهم عبرة في التحذير والترغيب، ويكون لهم بمن تقدمهم قدوة وعبرة؛ ليعرفوا صحبة رسول الله  أن كيف يجب أن يصحبوه ويعاملوه: من الإحسان إليه، والتعظيم له والتصديق، ويجتنبوا الإساءة إليه والتكذيب.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني: البشر كلهم، جعل بعضهم خلائف بعض في الوجود وفي الأحوال في الحياة، والموت، والغناء، والفقر، والصحة، والسقم، وفي العز، والذل، وفي كل شيء، وفي الصغر، والكبر؛ ليكون لهم في ذلك عبرٌ ودليل على معرفة منشئهم وخالقهم؛ لأنه لو أنشأهم جميعاً معاً - لم يعرفوا أحوال أنفسهم وتغيرهم من حال إلى حال، [ولكن أنشأهم واحداً بعد واحد وقرناً بعد قرن؛ ليعرفوا أحوال أنفسهم وانتقالهم من حال إلى حال]؛ ليعرفوا أن منشئهم واحد؛ لأنهم لو كانوا جميعاً معاً - لم يعرفوا مبادئ أحوالهم من حال نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من حال الصغر إلى حال الكبر، وكذلك هذا في جميع الأحوال: من الغنى والفقر، والصحة، والسقم، ولو كان كله على حالة واحدة - لم يعرفوا ذلك، لكن جعل بعضهم خلائف بعض؛ ليدلهم على ما ذكرنا.

ويحتمل ما قال ابن عباس -  -: إنهم صاروا خلف الجان، فالأول يكون في بيان صحبة رسول الله  وحسن المعاملة معه.

والثاني في بيان وحدانية الربّ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ .

يحتمل هذا في الأحوال، ويحتمل في الخلقة جعل لبعض فضائل ودرجات على بعض، وجعل بعضا فوق بعض بدرجات في الدنيا؛ ليكتسبوا لأنفسهم في الآخرة الدرجات والفضائل، على ما رغبوا في الدنيا في فضائل الخلقة ودرجات بعضها فوق بعض، ونفروا في الدون من ذلك؛ ليرغبهم ذلك في اكتساب الدرجات في الآخرة، وينفرهم عن اكتساب ما ينفرون عنه في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ ﴾ .

يحتمل: ليبلوكم فيما آتاكم من الأحوال المختلفة: من الفقر والغناء، والسقم والصحة، والصغر والكبر، وغير ذلك من الأحوال.

ويحتمل: ﴿ فِي مَآ آتَاكُمْ ﴾ من النعم، أي: ليبلوكم بالشكر على ما آتاكم من النعم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

قال بعضهم هو إخبار عن سرعة إتيان العذاب؛ لأن كل آتٍ قريب كأنه قد جاء، كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ  ﴾ ، ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ ونحوه: أنه إذا كان آتياً لا محالة جعل كأنه قد جاء.

وقال بعضهم: ذلك إنباء عن شدة عذابه لمن عصاه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ ﴾ .

قيل: يبتلي الموسر في حال الغناء، والصحيح في حال صحته، ويبتلي الفقير في حال فقره، والمريض في حال مرضه، والابتلاء من الله -  - على وجهين: إما أمراً بالشكر على ما أنعم.

أو صبراً على ما ابتلاه بالشدائد، والابتلاء منه هو ما بين السبيلين جميعاً سبيل الحق وسبيل الباطل، وبين أن كل سبيل إلى ماذا أفضاه لو سلكه: لو سلك سبيل الحق أفضاه إلى النعم الباقية والسرور الدائم، وإن سلك سبيل الباطل أفضاه إلى عذاب شديد وحزن دائم.

ثم خيره بين هذين؛ فهو معنى الابتلاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

للمؤمنين، وقد ذكرناه [الحمد لله رب العالمين].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض؛ للقيام بعمارتها، ورفع بعضكم في الخلق والرزق وغيرهما فوق بعض درجات؛ ليختبركم فيما آتاكم من ذلك، إن ربك -أيها الرسول- سريع العقاب، فكل ما هو آت فهو قريب، وإنه لغفور لمن تاب من عباده رحيم به.

من فوائد الآيات أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف.

من تمام عدله تعالى وإحسانه أنه يجازي بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشرة أمثالها، وهذا أقل ما يكون من التضعيف.

الدين الحق القَيِّم يتطَلَّب تسخير كل أعمال العبد واهتماماته لله عز وجل، فله وحده يتوجه العبد بصلاته وعبادته ومناسكه وذبائحه وجميع قرباته وأعماله في حياته وما أوصى به بعد وفاته.

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر