الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٦٤ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه : ( أغير الله أبغي ربا ) أي : أطلب ربا سواه ، وهو رب كل شيء ، يربني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري ، أي : لا أتوكل إلا عليه ، ولا أنيب إلا إليه; لأنه رب كل شيء ومليكه ، وله الخلق والأمر .
هذه الآية فيها الأمر بإخلاص التوكل ، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة له لا شريك له .
وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيرا في القرآن كما قال تعالى مرشدا لعباده أن يقولوا : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] ، وقوله ( فاعبده وتوكل عليه ) [ هود : 123 ] ، وقوله ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) [ الملك : 29 ] ، وقوله ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] ، وأشباه ذلك من الآيات .
وقوله : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ) إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله ، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد .
وهذا من عدله تعالى ، كما قال : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) [ فاطر : 18 ] ، وقوله ( فلا يخاف ظلما ولا هضما ) [ طه : 112 ] ، قال علماء التفسير : فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته .
وقال تعالى : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ، معناه : كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين ، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذراريهم ، كما قال في سورة الطور : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء ) [ الآية : 21 ] ، أي : ألحقنا بهم ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة ، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال ، بل في أصل الإيمان ، ( وما ألتناهم ) أي : أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة ، بل رفعهم تعالى إلى منازل الآباء ببركة أعمالهم ، بفضله ومنته ثم قال : ( كل امرئ بما كسب رهين ) [ الطور : 21 ] ، أي : من شر .
وقوله : ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) أي : اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه ، فستعرضون ونعرض عليه ، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم ، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا ، كما قال تعالى : ( قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ) [ سبأ : 25 ، 26 ] .
القول في تأويل قوله : قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان, الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان =(أغير الله أبغي ربًّا)، يقول: أسوى الله أطلب سيدًا يسودني ؟
(82) =(وهو رب كل شيء)، يقول: وهو سيد كل شيء دونه ومدبّره ومصلحه (83) =(ولا تكسب كل نفس إلا عليها)، يقول: ولا تجترح نفس إثمًا إلا عليها، أي: لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى، وركبت من الخطيئة، سواها, بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه (84) =(ولا تزر وازرة وزر أخرى)، يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها, ولكنها تأثم بإثمها، وعليه تعاقب، دون إثم أخرى غيرها .
وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم.
يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم, وعليكم عقوبة إجرامكم, ولنا جزاء أعمالنا .
وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن يقول لهم: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [سورة الكافرون:6]، وذلك كما:- 14307- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: كان في ذلك الزمان، لا مخرج للعلماء العابدين إلا إحدى خَلَّتين: إحداهما أفضل من صاحبتها.
إمَّا أمرٌ ودعاء إلى الحق, أو الاعتزال = فلا تشارك أهل الباطل في عملهم, وتؤدي الفرائض فيما بينك وبين ربك, وتحبّ لله وتبغض لله, ولا تشارك أحدًا في إثم .
قال: وقد أنـزل في ذلك آية محكمة: (قل أغير الله أبغي ربًا وهو رب كل شيء)، إلى قوله: فِيهِ تَخْتَلِفُونَ , وفي ذلك قال: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [سورة البينة: 4].
* * * يقال من " الوزر "" وزَر يَزِر "," و وزَرَ يَوْزَر ", و " وُزِرَ يُؤزر، فهو موزور ".
(85) * * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان: كل عامل منا ومنكم فله ثواب عمله، وعليه وزره, فاعملوا ما أنتم عاملوه -(ثم إلى ربكم)، أيها الناس =(مرجعكم)، يقول: ثم إليه مصيركم ومنقلبكم (86) =(فينبئكم بما كنتم فيه)، في الدنيا,(تختلفون) من الأديان والملل, (87) إذ كان بعضكم يدين باليهودية, وبعضٌ بالنصرانية, وبعض بالمجوسية, وبعض بعبادة الأصنام وادِّعاء الشركاء مع الله والأنداد, ثم يجازي جميعَكم بما كان يعمل في الدنيا من خير أو شر, فتعلموا حينئذ من المحسنُ منَّا والمسيء .
------------------- الهوامش : (82) انظر تفسير (( بغي )) فيما سلف 11 : 337 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(83) انظر تفسير (( الرب )) فيما سلف 1 : 142 .
(84) انظر تفسير (( كسب )) فيما سلف صلى الله عليه وسلم : 266 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(85) في المطبوعة : (( وزر يوزر فهو وزير ، ووزر يوزر فهو موزور )) ، غير ما في المخطوطة ، وحذف وزاد من عند نفسه ، وعذره في ذلك سوء كتابة ناسخ المخطوطة ، وصواب قراءة ما فيها ما أثبت .
وهو المطابق لنص كتب اللغة .
(86) انظر تفسير (( المرجع )) فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(87) انظر تفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 274 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفونقوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء أي مالكه .
روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا ، واعبد آلهتنا ، واترك ما أنت عليه ، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك ; فنزلت الآية .
وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ .
و غير نصب ب أبغي و ربا تمييز .قوله تعالى ولا تكسب كل نفس إلا عليها فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك ; إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها ; أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية ، وركبت من الخطيئة سواها .الثانية : وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح ، وهو قول الشافعي .
وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا ، بدليل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى على ما يأتي .
وبيع الفضولي عندنا [ ص: 142 ] موقوف على إجازة المالك ، فإن أجازه جاز .
هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره ، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم ; وبه قال أبو حنيفة .
وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال : أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار ، فجئت أسوقهما - أو قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار ، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار ، فقلت : يا رسول الله ، هذه الشاة وهذا ديناركم .
قال : كيف صنعت ؟
فحدثته الحديث .
قال : اللهم بارك له في صفقة يمينه .
قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي لفظ الدارقطني .
قال أبو عمر : وهو حديث جيد ، وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع .
وفيه دليل على جواز الوكالة ، ولا خلاف فيها بين العلماء .
فإذا قال الموكل لوكيله : اشتر كذا ; فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا ؟
.
كرجل قال لرجل : اشتر بهذا الدرهم رطل لحم ، صفته كذا ; فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم .
فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها ; لأنه محسن .
وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن .
وقال أبو حنيفة : الزيادة للمشتري .
وهذا الحديث حجة عليه .قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى ، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها ، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها .
وأصل الوزر الثقل ; ومنه قوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك .
وهو هنا الذنب ; كما قال تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم .
وقد تقدم .
قال الأخفش : يقال وزر يوزر ، ووزر يزر ، ووزر يوزر وزرا .
ويجوز إزرا ، كما يقال : إسادة .
والآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم ; ذكره ابن عباس .
وقيل : إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه .قلت : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة ، وكذلك التي قبلها ; فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض ، لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين ، كما تقدم في [ ص: 143 ] حديث أبي بكر في قوله تعالى : عليكم أنفسكم .
وقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .وقالت زينب بنت جحش يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟
قال : نعم إذا كثر الخبث .
قال العلماء : معناه أولاد الزنى .
والخبث " بفتح الباء " اسم للزنى .
فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء .
وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك ; فدل على ما قلناه .
وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا ، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو ، وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها .
وروى أبو داود عن أبي رمثة قال انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي : ابنك هذا ؟
قال : أي ورب الكعبة .
قال : حقا .
قال : أشهد به .
قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي ، ومن حلف أبي علي .
ثم قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه .
وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تزر وازرة وزر أخرى .
ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ; فإن هذا مبين في الآية الأخرى ، قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم .
فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
{ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ } من المخلوقين { أَبْغِي رَبًّا } أي: يحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره، مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟\".
فتعين علي وعلى غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين.
ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } من خير وشر { إِلَّا عَلَيْهَا } كما قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } بل كل عليه وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء.
{ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من خير وشر، ويجازيكم على ذلك، أوفى الجزاء.
( قل أغير الله أبغي ربا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : سيدا وإلها ( وهو رب كل شيء ) وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ارجع إلى ديننا .
قال ابن عباس : كان الوليد بن المغيرة يقول : اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم ، فقال الله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) لا تجني كل نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني ، ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل نفس حمل أخرى ، أي : لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ، ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )
«قل أغير الله أبغي ربّا» إلها أي لا أطلب غيره «وهو ربُّ» مالك «كل شيء ولا تكسب كل نفس» ذنبا «إلا عليها ولا تزر» تحمل نفس «وازرة» آثمة «وزر» نفس «أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون».
قل -أيها الرسول-: أغير الله أطلب إلها، وهو خالق كل شيء ومالكه ومدبره؟
ولا يعمل أي إنسان عملا سيئا إلا كان إثمه عليه، ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم معادكم يوم القيامة، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر الدين.
ثم قال لهم للمرة الثالثة على سبيل التعجب من حالهم ، والاستنكار لواقعهم : { أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً } أى : أغير الله - تعالى - تريدوننى أن أطلب رباً فأشركه فى عبادته ، والحال والشأن أنه - سبحانه - هو رب كل شىء ومليكه ، وهو الخالق لكل شىء .فجملة { وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } حال فى موضع العلة لإنكار ما هم عليه من ضلال .ثم بين - سبحانه - أن كل إنسان مجازى بعمله فقال : { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } أى : لا تجترح نفس إثما إلا عليها من حيث عقابه .
فلا يؤاخذ سواها به ، وكل مرتكب لإثم فهو وحده المعاقب به .{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أى : ولا تحمل نفس مذنبة ولا غير مذنبة ذنب نفس أخرى ، وإنما تتحمل الآثمة وحدها عقوبة إثمها الذى ارتكبته بالمباشرة أو بالتسبب .قال القرطبى : واصل الوزر الثقل ، ومنه قوله تعالى ( وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ) وهو هنا الذنب كما فى قوله تعالى{ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ } ثم بين - سبحانه - نهايتهم فقال : { ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } أى : رجوعكم بعد الموت يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } بتمييز الحق من الباطل ، ومجازاة كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر على حسب علمه .
اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض، وهو أن يقول: ﴿ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ شَرِيكَ لَهُ ﴾ أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد، وتقريره من وجهين: الأول: أن أصناف المشركين أربعة، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون: بيزدان، وأهرمن وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن ﴾ أشركوا بالله والقائلون: بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته، أشركوا أيضاً بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض، ولكل ما في العالم من الموجودات، وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها.
وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها.
وأما القائلون بيزدان، وهرمن فهم أيضاً معترفون بأن الشيطان محدث، وأن محدثه هو الله سبحانه.
وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء.
إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا ﴾ مع أن هؤلاء الذين اتخذوا رباً غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكاً للرب وجعل العبد شريكاً للمولى، وجعل المخلوق شريكاً للخالق؟
ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد، ودين باطل.
الوجه الثاني: في تقرير هذا الكلام أن الموجود، إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته وثبت أن الواجب لذاته واحد، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته، وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى رباً لكل شيء.
وإذا ثبت هذا فنقول: صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكاً للرب وجعل المخلوق شريكاً للخالق فهذا هو المراد من قوله: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَيء ﴾ ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب، فقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه، لا على غيره ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى، فهو قوله: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا ﴾ جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم، والهمزة للإنكار، أي منكر أن أبغي رباً غيره ﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَيْء ﴾ فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره، كما قال: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ [الزمر: 64] ، ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ جواب عن قولهم: ﴿ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم ﴾ [العنكبوت: 12] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ فَأُشْرِكُهُ في عِبادَتِي وهو جَوابٌ عَنْ دُعائِهِمْ لَهُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ.
﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ حالٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْإنْكارِ والدَّلِيلِ لَهُ أيْ وكُلُّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ مِثْلِي لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ.
﴿ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ فَلا يَنْفَعُنِي في ابْتِغاءِ رَبٍّ غَيْرِهِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ.
ولا ﴿ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ: ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ ﴾ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ بِتَبْيِينِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ.
<div class="verse-tafsir"
{قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً} جواب عن دعائهم له على عبادة آلهتهم والهمزة للإنكار أي منكر أن أطلب رباً غيره وتقديم المفعول للإشعار بأنه أهم {وهو رب كل شيء}
الأنعام ١٥٨ ١٥٩ وكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} جواب عن قولهم اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} أي لا تؤخذ نفس آثمة
بذنب نفس أخرى {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من الأديان التي فرقتموها
﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ إنْكارٌ لِبُغْيَةِ غَيْرِهِ تَعالى رَبًّا لا لِبُغْيَةِ الرَّبِّ ولِهَذا قُدِّمَ المَفْعُولُ ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ إذِ المَقْصُودُ أغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ رَبًّا وأجْعَلُهُ شَرِيكًا لَهُ وعَلى تَقْدِيرِ الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إشْراكًا لِلْغَيْرِ بَلْ تَوْحِيدٌ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالُ التَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ وذَكَرَ في رَدِّ دَعْوَتِهِ إلى الغَيْرِ رَدَّ الِاخْتِصاصِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إشْراكَ الغَيْرِ بُغْيَةُ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذْ لا بُغْيَةَ لَهُ سُبْحانَهُ إلّا بِتَوْحِيدِهِ عَزَّ وجَلَّ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ مِن أغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ ونَحْوِهِ كَما لا يَخْفى ﴿ وهُوَ ﴾ سُبْحانُهُ ﴿ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ أيْ والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ ﴿ ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ يُرْوى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَ ذُكِرَ أيْ أنَّ ما كَسَبَتْهُ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ الخَطايا مَحْمُولٌ عَلَيْها لا عَلى غَيْرِها حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ أيْ نَفْسٌ آثِمَةٌ ﴿ وِزْرَ أُخْرى ﴾ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم والثّانِي اتَّبِعُوا لِنَحْمِلَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَكْسِبُ ﴾ ..
إلَخْ.
رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَزِرُ ﴾ ..
إلَخْ.
رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي وقِيلَ: إنَّ جَوابَ قَوْلِهِمْ هو الثّانِي وإنَّ الأوَّلَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ عَنْ دَعْواهم إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ يَعْنِي لَوْ أجَبْتُكم إلى ما دَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أكُنْ مَعْذُورًا بِأنَّكم سَبَقْتُمُونِي إلَيْهِ وقَدْ فَعَلْتُهُ مُتابَعَةً لَكم ومُطاوَعَةً فَلا يُفِيدُنِي ذَلِكَ شَيْئًا ولا يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ كَسْبَ كُلِّ أحَدٍ وعَمَلَهُ عَلَيْهِ ورَجَّحَهُ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ بِأنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ أيْ إلى مالِكِ أمْرِكم رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ (164) بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ وتَمْيِيزِ الحَيِّ مِنَ اللَّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا يعني: يقول أعبد وأطلب رباً غيره وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ من خلقه في السموات والأرض، لأنهم كانوا يقولون له: نحن كفلاء لك بما يصيبك ومن تابعك.
فنزلت وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها يعني: إلا لها أو عليها إن كان خيراً فلها وإن كان شراً فعليها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ أي مصيركم في الآخرة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الدين، ويبيّن لكم الحق من الباطل بالمعاينة.
ثم قال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يعني: سكان الأرض من بعد إهلاك الأمم الخالية، لأن النبي خاتم النبيين، وأمته قد خلفوا جميع الأمم.
ويقال: خلائف يعني: يخلف بعضكم بعضاً وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ أي فضل بعضكم على بعض في المال والرزق لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ يعني: ليبتلي الموسر بالغِنَى ويطلب منه الشكر، ويبتلي المُعْسِر بالفاقة ويطلب منه الصبر.
ويقال: لِيَبْلُوَكُمْ يعني: بعضكم ببعض كما قال الله تعالى: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً [الفرقان: 20] .
ثم خوّفه فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ كأنه جاء لأن ما هو آتٍ فهو قريب، كما قال: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [القمر: 50] وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: لمن أطاعه في فاقة أو غِنى.
ويقال: سَرِيعُ الْعِقابِ لمن لم يشكر نعمته وكان مصراً على ذلك.
إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن رجع وتاب رَحِيمٌ بعد التوبة.
ويقال: سَرِيعُ الْعِقابِ لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من فضل الله وترك حق الله في ذلك وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ بعد التوبة.
قال الفقيه قال: حدثنا أبو الحسن بن حمدان بإسناده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله : «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلَف مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ» قال.
وقال رسول الله : «مَنْ قَرَأ سُورَةَ الأنْعَامِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولئكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ في سُورَةِ الأنْعَامِ يَوْماً وَلَيْلَةً» .
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
وقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ...
الآية: أمر من اللَّه عزَّ وجلَّ لنبيِّه- عليه السلام- أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته- إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته «١» بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: وَبِذلِكَ أُمِرْتُ على هذا التأويل- راجعاً إلى قوله: لاَ شَرِيكَ لَهُ فقطْ، أو راجعاً إلى القول وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ في هذه الآية: الذبائح.
قال ع «٢» : ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع:
«وَمَحْيَايَ» - بفتح الياء-، وقرأ نافع «٣» وحده: «وَمَحْيَايْ» - بسكون/ الياء-، قال أبو حَيَّان «٤» : وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة.
انتهى، وقوله: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، أي: من هذه الأمة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ...
الآية: حكى
النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ارجع يا محمَّد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية «١» ، وهي استفهام يقتضي التوبيخَ لهم، وأَبْغِي: معناه أَطْلُبْ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، وَلا تَزِرُ، أي: تحملُ وازِرَةٌ، أي: حاملةٌ حمل أخرى وثقلها، و «الوِزْر» : أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم تجوُّزاً واستعارة، ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ: تهديد ووعيد، وقوله: فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، وخَلائِفَ:
جمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضاً لأن مَنْ أتى خليفةٌ لِمَنْ مضى، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحسن في أمة نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ، ويروى: «أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» .
وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد تخويفاً منه وترجيةً، فقال: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة ب «سريع» لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو اقتران الوعيد بالوعدِ لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم اجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الولي العارف أبي الحسن الشاذلي (رحمه اللَّه) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، ربّ إني ظلمت
نفسي ظُلْماً كثيراً، فاغفر لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين.
انتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخراً ونوراً يسعى بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسلما/.
انتهى هذا الجزء مصحّحا بالمقابلة على خط مؤلفه شكر الله سعيه، وقدّس سرّه ويليه الجزء الثالث وأوله سورة الأعراف ولله الحمد والمنة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لَلنَّبِيِّ : ارْجِعْ عَنْ هَذا الأمْرِ، ونَحْنُ لَكَ الكُفَلاءُ بِما أصابَكَ مِن تَبِعَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ أيْ: لا يُؤْخَذُ سِواها بِعَمَلِها.
وقِيلَ: المَعْنى: إلّا عَلَيْها عِقابُ مَعْصِيَتِها، ولَها ثَوابُ طاعَتِها.
﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ آَثِمَةٌ بِإثْمِ أُخْرى.
والمَعْنى: لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ولَمّا ادَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ أنَّهم أوْلى بِاللَّهِ مِن غَيْرِهِمْ، عَرَّفَهم أنَّهُ الحاكِمُ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ونَظِيرُهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلِّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حَكى النَقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اِرْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا؛ واعْبُدْ آلِهَتَنا؛ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ؛ وآخِرَتِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وهي اسْتِفْهامٌ يَقْتَضِي التَقْرِيرَ؛ والتَوْقِيفَ؛ والتَوْبِيخَ؛ و"أبْغِي"؛ مَعْناهُ: أطْلُبُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَيَحْسُنُ عِنْدَكم أنْ أطْلُبَ إلَهًا غَيْرَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟
وما ذَكَرْتُمْ مِن كَفالَتِكم لا يَتِمُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَظُنُّونَهُ؛ وإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الشَرِّ والإثْمِ عَلَيْها وحْدَها؛ "وَلا تَزِرُ"؛ أيْ: لا تَحْمِلُ؛ "وازِرَةٌ"؛ أيْ: حامِلَةُ؛ حِمْلَ أُخْرى؛ وثِقْلَها؛ والوِزْرُ أصْلُهُ الثِقْلُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإثْمِ؛ لِأنَّهُ يُنْقِضُ الظَهْرَ؛ تَجَوُّزًا واسْتِعارَةً؛ يُقالُ مِنهُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ يَزِرُ؛ فَهو وازِرٌ"؛ و" وزِرَ ؛ يَوْزَرُ؛ فَهو مَوْزُورٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ "فَيُنَبِّئُكُمْ"؛ أيْ: فَيُعْلِمُكم أنَّ العِقابَ عَلى الِاعْوِجاجِ تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الحَقِّ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ؛ يُرِيدُ - عَلى ما حَكى بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -: "مِن أمْرِي؛ في قَوْلِ بَعْضِكُمْ: "هُوَ ساحِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "هُوَ شاعِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِفْتَراهُ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِكْتَتَبَهُ"؛ ونَحْوَ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْسُنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ الِاخْتِلافاتِ؛ مِنَ الأدْيانِ؛ والمِلَلِ؛ والمَذاهِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَ"خَلائِفَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفَةٌ"؛ أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وسائِرِ أصْنافِ الناسِ؛ لِأنَّ مَن أتى خَلِيفَةٌ لِمَن مَضى؛ ولَكِنَّهُ يَحْسُنُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَمّى أهْلُها - بِجُمْلَتِهِمْ - خَلائِفَ لِلْأُمَمِ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَخْلُفُهُمْ؛ إذْ هم آخِرُ الأُمَمِ؛ وعَلَيْهِمْ قِيامُ الساعَةِ.
ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "تُوَفَّوْنَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ"؛ ويُرْوى: "أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ".» وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ"؛ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في المالِ؛ والقُوَّةِ؛ والجاهِ؛ وجَوْدَةِ النُفُوسِ؛ والأذْهانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ فَيَرى المُحْسِنَ مِنَ المُسِيءِ.
ولَمّا أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذا؛ فَفَسَحَ لِلنّاسِ مَيْدانَ العَمَلِ؛ وحَضَّهم عَلى الِاسْتِباقِ إلى الخَيْرِ؛ تَوَعَّدَ؛ ووَعَدَ؛ تَخْوِيفًا مِنهُ تَعالى وتَرْجِيَةً؛ فَقالَ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ ﴾ ؛ وسُرْعَةُ عِقابِهِ إمّا بِأخْذاتِهِ في الدُنْيا؛ وإمّا بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ وحَسُنَ أنْ يُوصَفَ عِقابُ الآخِرَةِ بِـ "سَرِيعُ"؛ لَمّا كانَ مُتَحَقَّقًا؛ مَضْمُونَ الإتْيانِ؛ والوُقُوعِ؛ فَكُلُّ آتٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالقُرْبِ؛ ويُوصَفُ بِهِ؛ و ﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ؛ تَرْجِيَةٌ لِمَن أذْنَبَ وأرادَ التَوْبَةَ؛ وهَذا في كِتابِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - كَثِيرٌ؛ اقْتِرانُ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ؛ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِعِبادِهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي؛ ونِعْمَ الوَكِيلُ
﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَئ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ .
استئناف ثالث، مفتتح بالأمر بالقول، يتنزّل منزلة النّتيجة لما قبله، لأنَّه لمَّا عُلم أنّ الله هداه إلى صراط مستقيم، وأنقذه من الشّرك، وأمره بأن يمحّض عبادته وطاعته لربّه تعالى، شكراً على الهداية، أتبع ذلك بأن يُنكر أنْ يَعْبُد غير الله تعالى لأنّ واهب النّعم هو مستحقّ الشّكر، والعبادةُ جماع مراتب الشّكر، وفي هذا رجوع إلى بيان ضلالهم إذ عَبدوا غيره وإعادة الأمر بالقول تقدّم بيان وجهه.
والاستفهام إنكار عليهم لأنَّهم يرغبون أن يعترف بربوبية أصنامهم، وقد حاولوا منه ذلك غير مرّة سواء كانوا حاولوا ذلك منه بقرب نزول هذه الآية أم لم يحاولوه، فهم دائمون على الرّغبة في موافقتهم على دينهم، حكى ابن عطيّة عن النقّاش أنّ الكفّار قالوا للنّبي صلى الله عليه وسلم «ارجِعْ إلى ديننا واعْبُدْ آلهتنا ونحن نتكفّل لك بكلّ تباعة تتوقَّعها في دنياك وآخرتك» وأنّ هذه الآية نزلت في ذلك.
وقدّم المفعول على فعله لأنَّه المقصود من الاستفهام الإنكاري، لأنّ محلّ الإنكار هو أن يكون غير الله يُبتغى له ربّاً، ولأنّ ذلك هو المقصود من الجواب إذا صحّ أنّ المشركين دعوا النّبي صلى الله عليه وسلم لعبادة آلهتهم فيكون تقديمه على الفعل للاهتمام لموجِب أو لموجِبَيْن، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل أغير الله أتخذ وليا ﴾ في هذه السّورة (14).
وجملة: وهو رب كل شيء } في موضع الحال، وهو حال معلّل للإنكار، أي أنّ الله خالق كلّ شيء وذلك باعترافهم، لأنَّهم لا يدّعون أنّ الأصنام خالقة لشيء، كما قال تعالى: ﴿ لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ﴾ [الحج: 73] فلمّا كان الله خالق كلّ شيء وربَّه فلا حقّ لغيره في أن يعبده الخلائق، وعبادة غيره ظلم عظيم، وكفر بنعمة الربوبيّة، وبقطع النَّظر عن كون الخلق نعمة، لأنّ الخلق إيجاد والوجود أفضل من العدم، فإنّ مجرد الخلق موجب للعبادة لأجل العبوديّة.
وإنَّما قيل: ﴿ وهو رب كل شسء ﴾ ، ولم يقل: وهو ربّي، لإثبات أنّه ربّه بطريق الاستدلال لكونه إثباتَ حكم عام يشمل المقصودَ الخاصّ، ولإفادة أنّ أربابهم غير حقيقة بالربوبيّة لأنَّها مربوبة أيضاً لله تعالى.
وقوله: ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ من القول بالمأمور به، مفيد متاركةً للمشركين ومَقتاً لهم بأنّ عنادهم لا يَضرّه، فإنّ ما اقترفوه من الشّرك لا يناله منه شيء فإنَّما كسب كلّ نفس عليها، وهم من جملة الأنفس فكسبهم عليهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم.
فالتّعميم في الحكم الواقع في قوله: ﴿ كل شيء ﴾ فائدته مثل فائدة التّعميم الواقع في قوله: ﴿ وهو رب كل شيء ﴾ .
ودلّت كلمة (على) على أنّ مفعول الكسب المحذوف تقديره: شرّاً، أو إثماً، أو نحو ذلك، لأنّ شأن المخاطبين هو اكتساب الشرّ والإثم كقوله: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ [الأنعام: 52] ولك أن تجعل في الكلام احتباكاً تقديره: ولا تكسب كلّ نفس إلاّ لها ولا تكتسب إلا عليها فحذف من الأول لدلالة الثّاني وبالعكس إذا جربت على أن (كسب) يغلب في تحصيل الخير، وأنّ (اكتسب) يغلب في تحصيل الشرّ، سواء اجتمع الفعلان أم لم يجتمعا.
ولا أحسب بين الفعلين فرقا، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286].
والمعنى: أنّ ما يكتسبه المرء أو يكسبه لا يتعدى منه شيء إلى غيره.
وقوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ تكملة لمعنى قوله: ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ فكما أنّ ما تكسبه نفس لا يتعدّى منه شيء إلى غيرها، كذلك لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، والمعنى: ولا أحمل أوزاركم.
فقوله: ﴿ وازرة ﴾ صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس، دلّ عليه قوله: ﴿ ولا تكسب كل مفس إلا عليها ﴾ ، أي لا تحمل نفس حاملة حِمْل أخرى.
والوزر: الحِمل، وهو ما يحمله المرء على ظهره، قال تعالى: ﴿ ولكنّا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم ﴾ [طه: 87]، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ﴾ [الأنعام: 31].
وأمَّا تسمية الإثم وزراً فلأنَّه يتخيّل ثقيلاً على نفس المؤمن.
فمعنى ﴿ لا تزر وازرة ﴾ لا تحمل حاملة، أي لا تحمل نفس حين تحمل حمل أي نفس أخرى غيرها، فالمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئاً تحمله عنها، أي كلّ نفس تزر وزر نفسها، فيفيد أنّ وزر كلّ أحد عليه وأنَّه لا يحمل غيرُه عنه شيئاً من وزره الذي وزَره وأنَّه لا تَبعة على أحد من وزر غيره من قريب أو صديق، فلا تغني نفس عن نفس شيئاً، ولا تُتَّبع نفس بإثم غيرها، فهي إن حَمَلت لا تحمل حِمل غيرها.
وهذا إتمام لمعنى المتاركة.
﴿ ثمّ ﴾ للتّرتيب الرّتبي.
وهذا الكلام يحتمل أن يكون من جملة القول المأمور به فيكون تعقيباً للمتاركة بما فيه تهديدهم ووعيدهم، فكان موقع ﴿ ثمّ ﴾ لأنّ هذا الخبر أهمّ.
فالخطاب في قوله: ﴿ إلى ربكم مرجعكم ﴾ خطاب للمشركين وكذلك الضّميران في قوله: ﴿ بما كنتم فيه تختلفون ﴾ والمعنى: بما كنتم فيه تختلفون مع المسلمين، لأنّ الاختلاف واقع بينهم وبين المسلمين، وليس بين المشركين في أنفسهم اختلاف.
فأدمج الوعيد بالوعيد.
وقد جعلوا هذه الجملة مع التي قبلها آية واحدة في المصاحف.
ويحتمل أن يكون المقول قد انتهى عند قوله: ﴿ وزر أخرى ﴾ فيكون قوله: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ استئناف كلام من الله تعالى خطاباً للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمعاندين له.
و(ثُمّ) صالحة للاستئناف لأنّ الإستئناف ملائم للتّرتيب الرّتبي، والكلام وعيد ووعد أيضاً.
ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي قبلها آية واحدة.
والتّنبئة: الإخبار، والمراد بها إظهار آثار الإيمان والكفر واضحة يوم الحساب، فيعلموا أنَّهم كانوا ضالّين، فشبّه ذلك العلم بأنّ الله أخبرهم بذلك يومئذ وإلاّ فإنّ الله نبأهم بما اختلفوا فيه من زمَن الحياة الدّنيا، أو المراد ينبّئكم مباشرة بدون واسطة الرّسل إنباء لا يستطيع الكافر أن يقول: هذا كذب على الله، كما ورد في حديث الحَشر: «فيُسمعهم الدّاعي ليس بينهم وبين الله حِجاب».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وسَبَبُ [نُزُولِ] ذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ إلى مِلَّةِ آبائِهِ في عِبادَةِ اللّاتِ والعُزّى، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنْ كانَ وِزْرًا فَهو عَلَيْنا دُونَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ.
﴿ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ﴾ يَعْنِي إلّا عَلَيْها عِقابُ مَعْصِيَتِها ولَها ثَوابُ طاعَتِها.
﴿ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ أيْ لا يَتَحَمَّلُ أحَدٌ ذَنْبَ غَيْرِهِ فَيَأْثَمُ بِهِ ويُعاقَبُ عَلَيْهِ، ولا يَحْمِلُ ذَنْبَهُ غَيْرَهُ، فَيَبْرَأُ مِنهُ ويَسْلَمُ مِن عِقابِهِ.
وَفي أصْلِ الوِزْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلُهُ الثِّقَلُ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴾ ﴿ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ ومِنهُ سُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ لِتَحَمُّلِهِ الثِّقَلَ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ المَلْجَأُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ ومِنهُ سُمِّيَ وزِيرُ المَلِكِ لِأنَّهُ يُلْجَأُ إلَيْهِ في الأُمُورِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا ترز وازرة وزر أخرى ﴾ قال: لا يؤخذ أحد بذنب غيره.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء، لا تزر وازرة وزر أخرى» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مليكة قال: توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة، فسمع ابن عمر بكاء فقال: ألا تنهي هؤلاء عن البكاء، فإن رسول الله صلى عليه وسلم قال: «إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه» فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فقالت: والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولأمتهم ولكن السمع يخطئ، وفي القرآن ما يكفيكم ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عروة قال: سئلت عائشة عن ولد الزنا فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء، وقرأت ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: ولد الزنا خير الثلاثة، إنما هذا شيء قاله كعب هو شر الثلاثة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ قال: لا يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذه إلا بعمله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾ [قال ابن عباس: (يريد سيدًا وإلها وهو سيد كل أحد) (١) ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ﴾ ]، (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ﴾ أي: لا تجني نفس [ذنبًا] (٥) ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [ذكرنا معنى الوزر (٦) ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الوليد بن المغيرة، وكان يقول: اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم فقيل: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ )] (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: إنك يا محمد تخاصمهم عندي يوم القيامة بما كذبوك) (١٠) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 153، والبغوي في "تفسيره" 3/ 212.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 600، والطبري 8/ 113.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 311.
(٥) لفظ: (ذنبًا) ساقط من (ش).
(٦) انظر: "البسيط".
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(٨) لفظ: (كل) ساقط من (أ).
(٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 153 - 154، والبغوي في "تفسيره" 3/ 212، == والقرطبي 7/ 157، و"الخازن" 2/ 208، وقال السيوطي في "الدر" 3/ 123: (أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: (لا يؤخذ أحد بذنب غيره).
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 312.
(١٠) لم أقف عليه.
وانظر: "تنوير المقباس" 2/ 79.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً ﴾ تقرير وتوبيخ للكفار، وسببها أنهم دعوه إلى عبادة آلهتهم ﴿ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ برهان على التوحيد ونفي الربوبية عن غير الله ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ رد على الكفار لأنهم قالوا له: أعبدْ آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت هذه الآية: أي ليس كما قلتم، وإنما كسب كل نفس عليها خاصة ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ ألا يحمل أحد ذنوب أحد، وأصل الوزر الثقل، ثم استعمل في الذنوب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تذكرون ﴾ بتخفيف الذال حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد فحذفوا إحدى التاءين.
الباقون: بالتشديد لأجل إدغام تاء التفعل في الذال ﴿ وأن هذا ﴾ بسكون النون.
ابن عامر ويعقوب ﴿ وإن هذا ﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون: حمزة وعلي وخلف، الباقون: ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ صراطي ﴾ بفتح الياء: ابن عامر والأعشى والبرجمي ﴿ فتفرق ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ أن يأتيهم ﴾ بالياء التحتانية وكذلك في النحل: علي وحمزة وخلف.
الباقون: بالتاء الفوقانية.
﴿ فارقوا ﴾ وكذلك في الروم: حمزة وعلي الباقون ﴿ فرقوا ﴾ بالتشديد ﴿ عشر ﴾ بالتنوين ﴿ أمثالها ﴾ بالرفع: يعقوب.
الباقون بالإضافة ﴿ ربي إلي ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع، ﴿ قيماً ﴾ بكسر القاف وفتح الياء: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل.
الباقون: بالعكس مع تشديد الباء.
﴿ محياي ﴾ بالسكون ﴿ مماتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
الباقون: بالعكس.
﴿ وأنا أوّل ﴾ بالمد: نافع وأبو جعفر.
الوقوف: ﴿ شيئاً ﴾ ط للحذف أي وأحسنوا بالوالدين ﴿ إحساناً ﴾ ج لابتداء النهي مع احتمال العطف أي وأن لا تقتلوا، ﴿ من إملاق ﴾ ط.
﴿ وإياهم ﴾ ج للعطف مع العارض.
﴿ وما بطن ﴾ ط للفصل بين الحكمين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالحق ﴾ ط لانتهاء بيان الأحكام إلى توكيد الإيصاء للأحكام ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ أشده ﴾ ج للفصل بين الحكمين ﴿ بالقسط ﴾ ط لاحتمال ما بعده الحال أو الاستئناف ﴿ ذا قربى ﴾ ج لتناهي جواب "إذا" وتقدّم مفعول ﴿ أوفوا ﴾ ﴿ تذكرون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ وإن هذا ﴾ بالكسر.
﴿ فاتبعوه ﴾ ج للفصل بين النقيضين معنى مع الاتفاق نظماً.
﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه لا لأن التقدير فاتبعوه لئلا تقولوا ﴿ من قبلنا ﴾ ص.
﴿ لغافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ أهدى منهم ﴾ ج للفاء مع أن "قد" لتوكيد الابتداء.
﴿ ورحمة ﴾ ج للاستفهام مع الفاء ﴿ وصدف عنها ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ بعض آيات ربك ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ط ﴿ منتظرون ﴾ ه ﴿ في شيء ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ أمثالها ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ج لاحتمال أن ﴿ دينا ﴾ نصب على البدل من محل ﴿ إلى صراط ﴾ أو على الإغراء أي الزموا.
﴿ حنيفاً ﴾ ج لابتداء النفي مع اتحاد المعنى ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه لا.
﴿ لا شريك له ﴾ ج ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الإخبار ﴿ إلا عليها ﴾ ج لتفصيل الأمرين على التهويل مع اتفاق الجملتين ﴿ أخرى ﴾ ج لأنّ "ثم" لترتيب الإخبار مع اتحاد المقصود ﴿ تختلفون ﴾ ه ﴿ آتاكم ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ز للتفصيل بين تحذير وتبشير والوصل للعطف أوضح ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد ما يقوله الكفار في باب التحليل والتحريم أتبعه البيان الشافي في الباب فقال: ﴿ قل تعالوا ﴾ وهو من الخاص الذي صار عاماً لأن أصله أن يقوله من كان في مكان عالٍ لمن هو أسفل منه.
و "ما" في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ إما منصوب بفعل التلاوة أي أتل الذي حرمه ربكم فالعائد محذوف.
وقوله: ﴿ عليكم ﴾ يكون متعلقاً بـ ﴿ أتل ﴾ أوبـ ﴿ حرم ﴾ وإما منصوب بـ ﴿ حرم ﴾ على أن "ما" استفهامية فلا راجع.
والمعنى أقل أي شيء حرم لأن التلاوة نوع من القول وتقديم المفعول للتخصيص.
فإن قيل: قوله ﴿ أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ﴾ كالتفصيل لما أجمله في قوله: ﴿ ما حرم ﴾ فيلزم أن يكون ترك الشرك والإحسان إلى الوالدين محرماً.
فالجواب أن المراد من التحريم البيان المضبوط، أو الكلام تم عند قوله: ﴿ ما حرم ربكم ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ عليكم أن لا تشركوا ﴾ أو "أن" مفسرة أي ذلك التحريم هو قوله: ﴿ لا تشركوا ﴾ وهذا في النواهي واضح، وأما الأوامر فيعلم بالقرينة أن التحريم راجع إلى أضدادها وهي الإساءة إلى الوالدين وبخس الكيل والميزان وترك العدل في القول ونكث عهد الله.
ولا يجوز أن يجعل "أن" ناصبة وإلا لزم عطف الطلب أعني الامر على الخبر.
واعلم أنه بيّن فرق المشركين في هذه السورة أحسن بيان، وذلك أن منهم من يجعل الأصنام شركاء لله فأشار إليهم بقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ ومنهم عبدة الكواكب الذين أبطل قولهم بقوله: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ ومنهم القائلون بيزدان واهرمن ومنهم الذين يقولون الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وزيف معتقدهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم ﴾ ثم عمم النهي بقوله: ﴿ لا تشكروا به شيئاً ﴾ ثم حث على إحسان الوالدين وكفى به خصلة شريفة أن جعله تالياً لتوحيده.
ثم أوجب رعاية حقوق الأولاد بعد رعاية حقوق الوالدين.
ومعنى ﴿ من إملاق ﴾ أي من خوف الفقر كما صرح بذلك في الآية الأخرى ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ كانوا يدفنون البنات أحياء بعضهم للغيرة وبعضهم لخوف الإملاق وهو السبب الغالب فلذلك أزيل الوهم بقوله: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ فكما يجب على الوالد الاتكال في رزق نفسه على الله فكذا القول في حال الولد، قال شمر: أملق لازم ومعتد.
أملق الرجل إذا افتقر، وأملق الدهر ما عنده إذا أفسده.
وإنما قال ههنا: ﴿ نحن نرزقكم وإياهم ﴾ وقال في بالعكس لأن التقدير في الآية من إملاق بكم نحن نرزقكم وإياهم، وهناك زيدت الخشية التي تتعلق بالمستقبل فالتقدير خشية إملاق يقع بهم نحن نزرقهم وإياكم، ثم نهى عن قربان الفواحش كلها.
ومعنى ما ظهر منها وما بطن كما مر في قوله: ﴿ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ﴾ وفيه أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وامتثال أمره ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس.
ثم أفرز من جملة الفواحش قتل النفس المحرمة تنبيهاً على فظاعتها ولما نيط بها من الاستثناء وهو قوله ﴿ إلا بالحق ﴾ وذلك أن قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم صدر عنها كما جاء في الحديث " لا يحل دم امرىءٍ مسلم إلا لإحدى ثلاث كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق" وينخرط في سلكه جزاء قاطع الطريق.
والحاصل أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا لأمر منفصل.
ثم لما بيّن النواهي الخمسة أتبعه الكلام الذي يقرب إلى القلوب القبول فقال: ﴿ ذلكم وصاكم ﴾ لما في لفظ التوصية من الرأفة والاستعطاف.
ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا.
ثم ذكر أربعة أنواع أخر من التكاليف وذلك قوله: ﴿ ولا تقربوا مال اليتم إلا بالتي ﴾ أي بالخصلة أو الطريقة التي ﴿ هي أحسن ﴾ وهي السعي في تثميره وإنمائه ورعاية وجوه الغبطة لأجله كما مر في أول سورة النساء ﴿ حتى يبلغ أشده ﴾ أي احفظوا ماله إلى هذه الغاية أي أوان الاحتلام ولكن بشرط أن يؤنس منه الرشد.
قال الفراء: واحد الأشد شدته في القياس ولم يسمع.
وقال أبو الهيثم: الواحد شدّة كأنعم في نعمة، والشدّة القوّة ومنه قولهم: "بلغ الغلام شدّته" وقيل: إنه واحد جاء على بناء الجمع كآنك ولا نظير لهما ﴿ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ بالعدل والسوية.
وإيفاء الكيل إتمامه خلاف البخس.
وقوله: ﴿ والميزان ﴾ أي الوزن بالميزان.
فإن قيل: إيفاء الكيل والوزن هو عين القسط فما فائدة التكرار؟
قلنا: أمر الله المعطى بإيفاء إيتاء ذي الحق حقه من غير نقصان وأمر صاحب الحق بأخذ حقه من غير طلب الزيادة.
ثم قال: ﴿ لا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ليعلم أن الواجب هو القدر الممكن من العدالة والسوية لا التحقيق المؤدي إلى الحرج والعسر.
فزعمت المعتزلة ههنا أن هذا القدر من التضييق حيث لم يجوزه الله فكيف يكلف الكافر الإيمان مع أنه لا قدرة له عليه أو يخلق القدرة الموجبة للكفر والداعية المقتضية له ثم ينهاه عنه وعورض بالعلم والداعي كما تقدّم مراراً ﴿ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ﴾ المقول له أو عليه ﴿ ذا قربى ﴾ حمله المفسرون على أداء الشهادة وعلى الأمر والنهي والأولى أن يحمل على الأقوال كلها ويدخل فيه قول الرجل في الدعاء إلى الدين.
وتقرير الدلائل عليه بأن يذكر الدليل مخلصاً عن الحشو ومبرأ عن النقص ومجرداً عن العصبية والجدال على مقتضى الهوى والتشهي، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا الحكاية الرواية والرسالة.
وحكم الحاكم بحيث يستوي فيه بين القريب والبعيد ولا ينظر إلا إلى رضا الله، وختم الأوامر بقوله: ﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ كما قال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ويندرج في هذه الخاتمة بالحقيقة جميع الأنواع المذكورة ﴿ وإن هذا صراطي ﴾ من قرأ بالفتح والتخفيف فبإعماله في ضمير الشأن والتقدير: تعالوا أتل ما حرم وأتل أنه هذا صراطي، وكذا فيمن قرأ بالتشديد وبالفتح إلا أن ضمير الشأن لا يقدر.
وإن شئت جعلتها خفضاً متعلقاً بما قبله أي ذلكم وصاكم به وبأن هذا، أو بما بعده والتقدير وبأن هذا صراطي مستقيماً ﴿ فاتبعوه ﴾ ومن كسر فلأن التلاوة في معنى القول أو على الاستئناف والمعنى اتبعوا صراطي أنه مستقيم ﴿ ولا تتبعوا السبل ﴾ المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿ فتفرق بكم ﴾ الباء للتعدية أي فيفرقكم ذلك الأتباع ﴿ عن سبيله ﴾ المستقيم وهو دين الإسلام.
وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل الرشد.
ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية.
فهذه الآية بالحقيقة إجمال لما في الآيتين المتقدمتين ولهذا ختمها بالتقوى التي هي ملاك العمل وخير الزاد وختم الأولى بقوله ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ لأنها أمور ظاهرة جلية يكفي في تعقلها أدنى مسكة وعقل، وختم الثانية بقوله: ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ لأن المذكور فيها أمور خفية تحتاج إلى التدبر والتذكر حتى يقف فيها على موضع الاعتدال.
أو نقول: الأمور الخمسة المذكورة في الآية الأولى كلها عظام جسام وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذي امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وأما المذكورة في الثانية فأشياء يقبح تعاطيها وارتكابها وكانت الوصية بها تجري مجرى الزجر والوعظ فختمها بقوله: ﴿ تذكرون ﴾ أي تتعظون بمواعظ الله .
قوله: ﴿ ثم آتينا موسى الكتاب ﴾ معطوف على ﴿ وصاكم ﴾ فسئل كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل الوصية بدهر طويل؟
وأجيب بأن التكاليف التسعة المذكورة تكاليف لا تختلف بحسب اختلاف الشرائع كما روي عن ابن عباس أن هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل: إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة.
وأما الشرائع التي كانت التوراة مختصة بها فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك.
وقيل: إن في الآية حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد صلى الله عليه وآله إنا آتينا.
والمعنى اتل ما أوحي إليك ثم اتل عيلهم خبر ما آتينا موسى.
وقيل: هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله: ﴿ ووهبنا له إسحق ويعقوب ﴾ وقوله: ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ مفعول له أي لتتم نعمتنا على الذي أحسن أي على من كان محسناً صالحاً، أو المراد إتمام للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وكل ما أمر به، أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته أي زيادة على علمه.
وقرىء ﴿ أحسن ﴾ بالرفع أي على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه ﴿ وتفصيلاً لكل شيء ﴾ فيدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وآله وصحة دينه وشرعه ﴿ وهدى ﴾ دلالة ﴿ ورحمة ﴾ لكي يؤمنوا بلقاء ما وعدهم ربهم به من ثواب وعقاب ﴿ وهذا كتاب أنزلناه ﴾ لا شك أنه القرآن ﴿ مبارك ﴾ كثير الخير والنفع أو ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين ﴿ فاتبعوه واتقوا ﴾ لكي ترحموا لأن الغرض من التقوى رحمة الله ، أو اتقوا لترحموا جزاء على التقوى، أو اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة.
قال الفراء قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ مفعول ﴿ واتقوا ﴾ وقال الكسائي: التقدير: إنا أنزلناه لئلا تقولوا.
وقال البصريون: إنا أنزلناه كراهة أن تقولوا والخطاب لأهل مكة ﴿ إنما أنزل الكتاب ﴾ أي التوراة والإنجيل ﴿ على طائفتين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى ﴿ وإن كنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في ﴿ لغافلين ﴾ هي الفارقة بينها وبين النافية والأصل وإنه كنا ومعنى الدراسة القراءة.
وإنما قالوا: ﴿ لكنا أهدى منهم ﴾ لحدة أذهانهم وكثرة حفظهم لأيام العرب ووقائعها وخطبها وأشعارها وأمثالها مع كونهم أميين قطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم.
ثم قال: ﴿ فقد جاءكم ﴾ أي إن صدقتم أن عدم إنزال الكتاب يصلح للعذر وأنه لو أنزل عليكم الكتاب لكنتم أهدى منهم فقد جاءكم ﴿ بينة من ربكم ﴾ فيما يعلم سمعاً ﴿ وهدى ﴾ فيما يعلم سمعاً وعقلاً ﴿ ورحمة ﴾ من الله في إصلاح المعاش والمعاد ﴿ فمن أظلم ﴾ بعد هذه المعجزات والبينات ﴿ ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ﴾ أي منع غيره منها لأن الأول ضلال والثاني إضلال، ثم ختم الآية بأشد الوعيد وأبلغ التهديد ثم ذكر أنهم بعد نصب الأدلة وإزاحة العذر لا يؤمنون ألبتة، وشرح أحوالاً توجب المبادرة إلى الإيمان والتوبة فقال: ﴿ هل ينظرون ﴾ أي ينتظرون ومعنى الاستفهام النفي وتقدير الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا عند مجيء أحد هذه الأمور: مجيء الملائكة، أو مجيء الرب ويعني به عذابه وبأسه كما سلف في البقرة، أو مجيء المعجزات القاهرة.
قال في الكشاف: الملائكة ملائكة الموت أو ملائكة العذاب ومجيء الرب مجيء كل آية، ثم قال: ﴿ يوم يأتي بعض آيات ربك ﴾ وأجمعوا على أن المراد بهذه الآية علامات القيامة.
عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذا أشرف النبي صلى الله عليه وآله فقال: "أتتذاكرون الساعة؟
إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن" والمراد أنه إذا بدت أشراط الساعة ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، ولا نفساً ما كسبت في إيمانها خيراً.
ثم أوعدهم بقوله ﴿ قل انتظروا إنا منتظرون ﴾ ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: ﴿ إن الذين فارقوا دينهم ﴾ أو فرقوا ومعنى القراءتين في الحقيقة واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وكفر ببعض فقد فارقه أي تركه.
قال ابن عباس: يريد أن المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون إنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فصاروا شيعاً أي فرقاً وإخواناً في الضلالة.
والشيعة كل فرقة تشيع إماماً لها.
وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى تفرقوا فرقاً وكفر بعضهم بعضاً وأخذوا بعضاً وتركوا بعضاً كقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ وعن مجاهد أيضاً أنهم من هذه الأمة وهم أهل البدع والشبهات وفي الحديث "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية - وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة - كلها في الهاوية إلا واحدة.
وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في الهاوية إلا واحدة" ﴿ لست منهم في شيء ﴾ أي إنك بعيد من أقوالهم ومذاهبهم والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم لا يتعداهم إليك.
وقال السدي: معناه لم تؤمر بقتالهم فلما أمر بقتالهم نسخ.
ويحتمل أن يقال: إن النهي عن القتال في وقت لا ينافي الأمر في وقت آخر فلا نسخ ﴿ إنما أمرهم إلى الله ﴾ بالاستئصال والإهلاك ﴿ ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
وفي الآية حث على أن كلمة المسلمين يجب أن تكون واحدة ليستأهلوا الثواب الجزيل كما قال: ﴿ من جاء بالحسنة ﴾ هي لا إله إلا الله والسيئة الشرك.
والأولى حملها على العموم ﴿ فله عشر أمثالها ﴾ أقام صفة الجنس المميز مقام الموصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها كقراءة من قرأ ﴿ عشر أمثالها ﴾ بالرفع والتنوين، قيل: هذا أقل الموعود وقد وعد سبعمائة وبغير حساب.
وقيل: ليس المراد التحديد بل أراد الأضعاف مطلقاً كقول القائل: لئن أسديت إليّ معروفاً لأكافئنك بعشرة أمثاله.
وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً.
روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الله تعالى: "الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره" وقال صلى الله عليه وآله يقول الله : " إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فسيئة" ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا ينقص من ثواب طاعاتهم ولا يزاد على عقاب سيآتهم.
أسؤلة: ما الحكمة في الأضعاف؟
جوابه كان للأمم أعمار طويلة وطاعات كثيرة فوضع الله لهذه الأمة ليلة القدر خيراً من ألف شهر وأضعاف الأعمال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ وأيضاً لو أن الخصماء يتعلقون بهم يوم القيامة فيذهبون بأعمالهم إلى أن تبقى الأضعاف فيقول الله أضعافهم ليست من فعلهم هي من رحمتي فلا أقتص منهم أبداً.
آخر: كيف يوجب الكفر عقاب الأبد؟
جوابه أن الكافر كان على عزم الكفر لو عاش أبداً فاستحق العقاب الأبدي بناء على ذلك الاعتقاد بخلاف المسلم المذنب فإنه يكون على عزم الإقلاع فلا جرم تكون عقوبته منقطعة، وأيضاً الذي جهله الكافر وهو ذات القديم وصفاته شيء لا نهاية له فيكون جهله لا يتناهى فكذا عقابه.
آخر: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً وهو في كفارة الظهار وتارة بدلاً عن صيام أيام قلائل.
آخر: أحدث في رأس إنسان موضحتين فوجب أرشان فإن عاد ورفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب.
آخر: قد يجتمع بسبب أطراف تبان ولطائف تزال ديات متعددة إذا حصل الاندمال، وقد ترتقي إلى نيف وعشرين.
الأذنان أو إبطال حسهما، العينان أو البصر، الأجفان، المارن،الشفتان، اللسان أو النطق، الأسنان، اللحيان، اليدان، الذكر والأنثيان، الحلمتان، الشفران، الإليتان، الرجلان، العقل، السمع، الشم، الصوت، الذوق، الإمناء أو الإحبال، إبطال لذة الجماع، إبطال لذة الطعام، الإفضاء، البطش، المشي.
وقد تضاف إليها موجبات الجوائف والمواضح وسائر الشجات.
فإن عاد الجاني قبل الاندمال وحز الرقبة أوقده بنصفين لم يجب إلاّ دية النفس، وكل ذلك يدل على أن رعاية المماثلة غير معتبرة في الشرع.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن هذه الأمور من تعبدات الشرع المطهر وتحكماته فلا سبيل بعقولنا إليها.
ويمكن أن يجاب عن الثالث بأن بدل الأطراف لما لم يستقر بالاندمال دخل في دية النفس لعسر ضبط ذلك والجزاء الحقيقي موكول إلى يوم الجزاء والله أعلم.
قال أهل السنة: كل الثواب تفضل من الله فلا إشكال.
وقالت المعتزلة: إن بين الثواب والتفضل فرقاً لأن الثواب هو المنفعة المتسحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة.
ثم اختلفوا فقال الجبائي: العشرة تفضل والثواب غيرها إذ لو كان الواحد ثواباً والتسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل فلا يكون للتكليف فائدة.
وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد ثواباًً إلا أنه يكون أعلى شأناً من التسعة الباقية.
ثم لما علم رسوله صلى الله عليه وآله أنواع الدلائل والرد على أصناف المشركين وبالغ في تقرير إثبات القضاء والقدر وردّ على أهل الجاهلية أباطيلهم أمره بأن يقول: ﴿ إنني هداني ربي ﴾ ليعلم أن الهداية لا تحصل إلا بالله عز وجل.
﴿ وقيماً ﴾ "فيعل" من قام كسيد من ساد.
ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى أنه مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر وصف به للمبالغة و ﴿ ملة إبراهيم ﴾ عطف بيان و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من إبراهيم أو من الملة، والمعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم حال كونه أو كونها موصوفاً بالحنيفية.
ثم قال في صفة إبراهيم: ﴿ وما كان من المشركين ﴾ رداً على من زعم عليه شيئاً من ذلك.
ثم كما عرفه الدين القويم والطريق المستقيم علمه كيف يصنع به ويؤديه فقال: ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ﴾ أي عبادتي وتقربي إليه كما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة.
وقيل: للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث.
وقيل: المراد بالنسك ههنا الذبائح جمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ وقيل: صلاتي وحجي أخذاً من مناسك الحج.
﴿ ومحياي ومماتي ﴾ أي حياتي وموتي مصدران ميميان.
وقال في الكشاف: المراد وما آتيه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وفيه أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل لا بد أن يكون جيمع حركات المرء وسكناته لله رب العالمين ﴿ وبذلك ﴾ من الإخلاص ﴿ أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.
وقال في التفسير الكبير: إنه أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله وتقديره وقضائه، وحكمه وذلك أن المحيا والممات بخلق الله فكذا الصلاة والنسك وبذلك من التوحيد أمرت، ثم لما أمر نبيه بالتوحيد المحض أمره أن يذكر ما يجري مجرى الدليل عليه فقال: ﴿ قل أغير الله أبغي رباً ﴾ وتقريره أن طوائف المشركين من عبدة الأصنام والكواكب ومن اليهود والنصارى والوثنية كلهم معترفون بأن الله خالق الكل فكأنه قال: قل يا محمد منكراً أغير الله أطلب رباً مع أن هؤلاء الذين اتخذوا من دونه آلهة مقرون بأنه خالق تلك الأشياء ولا يدخل في العقل جعل المربوب والعبد شريكاً للرب والمولى.
وبوجه آخر الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، وقد ثبت أن الواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته فهو إذن رب كل شيء، وصريح العقل شاهد بأن المربوب لا يكون شريكاً للرب فلا يختص إذن بالربوبية غيره.
ثم لما بين الدليل القاطع على التوحيد ذكر أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب فقال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ ومعناه أن إثم الجاني عليه لا على غيره ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى وهذا كالرد لقولهم: ﴿ اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴾ ثم بين أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم هناك إلا الله فقال: ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴾ ثم ختم السورة ببيان حال المبدإ والوسط والمعاد على سبيل الإجمال فقال ﴿ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ﴾ قيل: الخطاب لبني آدم لأنه جعلهم بحيث يخلف بعضهم بعضاً.
وقيل: لأمة محمد صلى الله عليه وآله لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم، وقيل: لخواص الأمة الذين هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها بالحق كقوله: ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ﴾ ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في الشرف والعقل والجاه والمال والرزق لا للعجز والبخل ولكن لأجل شبه الابتلاء والامتحان، ولظهور الموفر من المقصر وتميز المطيع من العاصي حسب ما تقتضيه الحكمة والعدالة والتدبير والتقدير.
ثم وصف نفسه بالقدرة الكاملة على إيصال العقاب وإيفاء الثواب فقال ﴿ إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ﴾ فأدخل اللام في قرينة الترغيب وأسقطها عن قرينة الترهيب ترجيحاً لجانب الرحمة والغفران فإن اللطف والرحمة تفيض عنه بالذات والقهر والتعذيب يصدر عنه بالعرض لأن ذلك من ضروريات الملك ولهذا قال "سبقت رحمتي غضبي" وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب.
وإنما لم يسقط اللام عن قرينة العقاب في سورة الأعراف في قصة أصحاب السبت لأن ذلك قد ورد عقيب ذكر المسخ فناسب التأكيد باللام، وإنما أخر قرينة الرحمة في الموضعين ليقع ختم الكلام على المغفرة والرحمة فيكون أدل على كمال رأفته ووفور إحسانه.
التأويل: ﴿ من إملاق ﴾ فيه ترك التوكل على الله وعدم الثقة بالله ﴿ وأوفوا الكيل ﴾ أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الألوهية.
﴿ وبعهد الله أوفوا ﴾ بأن لا تعبدوا ولا تحبوا ولا تروا إلا إياه ﴿ وإن هذا صراطي مستقيماً ﴾ إشارة إلى أن الصراط المستقيم الحقيقي إلى الله هو صراط محمد ﴿ تماماً على الذي أحسن ﴾ أي على من أحسن من أمتك إسلامه.
وفيه أن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء كانت تتمة للدين الحنيفي الذي هو الإسلام، ولهذا أمر بأن يقتدى بالأنبياء ليجمع بين هداه وهداهم.
ويحتمل أن يراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وآله والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ﴿ أنزلناه مبارك ﴾ وبركته أنه أنزل على قلبه فكان خلقه القرآن ﴿ فقد جاءكم بينة ﴾ ما يبين لكم طريق السير إلى الله ومهدي ما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاء في الكتابين ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ﴾ عياناً وتسوقيهم إلى الله قهراً والجاء ﴿ أو يأتي ربك ﴾ إليهم إذ لم يأتوا إليه في متابعتك ﴿ قل انتظروا ﴾ للمستحيلات ﴿ إنا منتظرون ﴾ للميعاد في المعاد ﴿ إن الذين فارقوا ﴾ الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان ﴿ وكانوا شيعاً ﴾ فرقاً مختلفة من المبتدعة والزنادقة والمتزيدة رياء وسمعة وعلماء السوء وملحدة المتفلسفة ﴿ لست منهم في شيء ﴾ لأنك على الحق وهم على الباطل وبينهما تضاد إنما أمرهم إلى الله في بدء الخلقة وقسم الاستعداد كما شاء ﴿ ثم ينبئهم ﴾ يوم الجزاء بما يستحقه كل منهم ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ قبل ذلك حتى يقدر على الإتيان بتلك الحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد حيث خلقه في أحسن تقويم، وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات من السيئات، وحسنة التوفيق للحسنة وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات ﴿ ومن جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها ﴾ لأن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة لأنها أمارة بالسوء، والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً ﴾ والتحقيق أنه كما للأعداد ثلاث مراتب الآحاد والعشرات والمئات وبعد ذلك تكون الألوف إلى حيث لا يتناهى، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس والقلب والروح والسر.
فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر عنها يكون واحداً، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها، وفي مرتبة الروح يكون بمائة، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى، وهذا سر ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت جزاء الحسنات والله أعلم ورسوله.
﴿ قل إنني هداني ربي ﴾ من أسفل سافلين القالب بجذبه العناية الأزلية ﴿ ونسكي ﴾ أي سيري على منهاج "الصلاة معراج المؤمن" ﴿ ومحياي ﴾ أي حياة قلبي وروحي ﴿ ومماتي ﴾ أي موت نفسي لطلب ﴿ رب العالمين ﴾ والوصول إليه ﴿ وأنا أول ﴾ المستسلمين عند الإيجاد لأمر "كن" كما قال: "أول ما خلق الله نوري".
﴿ قل أغير الله ﴾ كيف أطلب غير الله وهو حبيبي والمحب لا يطلب إلا الحبيب وإذا هو رب كل شيء فيكون ما له لي، وإن طلبت غيره دونه يكون ذلك الغير علي لا لي كما قال ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ لأن النفس أمارة بالسوء والسوء عليها لا لها ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ فإن كان القلب سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله وطلبه لا يؤاخذ بمعاملة النفس ولا يتألم بعذابها وإنما تكون النفس فقط مأخوذة بوزرها معاقبة بما هي أهله، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الله بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فتصدأ مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها فيتبع النفس وهواها فيزول عنه الصفاء والطهارة والسلامة والذكر والفكر والتوحيد والإيمان والتوكل والصدق والإخلاص ورعاية وظائف العبودية فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره ﴿ وهو الذي جعل ﴾ كل واحد من بني آدم وقته خليفة ربه في الأرض.
وسر الخلافة أن صوره على صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ في استعداد الخلافة ﴿ ليبلوكم ﴾ ليظهر من المتخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع القهقرى إلى صفات البهائم وأبطل الاستعداد للخلافة بالختم والطبع والحبس في سجين الطبيعة ﴿ لغفور رحيم ﴾ لمن وفقه لمرضاته ورفع درجاته الله حسبي.
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
قال أبو الكيساني: قوله ﴿ هَدَانِي ﴾ ، أي: دلني ربي إلى صراط مستقيم، لكن هذا بعيد؛ لأنه خرج مخرج ذكر ما منَّ عليه بلطفه، وليس في الدلالة والبيان ذلك؛ إنما عليه البيان، وكان رسول الله يدل على الهدى ويبين لهم طريقه.
ثم أخبر أنه لا يهدي من أحب بقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ دل أن ذلك إكرام من الله - - بالهداية بالتوفيق له والعصمة بلطفه، لا الدلالة والبيان.
وكذلك قوله - -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ الآية [الحجرات: 17]؛ فلو كان على الدلالة والبيان لكان منه ذلك، ثم [أخبر] إن المنة عليهم لله - - لا لرسوله؛ دل أنه لما ذكرنا من الهداية نفسها لا الدلالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ .
قيل: قائماً مستقيماً لا عوج فيه؛ كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ .
والعوج: هو الذي فيه الآفة، فأخبر أن لا آفة فيه ولا عوج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
إن أهل الأديان جميعاً يدّعون أن الذي هم عليه هو دين إبراهيم، فأخبر أن دين إبراهيم هو الدين الذي عليه رسول الله لا هم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
قيل: مسلما، والحنف: هو الميل، وهو حنيف، أي: مائل إلى دين الله، أخبر أنه يدعو إلى دين الله - - إلى الدين الذي كان عليه آباؤه وأجداده، أعني به: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
﴿ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
برأه - عز وجل - من الشرك.
وقيل: كان حنيفاً خالصاً لله مخلصًا لم يشرك أحدا في ربوبيته ولا في عبادته، على ما فعل أولئك الكفرة.
وفي حرف ابن مسعود - - وحفصة: (ديناً قيما فطرتكم التي فطرتم عليها ملة إبراهيم حنيفاً).
ويقرأ: ﴿ قيِّماً ﴾ ، بالتشديد، و ﴿ قِيَماً ﴾ بالتخفيف.
أو يخرج قوله: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ على الشكر له والحمد على ما أنعم عليه وأفضل له، من الإكرام له بالهداية بالطريق المستقيم.
[والمستقيم] يحتمل: القائم بالحق والبرهان وكذلك قوله: ﴿ دِيناً قِيَماً ﴾ بالحجج والبراهين، ودين أولئك دين بهوى أنفسهم؛ ولذلك قال: ﴿ حَنِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً ﴾ .
خاطب الله بهذه الآيات رسوله والمرادُ به: الخلقُ كله، فمن بلي بمثل ما كان بلي رسول الله من السؤال والدعاء، فله أن يقرأ أو يذكر ما في هذه الآيات.
ولو كان المراد [بالخطاب] بهذا رسول الله خاصة، لكان لا يقول له: ﴿ قُلْ ﴾ ، ولكن يقول له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؛ وعلى ذلك الخطاب في الشاهد في خطاب بعض بعضا ألا يقولوا: ﴿ قُلْ ﴾ ؛ فدل أنه على ما ذكرنا، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ﴾ : من استوصف صفات الله، فعليه أن يصف له ما في سورة الإخلاص، ورسول الله وغيره من الخلائق سواءٌ في ذلك الخطاب.
ثم في قوله: ﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ...
﴾ الآية ذكر منَّته بما هداه، والاستسلام إلى شكر ما أنعم عليه.
وفي قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي ﴾ الأمر بإخلاص العبادة لله - عز وجل - وإسلام النفس له في جميع أحواله محياه ومماته.
وفي قوله: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً ﴾ .
فيه الدعاء إلى وحدانية الله وربوبيته.
ثم في قوله: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ ﴾ دلالة رد قول من يستثني في إيمانه؛ لأنه أمره أن يقول: ﴿ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ، من غير أن يأمره بالثنيا؛ فمن استثنى فيه لا يخلو استثناؤه من أحد معنيين: إما أن يكون لشك فيه.
أو لكتمان ما أنعم الله عليه؛ فعلى كل من أنعم الله عليه أن يظهر ذلك، وأن يشكر له على ذلك؛ على ما أمر رسوله بذلك.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: يخرج على الأمر بالدعاء لنفسه؛ لأنه قال: قل: أجعل صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
والثاني: على المنابذة مع أولئك الكفرة والفجرة، يقول: أنا أجعل صلاتي وعبادتي ومحياي ومماتي لله، لا أجعل لغيره شركاء، كما جعلتم أنتم لغيره شركاء في عبادته وصلاته ونسكه، والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ صَلاَتِي ﴾ : قال بعضهم: الصلاة المفروضة.
وقال بعضهم: الصلاة: الخضوع والثناء؛ يقول: إن خضوعي وثنائي لله، والصلاة: هي الثناء في اللغة.
وقوله: ﴿ وَنُسُكِي ﴾ اختلف فيه.
قال الحسن: نسكي: ديني؛ كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً ﴾ ، أي: دينا.
وقيل: نسكي ذبيحتي لله في الحج والعمرة وغيره.
وقيل: نسكي: عبادتي، والنسك: اسم كل عبادة؛ وعلى ذلك يسمى كل عابد ناسكا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: أنا حي وميت لله، لا أشرك أحداً في عبادتي ونفسي، بل كله لله لا شريك [له] في ذلك.
ويحتمل: أن يكون هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: قل إني أمرت أن أجعل صلاتي ونسكي لله، أو إني أمرت أن أدعو وأسأل الله أن يجعل صلاتي ونسكي وعبادتي له، لا أشرك غيره فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
[يحتمل قوله: ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ ]، أي: وأنا أول من خضع وأسلم بالذي أمرت أن أبلغ؛ لأنه أمر بتبليغ ما أنزل إليه، فيقول: أنا أول من أسلم بالذي أمرت بالتبليغ.
ويحتمل: أن يكون لا على توقيت الإسلام؛ ولكن على سرعة الإجابة والطاعة [له]؛ كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ﴾ : هو على الوصف بغاية العظم، ليس على أن بعضها أكبر وأعظم وبعضها أصغر؛ ولكن كلها أعظم وأكبر؛ فعلى ذلك هذا ليس على وقت الإسلام، ولكن لسرعة الإجابة، والطاعة له، والله أعلم.
الإسلام: هو جعل النفس وكلية الأشياء لله سالمة، أي: أنا أول من جعل نفسه لله سالمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أغير الله أبغي ربا وقد تعلمون أن لا رب سواه؟!
ويحتمل: أغير الله أبغي ربا سواه، وفي كل أحد أثر ربوبيته وألوهيته قائم ظاهر، وفيما تدعونني إليه أجد آثار العبودية والربوبية لله فيه، فكيف أتخذ ربا سواه؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ .
يحتمل وجهين: [الأول] يحتمل: لا تكسب كل نفس من [سوء] إلا عليها، أي: لا يتحمل ذلك غيره عنه في الآخرة؛ وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
[الثاني] ويحتمل: أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: لا تكسب كل نفس - لو تركت وما تختار - إلا عليها، لكن الله بفضله يمنع بعضها وما تختار على نفسها؛ كقول يوسف - -: ﴿ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ ﴾ : أخبر أنها كاسبة السوء إلا ما عصمها ربي.
وجائز أن يكون على الإضمار؛ كأنه يقول: ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولها، ومثله جائز في القرآن؛ كقوله - - ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، وهو نذير لقوم، بشير لقوم آخرين: نذير في حال، وبشير في حال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
هو على الوعيد وروي عن النبي أنه كان إذا كبر للصلاة، أتبع التكبير بهذه الآية: ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي...
﴾ إلى آخره.
وعن علي - - قال: كان رسول الله إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قال: ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي..
﴾ إلى قوله ﴿ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ .
وذكر أنه كان يدعو بعد ذلك دعاء طويلا.
وروي عن عائشة، وأبي سعيد الخدري أنهما قالا كان رسول الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذاء منكبيه، ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" فكان أبو حنيفة - رحمه الله - يختار من ذلك هذا في الفرائض.
وكذا روي عن عمر بن الخطاب - - أنه قام إلى الصلاة، فكبر، ثم قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" [وكذلك روي عن أبي سعيد أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك]" وكان أبو يوسف يستحب أن يقول بهذه الكلمات والكلمات التي رواها علي بن أبي طالب - - من غير إيجاب لذلك ولا حظر لما سواه.
وكان أبو حنيفة - رحمه الله - لا يستحب أن يزيد في الفرائض على ما روي عن أبي سعيد الخدري - - عن رسول الله وما روت عائشة - ا - عن رسول الله وما روي عن عمر وعبد الله - ما -.
وأما في النوافل فله أن يزيد ما شاء فيها من الثناء والدعوات؛ فيحتمل أن يكون ما رواه علي بن أبي طالب - - من فعل رسول الله كان ذلك في النوافل.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أغير الله أطلب ربًّا وهو سبحانه وتعالى رب كل شيء؟!
فهو رب المعبودات التي تعبدونها من دو ولا يحمل بريء ذنب فيره، ثم إلى ربكم رجوعكم يوم القيامة فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه في الدنيا من أمر الدين.
<div class="verse-tafsir" id="91.bvngq"