الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ثم لم تكن فتنتهم ) أي : حجتهم .
وقال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : أي : معذرتهم .
وكذا قال قتادة .
وقال ابن جريج ، عن ابن عباس : أي قيلهم .
وكذا قال الضحاك .
وقال عطاء الخراساني : ثم لم تكن بليتهم حين ابتلوا ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) وقال ابن جرير : والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو يحيى الرازي ، عن عمرو بن أبي قيس ، عن مطرف ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتاه رجل فقال يا أبا عباس .
سمعت الله يقول : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) قال : أما قوله : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة ، فقالوا : تعالوا فلنجحد ، فيجحدون ، فيختم الله على أفواههم ، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا ، فهل في قلبك الآن شيء ؟
إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل فيه شيء ، ولكن لا تعلمون وجهه .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : هذه في المنافقين .
وفي هذا نظر ، فإن هذه الآية مكية ، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة ، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة : ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له [ كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ] ) [ المجادلة : 18 ]
القول في تأويل قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون "؟
= إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم, (18) " إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين " ، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.
* * * ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ) بالتاء، بالنصب, (19) بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم (20) " والله ربنا ما كنا مشركين " = غير أنهم يقرءون " تكن " بالتاء على التأنيث.
وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر.
(21) وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام.
وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك, وهو قوله: فَمَضَــى وَقَدَّمَهَـا , وكـانت عـادةً مِنْــهُ إذا هــيَ عَــرَّدَتْ إقْدَامُهَـا (22) فقال: " وكانت " بتأنيث " الإقدام "، لمجاورته قوله: " عادة " .
* * * وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بالياء، (فِتْنَتَهُمْ) بالنصب، (إلا أَنْ قَالُوا)، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.
غير أنهم ذكَّروا " يكون " لتذكير " أن ".
(23) قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب, لأن " أنْ" أثبت في المعرفة من " الفتنة ".
(24) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " .
فقال بعضهم : معناه: ثم لم يكن قولهم .
* ذكر من قال ذلك: 13134 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال قتادة في قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: مقالتهم = قال معمر: وسمعت غير قتادة يقول: معذرتهم .
13135 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس قوله: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: قولهم .
13136- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبى, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا "، الآية, فهو كلامهم =" قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " .
13137 - حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك: " ثم لم تكن فتنتهم " ، يعني: كلامهم .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: معذرتهم .
* ذكر من قال ذلك: 13138 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة, عن قتادة: " ثم لم تكن فتنتهم " ، قال: معذرتهم.
13139- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، يقول: اعتذارهم بالباطل والكذب.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا مما سلف منهم من الشرك بالله =" إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، فوضعت " الفتنة " موضع " القول "، لمعرفة السامعين معنى الكلام.
= وإنما " الفتنة "، الاختبار والابتلاء (25) = ولكن لما كان الجواب من القوم غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار, وضعت " الفتنة " التي هي الاختبار، موضع الخبر عن جوابهم ومعذرتهم .
* * * واختلفت القرأة أيضًا في قراءة قوله: " إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " .
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: وَاللَّهِ رَبِّنَا ، خفضًا، على أن " الرب " نعت لله .
* * * وقرأ ذلك جماعة من التابعين: (وَاللهِ رَبَّنَا) ، بالنصب، بمعنى: والله يا ربنا.
وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة.
(26) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصواب في ذلك، قراءةُ من قرأ: (وَاللهِ رَبَّنَا) ، بنصب " الرب ", بمعنى: يا ربَّنا.
وذلك أن هذا جواب من المسئولين المقول لهم: " أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون " ؟
وكان من جواب القوم لربهم: والله يا ربنا ما كنا مشركين = فنفوا أن يكونوا قالوا ذلك في الدنيا.
يقول الله تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ .
* * * ويعني بقوله : " ما كنا مشركين " ، ما كنا ندعو لك شريكًا، ولا ندعو سواك.
(27) ---------------- الهوامش : (18) انظر تفسيره"الفتنة" فيما سلف 10: 478 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(19) في المطبوعة ، حذف قوله: "بالتاء" ، لغير طائل.
(20) في المطبوعة: "اختبارنا لهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو فصيح العربية.
(21) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 188.
(22) من معلقته الباهرة.
وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه 1: 130.
والضمير في قوله: "فمضى" إلى حمار الوحش ، وفي قوله: "وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.
و"عردت": فرت ، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها.
وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة ، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده.
فراجع معلقته.
(23) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 188.
(24) أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم" ، وهي قراءتنا في مصحفنا ، قراءة حفص.
وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا ، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف 7: 273-275.
وانظر تفسير أبي حيان 4: 95 .
(25) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف قريبًا ص 297 ، رقم: 2 ، والمراجع هناك.
(26) انظر معاني القرآن للفراء 1: 330.
(27) انظر ما سلف رقم: 9520 - 9522 (ج 8: 373 ، 374).
قوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركينقوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم الفتنة الاختبار أي : لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال ، ورأوا الحقائق ، وارتفعت الدواعي .
إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين تبرءوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين .
قال ابن عباس : يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم ، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذلك ; قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك ، فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين ; فقال الله تعالى : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم ، فيختم على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثا ; فذلك قوله : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا .
وقال أبو إسحاق الزجاج : تأويل هذه الآية لطيف جدا ، أخبر الله عز وجل بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم ، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك ، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنسانا يحب غاويا فإذا وقع في هلكة تبرأ منه ، فيقال : ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه .
وقال الحسن : هذا خاص بالمنافقين جروا على عادتهم في الدنيا ، ومعنى ( فتنتهم ) عاقبة فتنتهم أي : كفرهم .
وقال قتادة : معناه معذرتهم .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال : ( فيلقى العبد فيقول أي : قل ألم أكرمك وأسودك ( وأزوجك ) وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى أي : رب : فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا ، فيقول إني أنساك كما نسيتني .
ثم يلقى الثاني فيقول له ويقول هو مثل ذلك بعينه ، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع قال : فيقال هاهنا إذا ثم يقال له الآن نبعث شاهدا عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سخط الله عليه ) .
{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } أي: لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤال، إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين.
( ثم لم تكن فتنتهم ) ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب " يكن " بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان ، فجاز تذكيره ، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم " فتنتهم " بالرفع جعلوه اسم كان ، وقرأ الآخرون بالنصب ، فجعلوا الاسم قوله " أن قالوا " وفتنتهم الخبر ، ومعنى قوله " فتنتهم " أي : قولهم وجوابهم ، وقال ابن عباس وقتادة : معذرتهم والفتنة التجربة ، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة .
قال الزجاج في قوله : ( ثم لم تكن فتنتهم ) معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [ محنة ] فيتبرأ من محبوبه ، فيقال : لم تكن فتنت إلا هذا ، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها ، يقول الله عز وجل : ( ثم لم تكن فتنتهم ) في محبتهم الأصنام ، ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) ، قرأ حمزة والكسائي " ربنا " بالنصب على نداء المضاف ، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله ، وقيل : إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض : تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ، فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر .
«ثم لم تكن» بالتاء والياء «فتنتّهم» بالنصب والرفع أي معذرتهم «إلا أن قالوا» أي قولهم «والله ربِّنا» بالجر نعت والنصب نداء «ما كنا مشركين».
ثم لم تكن إجابتهم حين فتنوا واختبروا بالسؤال عن شركائهم إلا أن تبرؤوا منهم، وأقسموا بالله ربهم أنهم لم يكونوا مشركين مع الله غيره.
ثم أخبر - سبحانه - عما يكون منهم من تخبط وحسرة فقال :{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } .الفتنة مأخوذة من الفتن ، وهو إدخال الذهب فى النار لتعرف جودته من رداءته ، ثم استعمل فى معان أخرى كالاختبار ، والعذاب ، والبلاء ، والكفر .والمعنى : ثم لم تكن عاقبة كفرهم حين اختبروا بهذا السؤال ورأوا الحقائق ، وارتفعت الدعاوى إلا أن قالوا مؤكدين ما قالوا بالقسم الكاذب والله يا ربنا ما كنا مشركين .
ظنا منهم أن تبرأهم من الشرك فى الآخرة سينجيهم من عذاب الله كما نجا المؤمنين بفضله ورضوانه .قال ابن عباس : يغفرالله - تعالى - لأهل الإخلاص ذنوبهم .
ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره ، فإذا رأى المشركون ذسلك قالوا : إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك ، فتعالوا نقول : إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين .
فقال الله - تعالى - : أما إذ كتموا الشرك فاختموا على أفواههم ، فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ، فعندئذ يعرف المشركون أن الله لا يكتم حديثاً ، فذلك قوله :{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } ثم قال - تعالى - { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .
أعلم أن هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ ثُمَّ لَمْ يَكُنِ ﴾ بالياء وفتنتهم بالنصب، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة، فهاهنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لسكونه اسم تكن، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا: فتنة في المعنى، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت، ونصب فتنتهم، فهاهنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لكونه اسم يكن، وفتنتهم هو الخبر.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المظهر والمضمر، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً، فكذا هاهنا تقول كنت القائم، فجعلت المضمر اسماً والمظهر خبراً فكذا هاهنا، ونقول قراءة حمزة والكسائي: والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن: أحدهما: بإضمار أعني وأذكر، والثاني: على النداء، أي والله يا ربنا، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى.
المسألة الثانية: قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى بيّن كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين: ومثاله أن ترى إنساناً يحب عارياً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له ما كانت محبتك لفلان، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة هاهنا افتتانهم بالأوثان، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس: أنه قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ معناه شركهم في الدنيا، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان، إلا أن فررت منه وتركته.
المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي: أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي علي الجبائي، والقاضي: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو يعرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز منهم فعل القبيح، إذا كانوا عقلاء إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم، فقالوا: هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا.
والجواب عن الأول: أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم: ويورد عليهم التوبيخ بقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ ﴾ ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، وأيضاً فالمكلفون لابد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين.
والجواب عن الثاني: أن النسيان: لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال، وإن بعد العهد، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهراً طويلاً، ومع ذلك فقد نسيه، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة.
الحجة الثانية: أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب.
الحجة الثالثة: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب، فتصير الدار الآخرة دار التكليف، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقاباً وذماً، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب.
وإذا ثبت هذا: فعند ذلك قالوا يحمل قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير: يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم، فلماذا قال الله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ ولنا أنه ليس تحت قوله: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم: إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ اختلاف الحالين، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب.
هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي.
والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا: والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون ﴾ مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ والثاني: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ بعد قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب ﴾ فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.
والثالث: قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب.
والرابع: قوله حكاية عنهم ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص.
والخامس: أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم أَنَّهُمْ قالوا: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر.
ثم حمل قوله بعد ذلك ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد.
أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول: لا يبعد أن يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك.
وأما قوله ثانياً المكلفون لابد أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات.
فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ فالمراد إنكارهم كونهم مشركين، وقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ عطف على قوله: ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ تقديره: وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ ناصبه محذوف تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴾ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله.
وقوله: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان.
وقرئ: ﴿ يحشرهم ﴾ .
﴿ ثم يقول ﴾ بالياء فيهما.
وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة.
فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم، وحسرتهم ﴿ فِتْنَتُهُمْ ﴾ كفرهم.
والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم- الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به.
ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة؛ لأنه كذب.
وقرئ: ﴿ تكن ﴾ بالتاء و(فتنتهم)، بالنصب.
وإنما أنث ﴿ أَن قَالُواْ ﴾ لوقوع الخبر مؤنثاً، كقولك: من كانت أمّك؟
وقرئ بالياء ونصب الفتنة.
وبالياء والتاء مع رفع الفتنة.
وقرئ: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وغاب عنهم ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي يفترون إلهيته وشفاعته.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟
قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً: ألا تراهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون ﴾ [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحملُ قوله: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ.
وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ [المجادلة: 18] بعد قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [المجادلة: 14] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ ﴾ أيْ آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ «يَحْشُرُهُمْ» ويَقُولُ بِالياءِ.
﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ والمُرادُ مِنِ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخُ، ولَعَلَّهُ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيُفْقِدُوها في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشاهِدُوهم ولَكِنْ لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم فَكَأنَّهم غُيَّبٌ عَنْهم.
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ أيَّ كُفْرِهِمْ، والمُرادُ عاقِبَتُهُ وقِيلَ مَعْذِرَتُهُمُ الَّتِي يَتَوَهَّمُونَ أنْ يَتَخَلَّصُوا بِها، مِن فَتَنْتُ الذَّهَبَ إذا خَلَّصْتُهُ.
وقِيلَ جَوابُهم وإنَّما سَمّاهُ فِتْنَةً لِأنَّهُ كَذِبٌ، أوْ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الخَلاصَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ وفِتْنَتُهم بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها الِاسْمُ، ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِالتّاءِ والنَّصْبِ عَلى أنَّ الِاسْمَ أنْ قالُوا، والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِمْ مَن كانَتْ أُمُّكَ والباقُونَ بِالياءِ والنَّصْبِ.
﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ يَكْذِبُونَ ويَحْلِفُونَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، كَما يَقُولُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها.
وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ.
وقِيلَ مَعْناهُ ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا وهو لا يُوافِقُ قَوْلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{ثُمَّ لَمْ تَكُنْ} وبالياء حمزة وعلي {فِتْنَتُهُمْ} كفرهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} يعني ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذين لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء من التدين به أو ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة لأنه كذب وبرفع الفتنة مكي
وشامي وحفص فمن قرأ تَكُنْ بالتاء ورفع الفتنة فقد جعل الفتنة مكي وشامي وحفص فمن قرأ تَكُنْ بالتاء ورفع الفتنة فقد جعل الفتنة اسم تكن وإن قَالُواْ الخبر أي لم تكن فتنتهم إلا قولهم ومن قرأ بالياء ونصب الفتنة جعل أَن قَالُواْ اسم يَكُنِ أي لم يكن فتنهم إلا قولهم ومن قرأ بالتاء ونصب الفتنة حمل على المقالة رَبَّنَا حمزة وعلي على النداء أى يا ربنا وغيرهما بالجر على النعت من اسم الله
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ أصْلُ مَعْنى الفِتْنَةِ عَلى ما حَقَّقَهُ الرّاغِبُ مِنَ الفِتَنِ وهو إدْخالُ الذَّهَبِ النّارَ لِتَعْلَمَ جَوْدَتَهُ مِن رَداءَتِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَ في مَعانٍ كالعَذابِ والِاخْتِبارِ والبَلِيَّةِ والمُصِيبَةِ والكُفْرِ والَإثْمِ والضَّلالِ والمَعْذِرَةِ، واخْتُلِفَ في المُرادِ هُنا فَقِيلَ: الشِّرْكُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ ورَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الشِّرْكِ بِالفِتْنَةِ أنَّها ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ.
والكَلامُ حِينَئِذٍ إمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ، وإمّا عَلى جَعْلِ عاقِبَةِ الشَّيْءِ عَيْنَهُ ادِّعاءً وهو أحْلى مَذاقًا وأبْعَدُ مَغْزًى.
والحَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسِ الأقْوالِ أوِ ادِّعائِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ 32 - كِنايَةٌ عَنِ التَّبَرِّي عَنِ الشِّرْكِ وانْتِفاءِ التَّدَيُّنِ بِهِ أيْ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ شِرْكِهِمْ شَيْئًا إلّا تَبَرُّئَهم مِنهُ، ونَصَّ الزَّجّاجُ أنَّ مِثْلَ ما في الآيَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في مَهْلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَيُقالُ لَهُ: ما كانَ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ تَبَرَّأْتَ مِنهُ.
ولَيْسَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ عِتابُكَ السَّيْفُ ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ ذَلِكَ فِيهِ وهو مَعْنًى حَسَنٌ لَطِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ كَلامَ العَرَبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها العُذْرُ واسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لِأنَّها عَلى ما تَقْدَّمَ التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ فاسْتُعِيرَتْ لَهُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وأبِي عَبْدِ اللَّهِ وقَتادَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ.
ووَجْهُ الِإطْلاقِ أنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ فَتَجُوزُ بِها عَنْهُ إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الجَوابَ مُخْلَصٌ لَهم أيْضًا كالمَعْذِرَةِ، قِيلَ: والحُصْرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَقِيقِيٌّ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ عَلى ظاهِرِها و(تَكُنْ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، و (فِتْنَتُهُمْ) بِالرَّفْعِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ و (فَتَنَتْهُمْ) بِالنَّصْبِ، وكَذا قَرَأ (رَبَّنا) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المِدَحِ وقُرِئَ في الشَّواذِّ (رَبُّنا) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وهو تَوْطِئَةٌ لِنَفْيِ إشْراكِهِمْ، وفائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ نَفْيُ الإشْراكِ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْهُ تَقَدَّسَ وتَعالى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ مِن فَوْقِ ونَصْبِ (فِتْنَتُهُمْ) أيْضًا، وخَرَّجُوا قِراءَةَ الأوَّلِينَ عَلى أنَّ فِتْنَتَهُمُ اسْمُ (تَكُنْ)، وتَأْنِيثُ الفِعْلِ إسْنادُهُ إلى مُؤَنَّثٍ (وأنْ قالُوا) خَبَرُهُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى أنَّ (أنْ قالُوا) هو الِاسْمُ، ولَمْ يُؤَنَّثُ الفِعْلُ لِإسْنادِهِ إلى مُذَكَّرٍ، و(فِتْنَتُهُمْ) هو الخَبَرُ وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى نَحْوِ هَذا خَلا أنَّ التَّأْنِيثَ فِيها بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهَمْ يُجِيزُونَ في سِعَةِ الكَلامِ تَأْنِيثَ اسْمِ كانَ إذا كانَ مَصْدَرًا مُذَكَّرًا وكانَ الخَبَرُ مُؤَنَّثًا مُقَدَّمًا كَقَوْلِهِ: وقَدْ خابَ مَن كانَتْ سَرِيرَتَهُ الغَدْرُ ويَسْتَشْهِدُونَ عَلى ذَلِكَ بِهَذِهِ القِراءَةِ وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وقِيلَ: إنَّ التَّأْنِيثَ عَلى مَعْنى المَقالَةِ وهو مِن قَبِيلِ (جاءَتْهُ كِتّابِي) أيْ رِسالَتِي، ولا يَخْفى أنَّ هَذا قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ونُقِلَ بِعَيْنِهِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ: مَن كانَتْ أُمُّكَ، ونُوقِشَ بِما لا طائِلَ فِيهِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أفْصَحُ مِنَ القِراءَةِ الأُولى لِأنَّ فِيها جُعِلَ الأعْرَفُ خَبَرًا وغَيْرُ الأعْرَفِ اسْمًا، لِأنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ، والمُضْمَرُ أعْرَفُ المَعارِفِ وهو خِلافُ الشّائِعِ المَعْرُوفِ دُونَهُما وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن مُشابَهَةِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ في حُكْمِ مُشابَهَتِهِ لَهُ في جَمِيعِ الأحْكامِ، والجُمْلَةُ عَلى سائِرِ القِراءاتِ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ العامِلِ في (يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) إلَخْ.
عَلى ما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ وجَعَلَها غَيْرُ واحِدٍ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، و(ثُمَّ) إمّا عَلى ظاهِرِها بِناءً عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وإمّا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ بِناءً عَلى القَوْلَيْنِ الأخِيرَيْنِ لَأنَّ مَعْذِرَتَهم أوْ جَوابَهم هَذا أعْظَمُ مِنَ التَّوْبِيخِ السّابِقِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ هُناكَ تَراخٍ في الزَّمانِ بِناءً عَلى أنَّ المَوْقِفَ عَظِيمٌ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا عايَنُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَجَلِّي المَلِكِ الجَبّارِ جَلَّ جَلالُهُ عَلَيْهِمْ بِصِفَةِ الجَلالِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ حارُوا ودَهِشُوا فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الجَوابَ إلّا بَعْدَ زَمانٍ، ومِمّا يُنْبِئُ عَلى دَهْشَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ أنَّهم كَذَبُوا وحَلَفُوا في كَلامِهِمْ هَذا ولَوْ لَمْ يَكُونُوا حَيارى مَدْهُوشِينَ لَما قالُوا الَّذِي قالُوا لِأنَّ الحَقائِقَ تَنْكَشِفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَإذا اطَّلَعَ أهْلُها عَلَيْها وعَلى أنَّها لا تَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ لا مَنفَعَةَ لَهم في مِثْلِ ذَلِكَ اسْتَحالَ صُدُورُهُ عَنْهُمْ ولِلْغَفْلَةِ عَنْ بِناءِ الأمْرِ عَنِ الدَّهْشَةِ والحَيْرَةِ، مَنَعَ الجَبائِيُّ والقاضِي ومَن وافَقَهُما جَوازَ الكَذِبِ عَلى أهْلِ القِيامَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِما ذَكَرْنا وأجابُوا عَنِ الآيَةِ بِأنَّ المَعْنى ما كُنّا مُشْرِكِينَ في اعْتِقادِنا وظُنُونِنا وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم مُوَحِّدُونَ مُتَباعِدُونَ عَنِ الشِّرْكِ واعْتَرَضُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُونَ صادِقِينَ فِيما أخْبَرُوا فَلِمَ قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني: التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني: محمدا بنعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ وقال عبد الله بن سلام: أنا أعرف بالنبي من ابني لأني أشهد أنه رسول الله ، ولا أشهد لابني، لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي.
ثم قال: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ يعني: كعب بن الأشرف ومن تابعه ممن طلبوا الرئاسة، آثروا الدنيا على الآخرة.
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: ممن اختلق على الله كذبا باتخاذ الآلهة وقوله الشرك أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني: بالقرآن أنه ليس من عند الله إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: أنه لا يأمن الكافرون من عذابه.
قال في اللغة: إِنَّهُ: مرة تكون للإشارة مثل قوله: إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يوسف: 98] ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكافِرُونَ [المؤمنون: 117] إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وقوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يوم القيامة ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني: أين آلهتكم التي تزعمون.
يعني: تعبدون من دون الله ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ وأصل الفتنة في اللغة: هو الاختبار.
ويقال: فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته وإنما سمي جوابهم فتنة لأنهم حين سئلوا، اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك الاختبار فتنة إلا هذا القول.
ويقال: ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.
قال مجاهد: إن المشركين لما رأوا يوم القيامة إن الله لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم لبعض: يا ويلكم جئتم بما لا يغفر الله لكم.
هلموا الآن فلنكْذِبْ على أنفسنا، ونحلف على ذلك، فحلفوا.
فحينئذٍ ختم على أفواههم، فتشهد أيديهم وأرجلهم عليهم.
قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ بالتاء لأن الفتنة مؤنث فِتْنَتُهُمْ بضم التاء، لأنه اسم تكن.
وقرأ حمزة والكسائي: ثم لم يكن بالياء، لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه ليس بحقيقي، ولأن الفتنة بمعنى: الإفتان فانصرف إلى المعنى فِتْنَتُهُمْ بالنصب، فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده.
وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي: وَاللَّهِ رَبِّنا بنصب الباء.
ومعناه: يا ربنا.
وقرأ الباقون: وَاللَّهِ رَبِّنا بكسر الباء على معنى النعت.
قال الله تعالى لمحمد : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أي: كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم.
ويقال: يقول الله تعالى للملائكة: <div class="verse-tafsir"
في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين.
وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ المعنى: واذكر يوم نحشرهم.
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)
وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.
الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ.
ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ «١» ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: ٤٢] فانظره هناك.
قال ع «٢» : وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم «٣» .
وقال الضَّحَّاك»
: كلامهم.
وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه.
وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ هذا خِطَابٌ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: كَذَبُوا في أَمْرِ لم يَقَعْ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشكال في
اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ.
وَضَلَّ عَنْهُمْ معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه.
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية.
«أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل.
وقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها.
الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه.
وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر.
وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ.
وقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة.
وقيل: هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ «١» ، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ.
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال/ قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن «٢» .
وقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم «٣» ، والنَّأْيُ البعد.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ:" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ" بِالتّاءِ، "فِتْنَتُهُمْ" بِالرَّفْعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكُنْ" بِالتّاءِ أيْضًا، "فِتْنَتُهُمْ" بِالنَّصْبِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أيْضًا.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَكُنْ" بِالياءِ، "فِتْنَتُهُمْ" بِالنَّصْبِ.
وَفِي "الفِتْنَةِ "أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى الكَلامِ والقَوْلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضِّحاكُ: لَمْ يَكُنْ كَلامَهم.
والثّانِي: أنَّها المَعْذِرَةُ: قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: لَمْ تَكُنْ مَعْذِرَتُهم.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فالمَعْنى: اعْتَذَرُوا بِما هو مُهْلِكٌ لَهم، وسَبَبٌ لِفَضِيحَتِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى البَلِيَّةُ.
قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: لَمْ تَكُنْ بَلِيَّتُهم.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ تَكُنْ بَلِيَّتُهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ، وزادَتْهم لائِمَةً.
والرّابِعُ: أنَّها بِمَعْنى الِافْتِتانِ.
والمَعْنى: لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتُهم عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ.
ومِثْلُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا، فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتُفِيَتْ مِنهُ.
قالَ: وهَذا تَأْوِيلٌ لَطِيفٌ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ وتَصْرِفُ العَرَبِ في ذَلِكَ.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: أنَّهُمُ افْتُتِنُوا بِقَوْلِهِمْ هَذا، إذا كَذَبُوا فِيهِ، ونَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما كانُوا مَعْرُوفِينَ بِهِ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "واللَّهِ رَبِّنا" بِكَسْرِ الباءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلْفٌ: بِنَصْبِ الباءِ.
وَفِي هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ هَذا وصْفُهم قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ.
والثّانِي: المُنافِقُونَ.
وَمَتى يَحْلِفُونَ ? فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: إذا رَأوْا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ مُسْلِمًا قالُوا: تَعالَوْا نُكابِرُ عَنْ شِرْكِنا، فَحَلَفُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهم إذا دَخَلُوا النّارَ، ورَأوْا أهْلَ التَّوْحِيدِ يَخْرُجُونَ، حَلَفُوا[ واعْتَذَرُوا] قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهم إذا سُئِلُوا: أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ؟
تَبَرَّؤُوا، وحَلَفُوا: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".
وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.
و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".
والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا ﴾ ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".
وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .................
∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.
وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".
﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21]، أو على جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة ﴿ ومن أظلم ﴾ ومضمون جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ ، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك.
وانتصب ﴿ يومَ ﴾ على الظرفية، وعامله محذوف، والأظهر أنّه يقدّر ممَّا تدلّ عليه المعطوفات وهي: نقول، أو قالوا، أو كذّبوا، أو ضلّ، وكلّها صالحة للدلالة على تقدير المحذوف، وليست تلك الأفعال متعلّقاً بها الظرف بل هي دلالة على المتعلّق المحذوف، لأنّ المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم: ﴿ أين شركاؤكم ﴾ ، وتصوير تلك الحالة المهولة.
وقدّر في «الكشاف» الجواب ممَّا دلّ عليه مجموع الحكاية.
وتقديره: كان ما كان، وأنَّ حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف.
وقد سلك في هذا ما اعتاده أئمَّة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلّقات.
والأحسن عندي أنّه إنَّما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على تعيين المحذوف وإلاّ فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشدّ منه بالإبهام إذا كان كلّ جزء من التفصيل حاصلاً به تخويف.
وقدّر بعض المفسّرين: اذكر يوم نحشرهم.
ولا نكتة فيه.
وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرّج عليها.
والضمير المنصوب في ﴿ نحشرهم ﴾ يعود إلى ﴿ من افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21] أو إلى ﴿ الظالمون ﴾ [الأنعام: 21] إذ المقصود بذلك المشركون، فيؤذن بمشركين ومشرَك بهم.
وللتنبيه على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم جيء بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليدلَّ على قصد الشمول، فإنَّ شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردّد فيه السامع حتى يحتاج إلى تأكيده باسم الإحاطة والشمول، فتعيّن أنّ ذكر ﴿ جميعاً ﴾ قصد منه التنبيه.
على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم، فيكون نظير قوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ [يونس: 28] وقوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ﴾ [الفرقان: 17] وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ هنا على الحال من الضمير.
والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلّة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به، لأنّهم لو كانوا غائبين لظنّوا أنّهم لو حصروا لشفعوا، أو أنّهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة والنعيم، فإنّ الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم.
قال النابغة: يأملْن رحلة نصر وابن سيّار *** وعطف ﴿ نقولُ ﴾ بِ ﴿ ثم ﴾ لأنّ القول متأخّر عن زمن حشرهم بمهلة لأنّ حصّة انتظار المجرم ما سيحلّ به أشدّ عليه، ولأنّ في إهمال الاشتغال بهم تحقيراً لهم.
وتفيد ﴿ ثم ﴾ مع ذلك الترتيب الرتبي.
وصرّح بِ ﴿ الذين أشركوا ﴾ لأنّهم بعض ما شمله الضمير، أي ثم نقول للذين أشركوا من بين ذلك الجمع.
وأصل السؤال ب ﴿ أين ﴾ أنَّه استفهام عن المكان الذي يحلّ فيه المسند إليه، نحو: أين بيتك، وأين تذهبون.
وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له، فيراد الاستفهام عن سبب عدمه، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة ﴿ أين تقديم الصلاة ﴾ .
وقد يسأل ب ﴿ أين ﴾ عن عمل أحد كان مرجوّاً منه، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه بِ ﴿ أين ﴾ ، كأنّ السائل يبحث عن مكانه تنزيلاً له منزلة الغائب المجهول مكانه؛ فالسؤال ب ﴿ أين ﴾ هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلّت عليه آيات أخرى.
قال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ [الصافات: 22].
والاستفهام توبيخي عمّا كان المشركون يزعمونه من أنّها تشفع لهم عند الله، أو أنّها تنصرهم عند الحاجة، فلمّا رأوها لا غناء لها قيل لهم: أين شركاؤكم، أي أين عملهم فكأنّهم غُيّب عنهم.
وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنّهم الذين زعموا لهم الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلاّ في اعتقاد المشركين، فلذلك قيل ﴿ شركاؤكم ﴾ .
وهذا كقول أحد أبطال العرب لعَمرو بن معد يكرب لمّا حدّث عمرو في جمع أنّه قتله، وكان هو حاضراً في ذلك الجمع، فقال له: «مَهْلاً أبا ثور قتيلك يسمع»، أي المزعوم أنّه قتيلك.
ووصفوا ب ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ تكذيباً لهم؛ وحذف المفعول الثاني ل ﴿ تزعمون ﴾ ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب.
والزعم: ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه، فيقال: زعم، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية في سورة [النساء: 60].
وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى: ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ﴾ في سورة [التغابن: 7].
وقوله: ثم لم تكن فتنتهم } عطف على جملة ﴿ ثم نقول ﴾ و(ثم) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه.
والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم: فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث.
وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش؛ وقد يكون في البغض والحبّ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور.
وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إنّما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ في سورة [البقرة: 102].
﴿ وفتنتهم ﴾ هنا استثني منها ﴿ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة.
فالتقدير: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم ﴿ والله ربّنا ما كنا مشركين ﴾ .
وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه.
وأيّاً ما كان فقولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ.
وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر، ويكون في الكلام إيجاز.
والتقدير: فافتتنوا في ماذا يجيبون، فكان جوابهم أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها.
ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه، أي تجريب حالة نفسه.
ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار.
والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم، أو من الصدق وضدّه، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف، أي لم يكن جواب فتنتهم، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ لم تكن ﴾ بتاء تأنيث حرف المضارعة.
وقرأه حمزة، والكسائي، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أنّ ﴿ قالوا ﴾ هو اسم (كان).
وقرأ الجمهور ﴿ فتنتهم ﴾ بالنصب على أنّه خبر (كان)، فتكون (كان) ناقصة واسمها ﴿ إلاّ أن قالوا ﴾ وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور.
وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالرفع على أنّه اسم (كان) و ﴿ أنْ قالوا ﴾ خبر (كان)، فتجعل (كان) تامّة.
والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا.
ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب ﴿ فتنتهم ﴾ هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً، لأنّ القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين.
قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160]، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها.
وقرأ الجمهور ﴿ ربّنا ﴾ بالجرّ على الصفة لاسم الجلالة.
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه.
وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك، أي لا ربّ لنا غيره.
وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب.
ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا.
وفي «صحيح البخاري»: أنّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر منها قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [النساء: 42] وقوله: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .
فقد كتموا في هذه الآية.
فقال ابن عباس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً.
وقوله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر.
والأظهر أنّ ﴿ كيف ﴾ لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام.
والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها.
وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [النساء: 50].
وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل: كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً.
ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله: كذبوا على أنفسهم } .
وكذلك قوله ﴿ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ .
وفعل (كذب) يعدّى بحرف (على) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار ﴾ ، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال: كذبك، إذا أخبرك بكذب.
وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى: ﴿ ضلَلْنا في الأرض ﴾ [السجدة: 10]، أي غيّبنا فيها بالدفن.
و ﴿ ما ﴾ موصولة و ﴿ يفترون ﴾ صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم.
والمراد: غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال: أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الآيَةَ.
في الفِتْنَةِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَعْذِرَتَهم، فَسَمّاها فِتْنَةً لِحُدُوثِها عَنِ الفِتْنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ وهو شِرْكُهم.
والثّالِثُ: يَعْنِي بَلِيَّتَهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وزادَتْهم لائِمَةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ.
﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ تَبْدَأُوا بِذَلِكَ مِن شِرْكِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبُوا في الآخِرَةِ بِجُحُودِ الشِّرْكِ ولا يَصِحُّ مِنهُمُ الكَذِبُ في الآخِرَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم.
والثّانِي: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ القَبائِحِ مُلْجَؤُونَ إلى تَرْكِها لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ عَنْهم، ولَوْ لَمْ يَلْجَؤُوا إلى تَرْكِ القَبِيحِ ويُصْرَفُوا عَنْهُ مَعَ كَمالِ عُقُولِهِمْ وجَبَ تَكْلِيفُهم لِيُقْلِعُوا بِهِ عَنِ القَبِيحِ، وفي عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ دَلِيلٌ عَلى إلْجائِهِمْ إلى تَرْكِهِ.
قِيلَ: عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهم ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا عِنْدَ أنْفُسِنا لِاعْتِقادِنا فِيها أنَّنا عَلى صَوابٍ، وإنْ ظَهَرَ لَنا خَطَؤُهُ الآنَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم كَذِبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.
والثّانِي: أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَمَوْطِنٌ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ولا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، ومَوْطِنٌ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ويَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَقالُوا ذَلِكَ في المَوْطِنِ الأوَّلِ، قالَهُ بَعْضُ مُتَأخِّرِي المُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في المَوْطِنِ الأوَّلِ مُكَلَّفِينَ لِعَدَمِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وفي المَوْطِنِ الثّانِي غَيْرَ مُكَلَّفِينَ.
وَقَدْ يُعْتَلُّ الجَوابُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم بِالكَذِبِ، وهم عَلى الجَوابِ الأوَّلِ غَيْرُ كاذِبِينَ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِجَوابٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهم أنْكَرُوا بِألْسِنَتِهِمْ، فَلَمّا نَطَقَتْ جَوارِحُهم أقَرُّوا، وفي هَذا الجَوابِ دَخَلَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا نُطْقَ الجَوارِحِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِسُوءِ كَذِبِهِمْ وجُحُودِهِمْ.
والثّانِي: فَضَلَّتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ بِعِبادَتِها، والِافْتِراءُ: تَحْسِينُ الكَذِبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ في اللَّيْلِ قِراءَةَ النَّبِيِّ في صَلاتِهِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: لِيَعْلَمُوا مَكانَهُ فَيُؤْذُوهُ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ سَماعِهِ، بِإلْقاءِ النَّوْمِ عَلَيْهِمْ، بِأنْ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ.
والأكِنَّةُ الأغْطِيَةُ واحِدُها كِنانٌ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ، وأكْنَنْتُهُ في نَفْسِي إذا أخْفَيْتُهُ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: عَلى أعْيُنِهِمْ غِطاءٌ.
﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ والوَقْرُ: الثِّقَلُ، ومِنهُ الوَقارُ إذا ثَقُلَ في المَجْلِسِ.
﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ يَعْنِي بِالآيَةِ عَلامَةَ الإعْجازِ لِما قَدِ اسْتَحْكَمَ في أنْفُسِهِمْ مِن حَسَدِهِ وبُغْضِهِ، وذَلِكَ صَرَفَهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِسَماعِهِ الأذى والِافْتِراءَ.
﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيما كانُوا يُجادِلُونَ بِهِ النَّبِيَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُجادِلُونَهُ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ رَبُّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَمَعْنى ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يُسَطِّرُونَها في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَهم بِهَذا النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَنْهَوْنَ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ فِرارًا مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يُعْمَلَ بِما فِيهِ، ويَتَباعَدُونَ مِن سَماعِهِ كَيْلا يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمُ العِلْمُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: يَنْهَوْنَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَلا يُؤْمِنُ بِهِ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ في نَفْسِهِ.
واسْتَشْهَدَ مُقاتِلٌ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَنْ شِعْرِ أبِي طالِبٍ بِقَوْلِهِ: ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا ∗∗∗ وعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا الذَّمامَةُ أوْ أُحاذِرُ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَلِكَ مُبِينًا ∗∗∗ فاذْهَبْ لِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنكَ عُيُونًا ∗∗∗ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَرَأها عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أمّا أنْ أدْخُلَ في دِينِكَ فَلا»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِسابِقِ القَضاءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والقاسِمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ قال: معذرتهم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ قال: حجتهم ﴿ إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا.
فقال الله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ﴾ في القيامة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يكذبون في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ بالنصب ﴿ إلا أن قالوا والله ربنا ﴾ بالخفض.
وأخرج عبد بن حميد عن شعيب بن الحجاب.
سمعت الشعبي يقرأ ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب.
فقلت: إن أصحاب النحو يقرأونها ﴿ والله ربنا ﴾ بالخفض.
فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن علقمة أنه قرأ ﴿ والله ربنا ﴾ والله يا ربنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ ثم قال: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [ النساء: 42] قال: بجوارحهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ قال: قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الله لمشرك ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ قال: بتكذيب الله إياهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير.
أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ والله ربنا ﴾ بخفضها قال: حلفوا واعتذروا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ قال: باعتذارهم بالباطل والكذب ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يشركون به.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ (١) ﴿ يَكُنْ ﴾ بالياء والتاء، و (فتنتهم) رفعًا ونصبًا (٢) وجملة القول في هذا أنه يجوز تذكير الفتنة؛ لأنه بمعنى الافتتان، ويجوز تأنيث ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾ لوجهين: أحدهما: أنه بمعنى المقالة، والثاني: أن قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ هو الفتنة في المعنى؛ لأن ذلك القول هو فتنتهم، فإذا أسند الكون إليه جاز تأنيثه، كقوله تعالى: ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ ، فأنث الأمثال وواحدها مثل، حيث كانت الأمثال هاهنا في المعنى (٣) منهُ إذا هِيَ عَرَّدَتْ إقْدامُها (٤) فأنث الإقدام لما كان (٥) (٦) ﴿ يَكُنْ ﴾ بالتاء والياء، وتجعل أيهما شئت من الفتنة.
و ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾ الاسم أو الخبر، إلا أن الاختيار قرأه من جعل ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾ الاسم دون الخبر؛ لأن ﴿ أَنْ ﴾ إذا وصلت بالفعل لم توصف، فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المضمر إذا كان مع المظهر كان أن يكون الاسم أحسن، كقولك: كنت القائم، كذلك إذا كانت (أن) مع اسم غيرها كانت أن يكون الاسم أولى (٧) واختلفوا في معنى الفتنة هاهنا، فالأكثرون على أن معناه: ثم لم يكن جوابهم، وذلك لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب عن ذلك الاختبار (٨) (٩) (١٠) ﴿ فِتْنَتُهُمْ ﴾ : مقالتهم، وقال القرظي: (إجابتهم)، وقال قتادة (١١) ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ﴾ معذرتهم ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ ، وهذا راجع إلى معنى الجواب، وروي هذا القول عن ابن عباس، [ثم قال] (١٢) ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ (يعني معذرتهم حين يسألون عن آلهتهم ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ) (١٣) وقال أبو إسحاق: (تأويل هذه الآية تأويل حسن في اللغة لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى ذكر في هذه الأقاصيص التي جرت [من] (١٤) (١٥) (١٦) فالفتنة هاهنا بمعنى: الشرك والافتتان بالأوثان، ويؤيد هذا الوجه ما روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية في قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ قال: (يريد شركهم في الدنيا) (١٧) (١٨) واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا ﴾ فقرئ ﴿ رَبِّنَا ﴾ بالنصب والخفض (١٩) ﴿ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ﴾ .
والمعنى: آتيتهم أموالاً ليضلوا فلا يؤمنوا، ففصل بالمنادي بين فعله ومفعوله (٢٠) قوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ قال قتادة: (باعتذارهم بالباطل) (٢١) وقال عطاء: (بجحد شركهم في الآخرة) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ عطف على قوله: ﴿ انْظُرْ ﴾ تقديره: وكيف، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ (٢٣) (١) في (أ): (ثم لم يكن فتنتهم) قرئ (تكن) الأولى بالياء والثاني بالتاء.
(٢) قرأ حمزة والكسائي (يكن) بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن عامر وابن كثير وحفص عن عاصم (فتنتهم) برفع التاء، وقرأ الباقون == بالنصب.
انظر: "السبعة" ص 254 - 255، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 395، و"التيسير" ص 101 - 102، و"النشر" 2/ 257 (٣) في (ش): (في معنى).
(٤) "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 170، و"جمهرة أشعار العرب" 132، و"الخصائص" 2/ 415، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 13، و"مقاييس اللغة" 4/ 305، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 197، و"الإنصاف" 2/ 620، و"اللسان" 5/ 2872 (عرد)، و"الدر المصون" 4/ 573، وصدره: قمضى وقدمها كانت عادة وقوله: قمضى أي: حمار الوحشي، وقدمها أي: الآتان، وعردت: حادث عن الطريق، وأصل التعريد: الفرار، وإقدامها: تقدمها.
والشاهد: وكانت عادة إقدامها، حيث أنث كانت مع أن المسند إليه إقدمها، وهو مذكر؛ لأنه ذهب إلى تأثيث العادة، أو لأن الإقدام بمعنى التقدمة.
انظر: "شرح القصائد" للنحاس 1/ 392.
(٥) لفظ: (لما كان)، مكرر في (أ).
(٦) انظر: "الكتاب" 1/ 51.
(٧) هذا معنى قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 3/ 288 - 290.
وانظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 15/ 188، و"معاني القرآن" للزجاج 2/ 235، و"تفسير الطبري" 7/ 167، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 540، و"معاني القراءات" 1/ 347، و"إعراب القراءات" 1/ 153، و"الحجة" لابن خالويه ص 136، ولابن زنجلة ص 243، و"الكشف" 1/ 426، و"المشكل" 1/ 248، و"الدر المصون" 4/ 572.
(٨) في (ش): (الاختيار) بالياء، وهو تصحيف.
(٩) ذكره أبو حيان في "البحر" 4/ 95 عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي.
(١٠) "تفسير غريب القرآن" ص 152، و"تأويل مشكل القرآن" ص 472.
(١١) أخرجه الطبرى في "تفسيره" 7/ 167، من طرق جيدة، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 206، والطبري في "تفسيره" بسند جيد عنه قال: (مقالتهم).
(١٢) (ثم قال): ساقط من (ش)، ولعل الصواب: قال.
(١٣) ذكره البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير: 8/ 286 "الفتح".
في تفسير سورة الأنعام.
وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1273 بسند ضعيف، وفي رواية أخرى ضعيفة قال: (حجتهم).
وأخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 166 بسند ضعيف عنه قال: (قولهم)، وفي أخرى ضعيفة قال: (كلامهم).
(١٤) (لفظ): (من) ساقط من (أ).
(١٥) في (ش): (فحلوا)، وهو تحريف.
(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 235 - 236.
(١٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 182، وقال ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 144: (أي: لم تكن عاقبة شركهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه) ا.
هـ.
(١٨) انظر: "تفسير الرازي" 12/ 182.
(١٩) قرأ حمزة والكسائي (ربنا) بنصب الباء، والباقون بجرها.
انظر: "السبعة" ص 255، و"المبسوط" ص 167، و"التذكرة" 2/ 396، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 2/ 257.
(٢٠) هذا معنى قول الفارسي في "الحجة" 3/ 291، وانظر: "معاني الفراء" 1/ 330، والأخفش 2/ 270، والزجاج 2/ 236، و"إعراب النحاس" 1/ 541، و"معاني القراءات" 1/ 347، و"إعراب القراءات" 1/ 153، و"الحجة" لابن خالوية ص 137.
ولابن زنجلة ص 244، و"الكشف" 1/ 427، و"التبيان" 1/ 328، و"الدر المصون" 4/ 574.
(٢١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 168، بسند جيد.
(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 22.
(٢٣) أكثرهم على أن (وضل عنهم) معطوف على جملة (كذبوا)، فيكون داخلًا في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئنافًا فلا يندرج في حيز المنظور إليه.
انظر: الرازي == في "تفسيره" 12/ 185، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 402، و"البحر" 4/ 96، و"الدر المصون" 4/ 575.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى الكفر، أي لم تكن عاقبة كفرهم إلا جحوده والتبرؤ منه، وقيل: فتنتهم معذرتهم، وقيل: كلامهم، وقرئ فتنتهم بالنصب على خبر كان واسمها أن قالوا، وقرئ بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ جحود لشركهم، فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله ولا يكتمون الله حديثاً؟
فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر، لأن يوم القيامة طويل وقد قال ابن عباس لما سئل عن هذا السؤال: إنهم جحدوا طمعاً في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.
الباقون: بالسكون.
﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.
وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.
الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.
الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: بالجر على البدل أو البيان.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.
وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.
﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.
﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.
وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.
ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.
وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.
قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .
وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟
فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.
وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.
ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.
قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.
والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.
والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.
ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.
وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.
وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.
وقد يكون شق إفساد ومنه قوله ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.
والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.
وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.
والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.
وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.
ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.
ثم ذكر أن النبي مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.
قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.
أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟
﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.
ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه .
وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو .
ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.
فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.
والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.
فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.
وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.
والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.
ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.
والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.
ومنها أنه موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.
والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.
ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.
والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.
أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.
ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.
فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.
والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.
والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.
وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.
ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.
قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.
ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد لما ذكرنا من سبب النزول.
والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.
وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.
واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله وخالف جهم محتجاً بقوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.
فلو كان الباري شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.
وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.
والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.
ولو سلم فإنه واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.
وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.
قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.
قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.
وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.
وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.
وقيل: من الثقلين.
وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.
ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.
ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.
وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.
ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.
﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.
وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.
والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.
وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.
ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.
وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.
ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.
ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.
ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.
﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.
والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟
والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.
والتقدير شيء إلا أن قالوا.
وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.
أو بتأويل مقالتهم.
قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.
وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.
كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.
ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.
فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.
ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله عليهم؟
ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.
ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.
وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.
فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.
والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.
قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟
﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.
التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.
﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.
ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.
وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .
المطيع والعاصي، والكافر والمؤمن.
﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .
ذكر - هاهنا - شركاءهم، أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم، يفنون كما يفنون هم، وذكر في آية أخرى: ﴿ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أنهم شركائي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
قال الحسن: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا فيما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا، وسماهم مشركين؛ لأنهم كانوا [مشركين لأنهم] أشركوا في السرّ، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقال غيره من أهل التأويل: الآية نزلت في أهل الشرك من العرب؛ وذلك أنهم كانوا يشركون مع الله آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون الرسالة، فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته.
وقوله - -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ .
أي: لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على الله الكذب وإشراك غيره معه، وتكذيبهم آيات الله، إلا أن قالوا في الآخرة: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وذكر في [بعض] القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد، قال بعضهم لبعض: إذا سئلنا فقولوا: إنا كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم فقال: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ في الدنيا بأنهم معي شريك.
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ .
قال أهل التأويل: معذرتهم وجوابهم إلا الكذب حين سئلوا فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ تبرءوا من ذلك.
ثم قال الله: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ : في الآخرة، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : من الشرك في الدنيا.
قيل: لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم الله على ألسنتهم، وشهدت الجوارح عليهم بالشرك.
وقيل: انظر كيف كذبوا على أنفسهم، يقول: كيف صار وبال كذبهم عليهم؟!.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ قيل: واشتغل عنهم.
﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يقول: يكذبون.
وأصله: أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة العذاب، فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشدّ تكذيباً وأكثر تعنتاً؛ لأنهم يطلبون الرد إلى الدنيا بقولهم ﴿ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ثم لم يكن اعتذارهم بعد هذا الاختبار إلا أن تبرّؤوا من معبوداتهم، وقالوا كذبًا: والله ربنا ما كنا في الدنيا مشركين بك، بل كنا مؤمنين بك، موحدين لك.
<div class="verse-tafsir" id="91.r1Zlx"