الآية ٢٤ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٤ من سورة الأنعام

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهكذا قال في حق هؤلاء : ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ) كما قال ( ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا [ بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ] ) [ غافر : 73 ، 74 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: انظر، يا محمد، فاعلم، كيف كذَب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثانَ والأصنامَ، في الآخرة عند لقاء الله = على أنفسهم بقيلهم: " والله يا ربنا ما كنا مشركين ", واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها يتخلّقون في الدنيا، (28) من الكذب والفرية .

* * * ومعنى " النظر " في هذا الموضع، النظر بالقلب، لا النظر بالبصر.

وإنما معناه: تبين فاعلم كيف كذبوا في الآخرة .

* * * وقال: " كذبوا ", ومعناه: يكذبون, لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها، صار كالشيء الذي قد كانَ ووُجد .

* * * =" وضل عنهم ما كانوا يفترون " ، يقول: وفارقهم الأنداد والأصنام، وتبرءوا منها, فسلكوا غير سبيلها، لأنها هلكت, [وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتراء] , (29) ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله، وعبادتهم إياها، وإشراكهم إياها في سلطان الله, فضلت عنهم, وعوقب عابدُوها بفريتهم.

* * * وقد بينا فيما مضى أن معنى " الضلال "، الأخذ على غير الهدى.

(30) * * * وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سَعةَ رحمة الله يومئذ.

ذكر الرواية بذلك: 13140 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو, عن مطرّف, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: سمعت الله يقول: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ , (31) وقال في آية أخرى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء: 42] ؟

قال ابن عباس: أما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام: قالوا: " تعالوا نجحد "، فقالوا: " وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ"، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم،" وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ".

(32) 13141 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: قول أهل الشرك، حين رأوا الذنوب تغفر, ولا يغفر الله لمشرك =" انظر كيف كذبوا على أنفسهم "، بتكذيب الله إياهم .

13142- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, بنحوه .

13143 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، ثم قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ، [سورة النساء: 42] ، بجوارحهم .

13144 - حدثنا ابن وكيع, قال ، حدثنا أبي, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال : حلفوا واعتذروا, قالوا: " والله ربنا ".

(33) 13145- حدثني المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن سعيد بن جبير قال، أقسموا واعتذروا: " والله ربنا ".

13146- حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع, عن حمزة الزيات, عن رجل يقال له هشام, عن سعيد بن جبير، بنحوه .

13147- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن سفيان بن زياد العُصْفري, عن سعيد بن جبير في قوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " والله : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد, قال من فيها من المشركين: " تعالوا نقول: لا إله إلا الله, لعلنا نخرج مع هؤلاء ".

قال: فلم يصدَّقوا .

قال: فحلفوا: " والله ربنا ما كنا مشركين ".

قال: فقال الله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون ".

(34) 13148 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " وضل عنهم ما كانوا يفترون " أي: يشركون.

(35) 13149- حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا المنهال بن عمرو, عن سعيد عن جبير, عن ابن عباس في قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم, قالوا: تعالوا إذا سئلنا قلنا: " والله ربنا ما كنا مشركين ".

فسئلوا, فقالوا ذلك, فختم الله على أفواههم، وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم, فودَّ الذين كفروا حين رأوا ذلك: " لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا ".

13150- حدثني الحارث قال، حدثني عبد العزيز قال، حدثنا مسلم بن خلف, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: يأتي على الناس يوم القيامة ساعة، لما رأوا أهلُ الشرك أهلَ التوحيد يغفر لهم (36) فيقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " ، قال: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ".

(37) 13151- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز, قال حدثنا سفيان عن رجل, عن سعيد بن جبير: أنه كان يقول: " والله ربِّنا ما كنا مشركين "، يخفضها.

قال : أقسموا واعتذروا = قال الحارث قال، عبد العزيز, قال سفيان مرة أخرى: حدثني هشام, عن سعيد بن جبير .

------------------------ الهوامش : (28) في المطبوعة: "بها متخلقين" ، وفي المخطوطة: "بها متخلقون" ، وهذا صواب قراءتها.

(29) هكذا جاء في المطبوعة ما وضعته بين القوسين ، وهو في المخطوطة: "وعبدوا الذين كانوا يعبدونها إصرا" ، غير منقوطة.

ولم أهتد إلى الصواب ، وأخشى أن يكون سقط من الكلام سطر أو بعضه ، فلذلك آثرت أن أضع ما في المطبوعة بين قوسين ، ولأني في ريبة من أمره.

(30) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(31) في المطبوعة: "أتى رجل ابن عباس فقال ، قال الله: والله ربنا .

.

." ، أما المخطوطة ففيها خرم ، كان فيها: "أتى رجل ابن عباس وقال في آية أخرى" ، ولذلك تصرف ناشر المطبوعة.

والذي أثبته هو الصواب ، وهو نص الأثر الذي رواه أبو جعفر قديمًا ، كما سيأتي في التخريج.

وقد صححت حروفًا في هذا الخبر من الأثر السالف ولم أشر إليها هنا.

(32) الأثر: 13140 - مضى هذا الخبر برقم: 9520 (ج 8: 373).هذا وقد اختصر أبو جعفر أخبار ابن عباس هذه ، فإنه روى هناك خبرين آخرين رقم: 9521 ، 9522 ، تبين منهما أن السائل هو نافع بن الأزرق ، وكان يأتي ابن عباس ليلقى عليه متشابه القرآن.

وهذا من ضروب اختصار أبي جعفر في تفسيره هذا.

وأيضًا فإنه سيأتي هنا آثار في تفسير آية سورة النساء: 42 (ج 8: 371 - 375) لم يذكرها هناك ، كما سترى في الآثار التالية.

(33) الأثر: 13144 -"هشام" ، الذي يروي عنه"حمزة الزيات" ، لم أعرفه.

(34) الأثر: 13147 -"سفيان بن زياد العصفري" ، مضى برقم: 2331.

(35) في المطبوعة: "يشركون به" بالزيادة ، وأثبت ما في المخطوطة.

(36) في المطبوعة: "لما رأى أهل الشرك" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو لغة من لغات العرب جائزة.

(37) الأثر: 13150 -"مسلم بن خلف" ، لم أجد له ترجمة ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون[ ص: 313 ] قوله تعالى : انظر كيف كذبوا على أنفسهم كذب المشركين قولهم : إن عبادة الأصنام تقربنا إلى الله زلفى ، بل ظنوا ذلك وظنهم الخطأ لا يعذرهم ولا يزيل اسم الكذب عنهم ، وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل ، وجحدهم نفاقهم .

وضل عنهم ما كانوا يفترون أي : فانظر كيف ضل عنهم افتراؤهم أي : تلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم .

وقيل : وضل عنهم ما كانوا يفترون أي : فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغن عنهم شيئا ; عن الحسن .

وقيل : المعنى عزب عنهم افتراؤهم لدهشهم ، وذهول عقولهم .

والنظر في قوله : انظر يراد به نظر الاعتبار ; ثم قيل : كذبوا بمعنى يكذبون ، فعبر عن المستقبل بالماضي ; وجاز أن يكذبوا في الآخرة لأنه موضع دهش وحيرة وذهول عقل .

وقيل : لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة ; لأنها دار جزاء على ما كان في الدنيا - وعلى ذلك أكثر أهل النظر - وإنما ذلك في الدنيا ; فمعنى والله ربنا ما كنا مشركين على هذا : ما كنا مشركين عند أنفسنا ; وعلى جواز أن يكذبوا في الآخرة يعارضه قوله : ولا يكتمون الله حديثا ; ولا معارضة ولا تناقض ; لا يكتمون الله حديثا في بعض المواطن إذا شهدت عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بعملهم ، ويكذبون على أنفسهم في بعض المواطن قبل شهادة الجوارح على ما تقدم .

والله أعلم .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى : والله ربنا ما كنا مشركين قال : اعتذروا وحلفوا ; وكذلك قال ابن أبي نجيح وقتادة : وروي عن مجاهد أنه قال : لما رأوا أن الذنوب تغفر إلا الشرك بالله والناس يخرجون من النار قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين وقيل : والله ربنا ما كنا مشركين أي : علمنا أن الأحجار لا تضر ولا تنفع ، وهذا وإن كان صحيحا من القول فقد صدقوا ولم يكتموا ، ولكن لا يعذرون بهذا ; فإن المعاند كافر غير معذور .

ثم قيل في قوله : ثم لم تكن فتنتهم خمس قراءات : قرأ حمزة والكسائي " يكن " بالياء " فتنتهم " بالنصب خبر " يكن " إلا أن قالوا اسمها أي إلا قولهم ; فهذه قراءة بينة .

وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو " تكن " بالتاء " فتنتهم " بالنصب إلا أن قالوا أي إلا مقالتهم .

وقرأ أبي وابن مسعود وما كان - بدل قوله ( ثم لم تكن - فتنتهم ) .

إلا أن قالوا وقرأ ابن عامر وعاصم من رواية حفص ، والأعمش من رواية المفضل ، والحسن وقتادة وغيرهم ( ثم لم تكن ) بالتاء ( فتنتهم ) بالرفع اسم " تكن " والخبر إلا أن قالوا فهذه أربع قراءات .

الخامسة : ( ثم لم يكن ) بالياء ( فتنتهم ) ; رفع ويذكر الفتنة لأنها [ ص: 314 ] بمعنى الفتون ، ومثله فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى .

( والله ) الواو واو القسم ( ربنا ) نعت لله عز وجل ، أو بدل .

ومن نصب فعلى النداء أي : يا ربنا وهي قراءة حسنة ; لأن فيها معنى الاستكانة والتضرع ، إلا أنه فصل بين القسم وجوابه بالمنادى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ انْظُرْ } متعجبا منهم ومن أحوالهم { كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } أي: كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم-والله- غاية الضرر { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الشركاء الذين زعموهم مع الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فقال عز وجل : ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك ، ( وضل عنهم ) زال وذهب عنهم ( ما كانوا يفترون ) من الأصنام ، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها ، فبطل كله في ذلك اليوم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

قال تعال: «أنظر» يا محمد «كيف كذبوا على أنفسهم» بنفي الشرك عنهم «وضلَّ» غاب «عنهم ما كانوا يفترونـ» ـه على الله من الشركاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

تأمل -أيها الرسول- كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم وهم في الآخرة قد تبرؤوا من الشرك؟

وذهب وغاب عنهم ما كانوا يظنونه من شفاعة آلهتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }والمراد بالنظر هنا : التدبر والتفكير .والمعنى : انظر - أيها العاقل - وتأمل كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم فى قولهم والله ربنا وما كنا مشركين ، وغاب عن عملهم ما كانوا يفترونه فى الدنيا من الأقوال الباطلة ، وما كانوا يفعلونه من جعلهم لله شركاء .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور مع أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟

قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً : ألا تراهم يقولون { رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه { وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } وقد علموا أنه لا يقضى عليهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أعلم أن هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ ثُمَّ لَمْ يَكُنِ ﴾ بالياء وفتنتهم بالنصب، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة، فهاهنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لسكونه اسم تكن، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا: فتنة في المعنى، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت، ونصب فتنتهم، فهاهنا قوله أن قالوا: في محل الرفع لكونه اسم يكن، وفتنتهم هو الخبر.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر، فكما أن المظهر والمضمر، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً، فكذا هاهنا تقول كنت القائم، فجعلت المضمر اسماً والمظهر خبراً فكذا هاهنا، ونقول قراءة حمزة والكسائي: والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن: أحدهما: بإضمار أعني وأذكر، والثاني: على النداء، أي والله يا ربنا، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى.

المسألة الثانية: قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك، وذلك أن الله تعالى بيّن كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين: ومثاله أن ترى إنساناً يحب عارياً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال له ما كانت محبتك لفلان، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة هاهنا افتتانهم بالأوثان، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس: أنه قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ معناه شركهم في الدنيا، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان، إلا أن فررت منه وتركته.

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي: أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة، وللناس فيه قولان: الأول: وهو قول أبي علي الجبائي، والقاضي: أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه: الأول: أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار، إذ لو يعرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف، وذلك باطل، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح، وأنه لا يجوز، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز منهم فعل القبيح، إذا كانوا عقلاء إلا أنا نقول: لم لا يجوز أن يقال: إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم، فقالوا: هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم، أو يقال: إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا.

والجواب عن الأول: أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم: ويورد عليهم التوبيخ بقوله: ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ  ﴾ ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى، وأيضاً فالمكلفون لابد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين.

والجواب عن الثاني: أن النسيان: لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال، وإن بعد العهد، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهراً طويلاً، ومع ذلك فقد نسيه، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة.

الحجة الثانية: أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال: إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب.

الحجة الثالثة: أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب، فتصير الدار الآخرة دار التكليف، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقاباً وذماً، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب، وأنه باطل، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب.

وإذا ثبت هذا: فعند ذلك قالوا يحمل قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير: يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم، فلماذا قال الله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ ولنا أنه ليس تحت قوله: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم: إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ اختلاف الحالين، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب.

هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي.

والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا: والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون  ﴾ مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ والثاني: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون  ﴾ بعد قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب  ﴾ فشبّه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.

والثالث: قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب.

والرابع: قوله حكاية عنهم ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  ﴾ وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص.

والخامس: أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم أَنَّهُمْ قالوا: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر.

ثم حمل قوله بعد ذلك ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد.

أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول: لا يبعد أن يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله: كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك.

وأما قوله ثانياً المكلفون لابد أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول: اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات.

فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ فالمراد إنكارهم كونهم مشركين، وقوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ عطف على قوله: ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ تقديره: وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئاً وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ ناصبه محذوف تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف ﴿ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴾ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله.

وقوله: ﴿ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ معناه تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان.

وقرئ: ﴿ يحشرهم ﴾ .

﴿ ثم يقول ﴾ بالياء فيهما.

وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ، ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة.

فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم، وحسرتهم ﴿ فِتْنَتُهُمْ ﴾ كفرهم.

والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم- الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به.

ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمي فتنة؛ لأنه كذب.

وقرئ: ﴿ تكن ﴾ بالتاء و(فتنتهم)، بالنصب.

وإنما أنث ﴿ أَن قَالُواْ ﴾ لوقوع الخبر مؤنثاً، كقولك: من كانت أمّك؟

وقرئ بالياء ونصب الفتنة.

وبالياء والتاء مع رفع الفتنة.

وقرئ: ﴿ ربنا ﴾ بالنصب على النداء ﴿ وَضَلَّ عَنْهُم ﴾ وغاب عنهم ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ أي يفترون إلهيته وشفاعته.

فإن قلت: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟

قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً: ألا تراهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون ﴾ [المؤمنون: 107] وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ [الزخرف: 77] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحملُ قوله: ﴿ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ يعني في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ.

وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون ﴾ [المجادلة: 18] بعد قوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [المجادلة: 14] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها، وحَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا تَعَسُّفٌ يُخِلُّ بِالنُّظُمِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ.

﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، والمُرادُ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ والنَّضِرُ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُمُ، اجْتَمَعُوا فَسَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ  يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ ما يَقُولُ، فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ إنِّي لَأرى حَقًّا فَقالَ أبُو جَهْلٍ كَلّا.

﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ وهو ما يَسْتُرُ الشَّيْءَ.

﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ.

﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» .

﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ.

﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ ﴾ أيْ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ، وحَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ لا عَمَلَ لَها، والجُمْلَةُ إذا وجَوابُهُ وهُوَ: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فَإنْ جَعْلَ أصْدَقَ الحَدِيثَ خُرافاتِ الأوَّلِينَ غايَةُ التَّكْذِيبِ، ويُجادِلُونَكَ حالٌ لِمَجِيئِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ وإذا جاءُوكَ في مَوْضِعِ الجَرِّ ويُجادِلُونَكَ حالٌ ويَقُولُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والأساطِيرُ الأباطِيلُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ أوْ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وأصْلُهُ السَّطْرُ بِمَعْنى الخَطِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{انظر} يا محمد {كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ} بقولهم مَا كُنَّا مشركين

الأنعام (٢٤ _ ٢٧)

قال مجاهد إذا جمع الله الخلائق ورأى المشركون سعة رحمة الله وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد فإذا قال لهم الله أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم {وَضَلَّ عَنْهُم} وغاب عنهم {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} إلهيته وشفاعته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ ﴿ ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ وأجابُوا بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّهم كَذَبُوا في الآخِرَةِ بَلِ المُرادُ انْظُرُ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في الدُّنْيا، ورُدَّ بِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى بِوَجْهٍ ولا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لِأنَّها في شَأْنِ خُسْرِهم وأمْرِهِمْ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا بَلْ تَنْبُو عَنْهُ أشَدُّ نَبْوٍ لِأنَّ أوَّلَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وآخِرَهُ في ذَلِكَ فَتَخَلَّلَ بَيانَ حالِهِمْ في الدُّنْيا تَفْكِيكٌ لَهُ وتَعَسَّفَ جِدًّا، ويُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ حَيْثُ شَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا ويُشِيرُ إلى هَذا التَّشْبِيهِ أيْضًا الأمْرُ بِالنَّظَرِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن نَظَرَ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ كَذِبٌ وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ لِمُخْبِرِهِ ألا تَراهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبَرُّؤَهم كَذِبا مَعَ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ 42 - أيْ سُلِبُوا عِلْمَهُ حِينَئِذٍ دَهَشًا وحَيْرَةً فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إطْلاقَ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ غَيْرُ ظاهِرٍ، والمَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها ويَقُولُونَ فِيها: ﴿ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وإيقاعُ الِافْتِراءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى أيْ لا زالَتْ وذَهَبَتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي يَفْتَرُونَ فِيها ما يَفْتَرُونَ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ: إنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ ضَلَّ افْتِراؤُهم كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ أيْ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّها عَطْفٌ عَلى (كَذَبُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّعَجُّبِ إذِ الِاسْتِفْهامُ السّابِقُ المُعَلَّقُ لا نَظَرَ لِذَلِكَ، وجَعَلَ المَعْنى عَلى احْتِمالِ المَوْصُولِ والمَصْدَرِيَّةِ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ المُغَلَّظَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِإنْكارِ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهُمْ، وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم أوْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإشْراكِ حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وتَبَرَّءُوا بِالمَرَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: انظر إليهم كيف يكذبون على أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني: ذهب عنهم.

ويقال: اشتغل عنهم الآلهة بأنفسها مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ على الله من الكذب في الدنيا.

قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: إلى حديثك وقراءتك.

يعني: يستمعون ولا ينفعهم ذلك وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني: غطاءً مجازاً لكفرهم.

وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يعني: صمماً وثقلاً لا يفقهون حديثك.

وقال قتادة: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي تسمع القول ولا تدري ما هو.

ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها يعني: انشقاق القمر وغيره حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يعني: يخاصمونك بالباطل، وينكرون أن القرآن من الله تعالى يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وذلك أن النضر بن الحارث كان يخبر أهل مكة بسير المتقدمين وبأخبارهم فقالوا له: ما ترى فيما يقول محمد  قال: لا أفهم مما يقول شيئاً، ولا أدري أنه من أساطير الأولين الذي أخبركم به مثل حديث رستم واسفنديار.

وقال القتبي: واحدها أسطورة واسطارة ومعناها: التَّرهات.

والأباطيل البسابس، وهي شيء لا نظام له وليس بشيء.

وفي هذا دلالة نبوة محمد  لأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بالسر، فيُظهِر الله أسرارهم للنبي  .

قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ يعني: أهل مكة ينهون الناس عن محمد أن يتبعوه ويتباعدون عنه أي: يتنافرون.

ويقال: نزل في شأن أبي طالب.

كان يقول للنبي  : إن قريشاً لن يصلوا إليك حتى أوسد في التراب، فامض يا ابن أخي فما عليك غضاضة يعني: ذلاًّ وكان لا يسلم لأجل المقالة فنزل وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ يعني: أبا طالب ينهى قريشاً عن إيذائه، وينأى عنه، ويتباعد عن دينه.

وهذا قول الكلبي والضحاك ومقاتل.

والقول الأول أيضاً قول الكلبي.

ثم قال: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ يعني: وما يهلكون إلا أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ بذلك.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين.

وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ المعنى: واذكر يوم نحشرهم.

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)

وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.

الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ.

ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ «١» ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: ٤٢] فانظره هناك.

قال ع «٢» : وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم «٣» .

وقال الضَّحَّاك»

: كلامهم.

وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه.

وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ هذا خِطَابٌ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: كَذَبُوا في أَمْرِ لم يَقَعْ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشكال في

اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ.

وَضَلَّ عَنْهُمْ معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه.

وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية.

«أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها.

الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه.

وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر.

وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ.

وقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة.

وقيل: هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ «١» ، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ.

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال/ قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن «٢» .

وقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم «٣» ، والنَّأْيُ البعد.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ: بِاعْتِذارِهِمْ بِالباطِلِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ أيْ: ذَهَبَ ما كانُوا يَدَّعُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لَلَّهِ، وشُفَعاؤُهم في الآَخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ  ﴾ ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".

وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.

و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها  ﴾ ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿ إلا أنْ قالُوا ﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".

والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ وَفَتَنّاكَ فُتُونًا  ﴾ ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا  ﴾ ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".

وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: .................

∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا  ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".

﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21]، أو على جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة ﴿ ومن أظلم ﴾ ومضمون جملة ﴿ إنّه لا يفلح الظالمون ﴾ ، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك.

وانتصب ﴿ يومَ ﴾ على الظرفية، وعامله محذوف، والأظهر أنّه يقدّر ممَّا تدلّ عليه المعطوفات وهي: نقول، أو قالوا، أو كذّبوا، أو ضلّ، وكلّها صالحة للدلالة على تقدير المحذوف، وليست تلك الأفعال متعلّقاً بها الظرف بل هي دلالة على المتعلّق المحذوف، لأنّ المقصود تهويل ما يحصل لهم يوم الحشر من الفتنة والاضطراب الناشئين عن قول الله تعالى لهم: ﴿ أين شركاؤكم ﴾ ، وتصوير تلك الحالة المهولة.

وقدّر في «الكشاف» الجواب ممَّا دلّ عليه مجموع الحكاية.

وتقديره: كان ما كان، وأنَّ حذفه مقصود به الإبهام الذي هو داخل في التخويف.

وقد سلك في هذا ما اعتاده أئمَّة البلاغة في تقدير المحذوفات من الأجوبة والمتعلّقات.

والأحسن عندي أنّه إنَّما يصار إلى ذلك عند عدم الدليل في الكلام على تعيين المحذوف وإلاّ فقد يكون التخويف والتهويل بالتفصيل أشدّ منه بالإبهام إذا كان كلّ جزء من التفصيل حاصلاً به تخويف.

وقدّر بعض المفسّرين: اذكر يوم نحشرهم.

ولا نكتة فيه.

وهنالك تقديرات أخرى لبعضهم لا ينبغي أن يعرّج عليها.

والضمير المنصوب في ﴿ نحشرهم ﴾ يعود إلى ﴿ من افترى على الله كذباً ﴾ [الأنعام: 21] أو إلى ﴿ الظالمون ﴾ [الأنعام: 21] إذ المقصود بذلك المشركون، فيؤذن بمشركين ومشرَك بهم.

وللتنبيه على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم جيء بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليدلَّ على قصد الشمول، فإنَّ شمول الضمير لجميع المشركين لا يتردّد فيه السامع حتى يحتاج إلى تأكيده باسم الإحاطة والشمول، فتعيّن أنّ ذكر ﴿ جميعاً ﴾ قصد منه التنبيه.

على أنّ الضمير عائد إلى المشركين وأصنامهم، فيكون نظير قوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ﴾ [يونس: 28] وقوله: ﴿ ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون الله ﴾ [الفرقان: 17] وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ هنا على الحال من الضمير.

والمقصود من حشر أصنامهم معهم أن تظهر مذلّة الأصنام وعدم جدواها كما يحشر الغالب أسرى قبيلة ومعهم من كانوا ينتصرون به، لأنّهم لو كانوا غائبين لظنّوا أنّهم لو حصروا لشفعوا، أو أنّهم شغلوا عنهم بما هم فيه من الجلالة والنعيم، فإنّ الأسرى كانوا قد يأملون حضور شفائعهم أو من يفاديهم.

قال النابغة: يأملْن رحلة نصر وابن سيّار *** وعطف ﴿ نقولُ ﴾ بِ ﴿ ثم ﴾ لأنّ القول متأخّر عن زمن حشرهم بمهلة لأنّ حصّة انتظار المجرم ما سيحلّ به أشدّ عليه، ولأنّ في إهمال الاشتغال بهم تحقيراً لهم.

وتفيد ﴿ ثم ﴾ مع ذلك الترتيب الرتبي.

وصرّح بِ ﴿ الذين أشركوا ﴾ لأنّهم بعض ما شمله الضمير، أي ثم نقول للذين أشركوا من بين ذلك الجمع.

وأصل السؤال ب ﴿ أين ﴾ أنَّه استفهام عن المكان الذي يحلّ فيه المسند إليه، نحو: أين بيتك، وأين تذهبون.

وقد يسأل بها عن الشيء الذي لا مكان له، فيراد الاستفهام عن سبب عدمه، كقول أبي سعيد الخدري لمروان بن الحكم حين خرج يوم العيد فقصد المنبر قبل الصلاة ﴿ أين تقديم الصلاة ﴾ .

وقد يسأل ب ﴿ أين ﴾ عن عمل أحد كان مرجوّاً منه، فإذا حضر وقته ولم يحصل منه يسأل عنه بِ ﴿ أين ﴾ ، كأنّ السائل يبحث عن مكانه تنزيلاً له منزلة الغائب المجهول مكانه؛ فالسؤال ب ﴿ أين ﴾ هنا عن الشركاء المزعومين وهم حاضرون كما دلّت عليه آيات أخرى.

قال تعالى: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله ﴾ [الصافات: 22].

والاستفهام توبيخي عمّا كان المشركون يزعمونه من أنّها تشفع لهم عند الله، أو أنّها تنصرهم عند الحاجة، فلمّا رأوها لا غناء لها قيل لهم: أين شركاؤكم، أي أين عملهم فكأنّهم غُيّب عنهم.

وأضيف الشركاء إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص لأنّهم الذين زعموا لهم الشركة مع الله في الإلهية فلم يكونوا شركاء إلاّ في اعتقاد المشركين، فلذلك قيل ﴿ شركاؤكم ﴾ .

وهذا كقول أحد أبطال العرب لعَمرو بن معد يكرب لمّا حدّث عمرو في جمع أنّه قتله، وكان هو حاضراً في ذلك الجمع، فقال له: «مَهْلاً أبا ثور قتيلك يسمع»، أي المزعوم أنّه قتيلك.

ووصفوا ب ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ تكذيباً لهم؛ وحذف المفعول الثاني ل ﴿ تزعمون ﴾ ليعمّ كلّ ما كانوا يزعمونه لهم من الإلهية والنصر والشفاعة؛ أمّا المفعول الأول فحذف على طريقة حذف عائد الصلة المنصوب.

والزعم: ظنّ يميل إلى الكذب أو الخطأ أو لغرابته يتّهم صاحبه، فيقال: زعم، بمعنى أنّ عهدة الخبر عليه لا على الناقل، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية في سورة [النساء: 60].

وتأتي زيادة بيان لمعنى الزعم عند قوله تعالى: ﴿ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ﴾ في سورة [التغابن: 7].

وقوله: ثم لم تكن فتنتهم } عطف على جملة ﴿ ثم نقول ﴾ و(ثم) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه.

والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم: فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث.

وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش؛ وقد يكون في البغض والحبّ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور.

وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ إنّما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ في سورة [البقرة: 102].

﴿ وفتنتهم ﴾ هنا استثني منها ﴿ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة.

فالتقدير: لم يكن لهم قول هو فتنة لهم إلاّ قولهم ﴿ والله ربّنا ما كنا مشركين ﴾ .

وإمّا أن يكون القول المستثنى دالاً على فتنتهم، أي على أنّهم في فتنة حين قالوه.

وأيّاً ما كان فقولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ متضمّن أنّهم مفتونون حينئذٍ.

وعلى ذلك تحتمل الفتنة أن تكون بمعنى اضطراب الرأي والحيرة في الأمر، ويكون في الكلام إيجاز.

والتقدير: فافتتنوا في ماذا يجيبون، فكان جوابهم أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ فعدل عن المقدّر إلى هذا التركيب لأنّه قد علم أنّ جوابهم ذلك هو فتنتهم لأنّه أثرها ومظهرها.

ويحتمل أن يراد بالفتنة جوابهم الكاذب لأنّه يفضي إلى فتنة صاحبه، أي تجريب حالة نفسه.

ويحتمل أن تكون أطلقت على معناها الأصلي وهو الاختبار.

والمراد به السؤال لأنّ السؤال اختبار عمّا عند المسؤول من العلم، أو من الصدق وضدّه، ويتعيّن حينئذٍ تقدير مضاف، أي لم يكن جواب فتنتهم، أي سؤالهم عن حال إشراكهم إلاّ أن قالوا: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ لم تكن ﴾ بتاء تأنيث حرف المضارعة.

وقرأه حمزة، والكسائي، ويعقوب بياء المضارعة للغائبة باعتبار أنّ ﴿ قالوا ﴾ هو اسم (كان).

وقرأ الجمهور ﴿ فتنتهم ﴾ بالنصب على أنّه خبر (كان)، فتكون (كان) ناقصة واسمها ﴿ إلاّ أن قالوا ﴾ وإنّما أخّر عن الخبر لأنّه محصور.

وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم بالرفع على أنّه اسم (كان) و ﴿ أنْ قالوا ﴾ خبر (كان)، فتجعل (كان) تامّة.

والمعنى لم توجد فتنة لهم إلاّ قولهم: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ ، أي لم تقع فتنتهم إلاّ أن نفوْا أنّهم أشركوا.

ووجه اتّصال الفعل بعلامة مضارعة للمؤنّث على قراءة نصب ﴿ فتنتهم ﴾ هو أنّ فاعله مؤنَّث تقديراً، لأنّ القول المنسبك من (أن) وصلتها من جملة الفتنة على أحد التأويلين.

قال أبو علي الفارسي: وذلك نظير التأنيث في اسم العدد في قوله تعالى: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [الأنعام: 160]، لأنّ الأمثال لمّا كانت في معنى الحسنات أنّث اسم عددها.

وقرأ الجمهور ﴿ ربّنا ﴾ بالجرّ على الصفة لاسم الجلالة.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالنصب على النداء بحذف حرفه.

وذكرُهم الربّ بالإضافة إلى ضميرهم مبالغة في التنصّل من الشرك، أي لا ربّ لنا غيره.

وقد كذّبوا وحلفوا على الكذب جرياً على سننهم الذي كانوا عليه في الحياة، لأنّ المرء يحشر على ما عاش عليه، ولأنّ الحيرة والدهش الذي أصابهم خيّل إليهم أنّهم يموّهون على الله تعالى فيتخلّصون من العقاب.

ولا مانع من صدور الكذب مع ظهور الحقيقة يومئذٍ، لأنّ الحقائق تظهر لهم وهم يحسبون أنّ غيرهم لا تظهر له، ولأنّ هذا إخبار منهم عن أمر غائب عن ذلك اليوم فإنّهم أخبروا عن أمورهم في الدنيا.

وفي «صحيح البخاري»: أنّ رجلاً قال لابن عباس: إنِّي أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، فذكر منها قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [النساء: 42] وقوله: ﴿ والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾ .

فقد كتموا في هذه الآية.

فقال ابن عباس: إنّ الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشركون تعالوا نقل: ما كنّا مشركين، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرفوا أنّ الله لا يُكتم حديثاً.

وقوله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر.

والأظهر أنّ ﴿ كيف ﴾ لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام.

والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها.

وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى: ﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [النساء: 50].

وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل: كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً.

ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله: كذبوا على أنفسهم } .

وكذلك قوله ﴿ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ﴾ .

وفعل (كذب) يعدّى بحرف (على) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار ﴾ ، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال: كذبك، إذا أخبرك بكذب.

وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى: ﴿ ضلَلْنا في الأرض ﴾ [السجدة: 10]، أي غيّبنا فيها بالدفن.

و ﴿ ما ﴾ موصولة و ﴿ يفترون ﴾ صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم.

والمراد: غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال: أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الآيَةَ.

في الفِتْنَةِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَعْذِرَتَهم، فَسَمّاها فِتْنَةً لِحُدُوثِها عَنِ الفِتْنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ وهو شِرْكُهم.

والثّالِثُ: يَعْنِي بَلِيَّتَهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وزادَتْهم لائِمَةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ.

﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ تَبْدَأُوا بِذَلِكَ مِن شِرْكِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبُوا في الآخِرَةِ بِجُحُودِ الشِّرْكِ ولا يَصِحُّ مِنهُمُ الكَذِبُ في الآخِرَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم.

والثّانِي: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ القَبائِحِ مُلْجَؤُونَ إلى تَرْكِها لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ عَنْهم، ولَوْ لَمْ يَلْجَؤُوا إلى تَرْكِ القَبِيحِ ويُصْرَفُوا عَنْهُ مَعَ كَمالِ عُقُولِهِمْ وجَبَ تَكْلِيفُهم لِيُقْلِعُوا بِهِ عَنِ القَبِيحِ، وفي عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ دَلِيلٌ عَلى إلْجائِهِمْ إلى تَرْكِهِ.

قِيلَ: عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهم ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا عِنْدَ أنْفُسِنا لِاعْتِقادِنا فِيها أنَّنا عَلى صَوابٍ، وإنْ ظَهَرَ لَنا خَطَؤُهُ الآنَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم كَذِبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.

والثّانِي: أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَمَوْطِنٌ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ولا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، ومَوْطِنٌ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ويَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَقالُوا ذَلِكَ في المَوْطِنِ الأوَّلِ، قالَهُ بَعْضُ مُتَأخِّرِي المُتَكَلِّمِينَ.

وَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في المَوْطِنِ الأوَّلِ مُكَلَّفِينَ لِعَدَمِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وفي المَوْطِنِ الثّانِي غَيْرَ مُكَلَّفِينَ.

وَقَدْ يُعْتَلُّ الجَوابُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم بِالكَذِبِ، وهم عَلى الجَوابِ الأوَّلِ غَيْرُ كاذِبِينَ.

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِجَوابٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهم أنْكَرُوا بِألْسِنَتِهِمْ، فَلَمّا نَطَقَتْ جَوارِحُهم أقَرُّوا، وفي هَذا الجَوابِ دَخَلَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا نُطْقَ الجَوارِحِ.

﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِسُوءِ كَذِبِهِمْ وجُحُودِهِمْ.

والثّانِي: فَضَلَّتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ بِعِبادَتِها، والِافْتِراءُ: تَحْسِينُ الكَذِبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ في اللَّيْلِ قِراءَةَ النَّبِيِّ  في صَلاتِهِ.

وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ.

والثّانِي: لِيَعْلَمُوا مَكانَهُ فَيُؤْذُوهُ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ سَماعِهِ، بِإلْقاءِ النَّوْمِ عَلَيْهِمْ، بِأنْ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ.

والأكِنَّةُ الأغْطِيَةُ واحِدُها كِنانٌ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ، وأكْنَنْتُهُ في نَفْسِي إذا أخْفَيْتُهُ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: عَلى أعْيُنِهِمْ غِطاءٌ.

﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ والوَقْرُ: الثِّقَلُ، ومِنهُ الوَقارُ إذا ثَقُلَ في المَجْلِسِ.

﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ يَعْنِي بِالآيَةِ عَلامَةَ الإعْجازِ لِما قَدِ اسْتَحْكَمَ في أنْفُسِهِمْ مِن حَسَدِهِ وبُغْضِهِ، وذَلِكَ صَرَفَهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِسَماعِهِ الأذى والِافْتِراءَ.

﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيما كانُوا يُجادِلُونَ بِهِ النَّبِيَّ  قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُجادِلُونَهُ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ.

والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ رَبُّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَمَعْنى ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يُسَطِّرُونَها في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَهم بِهَذا النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَنْهَوْنَ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  ، ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ فِرارًا مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يُعْمَلَ بِما فِيهِ، ويَتَباعَدُونَ مِن سَماعِهِ كَيْلا يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمُ العِلْمُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: يَنْهَوْنَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ  ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ  ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَلا يُؤْمِنُ بِهِ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ في نَفْسِهِ.

واسْتَشْهَدَ مُقاتِلٌ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَنْ شِعْرِ أبِي طالِبٍ بِقَوْلِهِ: ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا ∗∗∗ وعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا الذَّمامَةُ أوْ أُحاذِرُ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَلِكَ مُبِينًا ∗∗∗ فاذْهَبْ لِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنكَ عُيُونًا ∗∗∗ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَرَأها عَلَيْهِ النَّبِيُّ  ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أمّا أنْ أدْخُلَ في دِينِكَ فَلا»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِسابِقِ القَضاءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والقاسِمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ قال: معذرتهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ قال: حجتهم ﴿ إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار: هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا.

فقال الله: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ﴾ في القيامة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ يكذبون في الدنيا.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ بالنصب ﴿ إلا أن قالوا والله ربنا ﴾ بالخفض.

وأخرج عبد بن حميد عن شعيب بن الحجاب.

سمعت الشعبي يقرأ ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب.

فقلت: إن أصحاب النحو يقرأونها ﴿ والله ربنا ﴾ بالخفض.

فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن علقمة أنه قرأ ﴿ والله ربنا ﴾ والله يا ربنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ ثم قال: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ [ النساء: 42] قال: بجوارحهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ قال: قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الله لمشرك ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ قال: بتكذيب الله إياهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير.

أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ والله ربنا ﴾ بخفضها قال: حلفوا واعتذروا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ قال: باعتذارهم بالباطل والكذب ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ قال: ما كانوا يشركون به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى الكفر، أي لم تكن عاقبة كفرهم إلا جحوده والتبرؤ منه، وقيل: فتنتهم معذرتهم، وقيل: كلامهم، وقرئ فتنتهم بالنصب على خبر كان واسمها أن قالوا، وقرئ بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ جحود لشركهم، فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله ولا يكتمون الله حديثاً؟

فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن آخر، لأن يوم القيامة طويل وقد قال ابن عباس لما سئل عن هذا السؤال: إنهم جحدوا طمعاً في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أمرت ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: هما وابن كثير وأبو عمرو.

الباقون: بالسكون.

﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل: سهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: مبنياً للمفعول ﴿ أئنكم ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام يدخل بينهما مدة ﴿ أينكم ﴾ بالياء بعد الهمزة: ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آينكم ﴾ بالمد والياء: أبو عمرو ويزيد.

وقالون ﴿ بريء ﴾ بغير همز حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ يحشرهم ثم يقول ﴾ بياء الغيبة فيهما: يعقوب.

الباقون: بالنون ﴿ ثم لم تكن ﴾ بتاء التأنيث: حمزة وعلي وحماد والمفضل وسهل ويعقوب الباقون: بالياء ﴿ فتنتهم ﴾ بالرفع: ابن كثير وابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون: بالنصب ﴿ والله ربنا ﴾ بالنصب على النداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: بالجر على البدل أو البيان.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قل لله ﴾ ط ﴿ الرحمة ﴾ ط لأن قوله ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب قسم محذوف.

وقيل: لا وقف و ﴿ ليجمعنكم ﴾ جواب معنى القسم في ﴿ كتب ﴾ وفيه نظر لأن ﴿ كتب ﴾ وعد ناجز و ﴿ ليجمعنكم ﴾ وعد منتظر.

﴿ لا ريب فيه ﴾ ط بناء على أن الذين مبتدأ فيه معنى الشرط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ ولا يطعم ﴾ ط ﴿ من المشركين ﴾ ه ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمه ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عباده ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ شهادة ﴾ ط ﴿ ومن بلغ ﴾ ط ﴿ أخرى ﴾ ط لانتهاء الاستخبار إلى الإخبار.

﴿ قل لا أشهد ﴾ ج لاتساق الكلام بلا عطف ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ أبناءهم ﴾ م لئلا يوهم أن ما بعده وصف ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ يزعمون ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما برهن على إثبات الصانع وتحقيق النبوّات وتقرير المعاد، وانجر الكلام إلى الأمر باعتبار أحوال الغابرين، عاد إلى إثبات هذه المطالب بطريق الإلزام وأخذ الاعتراف، وذلك أن آثار الحدوث وسمات الإمكان لائحة على صفحات السمويات والأرضيات حتى بلغ في ظهوره إلى حيث لا يقدر منكر على إنكاره، فكان في السؤال تبكيت وإفحام، وفي الجواب تقرير وإلزام، أي هو لله بلا مراء وشقاق ولن يتم الملك إلا إذا كان قادراً على الإعادة كما هو قادر على الإبداء، ولن تحصل حكمة الإعادة إلا بثواب المطيعين وعقاب العاصين، ولن يحسن إيصال الثواب والعقاب إلا بعد نصب الدلائل وإرسال الرسل فلأجل ذلك قال ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ أي بنصب الأدلة وإزاحة العلة إيجاب الفضل والكرم.

وقيل: هذه الرحمة هي أنه يمهلهم مدّة عمرهم ولا يعاجلهم بالاستئصال، أو فرض على نفسه الرحمة لمن ترك التكذيب بالرسل وتاب وأناب وصدّقهم وقبل شريعتهم، أو تلك الرحمة هي أنه يجمعهم إلى يوم القيامة فإنه لولا هذا التهديد لحصل الهرج والمرج وارتفع الضبط وكثر الخبط كأنه قيل: لما علمتم أن كل ما في السموات والأرض لله  ، وأنه مالك الكل فاعلموا أن الله الملك الحكيم لا يهمل أمور عبيده، ولا يجوز في حكمته التسوية بين المطيع والعاصي والعامل والساهي.

ومعنى ﴿ ليجمعنكم ﴾ ليضمنكم.

وقيل: فيه حذف أي ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة فإن الجمع يكون إلى المكان لا إلى الزمان.

وقيل: ليجمعنكم في الدنيا بخلقكم قرناً بعد قرنإلى يوم القيامة.

قال الأخفش: ﴿ الذين خسروا ﴾ بدل من ضمير المخاطبين في ﴿ ليجمعنكم ﴾ .

وقال الزجاج: إنه مبتدأ خبره ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ وذلك لتضمنه معنى الشرط فكأنه قيل: ما للمشركين مع وضوح الدلائل الباهرة لا يؤمنون؟

فأجيب ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي في علم الله وسابق قضائه فهم لا يؤمنون في طرف الأبد، فكان امتناعهم الآن عن الإيمان مسبباً عن سبق القضاء عليهم بالخسران والخذلان.

وقال في الكشاف ﴿ الذين خسروا ﴾ نصب أو رفع على الذم بمعنى أريد الذين، أو أنتم الذين.

ثم لما بيّن أن له المكان والمكانيات ارتقى في البيان كما هو شأن الترتيب التعليمي إلى ما هو أخفى من ذلك عند الحس وهو الزمان والزمانيات فقال ﴿ وله ما سكن في الليل والنهار ﴾ عن ابن عباس أن كفار مكة أتوا رسول الله  فقالوا: يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعونا إليه الحاجة فنحن نجعل لك نصيباً من أموالنا حتى تكون من أغنانا رجلاً وترجع عما أنت عليه فنزل ﴿ وله ما سكن ﴾ الآية.

قيل: اشتقاقه من السكون والتقدير كل ما سكن وتحرك كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ أي تقيكم الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر للقرينة.

والأصوب أن يقال: اشتقاقه من السكنى كما يقال: فلان سكن ببلد كذا أي حل فيه.

والمراد كل ما حل في الوقت والزمان سواء كان متحركاً أو ساكناً، وذلك أن الدخول تحت الزمان يستلزم التغير والحدوث فلا بد له من محدث يتقدم عليه وعلى نفس الزمان ﴿ وهو السميع العليم ﴾ الذي يسمع نداء المحتاجين ويعلم حاجات المضطرين فيوصل كل ممكن إلى كمال يليق به ويستعدّ له.

ثم لما كان لزاعم أن يزعم أن الذي يتعالى عن المكان وعن الزمان قد يكون ممكناً في نفسه كالمفارقات التي يثبتها الفلاسفة فلا جرم قال ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ منكر الاتخاذ غير الله ﴿ ولياً ﴾ ولذلك قدم المفعول لكونه أهم، ولو كان حرف الاستفهام داخلاً على الفعل توجه الإنكار أوّلاً إلى نفس اتخاذ الولي وأنه غير مهم ﴿ فاطر السموات ﴾ عطف بيان من ﴿ الله ﴾ أو بدل.

وقرىء بالرفع على إضمار هو، وبالنصب على المدح.

وعن ابن عباس: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.

وقال ابن الأنباري: أصل الفطر الشق وقد يكون شق إصلاح كقوله ﴿ فاطر السموات والأرض  ﴾ أي خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضمه بعض الأشياء إلى بعض.

وقد يكون شق إفساد ومنه قوله  ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ﴿ إذا السماء انفطرت  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ أي هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد.

والرزق والإطعام وإن كانا متغايرين وإلا لم يحسن العطف في قوله ﴿ ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون  ﴾ إلا أنهما متقاربان فحسن جعل أحدهما كناية عن الآخر.

وقرىء ﴿ وهو يطعم ﴾ مبنياً للمفعول على أن الضمير لغير الله وقرىء ﴿ وهو يطعم ولا يطعم ﴾ كلاهما للفاعل.

والمعنى هو يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله ﴿ وإنه يقبض ويبسط  ﴾ أو الثاني بمعنى لا يستطعم.

وحاصل الآية أنه يجب شغل القلب كله بالله وقطع العلائق بالكلية عما سواه لأنه الجواد المطلق الذي يهب لا لعوضٍ ولا انتفاع.

ثم بيّن أن النبي أيضاً داخل في تكليف المعرفة بل هو أسبق قدماً في ذلك فقال ﴿ قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم ﴾ وقيل لي ﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ وفيه أن الواعظ يجب أن يتعظ أوّلاً بما يقوله، فالمريض لا يتصور منه العلاج.

ثم ذكر أن النبي  مع جلالة قدره بصدد المؤاخذة على تقدير المخالفة فقال ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ ولا يلزم من هذا جواز المعصية عنه لأن الفرض قد يتعلق بالمستحيل كقولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

من قرأ ﴿ من يصرف ﴾ مبنياً للفاعل فالضمير فيه عائد إلى الله والمفعول وهو العذاب محذوف لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله.

قال في الكشاف: ويجوز أن تنصب يومئذ على أنه مفعول به لـ ﴿ يصرف ﴾ أي من يصرف الله عنه ذلك اليوم أي هو له، ومن قرأ على بناء المفعول فهو مسند إلى ضمير العذاب، ولم يسم الفاعل وهو الله  للعلم به ﴿ فقد رحمه ﴾ أي الله الرحمة العظمى كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه يعني كمال الإحسان.

أو المراد فقد أدخله الجنة فإن من لم يعذب لم يكن له بد من الثواب تفضلاً أو استيجاباً.

قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أن إيصال الثواب على الطاعة غير واجب وإنما هو ابتداء فضل وإحسان وإلا لم يحسن ذكر الرحمة ههنا، ألا ترى أن الذي يقبح منه أن يضرب زيداً فإذا لم يضربه لا يقال أنه رحمه؟

﴿ وذلك ﴾ أي صرف العذاب وإيصال الثواب على سبيل التفضل أو الاستيجاب ﴿ الفوز المبين ﴾ لأنه المطلب الأعلى والمقصد الأسنى لكل مكلف.

ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات ﴿ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير ﴾ من غنى أو صحة ﴿ فهو على كل شيء قدير ﴾ عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، ورأس المضارّ هو الكفر، وسنام الخيرات هو الإيمان، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه  .

وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو  .

ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ وهو إشارة إلى كمال القدرة ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ وإنه إشارة إلى كمال العلم.

فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله  وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً.

والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء.

فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده.

وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم اختلاطه بالقاذورات.

والجواب أن هذا كلام مخيل فلا يستعمل في البرهان.

ومنها أنه لو لم يكن خارج العالم خلاء ولا ملاء لم يمكن حصول ذات الله  فيه، وإن كان خلاء فحصوله في جزء من أجزاء ذلك الخلاء دون سائر أجزائه محتاج إلى مخصص، فيكون الواجب مفتقراً فيكون محدثاً هذا خلف.

والجواب أنا ذكرنا أن نور الأنوار لا يتناهى وأنه وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى فيسقط هذا الاعتراض.

ومنها أنه  موجود قبل الخلاء والحيز والجهة، فلا يكون بعد حصول هذه الأشياء موجوداً فيها وإلا لزم التغير في ذاته.

والجواب بالفرق بين المعية وبين الافتقار.

ومنها أن العالم كرة فإما أن يكون الله  فوق أقوام بأعيانهم وحينئذ يلزم أن يكون تحت أقدام من يقابلهم وإما أن يكون فوق الكل فيكون فلكاً محيطاً بسائر الأفلاك وهذا لا يقوله مسلم.

والجواب الإلزامي بعد تسليم كون العالم كرة أنا نختار القسم الأول، ولا يلزم التحتية لأن التحت من جميع الجوانب هو ما يلي المركز، والفوق ما يلي السماء.

أو القسم الثاني ولا يلزم من إحاطته بجميع الأشياء كونه فلكاً كسائر الأفلاك، وأما التحقيق فقد مر.

ومنها أن لفظ الفوق في الآية مسبوق بالقهر ويراد به القدرة والمكنة وملحوق بلفظ عباده، وأنه مشعر بالمملوكية والمقدورية.

فالمناسب أن يراد بالفوق أيضاً فوقية القدرة ولا يلزم التكرار لأن المراد أن القهر والقدرة عام في حق الكل.

والجواب أن حمل الوسط على الطرفين أولى من العكس، بل لا نزاع في مفهوم العباد وإنما النزاع في مفهومي القاهرية والفوقية، وليس حمل أحدهما على الآخر أولى من غيره، ومنها أن الآية سيقت رداً على من اتخذ غير الله ولياً وهذا إنما يحسن لو كان المراد بالفوقية القدرة لا الجهة.

والجواب أن الفوقية بالوجه الذي قررناه في جواب الاعتراض الأول يفيد الاستعلاء المطلق وذلك يوجب أن يكون التعويل عليه في كل الأمور إذ لا وجود ولا ظهور لشيء من الأشياء إلا بفيضه ونوره.

وقد يلوح للمتأمل في هذه الأجوبة بعد التنزية عن التشبيه والتجسيم والحلول والاتحاد أسرار غامضة شريفة إن كان أهلاً لها "وكل ميسر لما خلق له" قال الكلبي: إن رؤساء مكة قالوا: يا محمد ما نرى أحداً يصدقك بما تقول من أمر الرسالة.

ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول كما تزعم فنزلت ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة ﴾ الآية.

قال العلماء: إنها دلت على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله.

ثم بيَّن أن شهادة الله حاصلة إلا أنها لم تدل على أن تلك الشهادة لإثبات أيّ المطالب فقيل: إنها لإثبات نبوة محمد  لما ذكرنا من سبب النزول.

والمعنى قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة حتى يعترفوا بأن أكبر الأشياء شهادة هو الله  ، فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهد لي بالنبوة بأن أظهر على وفق دعواي معجزاً هو القرآن الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته.

وقيل: إن حصول هذه الشهادة في وحدانية الله  وذلك أن الوحدانية ليست مما يتوقف صحته على صحة السمع فلا يمتنع إثباتها بالسمع والمعنى ﴿ قل الله شهيد بيني وبينكم ﴾ في إثبات الوحدانية والبراءة عن الأضداد والأنداد والأمثال والأشباه ﴿ وأوحى إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ﴾ وأبلغكم أن الدين هو التوحيد والشرك مردود.

واستدل الجمهور بالآية على أنه يصح إطلاق الشيء على الله  وخالف جهم محتجاً بقوله  ﴿ الله خالق كل شيء  ﴾ إذ لا يمكن دعوى التخصيص فيه، فإن التخصيص إنما يجوز في صورة شاذة لا يلتفت إليها لقلة اعتبارها فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيهاً على أن البقية جارية مجرى العدم.

فلو كان الباري  شيئاً لكان أعظم الأشياء وأشرفها فيكون إخراجه من هذا العموم محض الكذب.

وأيضاً احتج بأن الشيء يطلق على المعدوم لقوله  ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله  ﴾ والشيء الذي سيفعله غداً معدوم في الحال، فالشيء لا يفيد صفة مدح فلا يطلق عليه.

والجواب عن الأول أن إخراجالأكثر من العموم جائز عندنا.

ولو سلم فإنه  واحد من الأشياء، والمخرج بهذا الاعتبار أقل عدداً من الباقي.

وعن الثاني أن لفظ الشيء أعم الألفاظ، ومتى صدق الخاص كالذات، والحقيقة صدق العلم بالضرورة.

قال جهم ﴿ قل الله شهيد ﴾ جملة مستقلة بنفسهالا تعلق لها بما قبلها فلا يصح استدلالكم.

قلنا ﴿ قل أي شيء ﴾ سؤال ولا بد له من جواب.

وهو إما مذكور رأي قل الله أكبر الأشياء شهادة ثم ابتدىء فقيل شهيد أي وهو شهيد بيني وبينكم، أو محذوف والمعنى قل هو الله والله شهيد بيني وبينكم.

وحسن الحذف لأنه إذا سأل عن أكبر الأشياء شهادة وذكر بعد ذلك أن الله شهيد علم جزماً أن أكبر الأشياء شهادة هو الله أما قوله ﴿ ومن بلغ ﴾ فمعطوف على ضمير المخاطبين والعائد إلى من محذوف أي لأنذركم يا أهل مكة وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم.

وقيل: من الثقلين.

وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة.

وعن سعيد بن جبير من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً  ، وقيل: ومن بلغ أي من احتلم وبلغ أوان التكليف، وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار العائد.

ثم استفهم مبكتاً فقال ﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ﴾ وصف الجمع بصفة الواحدة كما يقال: الرجال فعلت.

ثم دل على إيجاب التوحيد بثلاث جمل: أولاها ﴿ قل لا أشهد ﴾ أي بما تذكرونه من إثبات الشركاء، وثانيتها ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ وكلمة "إنما" تفيد الحصر.

وثالثتها ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ ومن هنا قالت العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويضم إليهما التبري عن كل دين سوى دين الإسلام.

ولما زعم مشركو مكة أنهم سألوا اليهود والنصارى عن نعت محمد صلى الله عليه وآله فقالوا: ليس عندنا ذكره كذّبهم الله  بقوله ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه ﴾ أي يعرفون رسول الله بنعوته وحلاه الثابتة في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ بالنعوت والحلي لا يخفون عليهم ولا يشتبهون بغير أبنائهم.

﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ إما بدل أو بيان من "الذين" الأولى، ويكون المقصود وعيد المعاندين منهم والجاحدين.

وإما مبتدأ والكلام جملة مستأنفة شاملة لجميع الجاحدين من أهل الكتاب ومن المشركين.

والمراد بخسران النفس الهلاك الدائم الذي يحصل لهم بسبب الكفر.

وقيل: ما من أحد إلا وله منزلة في الجنة إلا أن من كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورّث منزلته غيره.

ثم بيَّن سبب خسرانهم مستفهماً على سبيل الإنكار فقال ﴿ ومن أظلم ﴾ وذلك أنهم جمعوا بين أمرين متنافيين: إثبات الباطل وهو الافتراء على الله، وجحد الحق وهو التكذيب بآيات الله، فمن الأول أن المشركين كانوا يقولون للأصنام إنهم شركاء الله والله أمرهم بذلك، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، واليهود والنصارى كانوا يزعمون أن التوراة والإنجيل ناطقان بعدم النسخ.

وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة إلى غير ذلك من مفترياتهم.

ومن الثاني قدحهم في القرآن وفي صحة نبوة محمد  ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه الباطل مكان الحق والحق بإزاء الباطل.

ثم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ وناصبه محذوف أي ويوم كذا كان كيت وكيت فترك ليبقى على الإبهام الذي هو أدخل في الوعيد.

ويحتمل أن يكون مفعول "واذكر" أو معطوفاً على محذوف أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ويوم الحشر.

﴿ أين شركاؤكم ﴾ آلهتكم التي جعلتموهم شركاء ﴿ الذين كنتم تزعمون ﴾ هم شركاء فحذف المفعولان.

والمقصود من هذا الاستفهام التقريع والتبكيت، ويجوز أن يشاهدوهم إلا أنهم حيث لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم، ويجوز أن يحال بينهم وبين آلهتهم وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها فتزداد حسرتهم، ويحتمل أن يقال: أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم؟

والغرض من جميع الوجوه أن يتقرر في نفوسهم أن الذي يظنونه مأيوس منه فيصير ذلك تنبيهاً لهم في الدنيا على فساد هذه الطريقة ﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ من قرأ بالرفع على أنه اسم كان فالخبر ﴿ إلا أن قالوا ﴾ والتقدير شيئاً إلا أن قالوا ومن قرأ بالنصب مع تذكير يكن فبعكس ما قلنا.

والتقدير شيء إلا أن قالوا.

وأما مع تأنيث يكن فلوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمك.

أو بتأويل مقالتهم.

قال الواحدي: الاختيار قراءة من قرأ بالنصب لأن "أن" إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر.

وكما أن المضمر والمظهر إذا اجتمعا كقولك: إن كنت القائم.

كان جعل المضمر اسماً أولى من جعله خبراً فكذلك ههنا.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم وقاتلوا عليه وافتخروا به وقالوا إنه دين آبائنا لم تكن إلا الجحود والتبرؤ منه والحلف على عدم التدين به.

ومثاله أن ترى إنساناً يحب شخصاً مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك أي عاقبة محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته.

فعلى هذا فتنتهم في شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس.

ولكن لا بد من تقدير مضاف وهو العاقبة، ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا: فسمي فتنة لأنه كذب، قال القاضيان: الجبائي وأبو بكر: إن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب لأنهم يعرفون الله  بالاضطرار فيكونون ملجئين إلى ترك القبيح وكيف لا وإنهم يعلمون أن ذلك لا يروج منهم حينئذ ولا يستفيدون بذلك إلا زيادة المقت والغضب من الله  عليهم؟

ولا يجوز أن يقال: إنهم لما عاينوا القيامة اختلت عقولهم واضطربت فلهذا قالوا الكذب، أو أنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا لأنه لا يليق بحكمته  أن يوبخهم ثم يحكى عنهم ما يجري مجرى الاعتذار عند اختلال عقولهم.

ولأن تجويز نسيان أمر كان عليه الشخص مدة عمره نوع من السفسطة.

وأيضاً إنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على نوعين من القبيح فإن عوقبوا على ذلك صارتالآخرة دار التكليف وإن لم يعاقبوا كان إذناً من الله  في ارتكاب الذنوب وكلاهما محال.

فإذا الوجه في الآية أن يقال: إن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم وظنونهم أنهم موحدون فأجابوا بقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ أي في اعتقادنا وظنوننا، وعلى هذا فيكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم كانوا غير مشركين عند أنفسهم فيجيب تأويل قوله تعالى ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ بأن المراد كذبهم في دار الدنيا كقولهم إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك وإن آلهتهم شفعاؤهم عند الله فلهذا قال ﴿ وضل عنهم ﴾ أي وانظر كيف غاب عنهم في الآخرة ﴿ ما كانوا يفترون ﴾ أي يفتعلون إلهيته وشفاعته.

والحاصل أن الآية سيقت لبيان تضاد حاليهم في الدنيا وفي الآخرة بالكذب وبالصدق ولكن حيث لا ينفعهم الصدق لأن الصدق في الآخرة إنما يعتبر إذا كان مقروناً بالصدق في الدنيا، هذا جملة كلام القاضيين.

قال جمهور المفسرين: إن قول القائل المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا، وكيف كذبوا على أنفسهم في الدنيا مخالفة الظاهر وإن الكفار قد يكذبون في القيامة لقوله  ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون  ﴾ إلى قوله ﴿ ألا إنهم هم الكاذبون  ﴾ ولو سلم أنهم لا يكذبون تعمداً إلا أن الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه حيرة ودهشاً، ألا تراهم يقولون ﴿ ربنا أخرجنا منها ﴾ \[المؤمنون: 107\] وقد أيقنوا بالخلود؟

﴿ وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك  ﴾ وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

واختلال عقولهم حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع كمال عقلهم في سائر الأوقات.

التأويل: ما في الكون سوى الله، لا داع ولا مجيب فلهذا يسأل ويجيب ﴿ قل لمن ما في السموات والأرض قل لله ﴾ وله ما سكن في ليل البشرية إلى التمتعات الحيوانية، وفي نهار الروحانية إلى المواهب الربانية، ﴿ وهو السميع ﴾ أنين من سكن إليه ﴿ العليم ﴾ بحنين من اشتاق إليه ﴿ قل أغير الله أتخذ ﴾ اليوم ﴿ ولياً ﴾ وقد اتخذني الله في الأزل حبيباً ﴿ فاطر ﴾ سموات القلوب على محبته وفاطر أرض النفوس على عبوديته ﴿ وهو يطعم ﴾ أرواح العارفين طعام المشاهدات ويسقيهم كؤوس المكاشفات ﴿ ولا يطعم ﴾ لأنه لا يحتاج إلى قبول الفيض من غيره فالأنوار عنده كالذرّات ﴿ أول من أسلم ﴾ لأني خلصت من حبس الوجود بالكلية وحدي ولهذا يقول الأنبياء نفسي نفسي وأقول: أمتي أمتي ﴿ إن عصيت ربي ﴾ برؤية الغير يوم قدّر الشرك لاقوام والتوحيد لاقوام ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ إن دائرة أزليته متصلة بدائرة أبديته، وكل نقطة من الدائرة تصلح للبداية والنهاية، فكل ما صدر منه فلن ينتهي إلا به ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قهر الكفار بموت القلوب فضلوا في ظلمات الطبيعة، وقهر نفوس المؤمنين بأنوار الشريعة فخرجوا من ظلمات الطبيعة، وقهر قلوب المحبين بلذعات الأشواق إلى يوم التلاق، وقهر أرواح الصديقين بسطوات الجلال في أوقات الوصال.

﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما يقهره فلا يخلو من حكمة ﴿ الخبير ﴾ بمن يتسأهل كل صنف من قهره فيقهره به ﴿ الله أكبر شهادة ﴾ لأنه محيط بحقائق الأشياء ولا يحيط به شيء من الأشياء ﴿ ومن بلغ ﴾ القرآن ووقف على حقائقه.

ويقول للمشركين ﴿ أئنكم لتشهدون ﴾ ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني العلماء بالقرآن يعرفون الله أو النبي.

وفيه إشارة إلى أن الآباء قد تحقق عندهم أنهم مصادر الأبناء، فكذلك أهل المعرفة قد تحقق عندهم أن الله مصدر جميع الأشياء ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ بإفساد الاستعداد الفطري ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ﴾ يعني أهل المعرفة والنكرة ﴿ أين شركاؤكم ﴾ من الهوى والدنيا ﴿ كذبوا على أنفسهم ﴾ في القيامة لأنهم كذبوا في الدنيا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ﴾ .

المطيع والعاصي، والكافر والمؤمن.

﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ .

ذكر - هاهنا - شركاءهم، أضاف ذلك إليهم؛ لأنهم كانوا من جنسهم وجوهرهم، يفنون كما يفنون هم، وذكر في آية أخرى: ﴿ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ  ﴾ أنهم شركائي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .

قال الحسن: الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا يكذبون في الدنيا فيما بينهم، فظنوا أن يتروج كذبهم في الآخرة كما كان يتروج في الدنيا، وسماهم مشركين؛ لأنهم كانوا [مشركين لأنهم] أشركوا في السرّ، فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .

وقال غيره من أهل التأويل: الآية نزلت في أهل الشرك من العرب؛ وذلك أنهم كانوا يشركون مع الله آلهة، وكانوا ينكرون البعث بعد الموت، وينكرون الرسالة، فلما أن عاينوا ذلك أنكروا أن يكونوا أشركوا غيره في ألوهيته وربوبيته.

وقوله -  -: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ .

أي: لم يكن افتتانهم في الدنيا بافترائهم على الله الكذب وإشراك غيره معه، وتكذيبهم آيات الله، إلا أن قالوا في الآخرة: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .

وذكر في [بعض] القصة أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد، قال بعضهم لبعض: إذا سئلنا فقولوا: إنا كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم فقال: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ في الدنيا بأنهم معي شريك.

﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ .

قال أهل التأويل: معذرتهم وجوابهم إلا الكذب حين سئلوا فقالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ تبرءوا من ذلك.

ثم قال الله: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ : في الآخرة، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : من الشرك في الدنيا.

قيل: لما أنكروا أن يكونوا مشركين في الدنيا ختم الله على ألسنتهم، وشهدت الجوارح عليهم بالشرك.

وقيل: انظر كيف كذبوا على أنفسهم، يقول: كيف صار وبال كذبهم عليهم؟!.

﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ قيل: واشتغل عنهم.

﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ يقول: يكذبون.

وأصله: أنه يذكر نبيه شدة تعنتهم وسفههم أنهم كيف يكذبون عند معاينة العذاب، فإذا كانوا بنأي منه وبعد كانوا أشدّ تكذيباً وأكثر تعنتاً؛ لأنهم يطلبون الرد إلى الدنيا بقولهم ﴿ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

انظر -يا محمد- كيف كَذَبَ هؤلاء على أنفسهم بنفيهم الشرك عن أنفسهم، وغاب عنهم وخذلهم ما كانوا يختلقونه من الشركاء مع الله في حياتهم الدنيا؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.10bxJ"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد