الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٥ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) أي : يجيؤوك ليسمعوا قراءتك ، ولا تجزي عنهم شيئا ; لأن الله جعل ( على قلوبهم أكنة ) أي : أغطية لئلا يفقهوا القرآن ( وفي آذانهم وقرا ) أي : صمما عن السماع النافع ، فهم كما قال تعالى : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ] ) [ البقرة : 171 ] .
وقوله : ( وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ) أي : مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج البينات ، لا يؤمنوا بها .
فلا فهم عندهم ولا إنصاف ، كما قال تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم [ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ] ) [ الأنفال : 23 ] .
وقوله : ( حتى إذا جاءوك يجادلونك ) أي يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل ( يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) أي : ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم .
القول في تأويل قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك، يا محمد =" من يستمع إليك ", يقول: من يستمع القرآن منك, ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه, ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه, ولا يتدبره، ولا يصغي له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنـزيله الذي أنـزله عليك, إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك, ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه " أكنّة ".
* * * = وهي جمع " كنان "، وهو الغطاء، مثل: " سِنان "،" وأسنة ".
يقال منه: " أكننت الشيءَ في نفسي " ، بالألف," وكننت الشيء "، إذا غطيته, (38) = ومن ذلك: بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، [سورة الصافات: 49] ، وهو الغطاء, (39) ومنه قول الشاعر: (40) تَحْــــتَ عَيْــــنٍ, كِنَانُنَـــا ظِــــلُّ بُــــرْدٍ مُرَحَّــــلُ (41) يعني: غطاؤُهم الذي يكنُهم.
(42) * * * =" وفي آذانهم وقرًا "، يقول تعالى ذكره: وجعل في آذانهم ثِقلا وصممًا عن فهم ما تتلو عليهم، والإصغاء لما تدعوهم إليه.
* * * والعرب تفتح " الواو " من " الوَقْر " في الأذن، وهو الثقل فيها= وتكسرها في الحمل فتقول: " هو وِقْرُ الدابة ".
ويقال من الحمل: " أوقرْتُ الدَّابة فهي مُوقَرة " = ومن السمع: " وَقَرْتُ سمعه فهو موقور ", ومنه قول الشاعر: (43) وَلِي هَامَةٌ قَدْ وَقَّر الضَّرْبُ سَمْعَهَا وقد ذكر سماعًا منهم: " وُقِرَتْ أذنه "، إذا ثقلت " فهي موقورة " =" وأوقرتِ النخلةُ، فهي مُوقِر " كما قيل: " امرأة طامث، وحائض ", لأنه لا حظّ فيه للمذكر.
فإذا أريد أن الله أوقرها، قيل " مُوقَرةٌ".
* * * وقال تعالى ذكره: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " ، بمعنى: أن لا يفقهوه, كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176] ، بمعنى: أن لا تضلوا, (44) لأن " الكنّ" إنما جعل على القلب، لئلا يفقهه، لا ليفقهه.
(45) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13152 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا, كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدري ما يُقَال لها.
13153 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا " ، أما " أكنة "، فالغطاءُ أكنّ قلوبهم، لا يفقهون الحق =" وفي آذانهم وقرًا " ، قال: صمم .
13154 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " ومنهم من يستمع إليك "، قال: قريش .
13155 - حدثني المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
* * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وإن ير هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام, الذين جعلت على قلوبهم أكنة أن يفقهوا عنك ما يسمعون منك =" كل آية " ، يقول: كل حجة وعلامة تدلُّ أهل الحجَا والفهم على توحيد الله وصدق قولك وحقيقة نبوتك (46) =" لا يؤمنوا بها " ، يقول: لا يصدّقون بها، ولا يقرّون بأنها دالّة على ما هي عليه دالة =" حتى إذا جاءوك يجادلونك " ، يقول: حتى إذا صاروا إليك بعد معاينتهم الآيات الدالة على حقيقة ما جئتهم به =" يجادلونك ", يقول: يخاصمونك (47) =" يقول الذين كفروا " ، يعنى بذلك: الذين جحدوا آيات الله وأنكروا حقيقتها, يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا حجج الله التي احتجَّ بها عليهم، وبيانَه الذي بيَّنه لهم =" إن هذا إلا أساطير الأوّلين " ، أي: ما هذا إلا أساطير الأوّلين.
* * * و " الأساطير " جمع " إسْطارة " و " أُسطُورة " مثل " أفكوهة " و " أضحوكة " = وجائز أن يكون الواحد " أسطارًا " مثل " أبيات "، و " أبابيت "، و " أقوال وأقاويل ", (48) من قول الله تعالى ذكره: وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ، [سورة الطور: 2] .
من: " سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرا ".
* * * فإذ كان من هذا: فإن تأويله: ما هذا إلا ما كتبه الأوَّلون.
* * * وقد ذكر عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يتأوّلونه بهذا التأويل, ويقولون: معناه: إنْ هذا إلا أحاديث الأوّلين .
13156 - حدثني بذلك المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس .
13157 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي, أمّا " أساطير الأوّلين " ، فأسَاجيع الأولين.
(49) * * * وكان بعض أهل العلم = وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى = بكلام العرب يقول: " الإسطارةُ" لغةٌ، ومجازُها مجازُ الترهات.
(50) * * * وكان الأخفش يقول: قال بعضهم : واحده " أسطورة ".
وقال بعضهم: " إسطارة ".
قال: ولا أراه إلا من الجمع الذي ليس له واحد, نحو " العباديد " (51) و " المَذَاكير "، و " الأبابيل ".
(52) قال : وقال بعضهم: واحد " الأبابيل "،" إبِّيل "، وقال بعضهم: " إبَّوْل " مثل " عِجَّوْل ", (53) ولم أجد العرب تعرف له واحدًا, وإنما هو مثل " عباديد " لا واحد لها.
وأما " الشَّماطيط"، فإنهم يزعمون أن واحده " شمطاط".
(54) قال: وكل هذه لها واحد, إلا أنه لم يستعمل ولم يتكلم به, لأن هذا المثال لا يكون إلا جميعًا.
(55) قال: وسمعت العرب الفصحاء تقول: " أرسل خيله أبابيل ", تريد جماعات, فلا تتكلم بها بواحدة.
(56) وكانت مجادلتهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في هذه الآية، فيما ذُكِر, ما:- 13158 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " حتى إذا جاءوك يجادلونك " الآية، قال: هم المشركون، يجادلون المسلمين في الذَّبيحة, يقولون: " أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون, وأما ما قتل الله فلا تأكلون!
وأنتم تتَّبعون أمرَ الله تعالى ذكره "!
(57) ------------------------ الهوامش : (38) انظر ما سلف 5: 102 ، 103.
(39) الأجود أن يقال: "وهو المغطى" ، وكأنه كان كذلك ، وكأن الذي في المطبوعة والمخطوطة تحريف.
ولكن ربما عبر القدماء بمثل هذا التعبير ، ولذلك تركته على حاله.
وقد قال الطبري في ج 5: 102 ، وذكر الآية: "أي: مخبوء".
(40) هو عمر بن أبي ربيعة.
(41) ليس في ديوانه ، ولكنه من قصيدته التي في ديوانه: 125 - 126 ، وهو في الأغاني 1: 184 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 46 ، 188 ، واللسان (كنن) ، وغيرها.
من أبياته التي أولها: هَــــاجَ ذَا القَلَـــبَ مَـــنْزِلُ دَارِسُ الآيِ مُحْـــــــــــوِلُ وقبله في رواية أبي الفرج في أغانيه.
أرْسَــلَتْ تَسْـتَحِثّى وَتُفَـدِّي وتَعْـذُل أَيُّنَـا بَـاتَ لَيْلَـةً بَيْـنَ غُصْنَيْنِ يُوبَلُ وروايته للبيت: تَحْــــتَ عَيْــــنٍ، يُكِنُّنَــــا بُــــرْدُ عَصْــــبٍ مُهَلْهَـــل ورواية ابن بري ، وصحح رواية أبي عبيدة وأبي جعفر: تَحْــــتَ عَيْــــنٍ، كِنَانُنَـــا بُــــرْدُ عَصْــــبٍ مُرَحَّـــلُ "العين" في البيت السحاب.
و"المرحل من الثياب ، الذي عليه تصاوير الرحال.
(42) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 188 ، وهو شبيه بنص كلامه.
(43) لم أهتد إلى قائله ، وإن كنت أذكر أني قرأت هذا الشعر في مكان.
(44) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.
(45) انظر تفسير"فقه" فيما سلف 8: 557.
(46) انظر تفسير"آية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(47) انظر تفسير"جادل" فيما سلف 4: 141/9 : 190 ، 193.
(48) يعني بقوله: "أسطارًا" ، جمع"سطر" ، كما هو بين.
(49) "الأساجيع" جمع"أسجوعة": يراد به الكهان على هيئة كلامهم.
(50) في المطبوعة: "لغة ، الخرافات والترهات" غير ما في المخطوطة ، وهو نص أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 189.
وهذا من سيئ العبث بالكتب!
(51) في المطبوعة: "عباييد" ، وهو صواب ، إلا أني أثبت ما في المخطوطة.
يقال: "جاء القوم عباديد ، وعبابيد" ، أي متفرقون.
(52) "المذاكير" ، يقال في الفرد أيضًا.
وفي الخبر أن عبدًا أبصر جارية لسيده ، فجب السيد مذاكيره = فاستعمله لرجل واحد ، وأراد به شيئه ، وما تعلق به.
و"أبابيل": جماعات من هنا ، وجماعات من هنا.
(53) يقال: "عجل" و"عجول" (بكسر العين ، وتشديد الجيم المفتوحة ، وسكون الواو): ولد البقرة ، وجمعه"عجاجيل".
(54) "شماميط": قطع متفرقة ، يقال: "ذهب القوم شماميط": إذا تفرقوا أرسالا.
(55) في المطبوعة: "جمعا" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(56) في المطبوعة: "فلا تتكلم بها موحدة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد كرهت عبث الناشر بنص أبي جعفر!!
(57) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت منه نسختنا ، وفيها ما نصه: "يتلوه القولُ في تأويل قوله {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَونَ عَنْهُ وَإنْ يُهْلِكُونَ} {إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} وَصَلَّى اللهُ على مُحَمدٍ النبيِّ وَعَلى آلِهِ وَسَلّم كثيرًا الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينِ" ثم يتلوه ما نصه: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ رَبِّ يَسِّرْ".رْ"
قوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولينقوله تعالى : ومنهم من يستمع إليك أفرد على اللفظ يعني المشركين كفار مكة .
وجعلنا على قلوبهم أكنة أي : فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم .
وليس المعنى أنهم لا يسمعون ولا يفقهون ، ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون ، ولا ينقادون إلى الحق كانوا بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم .
والأكنة الأغطية جمع كنان مثل الأسنة والسنان ، والأعنة والعنان .
كننت الشيء في كنه إذا صنته فيه .
وأكننت الشيء أخفيته .
والكنانة معروفة .
والكنة ( بفتح الكاف والنون ) امرأة أبيك ; ويقال : امرأة الابن أو الأخ ; لأنها في كنه .
أن يفقهوه أي : يفهموه وهو في موضع نصب ; المعنى كراهية أن يفهموه ، أو لئلا يفهموه .
وفي آذانهم وقرا عطف عليه أي : ثقلا ; يقال منه : وقرت أذنه ( بفتح الواو ) توقر وقرا أي : صمت ، وقياس مصدره التحريك إلا أنه جاء بالتسكين .
وقد وقر الله أذنه يقرها وقرا ; يقال : اللهم قر أذنه .
وحكى أبو زيد عن العرب : أذن موقورة على ما لم يسم فاعله ; فعلى هذا وقرت ( بضم الواو ) .
وقرأ طلحة بن مصرف ( وقرا ) بكسر الواو ; أي : جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير ، وهو مقدار ما يطيق أن يحمل ، والوقر الحمل ; يقال منه : نخلة موقر وموقرة إذا كانت ذات ثمر كثير .
ورجل ذو قرة إذا كان وقورا بفتح الواو ; ويقال منه : وقر الرجل ( بضم القاف ) وقارا ، ووقر ( بفتح القاف ) أيضا .قوله تعالى : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها أخبر الله تعالى بعنادهم لأنهم لما رأوا القمر منشقا قالوا : سحر ; فأخبر الله عز وجل بردهم الآيات بغير حجة .قوله تعالى : حتى إذا جاءوك يجادلونك مجادلتهم قولهم : تأكلون ما قتلتم ، ولا تأكلون ما قتل الله ; عن ابن عباس .
يقول الذين كفروا يعني قريشا ; قال ابن عباس : قالوا [ ص: 315 ] للنضر بن الحارث : ما يقول محمد ؟
قال : أرى تحريك شفتيه وما يقول إلا أساطير الأولين ، مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر صاحب قصص وأسفار ، فسمع أقاصيص في ديار العجم مثل قصة رستم واسفنديار فكان يحدثهم .
وواحد الأساطير أسطار كأبيات وأباييت ; عن الزجاج .
قال الأخفش : واحدها أسطورة كأحدوثة وأحاديث .
أبو عبيدة : واحدها إسطارة .
النحاس : واحدها أسطور مثل عثكول .
ويقال : هو جمع أسطار ، وأسطار جمع سطر ; يقال : سطر وسطر .
والسطر الشيء الممتد المؤلف كسطر الكتاب .
القشيري : واحدها أسطير .
وقيل : هو جمع لا واحد له كمذاكير وعباديد وأبابيل أي : ما سطره الأولون في الكتب .
قال الجوهري وغيره : الأساطير الأباطيل والترهات .قلت : أنشدني بعض أشياخي :تطاول ليلي واعترتني وساوسي لآت أتى بالترهات الأباطيل
أي: ومن هؤلاء المشركين، قوم يحملهم بعضَ الأوقات، بعضُ الدواعي إلى الاستماع لما تقول، ولكنه استماع خال من قصد الحق واتباعه، ولهذا لا ينتفعون بذلك الاستماع، لعدم إرادتهم للخير { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي: أغطية وأغشية، لئلا يفقهوا كلام الله، فصان كلامه عن أمثال هؤلاء.
{ وَفِي آذَانِهِمْ } جعلنا { وَقْرًا } أي: صمما، فلا يستمعون ما ينفعهم.
{ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا } وهذا غاية الظلم والعناد، أن الآيات البينات الدالة على الحق، لا ينقادون لها، ولا يصدقون بها، بل يجادلون بالباطل الحقَّ ليدحضوه.
ولهذا قال: { حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } أي: مأخوذ من صحف الأولين المسطورة، التي ليست عن الله، ولا عن رسله.
وهذا من كفرهم، وإلا فكيف يكون هذا الكتاب الحاوي لأنباءالسابقين واللاحقين، والحقائق التي جاءت بها الأنبياء والمرسلون، والحق، والقسط، والعدل التام من كل وجه، أساطيرَ الأولين؟.
قوله عز وجل : ( ومنهم من يستمع إليك ) الآية ، قال الكلبي : اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر ، يستمعون القرآن فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟
قال : ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها .
فقال أبو سفيان : إني أرى بعض ما يقول حقا ، فقال أبو جهل : كلا لا نقر بشيء من هذا ، وفي رواية : للموت أهون علينا من هذا ، فأنزل الله عز وجل : " ومنهم من يستمع إليك " وإلى كلامك ، ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) ، أغطية ، جمع كنان ، كالأعنة جمع عنان ، ( أن يفقهوه ) ، أن يعلموه ، قيل : معناه أن لا يفقهوه ، وقيل : كراهة أن يفقهوه ، ( وفي آذانهم وقرا ) ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب فيشرح بعضها للهدى ، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن ، ( وإن يروا كل آية ) ، من المعجزات والدلالات ، ( لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين ) ، يعني : أحاديثهم وأقاصيصهم ، والأساطير جمع : أسطورة ، وإسطارة ، وقيل : هي الترهات والأباطيل ، وأصلها من سطرت ، أي : كتبت .
«ومنهم من يستمع إليك» إذا قرأت «وجعلنا على قلوبهم أكنة» أغطية لـ «أن» لا «يفقهوه» يفهموا القرآن «وفي آذانهم وقرا» صما فلا يسمعونه سماع قبول «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءُوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن» ما «هذا» القرآن «إلا أساطير» أكاذيب «الأولين» كالأضاحيك والأعاجيب جمع أسطورة بالضم.
ومن هؤلاء المشركين من يستمع إليك القرآن -أيها الرسول-، فلا يصل إلى قلوبهم؛ لأنهم بسبب اتباعهم أهواءهم جعلنا على قلوبهم أغطية؛ لئلا يفقهوا القرآن، وجعلنا في آذانهم ثقلا وصممًا فلا تسمع ولا تعي شيئًا، وإن يروا الآيات الكثيرة الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم لا يصدقوا بها، حتى إذا جاؤوك -أيها الرسول- بعد معاينة الآيات الدالة على صدقك يخاصمونك: يقول الذين جحدوا آيات الله: ما هذا الذي نسمع إلا ما تناقله الأولون من حكايات لا حقيقة لها.
وبعد أن بين - سبحانه - أحوال الكفار فى الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس من إيمان بعضهم فقال : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وفي آذَانِهِمْ وَقْراً } .قال ابن عباس : إن أبا سفيان بن حرب ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأمية بن خلف .
استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ، فقالوا للنضر : يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟
فقال : والذى جعلها بيته ما أدرى ما يقول ، إلا أنى أرى تحرك شفيته يتكلم بشىء فما يقول إلا أساطير ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية ، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى وكان يحدث قريشا فيستملحون حديثه فأنزل الله هذه الآية " .والأكنة : جمع كنان كغطاء وأغطية لفظا ومعنى والوقر - بالفتح - الثقل فى السمع .والمعنى : ومن هؤلاء المشكرين يا محمد من يستمع إليك حين تقرأ القرآن وقد جعلنا - بسبب عنادهم وجحودهم - على قلوبهم أغطية تحول بينهم وبين فقهه ، كما جعلنا فى أسماعهم صمما يمنع من سماعه بتدبر وتعقل .قال صاحب المنار : " وجعل الأكنة على القلوب والوقر فى الآذان فى الآية من تشبيه الحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية؛ فإن القلب الذى لا يفقه الحديث ولا يتدبره كالوعاء الذى وضع عليه الكن أو الكنان وهو الغطاء حتى لا يدخل فيه شىء .
والآذان التى لا تسمع الكلام سماع فهم وتدبر كالآذان المصابة بالثقل او الصمم ، لأن سمعها وعدمه سواء .وقال بعض العلماء : " وهنا يسأل سائل : إذا كان منع الهداية من الله - تعالى - بالغشاوة على قلوبهم والختم عليا وبالوقر فى آذانهم فلا يسمعون سماع تبصر فماذا يكون عليهم من تبعة يحاسبون عليها حسابا عسيرا بالعذاب الأليم؟والجواب عن ذلك أن الله - سبحانه - يسير الأمور وفق حكمته العلاي فمن يسلك سبيل الهداية يرشده وينير طريقه ويثيبه ، ومن يقصد إلى الغواية ويسير فى طريقها تجيئه النذر تباعاً إنذارا بعد إنذار ، فإن أيقظت النذر ضميره وتكشفت العماية عن قلبه فقد اهتدى وآمن بعد كفر .ومن لم تجد فيه النذر المتتابعة ولم توقظ له ضميرا ولم تبصره من عمى فقد وضع الله - تعالى - على قلبه غشاوة وفى آذانه وقرا " .صم صور - سبحانه - عنادهم وإعراضهم عن الحق مهما وضحت براهينه فقال : { وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } .أى : وإن يروا كل آية من الآيات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك فلن يؤمنوا بها لاستحواذ الغرور والعناد على قلوبهم .والمراد من الرؤية هنا البصرية ، ومن الآيات المعجزات الحسية كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة .وهذه الجملة الكريمة المقصود بها ذمهم لعدم انتفاعهم بحاسة البصر بعد ذمهم لعدم انتفاعهم بعقولهم وأسماعهم .وجىء بكلمة { كُلَّ } لعموم النفى ، أى : أنهم لا يؤمنون بأية معجزة يرونها مهما وضحت براهينها ، ومهما كانت دلالتها ظاهرة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم .ثم بين - سبحانه - ما كان يجرى منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :{ حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الذين كفروا إِنْ هاذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين } .الأساطير جمع إسطارة أو أسطورة ومعناها الخرافات والترهات .أى : حتى إذا ما صاروا إليك أيها الرسول ليخاصموك وينازعوك فى دعوتك فإنهم يقولون لك بسبب كفرهم وجحودهم ، ما هذا القرآن الذى نسمعه منك إلا أقاصيص الأولين المشتملة على خرافاتهم وأوهامهم .وفى قوله - تعالى - { حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ } إشارة إلى أن مجيئهم لم يكن من أجل الوصول إلى الحق ، وإنما كان من أجل المجادلة المتعنتة مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأُمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال: لا أدري ما يقول لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقاً فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئاً وستره، مثل عنان وأعنة، والفعل منه كننت وأكننت.
وأما قوله: ﴿ أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ فقال الزجاج: موضع ﴿ أن ﴾ نصب على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت (اللام) نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى (أن) وقوله: ﴿ وفي آذانهم وَقْراً ﴾ قال ابن السكيت: الوقر الثقل في الأذن.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الإيمان، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان، وذلك هو المطلوب.
قالت المعتزلة: لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان؟
الثاني: أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفاً للعاجز وهو منفي بصريح العقل وبقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ الثالث: أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم في معرض الذم لهم امتنع أن يذكره هاهنا في معرض التقريع والتوبيخ، وإلا لزم التناقض.
والرابع: أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون.
والخامس أن هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين.
والسادس: أن قوله: ﴿ حتىإذا جاءُوك يجادلونك ﴾ يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق من الباطل، وعند هذا قالوا لابد من التأويل وهو من وجوه: الأول: قال الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم، وهو المراد من الأكنة، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم، وهو المراد من قوله: ﴿ وفي آذانهم وَقْراً ﴾ والثاني: أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون.
وإذا ثبت هذا فنقول: لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان.
والتأويل الثالث: أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه، فصار عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى.
والتأويل الرابع: أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم منها، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه فيقول: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ .
والتأويل الخامس: أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ ﴾ .
والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان، وهو أن نقول: بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان، فقد صح قولنا إنه تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان.
وأما إن قلنا: إن القادر على الكفر كان قادراً على الإيمان فنقول: يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدراً للكفر دون الإيمان، إلا عند انضمام تلك الداعية، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كناناً للقلب عن الإيمان، ووقراً للسمع عن استماع دلائل الإيمان، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق لما دل عليه ظاهر هذه الآية.
وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهر هذه الآية، وجب حمل هذه الآية عليه عملاً بالبرهان وبظاهر القرآن، والله أعلم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ فذكره بصيغة الإفراد ثم قال: ﴿ على قُلُوبِهِمْ ﴾ فذكره بصيغة الجمع.
وإنما حسن ذلك لأن صيغة (من) واحد في اللفظ جمع في المعنى.
وأما قوله تعالى: ﴿ وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها ﴾ قال بان عباس: وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله: ﴿ وإن يرواْ كل ءاية لاّ يُؤمنواْ بها ﴾ لائقاً بهذا الكلام، وأيضاً لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله.
والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا جاءُوك يجادلونك ﴾ فاعلم أن هذا الكلام جملة أخرى مرتبة على ما قبلها و ﴿ حتى ﴾ في هذا الموضع هي التي يقع بعدها الجمل، والجملة هي قوله: ﴿ إِذَا جاءُوك يجادلونك ﴾ يقول الذين كفروا، ويجادلونك في موضع الحال وقوله: ﴿ يَقُولُ الذين كَفَرُواْ ﴾ تفسير لقوله: ﴿ يجادلونك ﴾ والمعنى أنه بلغ بتكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسّر مجادلتهم بأنهم يقولون ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ قال الواحدي: وأصل الأساطير من السطر، وهو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً ومنه سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس.
قال ابن السكيت: يقال سطر وسطر، فمن قال سطر فجمعه في القليل أسطر والكثير سطور، ومن قال سطر فجمعه أسطار، والأساطير جمع الجمع، وقال الجبائي: واحد الأساطير أسطور وأسطورة وأسطير وأسطيرة، وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة مثل أحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: الأساطير من الجمع الذي لا واحد له مثل عباديد ثم قال الجمهور: أساطير الأولين ما سطره الأولون.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
فأما قول من فسر الأساطير بالترهات، فهو معنى وليس مفسراً.
ولما كانت أساطير الأولين مثل حديث رستم واسفنديار كلاماً لا فائدة فيه لا جرم فسرت أساطير الأولين بالترهات.
المسألة الرابعة: اعلم أنه كان مقصود القوم من ذكر قولهم: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ القدح في كون القرآن معجزاً فكأنهم قالوا: إن هذا الكلام من جنس سائر الحكايات المكتوبة، والقصص المذكورة للأولين، وإذا كان هذا من جنس تلك الكتب المشتملة على حكايات الأولين وأقاصيص الأقدمين لم يكن معجزاً خارقاً للعادة.
وأجاب القاضي عنه بأن قال: هذا السؤال مدفوع لأنه يلزم أن يقال لو كان في مقدوركم معارضته لوجب أن تأتوا بتلك المعارضة وحيث لم يقدروا عليها ظهر أنها معجزة.
ولقائل أن يقول: كان للقوم أن يقولوا نحن وإن كنا أرباب هذا اللسان العربي إلا أنا لا نعرف كيفية تصنيف الكتب وتأليفها ولسنا أهلاً لذلك.
ولا يلزم من عجزنا عن التصنيف كون القرآن معجزاً لأنا بينا أنه من جنس سائر الكتب المشتملة على أخبار الأولين وأقاصيص الأقدمين.
واعلم أن الجواب عن هذا السؤال سيأتي في الآية المذكورة بعد ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ حين تتلوا القرآن.
روي: أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل، وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنضر: يا أبا قُتَيْلَة، ما يقول محمد؟
فقال: والذي جعلها بيته- يعني الكعبة- ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان: إني لأراه حقاً.
فقال أبو جهل: كلا، فنزلت.
والأكنة على القلوب، والوقر في الأذان: مثلٌ في نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته.
ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ﴾ للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم، كأنهم مجبولون عليه.
أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم ﴿ وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5] وقرأ طلحة: ﴿ وقراً ﴾ بكسر الواو ﴿ حتى إِذَا جاءوك يجادلونك ﴾ هي حتى التي تقع بعدها الجمل.
والجملة قوله: ﴿ إِذَا جاءوك ﴾ ﴿ يَقُولُ الذين كَفَرُواْ ﴾ و ﴿ يجادلونك ﴾ موضع الحال.
ويجوز أن تكون الجارة ويكون إذا جاؤك في محل الجرّ بمعنى حتى وقت مجيئهم، ويجادلونك حال، وقوله: يقول ﴿ الذين كفروا ﴾ .
وتفسير له.
والمعنى بأنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك.
وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين ﴾ فيجعلون كلام الله وهو أصدق الحديث، خرافات وأكاذيب، وهي الغاية في التكذيب ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ ﴾ الناس عن القرآن أو عن الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه، ويثبطونهم عن الإيمان به ﴿ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ ﴾ بأنفسهم فيضلون ويضلون ﴿ وَإِن يُهْلِكُونَ ﴾ بذلك ﴿ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ ﴾ ولا يتعداهم الضرر إلى غيرهم، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هو أبو طالب لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عنه ولا يؤمن به.
وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً.
فقال: وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم ** حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينَا فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ** وَابْشِرْ بِذَاكَ وَقَرَّ مِنْهُ عُيُونَا وَدَعَوتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحٌ ** وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا وَعَرَضْتُ دِيناً لاَ مَحَالَةَ أَنَّهُ ** مِنْ خَيْرِ أَدْيانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلاَ الْمَلاَمَةُ أَوْ حَذَارِيَ سُبَّةً ** لَوَجَدْتَنِي سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا فنزلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ بِنَفْيِ الشِّرْكِ عَنْها، وحَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا تَعَسُّفٌ يُخِلُّ بِالنُّظُمِ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ رَبَّنا بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ أوِ المَدْحِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ.
﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ، والمُرادُ أبُو سُفْيانَ والوَلِيدُ والنَّضِرُ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأبُو جَهْلٍ وأضْرابُهُمُ، اجْتَمَعُوا فَسَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ ما يَقُولُ، فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ إنِّي لَأرى حَقًّا فَقالَ أبُو جَهْلٍ كَلّا.
﴿ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أغْطِيَةً جَمْعُ كِنانٍ وهو ما يَسْتُرُ الشَّيْءَ.
﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ.
﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ في أوَّلِ «البَقَرَةِ» .
﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ.
﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ ﴾ أيْ بَلَغَ تَكْذِيبُهُمُ الآياتِ إلى أنَّهم جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ، وحَتّى هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ لا عَمَلَ لَها، والجُمْلَةُ إذا وجَوابُهُ وهُوَ: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فَإنْ جَعْلَ أصْدَقَ الحَدِيثَ خُرافاتِ الأوَّلِينَ غايَةُ التَّكْذِيبِ، ويُجادِلُونَكَ حالٌ لِمَجِيئِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجارَّةَ وإذا جاءُوكَ في مَوْضِعِ الجَرِّ ويُجادِلُونَكَ حالٌ ويَقُولُ تَفْسِيرٌ لَهُ، والأساطِيرُ الأباطِيلُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ أوْ إسْطارَةٍ أوْ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وأصْلُهُ السَّطْرُ بِمَعْنى الخَطِّ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} حين تتلو القرآن روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال والله ما أدري ما يقول محمد ألا إنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية فقال أبو سفيان إني لأراه حقاً فقال أبو جهل كلا فنزلت {وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} أغطية جمع كنان وهو الغطاء مثل عنان وأعنة {أن يفقهوه} كراهة أن يفقهوه {وفي آذانهم وَقْرًا} ثقلا يمنع من السمع ووحد الوقر لأنه مصدر وهو عطف على أَكِنَّةً وهو حجة لنا في الأصلح على المعتزلة {وَإِن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤوك يجادلونك يَقُولُ الذين كَفَرُواْ} حتى هي التي تقع بعدها الجمل والجملة قوله إذا جاءوك يقول الذين كفروا ويجادلونك في موضع الحال ويجوز
أن تكون جارة ويكون إذا جاءوك في موضع الجر بمعنى حتى وقت مجيئهم ويجادلونك حال ويقول الذين كفروا تفسير له والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون {إِنْ هَذَآ} ما القرآن {إِلاَّ أساطير الأولين} فيجعلون كلام الله أكاذيب وواحد الأساطير أسطورة
﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ لِحِكايَةِ ما صَدَرَ في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أحْكامِ الكُفْرِ ثُمَّ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ الحَشْرِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، وضَمِيرُ (مِنهُمْ) لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، والِاسْتِماعُ بِمَعْنى الإصْغاءُ وهو لازِمٌ يُعَدّى بِاللّامِ وإلى ما صَرَّحَ بِهِ أهْلُ اللُّغَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإصْغاءِ ومَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ وهو القُرْآنُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: «إنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنا رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ اسْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ وهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَقالُوا لِلنَّضِرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأُولى، وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وأفْرَدَ ضَمِيرَ (مَن) في يَسْتَمِعُ وجَمَعَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ نَظَرًا إلى لَفْظِهِ ومَعْناهُ، وعَنِ الكَرْخِيِّ إنَّما قِيلَ: هُنا يَسْتَمِعُ وفي يُونُسَ يَسْتَمِعُونَ لِأنَّ ما هُنا في قَوْمِ قَلِيلِينَ فَنَزَلُوا مَنزِلَةَ الواحِدِ، وما هُناكَ في جَمْعِ الكُفّارِ فَناسَبَ الجَمْعَ، وإنَّما لَمْ يَجْمَعْ ثَمَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ ﴾ لِأنَّ المُرادَ النَّظَرُ المُسْتَتْبِعُ لِمُعايَنَةِ أدِلَّةِ الصِّدْقِ وأعْلامِ النُّبُوَّةِ، والنّاظِرُونَ كَذَلِكَ أقَلُّ مِنَ المُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ، والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ لَفْظًا ومَعْنى لِأنَّ فَعالًا بِفَتْحِ الفاءِ وكَسْرِها يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أفْعِلَةٍ كَأحْمِرَةٍ وأقْذِلَةٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى فُعْلٍ كَحُمْرٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُضاعَفًا أوْ مُعْتَلَّ اللّامِ فَيَلْزَمُ جَمْعُهُ عَلى أفْعِلَةٍ كَأكِنَّةٍ وأخْبِيَةٍ إلّا نادِرًا، وفِعْلُ الكَنِّ ثَلاثِيٌّ ومَزِيدٌ يُقالُ: كَنَّهُ وأكَنَّهُ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما الرّاغِبُ فَقالَ: أكْنَنْتُ يُسْتَعْمَلُ لِما يُسْتَرُ في النَّفْسِ، والثُّلاثِيُّ لِغَيْرِهِ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ والواوُ لِلْعَطْفِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ أيْ وقَدْ جَعَلْنا، و ﴿ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ إنْ كانَ بِمَعْنى ألْقى فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وإنْ كانَ بِمَعْنى صَيَّرَ فَمُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ إذْ هو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، والمَعْنى عَلى ما ذَكَرْنا: وأنْشَأْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها ﴿ أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ يَفْهَمُوا ما يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ القُرْآنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الِاسْتِماعِ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَ (لا) دُونُهُ أيْ أنْ لا يَفْقَهُوهُ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في أمْثالِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً ﴾ أيْ مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ أوْ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أكِنَّةً) وحْدَهُ مِن ذَلِكَ، ﴿ وفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ أيْ صَمَمًا وثِقَلًا في السَّمْعِ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ عَلى ما هو حَقُّهُ، والكَلامُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ تَمْثِيلٌ مُعْرِبٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ وفَرْطِ نَبْوِ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ أصَمَّها اللَّهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ أوْ مُشاكَلَةٌ وقَدْ مَرَّ لَكَ في البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْهُ وقَرَأ طَلْحَةُ (وِقْرًا) بِالكَسْرِ وهو عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الزَّجّاجُ حِمْلُ البَغْلِ ونَحْوُهُ، ونَصْبُهُ عَلى القِراءَتَيْنِ بِالعَطْفِ عَلى أكِنَّةٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، ﴿ وإنْ يَرَوْا ﴾ أيْ يُشاهِدُوا ويُبْصِرُوا كُلَّ آية أيْ مُعْجِزَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانْشِقاقِ القَمَرِ ونَبْعِ الماءِ بَيْنَ أصابِعِهِ الشَّرِيفَةِ وتَكْثِيرِ القَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ﴿ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ واسْتِحْكامِ التَّقْلِيدِ فِيهِمْ، والكَلامُ مِن بابِ عُمُومِ النَّفْيِ كَكُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لا مِن بابِ نَفْيِ العُمُومِ والمُرادُ ذَمُّهم بِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِحاسَّةِ البَصَرِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عَدَمَ انْتِفاعِهِمْ بِعُقُولِهِمْ وأسْماعِهِمْ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ الآيَةِ بِغَيْرِ المُلْجِئَةِ دَفْعًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ هَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ واكْتَفى بَعْضُهم بِحَمْلِ الإيمانِ عَلى الإيمانِ بِالِاخْتِيارِ وفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خُضُوعِ الأعْناقِ فَلْيُفْهَمْ، وخَصَّ شَيْخُ الإسْلامِ الآيَةَ بِما كانَ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ أيْ وإنْ يَرَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِأنْ يُشاهِدُوهُ بِسَماعِهِ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، ولَعَلَّ ما قَدَّمْناهُ أحْلى لَدى الذَّوْقِ السَّلِيمِ ﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ ﴾ أيْ يُخاصِمُونَكَ ويُنازِعُونَكَ و (حَتّى) هي الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ ويُقالُ لَها: حَتّى الِابْتِدائِيَّةُ ولا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَها خِلافًا لِلزُّجاجِ وابْنِ دَرَسْتَوَيْهِ زَعْمًا أنَّها في مَحَلِّ جَرٍّ بِحَتّى، ويَرُدُّهُ أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ لا تُعَلَّقُ عَنِ العَمَلِ إنَّما تَدْخُلُ عَلى المُفْرَدِ أوْ ما في تَأْوِيلِهِ، والجُمْلَةُ هُنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءُوكَ ﴾ مَعَ جَوابِ الشَّرْطِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وإشْعارٍ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، و(إذا) مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِالشَّرْطِ أوِ الجَوابِ عَلى الخِلافِ الشَّهِيرِ في ذَلِكَ واعْتُرِضَ بِأنَّ جَعْلَ (يُجادِلُونَكَ) في مَوْضِعِ الحالِ (ويَقُولُ الَّذِينَ) جَوابًا مُفْضٍ إلى جَعْلِ الكَلامِ لَغْوًا لِأنَّ المُجادَلَةَ نَفْسُ هَذا القَوْلِ إلّا أنْ تُؤَوَّلَ المُجادِلَةُ بِقَصْدِها ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ المُجادَلَةَ مُطْلَقُ المُنازَعَةِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَجادِلَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلى الجَدالَةِ أيِ الأرْضِ، والقَوْلُ المَذْكُورُ فَرْدٌ مِنها فالكَلامُ مُفِيدٌ أبْلَغَ فائِدَةً كَقَوْلِكَ: إذا أهانَكَ زَيْدٌ شَتَمَكَ، وذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (حَتّى) إذا وقَعَ بَعْدَها (إذا) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إلى) والغايَةُ مُعْتَبَرَةٌ في الوَجْهَيْنِ أيْ بَلَغُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَكَ لا يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ بَلْ يَقُولُونَ (إنْ هَذا) أيْ ما هَذا ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ 52 - أيْ أحادِيثُهُمُ المَسْطُورَةُ الَّتِي لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وقالَ قَتادَةُ: كَذِبُهم وباطِلُهُمْ وحاصِلُ ما ذُكِرَ أنَّ تَكْذِيبَهم بَلَغَ النِّهايَةَ بِما ذُكِرَ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ ماتَ النّاسُ حَتّى الأنْبِياءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (حَتّى) هي الجارَّةَ، ﴿ وإذا جاءُوكَ ﴾ : في مَوْضِعِ الجَرِّ وهو قَوْلُ الأخْفَشِ وتَبِعَهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ في شَرْحِهِ وعَلَيْهِ فَـ (إذا) خارِجَةٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ كَما صَرَّحُوا بِهِ وعَنِ الشَّرْطِيَّةِ أيْضًا فَلا جَوابَ لَها فَيَقُولُ حِينَئِذٍ: تَفْسِيرٌ (لَيُجادِلُونَكَ) وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا.
والأساطِيرُ عِنْدَ الأخْفَشِ جَمْعٌ لا مُفْرَدَ لَهُ كَأبابِيلَ ومَذاكِيرَ، وقالَ بَعْضُهم: لَهُ مُفْرَدٌ.
وفي القامُوسِ إنَّهُ جَمْعُ إسْطارٍ وإسْطِيرٍ بِكَسْرِهِما وأُسْطُورٍ وبِالهاءِ في الكُلِّ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ سَطْرٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَسَبَبٍ وأسْبابٍ فَهو جَمْعُ جَمْعٍ وأصْلُ السَّطْرَ بِمَعْنى الخَطِّ <div class="verse-tafsir"
انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ يعني: انظر إليهم كيف يكذبون على أنفسهم وَضَلَّ عَنْهُمْ يعني: ذهب عنهم.
ويقال: اشتغل عنهم الآلهة بأنفسها مَّا كانُوا يَفْتَرُونَ على الله من الكذب في الدنيا.
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ يعني: إلى حديثك وقراءتك.
يعني: يستمعون ولا ينفعهم ذلك وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ يعني: غطاءً مجازاً لكفرهم.
وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يعني: صمماً وثقلاً لا يفقهون حديثك.
وقال قتادة: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي تسمع القول ولا تدري ما هو.
ثم قال: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها يعني: انشقاق القمر وغيره حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يعني: يخاصمونك بالباطل، وينكرون أن القرآن من الله تعالى يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وذلك أن النضر بن الحارث كان يخبر أهل مكة بسير المتقدمين وبأخبارهم فقالوا له: ما ترى فيما يقول محمد قال: لا أفهم مما يقول شيئاً، ولا أدري أنه من أساطير الأولين الذي أخبركم به مثل حديث رستم واسفنديار.
وقال القتبي: واحدها أسطورة واسطارة ومعناها: التَّرهات.
والأباطيل البسابس، وهي شيء لا نظام له وليس بشيء.
وفي هذا دلالة نبوة محمد لأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بالسر، فيُظهِر الله أسرارهم للنبي .
قوله تعالى: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ يعني: أهل مكة ينهون الناس عن محمد أن يتبعوه ويتباعدون عنه أي: يتنافرون.
ويقال: نزل في شأن أبي طالب.
كان يقول للنبي : إن قريشاً لن يصلوا إليك حتى أوسد في التراب، فامض يا ابن أخي فما عليك غضاضة يعني: ذلاًّ وكان لا يسلم لأجل المقالة فنزل وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ يعني: أبا طالب ينهى قريشاً عن إيذائه، وينأى عنه، ويتباعد عن دينه.
وهذا قول الكلبي والضحاك ومقاتل.
والقول الأول أيضاً قول الكلبي.
ثم قال: وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ يعني: وما يهلكون إلا أنفسهم وَما يَشْعُرُونَ بذلك.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
في النار، فهنا هي الخِسَارَةُ البَيِّنَةُ، والربح للآخرين.
وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ المعنى: واذكر يوم نحشرهم.
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)
وقوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ.
الفِتْنَةُ في كلام العرب لفظة مشتركة، تقال بمعنى حُبِّ الشيء، والإعجاب به، وتقال بمعنى الاخْتِبَارِ.
ومن قال: إن أَصْلَ الفتنة الاخْتِبَارُ من: فَتَنْتُ الذَّهَبَ في النَّارِ، ثم يُسْتَعَارُ بعد ذلك في غَيْرِ ذلك، فقد أَخْطَأَ لأن الاسْمَ لا يُحْكَمُ عليه بمعنى الاسْتِعَارَةِ حتى يقطع عليه باسْتِحَالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِع الذي استعير له، كقول ذي الرّمّةِ: [الطويل] وَلَفَّ الثُّرَيَّا فِي مُلاَءَتِهِ الفَجْرُ «١» ونحوه، والفتنة لا يَسْتَحِيلُ أن تكون حَقِيقَةً في كل مَوْضِعٍ قيلت عليه، وباقي الآية مضى تَفْسِيرُهُ عند قوله سُبْحَانَهُ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء: ٤٢] فانظره هناك.
قال ع «٢» : وعبر قَتَادَةُ عن الفِتْنَةِ هنا بأن قال: معذرتهم «٣» .
وقال الضَّحَّاك»
: كلامهم.
وقيل غير هذا مما هو في ضِمْنِ ما ذكرناه.
وقوله سبحانه: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ هذا خِطَابٌ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والنظر نَظَرُ القَلْبِ، وقال: كَذَبُوا في أَمْرِ لم يَقَعْ إذ هي حِكَايَةٌ عن يوم القيامة، فلا إشكال في
اسْتِعْمَالِ المَاضِي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تَحْقِيقاً في الفعل، وإثْبَاتاً له، وهذا مَهْيَعٌ في اللُّغَةَ.
وَضَلَّ عَنْهُمْ معناه: ذَهَبَ افْتِرَاؤُهُمْ في الدنيا، وكَذِبُهُمْ على اللَّه.
وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً الآية.
«أكِنَّة» جمع: كنان، وهو الغِطَاءُ أَنْ يَفْقَهُوهُ أي: يفهموه، والوَقْرُ الثقل.
وقوله سبحانه: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها.
الرؤية هنا رُؤْيَةُ العَيْنِ، يريد كانشقاق القَمَرِ وشبهه.
وقولهم: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إشارة إلى القرآن، والأَسَاطِيرُ جمع أَسْطَار، كأقوال وأقاويل، وأسطار جمع سَطْر أوْ سَطَر.
وقيل: أَسَاطِير جمع إسْطَارَة، وهي التُّرَّهَاتُ.
وقيل: جمع أسطورة كأعجوبة، وأضحوكة.
وقيل: هو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كعَبَادِيدَ وشَمَاطِيطَ «١» ، والمعنى: إخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تُسَطَّرُ، وتحكى، ولا تُحَقَّقُ كالتواريخ، وإنما شَبَّهَهَا الكفار بأحاديث النَّضْرِ بن الحَارِثِ، وعبد اللَّه بن أبي أُمَيَّة، عن رستم ونحوه، ومُجَادَلَة الكفار كانت مُرَادّتهم نُورَ اللَّهِ بأقوالهم المُبْطَلَةِ.
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قال/ قتادة وغيره: المعنى: يَنْهَوْنَ عن القرآن «٢» .
وقال ابن عباس وغيره: ينهون عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمعنى: ينهون غَيْرَهُمْ، ويبعدون هم بأنفسهم «٣» ، والنَّأْيُ البعد.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ نَفَرًا مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنهم عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأُمِّيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلَفٍ، جَلَسُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ واسْتَمَعُوا إلَيْهِ، ثُمَّ قالُوا لَلنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدُ؟
فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بِنْيَةَ، ما أدْرِي ما يَقُولُ؟
إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ، وما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلَما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنَ القُرُونِ الأُولى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا "الأكِنَّةُ"، فَقالَ الزَّجّاجُ: هي جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ، مِثْلُ عَنانٍ وأعِنَّةٍ.
وَأمّا: "أنْ يَفْقَهُوهُ"، فَمَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
المَعْنى: وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لَكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ، نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ، انْتَقَلَ نَصْبُها إلى "أنْ" .
"الوَقْرُ": ثِقَلُ السَّمْعِ، يُقالُ: في أُذُنِهِ وقْرٌ، وقَدْ وُقِرَتِ الأُذُنُ تُوقَرُ قالَ الشّاعِرُ: وكَلامٌ سَيِّئٌ قَدْ وُقِرَتْ أُذُنِي عَنْهُ وما بِي مِن صَمَمْ والوِقْرُ، بِكَسْرِ الواوِ، أنْ يُحَمَّلَ البَعِيرُ وغَيْرُهُ مِقْدارَ ما يَطِيقُ، يُقالُ: عَلَيْهِ وقْرٌ، ويُقالُ: نَخْلَةُ مُوقِرٌ، ومُوقِرَةٌ وإنَّما فُعِلَ ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً لَهم بِإقِامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَفْهَمُوهُ، ولَمْ يَسْمَعُوهُ، ولَكِنَّهم لَمّا عَدَلُوا عَنْهُ، وصَرَفُوا فِكْرَهم عَمّا عَلَيْهِمْ في سُوءِ العاقِبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ ولَمْ يَسْمَعْ.
﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ﴾ أيْ: كُلُّ عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى رِسالَتِكَ، ﴿ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِقْدارَ احْتِجاجِهِمْ وجَدَلِهِمْ، وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْمِلُونَ في الِاحْتِجاجِ.
أنْ يَقُولُوا إنَّ هَذا أيْ: ما هَذا ﴿ إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها ما سُطِرَ مِن أخْبارِهِمْ وأحادِيثِهِمْ.
رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُهم، وأحادِيثُهم في دَهْرِهِمْ.
وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ: يَزْعُمُ بَعْضُهم أنَّ واحِدَةَ الأساطِيرِ: أُسْطُورَةٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: أسَطارَةٌ، ولا أراهُ إلّا مِنَ الجَمْعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ واحِدٌ، نَحْوُ عَبادِيدُ، ومَذاكِيرُ، وأبابِيلُ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أخْبارُهم وما سُطِرَ مِنها، أيْ: ما كُتِبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ ن ﴾ .
﴿ والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ﴾ أيْ: يَكْتُبُونَ، واحِدُها سَطْرٌ، ثُمَّ أسْطارٌ، ثُمَّ أساطِيرُ جَمْعُ الجَمْعِ، مِثْلُ قَوْلٍ، وأقْوالٍ وأقاوِيلَ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى أساطِيرِ الأوَّلِينَ: التُّرُّهاتُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُ الأساطِيرِ: أُسْطُورَةٌ، وأسْطارَةٌ، ومَجازُها مَجازُ التُّرُّهاتِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التُّرُّهاتُ عِنْدَ العَرَبِ: طُرُقٌ غامِضَةٌ، ومَسالِكُ مُشْكَلَةٌ، يَقُولُ قائِلُهُمْ: قَدْ أخَذْنا في تُرُّهاتِ البَسابِسِ، يَعْنِي: قَدْ عَدَلْنا عَنَ الطَّرِيقِ الواضِحِ إلى المُشْكَلِ، وعَمّا يُعْرَفُ إلى ما لا يُعْرَفُ.
و"البَسابِسُ": الصَّحارِي الواسِعَةُ، والتُّرُّهاتُ: طُرُقٌ تَتَشَعَّبُ مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ، فَتَكْثُرُ وتُشْكَلُ، فَجُعِلَتْ مَثَلًا لِما لا يَصِحُّ ويَنْكَشِفُ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ عابُوا القُرْآَنَ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقَدْ سَطَرَ الأوَّلُونَ ما فِيهِ عِلْمٌ وحِكْمَةٌ وما لا عَيْبَ عَلى قائِلِهِ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ أحَدُهُما أنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهم عابُوهُ بِالإشْكالِ والغُمُوضِ، اسْتِراحَةً مِنهم إلى البَهْتِ والباطِلِ.
فَعَلى الجَوابِ الأوَّلِ تَكُونُ "أساطِيرُ" مِنَ التَّسْطِيرِ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ بِمَعْنى التُّرُّهاتِ، وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى التُّرُّهاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وعَطاءِ بْنِ دِينارٍ، والقاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ أبِي طالِبٍ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ، فاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إلى أبِي طالِبٍ يُرِيدُونَ بِالنَّبِيِّ سُوءًا، فَسَألُوا أبا طالِبٍ أنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُوهُ، فَقالَ: ما لِي عَنْهُ صَبْرٌ، فَقالُوا: نَدْفَعُ إلَيْكَ مِن شَبابِنا مَن شِئْتَ مَكانَ ابْنِ أخِيكَ، فَقالَ أبُو طالِبٍ: حِينَ تَرُوحُ الإبِلُ، فَإنْ حَنَّتْ ناقَةٌ إلى غَيْرِ فَصِيلِها دَفَعْتُهُ إلَيْكم، وقالَ: واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ وقْرَّ بِذاكَ مِنكَ عُيُونًا وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا المَلامَةُ أوْ حَذارِي سُبَّة ً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ.» والثّانِي: أنَّ كَفّارَ مَكَّةَ كانُوا يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ ويَتَباعَدُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْهُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والضِّحاكُ، والسُّدِّيُّ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ قَوْلُهُ: "وَهُمْ" كِنايَةٌ عَنْ واحِدٍ، وعَلى الثّانِي: عَنْ جَماعَةٍ.
وَفِي هاءِ "عَنْهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ .
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَنْهَوْنَ عَنْ أذاهُ، والثّانِي: عَنِ اتِّباعِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآَنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَيَنْأوْنَ ﴾ بِمَعْنى يَبْعُدُونَ.
وفي هاءِ "عَنْهُ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها راجِعَةٌ إلى النَّبِيِّ والثّانِي إلى القُرْآَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُهْلِكُونَ ﴾ أيْ: وما يَهْلَكُونَ ﴿ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالتَّباعُدِ عَنْهُ ﴿ وَما يَشْعُرُونَ ﴾ أنَّهم يُهْلِكُونَها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَضَمَّنَهم قَبْلُ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ﴾ ؛ وأفْرَدَ "يَسْتَمِعُ"؛ وهو فِعْلُ جَماعَةٍ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن"؛ و"أكِنَّةً"؛ جَمْعُ "كِنانٌ"؛ وهو الغِطاءُ الجامِعُ؛ ومِنهُ كِنانَةُ السِهامِ؛ والَكِنُّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ ∗∗∗ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها و"فِعالٌ" و"أفْعِلَةٌ"؛ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ.
و"أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: "كَراهِيَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "ألّا يَفْقَهُوهُ"؛ ويَلْزَمُ هَذا القَوْلَ إضْمارُ حَرْفِ النَفْيِ؛ و"يَفْقَهُوهُ"؛ مَعْناهُ: "يَفْهَمُوهُ"؛ ويُقالُ: "فَقِهَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ إذا فَهِمَ الشَيْءَ؛ و"فُقُهَ"؛ بِضَمِّها؛ إذا صارَ فَقِيهًا لَهُ مَلَكَةٌ؛ و"فَقَهَ"؛ إذا غَلَبَ في الفِقْهِ غَيْرَهُ.
والوَقْرُ: اَلثِّقْلُ في السَمْعِ؛ يُقالُ: "وَقِرَتْ أُذُنُهُ"؛ و"وَقَرَتْ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِها؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وكَلامٍ سَيِّئٍ قَدْ وقِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُذُنِي مِنهُ وما بِي مِن صَمَمْ وقَدْ سُمِعَ: "أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ"؛ فالفِعْلُ عَلى هَذا "وُقِرَتْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وِقْرًا"؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى آذانِهِمْ؛ وقُرَّتْ بِالصَمَمِ؛ كَما تُوقَرُ الدابَّةُ مِنَ الحَمْلِ؛ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وهَذا عِبارَةٌ عَمّا جَعَلَ اللهُ تَعالى في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغَلَطِ والبُعْدِ عن قَبُولِ الخَيْرِ؛ لا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلرُّؤْيَةُ هُنا: رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ يُرِيدُ كانْشِقاقِ القَمَرِ؛ وشِبْهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم في أعْجَزِ دَرَجَةٍ؛ وحاوَلُوا رَدَّ الحَقِّ بِالدَعْوى المُجَرَّدَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْنا"؛ واوُ الحالِ؛ والبابُ أنْ يُصَرَّحَ مَعَها بِـ "قَدْ"؛ وقَدْ تَجِيءُ أحْيانًا مُقَدَّرَةً؛ وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ومِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُكَ وهو مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ قَلْبِهِ في كِنانٍ؛ وأُذُنُهُ صَمّاءُ؛ وهو يَرى الآياتِ فَلا يُؤْمِنُ بِها؛ لَكِنَّهُ مَعَ بُلُوغِهِ الغايَةَ مِن هَذا القُصُورِ إذا جاءَ لِلْمُجادَلَةِ قابَلَ بِدَعْوًى مُجَرَّدَةٍ.
والمُجادَلَةُ: اَلْمُقابَلَةُ في الِاحْتِجاجِ؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَدَلُ"؛ و"هَذا"؛ في قَوْلِهِمْ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
و"اَلْأساطِيرُ": جَمْعُ "أسْطارٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ و"أقاوِيلُ"؛ ونَحْوِهِ؛ و"أسْطارٌ": جَمْعُ "سَطْرٌ"؛ أو "سَطَرٌ"؛ وقِيلَ: اَلْأساطِيرُ: جَمْعُ "إسْطارَةٌ"؛ وهي التُرَّهاتُ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "أُسْطُورَةٌ"؛ كَـ "أُعْجُوبَةٌ"؛ و"أُضْحُوكَةٌ"؛ وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "عَبابِيدُ"؛ و"شَمامِيطُ"؛ والمَعْنى: "أخْبارُ الأوَّلِينَ؛ وأقاصِيصُهُمْ؛ وأحادِيثُهُمُ الَّتِي تُسَطَّرُ؛ وتُحْكى؛ ولا تُحَقَّقُ؛ كالتَوارِيخِ؛ وإنَّما شَبَّهَها الكُفّارُ بِأحادِيثِ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ وأبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ عن رُسْتُمَ؛ والسِنْدِبادِ؛ ومُجادَلَةُ الكُفّارِ كانَتْ مُرادَّتَهم نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمُ المُبْطِلَةِ؛ وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَثَّلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: "إنَّكم أيُّها المُتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ بِذَبْحِكُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ"؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَخْلِيطِ الَّذِي لا تَتَرَكَّبُ مِنهُ حُجَّةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا جِدالٌ في حُكْمٍ؛ والَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو جِدالٌ في مُدافَعَةِ القُرْآنِ؛ فَلا تُتَفَسَّرُ الآيَةُ عِنْدِي بِأمْرِ الذَبْحِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف جملة ابتدائية على الجمل الابتدائية التي قبلها من قوله: ﴿ الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 20].
والضمير المجرور ب ﴿ من ﴾ التبعيضية عائد إلى المشركين الذين الحديث معهم وعنهم ابتداء من قوله: ﴿ ثم الذين كفروا بربِّهم يعدلون ﴾ [الأنعام: 1]، أي ومن المشركين من يستمع إليك.
وقد انتقل الكلام إلى أحواللِ خاصّة عقلائهم الذين يربأون بأنفسهم عن أن يقابلوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل ما يقابله به سفهاؤهم من الإعراض التامّ، وقولِهم: ﴿ قلوبنا في أكنّة ممّا تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5].
ولكن هؤلاء العقلاء يتظاهرون بالحلم والأناة والإنصاف ويخيّلون للدهماء أنّهم قادرون على مجادلة الرسول عليه الصلاة والسلام وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان.
روى الواحدي عن ابن عبّاس أنّه سمّى من هؤلاء أبا سفيان بن حرب، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأمية وأبيّا ابني خلف، اجتمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون القرآن فلمّا سمعوه قالوا للنضر: ما يقول محمد فقال: والذي جعلها بيته (يعني الكعبة) ما أدري ما يقول إلاّ أنِّي أرى تحرّك شفتيه فما يقول إلاّ أساطير الأولين مثل ما كنت أحدّثكم عن القرون الماضية.
يعني أنّه قال ذلك مكابرة منه للحقّ وحسداً للرسول عليه الصلاة والسلام.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى.
وكان يحدّث قريشاً عن أقاصيص العجم، مثل قصة (رستم) و(إسفنديار) فيستملحون حديثه، وكان صاحب أسفار إلى بلاد الفرس، وكان النضر شديد البغضاء للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي أهدر الرسول عليه الصلاة والسلام دمه فقتل يوم فتح مكّة.
وروي أنّ أبا سفيان قال لهم: إنِّي لأراه حقّاً.
فقال له أبو جهل: كلاّ.
فوصف الله حالهم بهذه الآية.
وقد نفع الله أبا سفيان بن حرب بكلمته هذه، فأسلم هو دونهم ليلة فتح مكّة وثبتت له فضيلة الصحبة وصهر النبي صلى الله عليه وسلم ولزوجه هند بنت عتبة بن ربيعة.
و ﴿ الأكنّة ﴾ جمع كنان بكسر الكاف و(أفعلة) يتعيّن في (فِعال) المكسور الفاء إذا كان عينه ولامه مثلين.
والكنان: الغطاء، لأنّه يكنّ الشيء، أي يستره.
وهي هنا تخييل لأنّه شبَّهت قلوبهم في عدم خلوص الحقّ إليها بأشياء محجوبة عن شيء.
وأثبتت لها الأكنّة تخييلاً، وليس في قلب أحدهم شيء يشبه الكنان.
وأسند جعل تلك الحالة في قلوبهم إلى الله تعالى لأنّه خلقهم على هذه الخصلة الذميمة والتعقّل المنحرف، فهم لهم عقول وإدراك لأنّهم كسائر البشر، ولكن أهواءهم تخيّر لهم المنع من اتِّباع الحقّ، فلذلك كانوا مخاطبين بالإيمان مع أنّ الله يعلم أنّهم لا يؤمنون إذ كانوا على تلك الصفة، على أنّ خطاب التكليف عامّ لا تعيين فيه لأناس ولا استثناء فيه لأناس.
فالجعل بمعنى الخلق وليس للتحويل من حال إلى حال.
وقد مات المسمّون كلّهم على الشرك عدا أبا سفيان فإنّه شهد حينئذٍ بأنّ ما سمعه حقّ، فدلّت شهادته على سلامة قلبه من الكنان.
والضمير المنصوب في ﴿ أن يفقهوه ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من قوله ﴿ يستمع إليك ﴾ .
وحذف حرف الجرّ.
والتقدير: من أن يفقهوه، ويتعلّق ب ﴿ أكنّة ﴾ لما فيه من معنى المنع، أي أكنّة تمنع من أن يفهموا القرآن.
والوَقر بفتح الواو الصمم الشديد وفعله كوعد ووجد يستعمل قاصراً، يقال: وقرت أذنه، ومتعدّياً يقال: وقر الله أذنه فوقرت.
والوقر مصدر غير قياسي ل (وقرت) أذنه، لأنّ قياس مصدره تحريك القاف، وهو قياسي ل (وقر) المتعدّي، وهو مستعار لعدم فهم المسموعات.
جعل عدم الفهم بمنزلة الصمم ولم يذكر للوقر متعلّق يدلّ على الممنوع بوقر آذانهم لظهور أنّه من أن يسمعوه، لأنّ الوقر مؤذن بذلك، ولأنّ المراد السمع المجازي وهو العلم بما تضمّنه المسموع.
وقوله: ﴿ على قلوبهم ﴾ ، وقوله: ﴿ في آذانهم ﴾ يتعلّقان بِ ﴿ جعلنا ﴾ .
وقدّم كلّ منهما على مفْعول ﴿ جعلنا ﴾ للتنبيه على تعلّقه به من أول الأمر.
فإن قلت: هل تكون هاته الآية حجّة للذين قالوا من علمائنا: إنّ إعجاز القرآن بالصَّرْفة، أي أعجز الله المشركين عن معارضته بأن صرفهم عن محاولة المعارضة لتقوم الحجّة عليهم، فتكون الصرفة من جملة الأكنّة التي جعل الله على قلوبهم.
قلت: لم يحتجّ بهذه الآية أصحاب تلك المقالة لأنّك قد علمت أنّ الأكنّة تخييل وأنّ الوقر استعارة وأنّ قول النضر (ما أدري ما أقول)، بُهتان ومكابرة، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها ﴾ .
وكلمة ﴿ كلّ ﴾ هنا مستعملة في الكثرة مجازاً لتعذّر الحقيقة سواء كان التعذّر عقلاً كما في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ [النساء: 129]، وذلك أنّ الآيات تنحصر أفرادها لأنّها أفراد مقدّرة تظهر عند تكوينها إذ هي من جنس عامّ؛ أم كان التعذّر عادة كقول النابغة: بها كلّ ذيّال وخنساء ترعوي *** إلى كلّ رَجّاف من الرّمل فارد فإنّ العادة تحيل اجتماع جميع بقر الوحش في هذا الموضع.
فيتعذّر أن يرى القوم كلّ أفراد ما يصحّ أن يكون آية، فلذلك كان المراد ب ﴿ كلّ ﴾ معنى الكثرة الكثيرة، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية ﴾ في سورة [البقرة: 145].
و ﴿ حتى ﴾ حرف موضوع لإفادة الغاية، أي أنّ ما بعدها غاية لما قبلها.
وأصل ﴿ حتى ﴾ أن يكون حرف جرّ مثل (إلى) فيقع بعده اسم مفرد مدلوله غاية لما قبل (حتّى).
وقد يعدل عن ذلك ويقع بعد (حتّى) جملة فتكون (حتّى) ابتدائية، أي تؤذن بابتداء كلام مضمونه غاية لكلام قبل (حتى).
ولذلك قال ابن الحاجب في «الكافية»: إنّها تفيد السببية، فليس المعنى أنّ استماعهم يمتدّ إلى وقت تجيئهم ولا أنّ جعل الأكنّة على قلوبهم والوقر في آذانهم يمتدّ إلى وقت مجيئهم، بل المعنى أن يتسبّب على استماعهم بدون فهم.
وجعل الوقر على آذانهم والأكنّة على قلوبهم أنّهم إذا جاءوك جادلوك.
وسمّيت ﴿ حتى ﴾ ابتدائية لأنّ ما بعدها في حكم كلام مستأنف استئنافاً ابتدائياً.
ويأتي قريب من هذا عند قوله: ﴿ قد خسر الذين كذّبوا بلقاء الله حتّى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ في هذه السورة [31]، وزيادة تحقيق لمعنى (حتّى) الابتدائية عند قوله تعالى: ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً إلى قوله حتى إذا جاءتهم رسلنا ﴾ الخ في سورة [الأعراف: 37].
﴿ وإذا ﴾ شرطية ظرفية.
و ﴿ جاءوك ﴾ شرطها، وهو العامل فيها.
وجملة ﴿ يجادلونك ﴾ حال مقدّرة من ضمير ﴿ جاءوك ﴾ أي جاءوك مجادلين، أي مقدّرين المجادلة معك يظهرون لقومهم أنّهم أكفّاء لهذه المجادلة.
وجملة ﴿ يقول ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ ، وعدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: ﴿ يقول الذين كفروا ﴾ لزيادة التسجيل عليهم بالكفر، وأنّهم ما جاءوا طالبين الحقّ كما يدّعون ولكنّهم قد دخلوا بالكفر وخرجوا به فيقولون ﴿ إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ ، فهم قد عدلوا عن الجدل إلى المباهتة والمكابرة.
والأساطير جمع أسطورة بضم الهمزة وسكون السين وهي القصّة والخبر عن الماضين.
والأظهر أنّ الأسطورة لفظ معرّب عن الرومية: أصله إسطوريَا بكسر الهمزة وهو القصّة.
ويدلّ لذلك اختلاف العرب فيه، فقالوا: أسطورة وأسطيرة وأسطور وأسطير، كلّها بضم الهمزة وإسطارة وإسطار بكسر الهمزة.
والاختلاف في حركات الكلمة الواحدة من جملة أمارات التعريب.
ومن أقوالهم: «أعجميّ فالعب به ما شئْت».
وأحسن الألفاظ لها أسطُورة لأنّها تصادف صيغة تفيد معنى المفعول، أي القصّة المسطورة.
وتفيد الشهرة في مدلول مادّتها مثل الأعجوبة والأحدوثة والأكرومة.
وقيل: الأساطير اسم جمع لا واحد له مثل أبابيل وعباديد وشَمَاطيط.
وكان العرب يطلقونه على ما يتسامر الناس به من القصص والأخبار على اختلاف أحوالها من صدق وكذب.
وقد كانوا لا يميِّزون بين التواريخ والقصص والخرافات فجميع ذلك مرمي بالكذب والمبالغة.
فقولهم: ﴿ إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ .
يحتمل أنّهم أرادوا نسبة أخبار القرآن إلى الكذب على ما تعارفوه من اعتقادهم في الأساطير.
ويشتمل أنّهم أرادوا أنّ القرآن لا يخرج عن كونه مجموع قصص وأساطير، يعنون أنّه لا يستحقّ أن يكون من عند الله لأنّهم لقصور أفهامهم أو لتجاهلهم يعرضون عن الاعتبار المقصود من تلك القصص ويأخذونها بمنزلة الخرافات التي يتسامر الناس بها لتقصير الوقت.
وسيأتي في سورة الأنفال أنّ من قال ذلك النضرلآالحارث، وأنّه كان يمثّل القرآن بأخبار (رستم) و(اسفنديار).
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ ﴾ الآيَةَ.
في الفِتْنَةِ هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَعْذِرَتَهم، فَسَمّاها فِتْنَةً لِحُدُوثِها عَنِ الفِتْنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: عاقِبَةُ فِتْنَتِهِمْ وهو شِرْكُهم.
والثّالِثُ: يَعْنِي بَلِيَّتَهُمُ الَّتِي ألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وزادَتْهم لائِمَةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ.
﴿ إلا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ تَبْدَأُوا بِذَلِكَ مِن شِرْكِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَذَّبُوا في الآخِرَةِ بِجُحُودِ الشِّرْكِ ولا يَصِحُّ مِنهُمُ الكَذِبُ في الآخِرَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَنْفَعُهم.
والثّانِي: أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ القَبائِحِ مُلْجَؤُونَ إلى تَرْكِها لِإزالَةِ التَّكْلِيفِ عَنْهم، ولَوْ لَمْ يَلْجَؤُوا إلى تَرْكِ القَبِيحِ ويُصْرَفُوا عَنْهُ مَعَ كَمالِ عُقُولِهِمْ وجَبَ تَكْلِيفُهم لِيُقْلِعُوا بِهِ عَنِ القَبِيحِ، وفي عَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ دَلِيلٌ عَلى إلْجائِهِمْ إلى تَرْكِهِ.
قِيلَ: عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهم ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ أيْ في الدُّنْيا عِنْدَ أنْفُسِنا لِاعْتِقادِنا فِيها أنَّنا عَلى صَوابٍ، وإنْ ظَهَرَ لَنا خَطَؤُهُ الآنَ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم كَذِبًا، قالَهُ قُطْرُبٌ.
والثّانِي: أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَمَوْطِنٌ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ولا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، ومَوْطِنٌ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ ويَضْطَرُّونَ إلَيْهِ، فَقالُوا ذَلِكَ في المَوْطِنِ الأوَّلِ، قالَهُ بَعْضُ مُتَأخِّرِي المُتَكَلِّمِينَ.
وَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في المَوْطِنِ الأوَّلِ مُكَلَّفِينَ لِعَدَمِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وفي المَوْطِنِ الثّانِي غَيْرَ مُكَلَّفِينَ.
وَقَدْ يُعْتَلُّ الجَوابُ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم بِالكَذِبِ، وهم عَلى الجَوابِ الأوَّلِ غَيْرُ كاذِبِينَ.
وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاعْتِراضِ بِجَوابٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهم أنْكَرُوا بِألْسِنَتِهِمْ، فَلَمّا نَطَقَتْ جَوارِحُهم أقَرُّوا، وفي هَذا الجَوابِ دَخَلَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا نُطْقَ الجَوارِحِ.
﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِسُوءِ كَذِبِهِمْ وجُحُودِهِمْ.
والثّانِي: فَضَلَّتْ عَنْهم أوْثانُهُمُ الَّتِي افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ بِعِبادَتِها، والِافْتِراءُ: تَحْسِينُ الكَذِبِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ في اللَّيْلِ قِراءَةَ النَّبِيِّ في صَلاتِهِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ قِراءَتَهُ لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ.
والثّانِي: لِيَعْلَمُوا مَكانَهُ فَيُؤْذُوهُ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ سَماعِهِ، بِإلْقاءِ النَّوْمِ عَلَيْهِمْ، بِأنْ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ.
والأكِنَّةُ الأغْطِيَةُ واحِدُها كِنانٌ، يُقالُ: كَنَنْتُ الشَّيْءَ إذا غَطَّيْتُهُ، وأكْنَنْتُهُ في نَفْسِي إذا أخْفَيْتُهُ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: عَلى أعْيُنِهِمْ غِطاءٌ.
﴿ وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا ﴾ والوَقْرُ: الثِّقَلُ، ومِنهُ الوَقارُ إذا ثَقُلَ في المَجْلِسِ.
﴿ وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ﴾ يَعْنِي بِالآيَةِ عَلامَةَ الإعْجازِ لِما قَدِ اسْتَحْكَمَ في أنْفُسِهِمْ مِن حَسَدِهِ وبُغْضِهِ، وذَلِكَ صَرَفَهم عَنْ سَماعِ القُرْآنِ، لِأنَّهم قَصَدُوا بِسَماعِهِ الأذى والِافْتِراءَ.
﴿ حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ فِيما كانُوا يُجادِلُونَ بِهِ النَّبِيَّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُجادِلُونَهُ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: هو قَوْلُهُمْ: تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ رَبُّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وَمَعْنى ﴿ أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ أيْ أحادِيثُ الأوَّلِينَ الَّتِي كانُوا يُسَطِّرُونَها في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَهم بِهَذا النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَنْهَوْنَ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ فِرارًا مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ أنْ يُعْمَلَ بِما فِيهِ، ويَتَباعَدُونَ مِن سَماعِهِ كَيْلا يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمُ العِلْمُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: يَنْهَوْنَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُونَ عَنِ اتِّباعِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ عَنْ أذى مُحَمَّدٍ ، ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ، فَلا يُؤْمِنُ بِهِ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ في نَفْسِهِ.
واسْتَشْهَدَ مُقاتِلٌ بِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ عَنْ شِعْرِ أبِي طالِبٍ بِقَوْلِهِ: ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا ∗∗∗ وعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا لَوْلا الذَّمامَةُ أوْ أُحاذِرُ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَلِكَ مُبِينًا ∗∗∗ فاذْهَبْ لِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وابْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنكَ عُيُونًا ∗∗∗ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَرَأها عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أمّا أنْ أدْخُلَ في دِينِكَ فَلا»، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِسابِقِ القَضاءِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والقاسِمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال: قريش.
وفي قوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنَّة ﴾ قال كالجعبة للنبل.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنَّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً ﴾ قال: يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنَّة ﴾ قال: الغطاء أكن قلوبهم ﴿ أن يفقهوه ﴾ فلا يفقهون الحق ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ قال: صمم.
وفي قوله: ﴿ أساطير الأولين ﴾ قال: أساجيع الأولين.
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ أساطير الأولين ﴾ قال: أحاديث الأولين.
وأخرج عبد بن حميد وأبن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أساطير الأولين ﴾ قال: كذب الأولين وباطلهم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ قال المفسرون (١) (٢) وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟
فقال: أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، فأنزل الله هذه الآية) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، الأكنة: جمع كنان، وهو ما وقى شيئًا وستره، مثل عنان وأعنة (٤) قال الليث: (كل شيء وقي شيئًا فهو كِنانة وكِنُّة، والفعل من ذلك كننتُ وأكننت) (٥) (٦) تَحتَ عَيْنِ كِنَانُ (٧) يعني: غطاهم الذي يكنهم (٨) ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ فقال (٩) ﴿ أَنْ ﴾ نصب على أنه مفعول له، والمعنى: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ ؛ لكراهة ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ ، فلما حذفت اللام نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ﴿ أَنْ ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ ، قال ابن السكيت: (الوقر (١١) (١٢) وأنشد الزجاج (١٣) (١٤) فأما التفسير فقال ابن عباس: ( ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ (يعني القرآن، ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ غطاء كي لا يعوه) (١٥) وقال السدي: (يعني الغطاء يكن قلوبهم فلا يعرفون الحق) (١٦) وقال الحسن: ( ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾ لئلا يقبلوه، كقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ ، أي: لا يقبلون عن الله تعالى) (١٧) ﴿ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ قال ابن عباس: (صممًا) (١٨) وقال الضحاك: (ثقلًا) (١٩) وقال قتادة: (يسمعون (٢٠) (٢١) (٢٢) قال أبو إسحاق: (وإنما فعل بهم (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد كل عبرة) (٢٨) وقال الزجاج: (أي: علامة تدلهم على نبوتك) (٢٩) ﴿ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقوا بها؛ وذلك لأن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ ﴾ إلى آخر الآية، فصل آخر متصل بما قبله، والمعنى: إن حالهم في البعد عن الإيمان ما ذكره الله تعالى من منعهم وصدهم عن تصديق محمد، حتى إذا جاؤوه مجادلين إياه فيقول من كفر منهم لما يسمع من القرآن: ﴿ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ ، قال الزجاج: (أعلم الله عز وجل مقدار احتجاجهم وجدلهم، وأنهم لا يعارضون ما احتج به عليهم من الحق، حيث قيل لهم: ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ إلا بأن يقولوا: هذا أساطير الأولين، ويقولون: ﴿ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ (٣١) فأما معني الأساطير وتفسيرها: فأصلها من السطر، وهو أن يجعل شيئاً ممتدًا مؤلفًا، ومن ذلك سطر الكتاب وسطر من شجر مغروس ونحو ذلك (٣٢) قال ابن السكيت: (يقال: سَطْر، وسَطَر فمن قال: سَطْر فجمعه في القليل أَسْطر والكثير سُطُور، ومن قال: سَطَر جَمَعَه أسطاراً) (٣٣) (٣٤) (٣٥) واختار الزجاج أن يكون واحدها أسطورة مثل أحدوثة وأحاديث، قال ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ﴾ (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ومعني ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ ما سطره الأولون (٤٣) قال ابن عباس: (أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها، أي: يكتبونها) (٤٤) فأما قول (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) 26 - قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ يعني: المشركين ينهون الناس عن اتباع النبي ؛ عن ابن عباس (٥٢) (٥٣) (٥٤) ، وكذلك في ﴿ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، وهو قول الكلبي (٥٥) من سألهم عنه (٥٦) (٥٧) (٥٨) وقال قتادة (٥٩) (٦٠) والنأي: البعد، ويقال: نأى ينأى إذا بعد، وأنأيته إذا أبعدته، ويقال أيضًا (٦١) (٦٢) أعاذِلُ إنْ يُصْبِح صداي بِقَفْرةٍ ...
بَعِيدًا نآنِي زائِري وَقرِيبي (٦٣) بمعني نأى عني.
وحكى الليث: (نأيت الشيء أي أبعدته، وأنشد: إذا ما التقينا سالَ مِنْ عَبَرَاتِنا ...
شآبِيبُ يُنْأى سَيْلُها بالأصابِع (٦٤) أي: يُنحى ويبعد) (٦٥) وقال عطاء (٦٦) (٦٧) ، ويتباعد عنه فلا يتبعه على دينه) (٦٨) قال الزجاج: (والقول الأول أشبه بالمعنى؛ لأن الكلام متصلٌ بذكر جماعة أهل الكتاب والمشركين) (٦٩) (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يريد بتماديهم في معصية الله ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يرتكبون من المعاصي) (٧١) (١) انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 168، والبغوي في "تفسيره" 3/ 135.
(٢) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، شيطان قريش وصاحب لواء المشركين ببدر، مشرك مجاهر بالعداوة والأذي لرسول الله .
قتل في بدر سنة 2 هـ انظر: "سيرة ابن هشام" 9/ 311، 320، 321، 2/ 286، و"جوامع السير" ص 52، 147 - 148، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 414، و"الأعلام" 8/ 33.
(٣) انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 337، 338، و"تفسير الثعلبي" 176/ أ، والماوردي 2/ 103، و"الزمخشري" 2/ 11.
وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 217، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 18، والرازي في "تفسيره" 12/ 185، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 405، وأبو حيان في "البحر" 4/ 97 عن ابن عباس، وذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 136، عن الكلبي.
(٤) انظر: "العين" 5/ 281، و"المجمل" 3/ 766، و"مقاييس اللغة" 5/ 123، و"المفردات" ص 442 (كن).
(٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3196 (كن).
(٦) ليس في ديوانه، وهما في "اللسان" 7/ 3943، (كنن) وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 166، والبيت الأخير في "الصحاح" 6/ 2188، و"تاج العروس" 18/ 484، وبلا نسبة في "تفسير الطبري" 7/ 169.
(٧) في (ش): (كناننا)، وهي رواية أكثرهم.
(٨) "مجاز القرآن" 8/ 188.
(٩) في (ش): (قال).
(١٠) "معاني الزجاج" 2/ 236، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 541، و"البيان" 1/ 317، و"التبيان" 1/ 328، و"الفريد" 2/ 135، و"البحر" 4/ 97، و"الدر المصون" 4/ 577.
(١١) قال الطبري 7/ 170: (الوقر عند العرب بفتح الواو: الثقل في الأذن، وبكسرها: الحمل) ا.
هـ انظر: "مجاز القرآن" 1/ 189، و"معاني الأخفش" 2/ 272، و"الجمهرة" 2/ 796، و"الصحاح" 2/ 848، و"المجمل" 3/ 933، و"مقاييس اللغة" 6/ 132، و"المفردات" ص 880، و"اللسان" 8/ 4889، (وقر).
(١٢) "إصلاح المنطق" ص 3 - 4، و"تهذيب اللغة" 4/ 3931 (وقر).
(١٣) "معاني الزجاج" 2/ 237.
(١٤) الشاهد للمثقب العبدي في "ديوانه" ص 230، و"المفضليات" ص 294، وبلا نسبة في "العين" 5/ 206، و"معاني الأخفش" 2/ 272، و"الصاحبي" ص 437، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 162، وابن الجوزي 3/ 19.
(١٥) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23، وفي "تنوير المقباس" 2/ 11، نحوه.
(١٦) أخرجه الطبري 7/ 169، وابن أبي حاتم 4/ 1275 بسند جيد.
(١٧) لم أقف عليه.
(١٨) "تنوير المقباس" 2/ 11، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23.
(١٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 23.
(٢٠) في (أ): (يستمعون).
(٢١) في (ش): (ما يقول).
(٢٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 209، والطبري في "تفسيره" 7/ 170، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 4/ 1276، بسند جيد.
(٢٣) في (ش): (وإنما فعل ذلك بهم).
(٢٤) في (ش): (ولكن حرموا).
(٢٥) كذا في النسخ، ومثله عند ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 19، وعند الزجاج 2/ 237 (عماهم عليه).
(٢٦) في (ش): (فيشرح الصدر للهدى).
(٢٧) انظر: "معاني النحاس" 2/ 410، و"تفسير البغوي" 5/ 163، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 163، والرازي 12/ 186، و"البحر" 4/ 97.
وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 144، في تفسير الآية: (هذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض معها سمعًا لا عقلاً، والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ذلك مقتضاه، فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرها بموجبها ومقتضاها، وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبعض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه، كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم، والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإرادتها واعتقادتها، فذلك كله مجعول مخلوق له، وإن كان العبد فاعلًا له باختياره وإرادته) ا.
هـ.
(٢٨) ذكر الرازي 12/ 187، عن ابن عباس في الآية قال: (وإن يروا كل دليل وحجة) ا.
هـ.
(٢٩) "معاني الزجاج" 2/ 237.
(٣٠) ذكره الرازي 12/ 187.
(٣١) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 237، والنحاس 2/ 410، و"تفسير الرازي" 12/ 188.
(٣٢) انظر: "العين" 7/ 210، و"الجمهرة" 2/ 713، 1193، و"الصحاح" 2/ 684، و"المجمل" 2/ 460، و"مقاييس اللغة" 3/ 72، و"المفردات" ص 409 (سطر).
(٣٣) "إصلاح المنطق" ص 95، و"تهذيب اللغة" 2/ 1683، وأفاد أكثرهم: (أن سطر بسكون الطاء جمعه في القلة أسطر وفي الكثرة سطور، وبفتح الطاء جمعه == أسطار؛ لأن فعل بالسكون يجمع في القلة على أفعل وبالفتح على أفعال).
انظر: "البيان" 1/ 317، و"التبيان" 328، و"الفريد" 2/ 135، و"البحر" 4/ 98.
(٣٤) (قال) ساقط من (ش).
(٣٥) "تهذيب اللغة" 2/ 1683، وليس فيه -أسطيرة- وهي في "اللسان" 4/ 2007 (سطر) عن اللحياني.
(٣٦) "معاني الزجاج" 4/ 58، انظر: 2/ 237.
(٣٧) "مجاز القرآن" 1/ 189.
(٣٨) "معاني الأخفش" 2/ 272.
(٣٩) أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري أبو زيد البصري، تقدمت ترجمته.
(٤٠) في (أ): (عناديد)، ولم أقف عليها، والذي في أكثر المراجع (عباديد)، والعباديد لا واحد لها من لفظها، وهي الفرق من الناس والخيل الذاهبين في كل وجه.
والعباديد أيضًا: الأكام والطرق البعيدة.
انظر: "القاموس" ص 296، (عبد).
(٤١) الأبابيل جمع لا واحد له، وقيل: جمع إبيل وإبول، وهي الفرق والجماعات المتفرقة والفرق التي يتبع بعضها بعضًا.
انظر: "اللسان" 1/ 11 (أبل).
(٤٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 24، والرازي في "تفسيره" 12/ 188، وهو نص كلام الأخفش في "معانيه" 2/ 272، وحكاه ابن دريد في "الجمهرة" 3/ 1271 عن الأصمعي، وأكثرهم على أن أساطير جمع أسطورة، ويحتمل أنه جمع أسطارة أو أسطار.
انظر: "تفسير الطبري" 7/ 171، و"نزهة القلوب" ص 71، و"إعراب == النحاس" 1/ 541، و"الألفات" لابن خالويه ص 76، و"العضديات" ص 55 و"سر صناعة الإعراب" 2/ 610، و"المشكل" 1/ 248، و"عمدة الحفاظ" ص 241، و"تاج العروس" 6/ 520 (سطر).
(٤٣) انظر: "غريب القرآن" ص 243.
(٤٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد.
(٤٥) هذا قول أبي عبيدة في "المجاز" 1/ 189، وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 479.
(٤٦) التُّرّهات بالضم وفتح الراء المشددة جمع ترهة: وهي الأباطيل، وفي الأصل الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الأعظم.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 437، و"الصحاح" 6/ 2229، و"اللسان" 1/ 431 (تره).
(٤٧) البَسَابس، بالفتح: الباطل، ويقال: ترهاتُ البسابسِ، بالإضافة.
انظر: الصحاح 3/ 909، واللسان 1/ 282 (بسس).
(٤٨) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 104، وقال الرازي 12/ 188 (الأول قول الجمهور وتفسيرها بالترهات معنى وليس بتفسير) ا.
هـ.
بتصرف.
(٤٩) رستم الشديد بن دستان بن بريمان من ملوك الفرس.
انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 504، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 137.
(٥٠) إسفنديار بن بشتاسب: من ملوك الفرس.
انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 562، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 154.
(٥١) أفاد أكثرهم: (أن النضر بن الحارث صاحب أسفار وقصص، فسمع بالحيرة وغيرها قصص الأعاجم وأحاديث رستم واسفنديار، وكان يحدث بها ويقول: == أنا أحسن حديثًا من محمد، أحاديثه أساطير الأولين).
انظر: "سيرة ابن هشام" 1/ 320، و"تفسير السمرقندي" 1/ 479، وابن عطية 5/ 164، والقرطبي 6/ 405.
(٥٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.
(٥٣) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 1/ 521، والماوردي 2/ 104، والواحدي في "الوسيط" 1/ 25، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 405.
(٥٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171 بسند جيد.
(٥٥) "تنوير المقباس" 2/ 12، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 25.
(٥٦) لفظ: (من سألهم عنه) ساقط من (ش).
(٥٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 176 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 218، والبغوي في "تفسيره" 3/ 136، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 165، وابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 21.
(٥٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 171، بسند ضعيف، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.
(٥٩) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 205، والطبري في "تفسيره" 7/ 172، من طرق جيدة عنه، قال: (ينهون عنه القرآن وعن النبي ويتباعدون عنه) ا.
هـ.
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 16.
(٦٠) "تفسير مجاهد" 1/ 214، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 172 بسند جيد، عن مجاهد وابن زيد، وهو اختيار الرازي 12/ 189.
(٦١) لفظ: (أيضًا) ساقط من (أ).
(٦٢) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 189، و"معاني الأخفش" 2/ 273، و"غريب القرآن" ص 152، و"الجمهرة" 1/ 249، و"نزهة القلوب" ص 487، و"المفردات" ص 830 (نأى).
(٦٣) الشاهد للنمر بن تولب العكلي في "طبقات فحول الشعراء" 1/ 161، و"الكامل" للمبرد 1/ 479، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 4/ 3475، و"اللسان" 4/ 4317 (نأى)، و"الدر المصون" 4/ 582.
والصدى هنا ما يبقى وهو جسده الملقى والشاهد: نآني: أصله نأى عني، أي: بعد، فأخرجه مخرج المتعدي، قال المبرد 1/ 482 - 483: (وقوله.
"نآني" أي: أبعدني، والأحسن أنآنى لأن الوجه في فَعَل أفْعَلته، وهو المطرد، ويكون نآني: نأى عني) ا.
هـ.
بتصرف.
(٦٤) لم أقف على قائله وهو في: "العين" 8/ 392، و"الصحاح" 6/ 2499، و"المجمل" 3/ 851، و"مقاييس اللغة" 5/ 377، و"اللسان" 7/ 4314 (نأى)، و"الدر المصون" 4/ 582.
(٦٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3475.
(٦٦) عطاء هنا هو: عطاء بن دينار الهذلي مولاهم أبو الريان المصري، إمام مفسر صدوق، أخذ صحيفة في التفسير عن سعيد بن جبير ولم يسمع منه.
توفي سنة 126 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 332، و"ميزان الاعتدال" 3/ 69، و"تهذيب التهذيب" 3/ 100، و"تقريب التهذيب" (4589).
(٦٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 173 بسند جيد، عن عطاء بن دينار الهذلي.
(٦٨) "تفسير مقاتل" 1/ 555، وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير وعمر بن دينار والقاسم بن مخيمرة كما في "الوسيط" 1/ 25، و"الدر المنثور" 3/ 15، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 87، وقال: (رواه الطبراني عن ابن عباس، وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه يحيى بن معين وغيره) ا.
هـ وأخرجه الحاكم 2/ 315، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 340، والواحدي في "أسباب النزول" ص 218 من طريق واحد عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وعليه يكون هذا تمثيلاً، وهو داخل في جملة الكفار، ولعل الرواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأن السند فيه عبد الله بن منده الأصبهاني رواه عن بكر بن بكار القيسي، وبكر ضعيف كما في "لسان الميزان" 2/ 485، وابن منده ضعفه بعضهم، ولم يسمع من بكر كما يظهر من "الجرح والتعديل" 8/ 108، و"اللسان" 5/ 70، ولأن روايته بسند منقطع أقوى، فقد أخرجه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 106، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 206، والطبري في "تفسيره" 7/ 173 ، والحاكم 2/ 315، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 340 ، من طرق صحيحة عن حبيب بن أبي ثابت عمن سمع ابن عباس وانظر: "الدر المنثور" 3/ 15.
(٦٩) معاني الزجاج 2/ 238 - 239، وهو الأظهر والأشبه بالمعنى واختيار الجمهور.= انظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 173، و"معاني النحاس" 2/ 410، و"تفسير ابن كثير" 2/ 144.
(٧٠) انظر: ابن عطية 5/ 166، و"البحر" 4/ 100.
(٧١) ذكره الرازي في "تفسيره" 12/ 190، وانظر: الطبري في "تفسيره" 7/ 174، و"معاني النحاس" 2/ 412.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ الضمير عائد على الكفار، وأفرد يستمع وهو فعل جماعة حملاً على لفظ من ﴿ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ ﴾ أكنة جمع كنان، وهو الغطاء، وأن يفقهوه في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، ومعنى الآية: أن الله حال بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكنة والوقر مبالغة، وهي استعارة ﴿ أساطير الأولين ﴾ أي قصصهم وأخبارهم، وهو جمع أسطار وأسطورة قال السهيلي: حيث ما ورد في القرآن أساطير الأولين، فإن قائلها هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول حديثي أحسن من حديث محمد صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ كانوا يستمعون إليه ليجادلوه، على ما ذكر، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ ﴾ دل هذا أنهم كانوا يستمعون إليه للمجادلة معه والخصومة.
وقيل في بعض الحكايات: إن الناس كانوا ثلاث فرق في أخبار الرسل والأنبياء - عليهم السلام -: منهم من يستمع للجمع والاستكثار.
ومنهم من يستمع ليأخذ عليهم سقطاتهم وما يجري على لسانهم من الخطأ.
ومنهم من يستمع ليأخذ الحق منه ويترك الباقي، ولكن هؤلاء كانوا يستمعون إليه ليخاصموه في ذلك وليجادلوه؛ ليعرف قومهم أنهم يستمعون إليه، ويعرفون ما يقول ليصدوا بذلك أتباعهم.
والثاني: أنهم يستمعون ويحاجون في ذلك ليعرفوا أنهم أهل حجاج وعلم ليصدوهم عنه.
ثم يحتمل أن يكونوا أهل نفاق؛ لأنهم كانوا يرون ويظهرون الموافقة لرسول الله ، ويضمرون الخلاف له.
ويحتمل أن يكونوا أهل الشرك، أي: رؤساؤهم؛ ليستمعوا إليه، ويجادلوه فيما يستمعون إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ .
أخبر أن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً.
وقال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ .
نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا بذلك كله، وإن لم يكونوا - في الحقيقة - صما، ولا بكماً، ولا ما ذكر، لما لم ينتفعوا بما أنشأ فيهم من السمع والبصر والعقل، فنفى عنهم ذلك.
ثم قوله : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ .
لا يخلو إضافة ذلك إلى نفسه من أن يكون خلق منهم فعل الكفر، أو خلق الظلمة التي في قلوبهم، يعني ظلمة الكفر؛ لأن ظلمة الكفر تستر وتغطي كل شيء، ونور الإيمان ينير منه كل شيء، فإضافة الفعل إليه لا تخلو من أحد هذين الوجهين، إما لخلق فعل الكفر منهم، ففيه دلالة خلق أفعالهم، وإما لخلق ظلمة الكفر في قلوبهم.
وفيه ردّ قول المعتزلة لإنكارهم خلق فعل العباد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ .
قيل: الوقر: هو الثقل في السمع، يقال: وقرت أذنه، توقر وقرا، فهي موقورة، وأما الوقر فهو [الكفر في قلوبهم].
وقال أبو عوسجة: الوقر: الصدع في العظم أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا ﴾ .
يحتمل كل آية: آية وحدانيته، وربوبيته، وقدرته على البعث، وآية رسالته ونبوته.
ويحتمل: كل آية سألوا أن يأتي بها؛ يقول: وإن أوتيت بكل آية سألوك لا يؤمنون بك بعد ذلك أبداً، كقولهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ ، ونحو ذلك مما سألوا من الآيات؛ يقول: إنك وإن جئت بما سألوك من الآيات لا يؤمنون بك، ولا يصدقونك، يقولون: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ \[أي ما هذا إلا أساطير الأولين\] قيل: أحاديث الأوّلين، والأسطورة: الكتاب، يقولون ذلك تعنتاً منهم؛ لأنهم كانوا يعرفون أنه حق، وأنه ليس بكلام البشر؛ لأنهم عجزوا عن إتيان مثله، ولو كان هو مفترى على ما قالوا لقدروا هم على أن يأتوا بشيء مثله، حيث قيل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ فعلموا بعجزهم عن إتيان مثله أنه ليس من كلام البشر، وأنه سماوي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ \[ينهون الناس عن طريقته ومتابعته وينأون عنه\] أي: يتباعدون عنه [و] ينهون غيرهم عن اتباعه ويتباعدون هم.
ويحتمل ما ذكر في القصّة أن النبي كان عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام فاجتمعت قريش عنده ليريدوا بالنبي سوءاً قال أبو طالب وأنشد فيه: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وابشر وقرّ بذاك منك عيونا فدعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه *** من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سُبَّة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبينا كان ينهى الناس عن أذى محمد ويتباعد هو عنه فلا يتبع دينه، فنزل هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ \[أي لا يشعرون\] أنهم بذلك يسعون في هلاك أنفسهم.
<div class="verse-tafsir"
ومن المشركين من يستمع إليك -أيها الرسول- إذا قرأت القرآن، لكنهم لا ينتفعون بما يستمعون إليه؛ لأنا جعلنا على قلوبهم أغطية حتى لا يفقهوا القرآن، بسبب عنادهم وإعراضهم، وجعلنا في آذانهم صَمَمًا عن السماع النافع، ومهما يروا من الدلالات الواضحة والحجج الجلية لا يؤمنوا بها، حتى إذا جاؤوك يخاصمونك في الحق بالباطل يقولون: ليس الذي جئت به إلا مأخوذًا عن كتب الأوائل.
<div class="verse-tafsir" id="91.aNkr6"