الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال تعالى : ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) أي : بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة ، وإن أنكروها ، في الدنيا أو في الآخرة ، كما قال قبل هذا بيسير ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) ويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا ، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه ، كما قال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لفرعون : ( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ) الآية [ الإسراء : 102 ] .
قال تعالى مخبرا عن فرعون وقومه : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ) [ النمل : 14 ] .
ويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر ، ويكون هذا إخبارا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار ، ولا ينافي هذا كون هذه [ السورة ] مكية ، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب ، فقد ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت ، فقال : ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) [ العنكبوت : 11 ] ; وعلى هذا فيكون إخبارا عن حال المنافقين في الدار الآخرة ، حين يعاينون العذاب يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من الكفر والشقاق والنفاق ، والله أعلم .
وأما معنى الإضراب في قوله : ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) فهم ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة في الإيمان ، بل خوفا من العذاب الذي عاينوه جزاء ما كانوا عليه من الكفر ، فسألوا الرجعة إلى الدنيا ليتخلصوا مما شاهدوا من النار ; ولهذا قال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) أي : في تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإيمان .
ثم قال مخبرا عنهم : إنهم لو ردوا إلى الدار الدنيا ، لعادوا لما نهوا عنه [ من الكفر والمخالفة ] ( وإنهم لكاذبون ) أي : في قولهم : ( يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين )
القول في تأويل قوله : بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء العادلين بربهم، (1) الجاحدين نبوتك، يا محمد، في قيلهم إذا وقفوا على النار: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ = الأسَى والندمُ على ترك الإيمان بالله والتصديق بك، (2) لكن بهم الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على معاصيهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم, فأبداها الله منهم يوم القيامة وأظهرها على رؤوس الأشهاد, ففضحهم بها، ثم جازاهم بها جزاءَهم .
يقول: بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونها " من قبل ذلك في الدنيا, فظهرت " وَلَوْ رُدُّوا " ، يقول: ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا =" لعادوا لما نهوا عنه " ، يقول: لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم =" وإنهم لكاذبون " ، في قيلهم: " لو رددنا لم نكذب بآيات ربّنا وكنا من المؤمنين ", لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله.
* * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 13181 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة، التي أخفوها في الدنيا .
13182 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل " ، قال: من أعمالهم .
13183 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولو ردُّوا لعادُوا لما نهوا عنه " ، يقول: ولو وصل الله لهم دُنيا كدنياهم, لعادوا إلى أعمالهم أعمالِ السوء.
قوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبونقوله تعالى : بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا واختلفوا في معنى بدا لهم على أقوال بعد تعيين من المراد ; فقيل : المراد المنافقون لأن اسم الكفر مشتمل عليهم ، فعاد الضمير على بعض المذكورين ; قال النحاس : وهذا من الكلام العذب الفصيح .
وقيل : المراد الكفار وكانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يفطن بهم ضعفاؤهم ، فيظهر يوم القيامة ; ولهذا قال الحسن : بدا لهم أي : بدا لبعضهم ما كان يخفيه عن بعض .
وقيل : بل ظهر لهم ما كانوا يجحدونه من الشرك فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل .
قال أبو روق .
وقيل : بدا لهم ما كانوا يكتمونه من الكفر ; أي : بدت أعمالهم السيئة كما قال : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون .
قال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه .
وقيل : المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ; لأن بعده وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين .قوله تعالى : ولو ردوا قيل : بعد معاينة العذاب .
وقيل : قبل معاينته .
لعادوا لما نهوا عنه أي : لصاروا ورجعوا إلى ما نهوا عنه من الشرك لعلم الله تعالى فيهم أنهم لا يؤمنون ، وقد عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند .
قوله تعالى : ( وإنهم لكاذبون ) إخبار عنهم ، وحكاية عن الحال التي كانوا عليها في الدنيا من تكذيبهم الرسل ، وإنكارهم البعث ; كما قال : وإن ربك ليحكم بينهم فجعله حكاية عن الحال الآتية .
وقيل : المعنى وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين .
وقرأ يحيى بن وثاب ( ولو ردوا ) بكسر الراء ; لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال على الراء .
( بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ } فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم، أنهم كانوا كاذبين، ويَبدو في قلوبهم في كثير من الأوقات.
ولكن الأغراض الفاسدة، صدتهم عن ذلك، وصرفت قلوبهم عن الخير، وهم كذبة في هذه الأمنية، وإنما قصدهم، أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب.
{ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }
( بل بدا لهم ) قوله : " بل " تحته رد لقولهم ، أي : ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا ، بل بدا لهم ، ظهر لهم ، ( ما كانوا يخفون ) يسرون ، ( من قبل ) في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم ، وقيل : ما كانوا يخفون وهو قولهم " والله ربنا ما كنا مشركين " ( الأنعام ، 23 ) ، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا ، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا ، إلا أن تجعل الآية في المنافقين ، وقال المبرد : بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون ، وقال النضر بن شميل : بل بدا عنهم .
ثم قال ( ولو ردوا ) إلى الدنيا ( لعادوا لما ) يعني إلى ما ( نهوا عنه ) من الكفر ، ( وإنهم لكاذبون ) في قولهم ، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين .
قال تعالى: «بل» للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني «بدا» ظهر «لهم ما كانوا يخفون من قبل» يكتمون بقولهم (والله ربنا ما كنا مشركين) شهادة جوارحهم فتمنوا ذلك «ولو ردوا» إلى الدنيا فرضا «لعادوا لما نُهوا عنه» من الشرك «وإنهم لكاذبون» في وعدهم بالإيمان.
ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه.
ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب.
وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين.
ثم يعقب - سبحانه - على قولتهم هذه فيما لو أجيبوا إلى طلبهم على سبيل الفرض والتقدير فيقول : { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .بل هنا للإضراب عما يدل عليه تمنيهم من إدراكهم لقبح الكفر وسوء مغبته ، ولحقيقة الإيمان وحسن عاقبته .والمعنى : ليس الأمر كما يوهمه كلامهم فى التمنى من أنهم يريدون العودة للهداية ، بل الحق أنهم تمنوا العودة إلى الدنيا بعد أن استقبلتهم النار بلهبها ، وبعد أن ظهر لهم ما كانوا يخفونه فى الدنيا من أعمال قبيحة ، ومن أفعل سيئة ، وبعد أن بدا لهم ما كانوا يذكبون به ، وينكرون تحققه ، ولو أنهم ردوا إلى الدنيا بمتعها وشهواتها وأهوائها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب بالآيات ، والسخرية من المؤمنين ، وإنهم لكاذبون فى كل ما يدعون .فالآية الكريمة تصور ما طبع عليه هؤلاء الجاحدون من فجور وعناد وافتراء ، لأنهم حتى لو أجيبوا إلى طلبهم - على سبيل الفرض والتقدير - لما تخلوا عن كفرهم ومحاربتهم للأنبياء وللمصلحين .
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وينأى عن طاعته بأنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك بهذه الآية وفيها مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يقتضي الله جواباً وقد حذف تفخيماً للأمر وتظيماً للشأن، وجاز حذفه لعلم المخاطب به وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر.
ولو قدرت الجواب، كان التقدير: لرأيت سوء منقلبهم أو لرأيت سوء حالهم وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى: أنك لو قلت لغلامك، والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه، من الضرب، والقتل، والكسر، وعظم الخوف ولم يدر أي الأقسام تبغي.
ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك فأتيت بالجواب، لعلم أنك لم تبلغ شيئاً غير الضرب ولا يخطر بباله نوع من المكروه سواه، فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيراً في حصول الخوف.
ومنهم من قال جواب ﴿ لَوْ ﴾ مذكور من بعض الوجوه والتقدير ولو ترى إذ وقفوا على النار ينوحون ويقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ وُقِفُواْ ﴾ يقال وقفته وقفاً، ووقفته وقوفاً كما يقال رجعته رجوعاً.
قال الزجاج: ومعنى ﴿ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: يجوز أن يكون قد وقفوا عندها وهم يعاينونها فهم موقوفون على أن يدخلوا النار.
والثاني: يجوز أن يكونوا وقفوا عليها وهي تحتهم، بمعنى أنهم وقفوا فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم.
والثالث: معناه عرفوا حقيقتها تعريفاً من قولك وقفت فلاناً على كلام فلان؛ أي علمته معناه وعرفته، وفيه وجه رابع: وهم أنهم يكونون في جوف النار، وتكون النار محيطة بهم، ويكونون غائصين فيها وعلى هذا التقدير فقد أقيم (على) مقام (في) وإنما صح على هذا التقدير، أن يقال: وقفوا على النار، لأن النار دركات وطبقات، وبعضها فوق بعض فيصح هناك معنى الاستعلاء.
فإن قيل: فلماذا قال: ﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ ؟
وذلك يؤذن بالاستقبال ثم قال بعده إذ وقفوا وكلمة ﴿ إِذْ ﴾ للماضي ثم قال بعده، فقالوا وهو يدل على الماضي.
قلنا: أن كلمة (إذ) تقام مقام (إذا) إذا أراد المتكلم المبالغة في التكرير والتوكيد، وإزالة الشبهة لأن الماضي قد وقع واستقر، فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي، يفيد المبالغة من هذا الاعتبار.
المسألة الثالثة: قال الزجاج: الامالة في النار حسنة جيدة، لأن ما بعد الألف مكسور وهو حرف الراء، كأنه تكرر في اللسان فصارت الكسرة فيه كالكسرتين.
أما قوله تعالى: ﴿ فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ يا ليتنا نُرَدُّ ﴾ يدل على أنهم قد تمنوا أن يردوا إلى الدنيا.
فأما قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أنه داخل في التمني والتقدير أنهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين وأن يكونوا مؤمنين.
فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ والمتمني لا يوصف بكونه كاذباً.
قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذباً لأن من أظهر التمني، فقد أخبر ضمناً كونه مريداً لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك، فهذا تمن في حكم الوعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده.
القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله: ﴿ ياليتنا نُرَدُّ ﴾ وأما قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان.
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع، ونكذب ونكون بالنصب فيهما، في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله: ﴿ نُرَدُّ ﴾ وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة، فأما الذين رفعوا قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ نُرَدُّ ﴾ فتكون الثلاثة داخل في التمني، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين.
والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد.
والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبداً.
قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود، فهاهنا المطلوب بالسؤال تركه.
فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا قوله: ﴿ يا ليتنا نُرَدُّ ﴾ الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلاً في التمني، ويكون ما بعده إخباراً محضاً.
واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ والمتمني لا يجوز تكذيبه، وهذا اختيار أبي عمرو.
وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، وذكرنا أنها ليست قوية، وأما من قرأ ﴿ وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ ﴾ بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار (أن) على جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب.
والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب، فتكون الواو هاهنا بمنزلة الفاء في قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ ﴿ فَلا نُكَذّبَ ﴾ بالفاء على النصب، والثالث: أن يكون معناه الحال، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تأكل السمك شارباً للبن.
واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني.
وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره.
وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ ﴾ وينصب ﴿ وَنَكُونَ ﴾ فالتقدير: أنه يجعل قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ ﴾ داخلاً في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ ﴾ لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى.
والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات.
ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط، ولا بترك التكذيب، ولا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني.
فإن قيل: كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة.
والجواب من وجوه: الأول: لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل.
والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار ﴾ وكقوله: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل، فبأن يتمنوه أقرب، لأن باب التمني أوسع، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية.
ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى ﴿ بَلْ ﴾ هاهنا رد كلامهم، والتقدير: أنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا، وترك التكذيب، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه.
وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه، لكونه إيماناً وطاعة، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب، والخوف من العقاب فغير مفيد.
المسألة الثانية: المراد من الآية: أنه طهر لهم في الآخرة ما أخفوه في الدنيا.
وقد اختلفوا في ذلك الذي أخفوه على وجوه: الأول: قال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر، فذلك حين بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل.
قال الواحدي: وعلى هذا القول أهل التفسير.
الثاني: قال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك لأن كفرهم ما كان بادياً ظاهراً لهم، لأن مضار كفرهم كانت خفية، فلما ظهرت يوم القيامة لا جرم قال الله تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ الثالث: قال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء عنهم من أمر البعث والنشور.
قال والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقيبه ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
الرابع: قال بعضهم: هذه الآية في المنافقين، وقد كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإسلام، وبدا لهم يوم القيامة، وظهر بأن عرف غيرهم أنهم كانوا من قبل منافقين.
الخامس: قيل بدا لهم ما كان علماؤهم يخفون من جحد نبوّة الرسول ونعته وصفته في الكتب والبشارة به، وما كانوا يحرفونه من التوراة مما يدل على ذلك.
واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة.
والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم.
وهو معنى قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ والمعنى أنه تعالى لو ردهم لم يحصل منهم ترك التكذيب وفعل الإيمان، بل كانوا يستمرون على طريقتهم الأولى في الكفر التكذيب.
فإن قيل: إن أهل القيامة قد عرفوا الله بالضرورة، وشاهدوا أنواع العقاب والعذاب فلو ردهم الله تعالى إلى الدنيا فمع هذه الأحوال كيف يمكن أن يقال: إنهم يعودون إلى الكفر بالله وإلى معصية الله.
قلنا: قال القاضي: تقرير الآية ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ إلى حالة التكليف، وإنما يحصل الرد إلى هذه الحالة لو لم يحصل في القيامة معرفة الله بالضرورة، ولم يحصل هناك مشاهدة الأهوال وعذاب جهنم، فهذا الشرط يكون مضمراً لا محالة في الآية إلا أنا نقول هذا الجواب ضعيف، لأن المقصود من الآية بيان غلوهم في الاصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان، ولو قدرنا عدم معرفة الله تعالى في القيامة، وعدم مشاهدة أهوال القيامة لم يكن في إصرار القوم على كفرهم الأول مزيد تعجب، لأن إصرارهم على الكفر يجري مجرى إصرار سائر الكفار على الكفر في الدنيا، فعلمنا أن الشرط الذي ذكره القاضي لا يمكن اعتباره ألبتة.
إذا عرفت هذا فنقول: قال الواحدي: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فساد قول المعتزلة، وذلك لأن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك.
ثم إنه تعالى بين أنهم لو شاهدوا النار والعذاب، ثم سألوا الرجعة ورُدُّوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك، وذلك القضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يرتاب فيما شاهد، ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ وفيه سؤال وهو أن يقال: إنه لم يتقدم ذكر خبر حتى يصرف هذا التكذيب إليه.
والجواب: أنا بينا أن منهم من قال الداخل في التمني هو مجرد قوله: ﴿ يا ليتنا نُرَدُّ ﴾ أما الباقي فهو إخبار، ومنهم من قال بل الكل داخل في التمني، لأن إدخال التكذيب في التمني أيضاً جائز، لأن التمني يدل على الاخبار على سبيل الضمن والصيرورة، كقول القائل ليت زيداً جاءنا فكنا نأكل ونشرب ونتحدث فكذا هاهنا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ جوابه محذوف تقديره.
ولو ترى لرأيت أمراً شنيعاً ﴿ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ أروها حتى يعاينوها.
أو اطلعوا عليها اطلاعاً هي تحتهم، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها من قولك: وقفته على كذا إذا فهمته وعرفته، وقرئ: ﴿ وقفوا ﴾ على البناء للفاعل، ومن وقف عليه وقوفاً ﴿ ياليتنا نُرَدُّ ﴾ تم تمنيهم.
ثم ابتدؤا ﴿ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ واعدين الإيمان، كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب ونؤمن على وجه الإثبات.
شبهة سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود، بمعنى: دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني.
ويجوز أن يكون معطوفاً على نردّ، أو حالاً على معنى: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني.
فإن قلت: يدفع ذلك قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ لأن المتمنّي لا يكون كاذباً.
قلت: هذا تمنٍّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالاً كافأتك على الإحسان.
وقرئ: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب بإضمار أن على جواب التمني ومعناه: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم؛ فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً؛ لا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا.
وقيل: هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه.
وقيل: هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار ﴿ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ من الكفر والمعاصي ﴿ وَإِنَّهُمْ لكاذبون ﴾ فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ الإضْرابِ عَنْ إرادَةِ الإيمانِ المَفْهُومَةِ مِنَ التَّمَنِّي، والمَعْنى أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن نِفاقِهِمْ، أوْ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ ضَجَرًا لا عَزْمًا عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا.
﴿ وَلَوْ رُدُّوا ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا بَعْدَ الوُقُوفِ والظُّهُورِ.
﴿ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيما وعَدُوا بِهِ مِن أنْفُسِهِمْ.
وَقالُوا عَطْفٌ عَلى لَعادُوا، أوْ عَلى إنَّهم لَكاذِبُونَ أوْ عَلى نُهُوا، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما قالُوهُ في الدُّنْيا.
﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ ﴿ وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
{بَلْ} للإضراب عن الوفاء بما تمنوا {بَدَا لَهُمْ} ظهر لهم {مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} من الناس {مِن قَبْلُ} في الدنيا من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وقيل هو في المنافقين وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من ضحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ
رُدُّواْ} إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار {لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر {وَإِنَّهُمْ لكاذبون} فيما وعدوا من أنفسهم لا يوفون به
﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُؤْذِنُ بِهِ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها أيْ لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزْمٍ صَحِيحٍ ناشِئٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ بَلْ لِأنَّهُ بَدا وظَهَرَ لَهم في وُقُوفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِن ثالِثَةِ الأثافِي والدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ فَلِشَدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ ومَزِيدِ ضَجَرِهِمْ مِنهُ قالُوا ما قالُوا، فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ النّارُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ السَّوْقُ ومِن إخْفائِها سَتْرُ أمْرِها وذَلِكَ بِإنْكارِ تَحَقُّقِها وعَدَمِ الإيمانِ بِثُبُوتِها أصْلًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا ويُنْكِرُونَ تَحَقُّقَهُ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ سُبْحانَهُ بِالتَّكْذِيبِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِما قَبْلُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ﴾ مَراعاةً لِما في مُقابِلِهِ مِنَ البَدْوِ في الجُمْلَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الرَّمْزِ الخَفِيِّ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم هَذا لَمْ يَكُنْ في مَحَلِّهِ رَأْسًا لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما كانُوا يُخْفُونَهُ قَبائِحُهم مِن غَيْرِ الشِّرْكِ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها عَنِ النّاسِ فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الشِّرْكُ الَّذِي أنْكَرُوهُ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أمْرُ البَعْثِ والنُّشُورِ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِرُؤَساءِ الكُفّارِ والمَجْرُورُ لِأتْباعِهِمْ أيْ ظَهَرَ لِلتّابِعِينَ ما كانَ الرُّؤَساءُ المَتْبُوعُونَ يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، ونُسِبَ إلى الحَسَنِ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقِيلَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لَهُمْ، والمَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكُفْرُ أيْ بَلْ ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ ما كانَ المُنافِقُونَ يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ ويَكْتُمُونَهُ عَنْهم في الدُّنْيا، وقِيلَ: هي في أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا أوْ عُلَمائِهِمْ، والَّذِي أخْفَوْهُ نُبُوَّةَ خاتَمِ الرُّسُلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والضَّمِيرانِ المَرْفُوعُ والمَجْرُورُ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ أوْ لِلْخَواصِّ والعَوامِّ.
وتُعُقِّبَ كُلُّ ذَلِكَ بِأنَّهُ بَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا فِيهِ مِنَ الِاعْتِسافِ لا سَبِيلَ إلَيْهِ هُنا لِأنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الجَلِيلِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ تَمَنِّيَهُمُ المَذْكُورَ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي وأزْجُرُ الزَّواجِرِ إلى ما دُونَها في ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ ثَمَّةَ أمْرٌ يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، ونُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ بَدا لَهم وبالُ ما كانُوا يُخْفُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ أيْضًا فَتَدَبَّرْ ﴿ ولَوْ رُدُّوا ﴾ مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا ﴿ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ أوْ مِنَ الأعَمِّ مِن ذَلِكَ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى حُسْنُهُ، ووَجْهُ اللُّزُومِ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ سَبْقُ قَضاءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ التّابِعِ لِخُبْثِ طِينَتِهِمْ ونَجاسَةِ جِبِلَّتِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ولِهَذا لا يَنْفَعُهم مُشاهِدَةَ ما شاهَدُوهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهم لَوْ رُدُّوا إلى حالِهِمُ الأُولى مِن عَدَمِ العِلْمِ والمُشاهَدَةِ لَعادُوا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يُناسِبُ مَقامَ ذَمِّهِمْ بِغُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ والإصْرارِ، وكَوْنُ هَذا جَوابًا لِما مَرَّ مِن تَمَنِّيهِمْ.
وذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ في تَوْجِيهِ عَدَمِ نَفْعِ المُشاهَدَةِ في الآخِرَةِ لِأهْوالِها المُتَرَتِّبَةِ عَلى المَعاصِي بَعْدَ الرَّدِّ إلى الدُّنْيا أنَّها حِينَئِذٍ كَخَبَرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ فَحَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ وصَدَّهم ما صَدَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما هو مِثْلُهُ ويَصُدُّهم أيْضًا ما يَصُدُّهُمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ المُشاهَدَةِ بَعْدَ الرَّدِّ كَخَبَرِ الصّادِقِ يَرْجِعُ في الآخِرَةِ إلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن سَبْقِ القَضاءِ وسُوءِ الِاسْتِعْدادِ، ومِن خُلِقَ لِلشَّقاءِ والعِياذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلشَّقاءِ يَكُونُ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ 82 - أيْ لَقَوْمٌ كاذِبُونَ فِيما تَضَمَّنَهُ تَمَنِّيهِمْ مِنَ الخَبَرِ بِأنَّ ذَلِكَ مُرادٌ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى بِأنَّ دَيْدَنَ هَؤُلاءِ وهَجِيراهُمُ الكَذِبُ.
ولَيْسَ الكَذِبُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ مُتَوَجِّهًا إلى التَّمَنِّي نَفْسِهِ لِأنَّهُ إنْشاءٌ، والإنْشاءُ لا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ.
وقالَ الرَّبَعِيُّ: لا بَأْسَ بِتَوْجِيهِ الكَذِبِ إلى التَّمَنِّي لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ بِنَفْسِهِ.
واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُنًى إنْ تَكُنْ حَقًّا أحْسَنَ المُنى وإلّا فَقَدَ عِشْنا بِها زَمَنًا رَغْدًا لِأنَّ الحَقَّ بِمَعْنى الصِّدْقِ وهو ضِدُّ الباطِلِ والكَذِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مَعَ أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فَهو مَجازٌ أيْضًا، وقِيلَ الخَبَرُ الضِّمْنِيُّ هُنا هو الوَعْدُ بِالإيمانِ وعَدَمُ التَّكْذِيبِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعْدَ كالوَعِيدِ مِن قَبِيلِ الإنْشاءِ كَما حَقَّقَ في مَوْضِعِهِ فَلا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الكَذِبُ والصِّدْقُ كَما لا يَتَوَجَّهانِ إلى الإنْشاءِ، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ أحَدُ قَوْلَيْنِ في المُسْئِلَةِ ثانِيهُما أنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ لا الإنْشاءِ وهَذا القِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالكَذِبِ المُتَوَجِّهِ إلى الوَعْدِ عَدَمُ الوَفاءِ بِهِ لا عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ <div class="verse-tafsir"
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ قال الكلبي: يعني: حبسوا على النار.
وقال مقاتل يعني: عرضوا على النار.
وقال الضحاك: يعني: جمعوا على أبوابها.
ويقال: وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم.
وروي في الخبر: أن الناس كلهم وقفوا على متن جهنم كأنها متن الأهالة، ثم نادى مناد خذي أصحابك، ودعي أصحابي.
ثم قال: فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا ولم يذكر في الآية الجواب، لأن في الكلام ما دل عليه فكأنه يقول: ولو ترى يا محمد كفار قريش حين وقفوا على النار، لعجبت من ذلك فقالوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الدنيا.
وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص: وَلا نُكَذِّبَ بالنصب وَنَكُونَ بالنصب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر: وَلا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ كلاهما بالضم على معنى الخبر.
ومن قرأ بالنصب فلأنه جواب التمني.
وجواب التمني إذا كان بالواو والفاء يكون بالنصب.
كقولك: ليتك تصير إلينا ونكرمك.
وقرأ بعضهم: وَلا نُكَذِّبَ بالضم ونَكُونَ بالنصب في رواية هشام بن عمار عن ابن عامر.
وقرأ عبد الله بن مسعود: فَلا نُكَذّبَ بالفاء.
قوله تعالى: بَلْ بَدا لَهُمْ يعني: ظهر لهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ بألسنتهم.
لأن الجوارح تشهد عليهم بالشرك، فحينئذٍ يتمنون الرجعة وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ يعني: رجعوا إلى كفرهم وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا لأنهم قد علموا في الدنيا وعاينوه.
وقد عاين إبليس وشاهد ومع ذلك كفر وكذلك هاهنا لو رجعوا لكفروا كما كفروا من قبل، لأنك ترى في الدنيا إنساناً أصابه مرض أو حبس في السجن، أخلص بالتوبة لله تعالى أن لا يرجع إلى الفسق، فإذا برأ من مرضه أو أطلق من الحبس رجع إلى الحال الأول.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قال ص: وَإِنْ يُهْلِكُونَ: إن نافية بمعنى «ما» ، وأَنْفُسَهُمْ مفعول ب يُهْلِكُونَ انتهى.
وَما يَشْعُرُونَ معناه: ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حسٍّ، ونَفْيُ الشعور مذمَّةٌ بالغة إذ البهائم تشعر وتحسّ، فإذا قلت: فلان لا يَشْعُرُ، فقد نَفَيْتَ عنه العِلْمَ النفي العام الذي يقتضي أنه لا يَعْلَمُ ولا المحسوسات.
وقوله جَلَّتْ عظمته: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ الآية: المخاطبة فيه للنبي صلّى الله عليه وسلّم وجواب «لو» محذوف، تقديره في آخر الآية: لرأيت هولا عظيما ونحوه.
ووُقِفُوا معناه: حسُّوا، ويحتمل قوله: وُقِفُوا عَلَى النَّارِ بمعنى «دخلوها» .
قاله الطَّبَرِيُّ «١» .
ويحتمل أن يكون أشرفوا عليها، وعاينوها.
وقولهم: يا لَيْتَنا نُرَدُّ معناه إلى الدنيا.
وقوله سبحانه: بَلْ بَدا لَهُمْ مَّا كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ الآية: يَتَضَمَّنُ أنهم كانوا يُخْفُونَ أموراً في الدنيا، فظهرت لهم يوم القِيَامَةِ، أو ظهر وَبَالُ ذلك وعاقبته، فحذف المُضَاف، وأقيم المضَافُ إليه مقامه.
وقيل: إن الكُفَّارَ كانوا إذَا وعظهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خافوا، وأَخْفَوْا ذلك الخوف لَئلا يشعر بهم أتباعهم، فظهر لهم ذَلِكَ يوم القيامة.
ويصح أن يكون مَقْصِدُ الآية الإخْبَارَ عن هَوْلِ ما لقوه، فعبِّر عن ذلك بأنهم ظَهَرَتْ لهم مَسْتُورَاتهم في الدنيا من مَعَاصٍ وغيرها، فكيف الظَّنُّ بما كانوا يعلنونه من كُفْرٍ ونحوه.
وينظر إلى هذا التأويل قوله تعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يوم القيامة: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: ٩] .
وقوله سبحانه: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا إخبار عن أَمْرٍ لا يكون كَيْفَ كان يُوجَدُ، وهذا النوع مما اسْتَأْثَرَ اللَّه- تعالى- بعِلْمِهِ، فإن أعلم بشيء منه علم، وإلا لم يُتَكَلَّمْ فيه.
قال الفخر «٢» : قال الوَاحِدِيُّ: هذه الآية من الأدلة الظاهرة على فَسَادِ قول المعتزلة
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ "بَلْ" هاهُنا رَدٌّ لَكَلامِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا مِن أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآَمَنُوا.
وَقالَ الزَّجّاجُ: "بَلْ" اسْتِدْراكٌ وإيجابٌ بَعْدَ نَفْيٍ، تَقُولُ ما جاءَ زِيدٌ، بَلْ عَمْرٌو وفي مَعْنى الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها بَدا ما كانَ يُخْفِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: بَدا بِنُطْقِ الجَوارِحِ ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ بِألْسِنَتِهِمْ قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: بَدا لَهم جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.
والرّابِعُ: بَدا لَلْأتْباعِ ما كانَ يُخْفِيهِ الرُّؤَساءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ، وإنَّهم لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أنَّهم إنْ رُدُّوا، آَمَنُوا ولَمْ يُكَذِّبُوا، ولَمْ يُكَذِّبْهم في التَّمَنِّي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ.
قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ كَفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا هَذا.
وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ يَقُولُ: هَذا حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، لَوْ رُدُّوا لَقالُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟
ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا ﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛ ﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.
<div class="verse-tafsir"
الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام لأنّ في الخبر الواقع بعده تسلية له عمّا تضمّنه قوله: ﴿ وهم ينهون عنه وينأون عنه ﴾ [الأنعام: 26] فإنّه ابتدأ فعقّبه بقوله: ﴿ وإن يهلكون إلاّ أنفسهم ﴾ [الأنعام: 26] ثم أردفه بتمثيل حالهم يوم القيامة.
ويشترك مع الرسول في هذا الخطاب كلّ من يسمع هذا الخبر.
و ﴿ لو ﴾ شرطية، أي لو ترى الآن، و ﴿ إذ ﴾ ظرفية، ومفعول ﴿ ترى ﴾ محذوف دلّ عليه ضمير ﴿ وقفوا ﴾ ، أي لو تراهم، و ﴿ وقفوا ﴾ ماض لفظاً والمعنيّ به الاستقبال، أي إذ يوقفون.
وجيء فيه بصيغة الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه لصدوره عمّن لا خلاف في خبره.
ومعنى: ﴿ وقفوا على النار ﴾ أبلغوا إليها بعد سير إليها، وهو يتعدى ب ﴿ على ﴾ .
والاستعلاء المستفاد ب ﴿ على ﴾ مجازي معناه قوّة الاتّصال بالمكان، فلا تدلّ (على) على أنّ وقوفهم على النار كان من أعلى النار.
وقد قال تعالى: ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربّهم ﴾ [الأنعام: 30]، وأصله من قول العرب: وقفت راحلتي على زيد، أي بلغت إليه فحبسْت ناقتي عن السير.
قال ذو الرمّة: وقفتُ على ربع لميّة ناقتي *** فما زلتُ أبكي عنده وأخاطبه فحذفوا مفعول (وقفت) لكثرة الاستعمال.
ويقال: وقفه فوقف، ولا يقال: أوقفه بالهمزة.
وعطف عليه ﴿ فقالوا ﴾ بالفاء المفيدة للتعقيب، لأنّ ما شاهدوه من الهول قد علموا أنّه جزاء تكذيبهم بإلهام أوقعه الله في قلوبهم أو بإخبار ملائكة العذاب، فعجّلوا فتمنّوا أن يرجعوا.
وحرف النداء في قولهم: ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ مستعمل في التحسّر، لأنّ النداء يقتضي بُعد المنادى، فاستعمل في التحسّر لأنّ المتمنّى صار بعيداً عنهم، أي غير مفيد لهم، كقوله تعالى: ﴿ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب الله ﴾ [الزمر: 56].
ومعنى ﴿ نردّ ﴾ نرجع إلى الدنيا؛ وعطف عليه ﴿ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين ﴾ برفع الفعلين بعد (لا) النافية في قراءة الجمهور عطفاً على ﴿ نُردّ ﴾ ، فيكون من جملة ما تمنّوه، ولذلك لم ينصب في جواب التمنِّي إذ ليس المقصود الجزاء، ولأنّ اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور، بخلافه مع الفاء لأنّ الفاء متأصّلة في السببية.
والردّ غير مقصود لذاته وإنّما تمنّوه لما يقع معه من الإيمان وترك التكذيب.
وإنّما قدّم في الذكر ترك التكذيب على الإيمان لأنّه الأصل في تحصيل المتمنّى على اعتبار الواو للمعية واقعة موقع فاء السببية في جواب التمنّي.
وقرأه حمزة والكسائي ﴿ ولا نكذّب ونكونَ ﴾ بنصب الفعلين، على أنّهما منصوبان في جواب التمنِّي.
وقرأ ابن عامر ﴿ ولا نكذّب ﴾ بالرفع كالجمهور، على معنى أنّ انتفاء التكذيب حاصل في حين كلامهم، فليس بمستقبل حتى يكون بتقدير (أن) المفيدة للاستقبال.
وقرأ ﴿ ونكون ﴾ بالنصب على جواب التمنِّي، أي نكون من القوم الذين يعرفون بالمؤمنين.
والمعنى لا يختلف.
وقوله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ إضراب عن قولهم ﴿ ولا نكذّب بآيات ربّنا ونكون من المؤمنين ﴾ .
والمعنى بل لأنّهم لم يبق لهم مطمع في الخلاص.
وبدا الشيء ظهر.
ويقال: بدا له الشيء إذا ظهر له عياناً.
وهو هنا مجاز في زوال الشكّ في الشيء، كقول زهير: بدا ليَ أنّي لستُ مدرك ما مضى *** ولا سابققٍ شيئاً إذا كان جائياً ولمّا قوبل ﴿ بدا لهم ﴾ في هذه الآية بقوله: ﴿ ما كانوا يخفون ﴾ علمنا أنّ البَداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذٍ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه فلا يُعلنون به فبدا لهم الآن فأعلنوا به وصرّحوا مُعترفين به.
ففي الكلام احتباك، وتقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه.
وذلك أنّهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدّهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم، كما ذكرناه عند قوله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي ﴾ في هذه السورة [52]، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين ﴾ في سورة [الحجر: 2].
وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحيّر فيها المفسّرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرُها وبعضها يساعدُه عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها.
وقوله: ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه} ارتقاء في إبطال قولهم حتى يكون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم وردّوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان النبي ينهاهم عنه، وهو التكذيب وإنكار البعث، وذلك لأنّ نفوسهم التي كذّبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البيّنات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث فالعقل العقل والتفكير التفكير، وإنّما تمنّوا ما تمنّوا من شدّة الهول فتوهّموا التخلّص منه بهذا التمنِّي فلو تحقّق تمنّيهم وردّوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدَهم فنسوا ما حلّ بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة.
وفي هذا دليل على أنّ الخواطر الناشئة عن عوامل الحسّ دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلاّ ريثما يدوم ذلك الإحساس فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزّجر والسّوط ونحوهما.
ويزول بزواله حتّى يعاوده مثلُه.
وقوله: ﴿ وإنّهم لكاذبون ﴾ تذييل لما قبله.
جيء بالجملة الاسمية الدالّة على الدوام والثبات، أي أنّ الكذب سجيّة لهم قد تطبّعوا عليها من الدنيا فلا عجب أن يتمنّوا الرجوع ليؤمنوا فلو رجعوا لعادوا لما كانوا عليه فإنّ الكذب سجيّتهم.
وقد تضمّن تمنِّيهم وعدا، فلذلك صحّ إدخاله في حكم كذبهم دخول الخاصّ في العامّ، لأنّ التذييل يؤذن بشمول ما ذيّل به وزيادة.
فليس وصفهم بالكذب بعائد إلى التمنّي بل إلى ما تضمّنه من الوعد بالإيمان وعدم التكذيب بآيات الله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عايَنُوها، ومَن عايَنَ الشَّيْءَ فَقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن تَحْتِهِمْ وهم فَوْقَها، فَصارُوا وُقُوفًا عَلَيْها.
والثّالِثُ: أنَّهم عَرَفُوها بِالدُّخُولِ فِيها، ومَن عَرَفَ الشَّيْءَ فَقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ وجْهًا رابِعًا: أنَّ مَعْناهُ ولَوْ تَرى إذْ حُبِسُوا عَلى النّارِ.
﴿ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَمَنَّوُا الرَّدَّ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ التَّكْلِيفِ لِيُؤْمِنُوا ويُصَدِّقُوا، والتَّمَنِّي لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَدا لَهم وبالَ ما كانُوا يُخْفُونَ.
والثّانِي: بَدا لَهم ما كانَ يُخْفِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: بَدا لِلْأتْباعِ مِمّا كانَ يُخْفِيهِ الرُّؤَساءُ.
﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ يَعْنِي ولَوْ رُدُّوا إلى ما تَمَنَّوْا مِنَ الدُّنْيا لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ.
﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ كَذِبِهِمْ لا أنَّهُ عائِدٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَمَنِّيهِمْ، لِعَدَمِ الصِّدْقِ والكَذِبِ في التَّمَنِّي.
والثّانِي: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ يَعْنِي في الإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ إنْ رُدُّوا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف ابن مسعود ﴿ يا ليتنا نرد فلا نكذب ﴾ بالفاء.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ قال: من أعمالهم ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي افتروا في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: فاخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.
وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قال: وقالوا حين يردون ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ﴾ معنى ﴿ بَلْ ﴾ هاهنا رد لكلامهم وإضراب عن توهم صحة عزيمتهم على الإنابة التي كان (١) ﴿ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ﴾ ، فلذلك اعتذروا وتمنوا الرد، أي: إنما اعتذروا حين افتضحوا (٢) ﴿ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ ﴾ ، فقال أبو روق: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر وذلك حين ﴿ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ﴾ ) (٣) (٤) (٥) ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ قال ابن عباس: (يريد إلى ما نهوا عنه من الشرك) (٩) قال أبو إسحاق: (المعنى: إن أكثر أهل الكتاب والمشركين عاندوا بعد أن علموا أن أمر الله حق (١٠) (١١) وهذه الآية من الأدلة الظاهرة على تكذيب القدرية، وذلك أن الله تعالى أخبر عن قوم جرى عليهم قضاؤه في الأزل بالشرك، فقال: لو أنهم شاهدوا النار والحساب وسألوا الرجعة وردوا، لعادوا إلى الشرك، وذلك للقضاء السابق فيهم، وإلا فالعاقل لا يكاد يرتاب فيما شاهد (١٢) (١) في (أ): (كانت يتمنى).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 176 - 177.
(٣) ذكره الثعلبي 176 ب، والرازي 12/ 193، والقرطبي 6/ 410، و"البحر" 4/ 103.
(٤) انظر: الطبري 7/ 176 - 177، السمرقندي 1/ 480، الرازي 12/ 193.
(٥) ذكره الثعلبي ص 176 ب، والبغوي 3/ 138، وابن الجوزي 3/ 23، و"القرطبي" 6/ 410، وابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 145 - 146.
(٦) "معني الزجاج" 2/ 240، ونحوه قال النحاس في "معانيه" 2/ 414.
(٧) ذكره الماوردي 2/ 106، وابن عطية 5/ 172، وابن الجوزي 3/ 23، والرازي 12/ 194، والقرطبي 6/ 410، و"البحر" 4/ 103.
(٨) قال الرازي 12/ 194: (اللفظ محتمل لوجوه كثيرة، والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانتهكت أستارهم) ا.
هـ.
ومعنى الآية -والله أعلم-: ظهرت في الآخرة فضيحتهم وعاقبة أعمالهم وما كانوا يخفون من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على حق، فعاينوا ذلك عيانًا بعد أن كانوا يخفونه ويتواصون بإخفائه.
انظر: "إعراب النحاس" 1/ 542، و"الكشاف" 2/ 13، و"بدائع التفسير" 2/ 145، وابن كثير 2/ 144 - 445.
(٩) "تنوير المقباس" 2/ 12، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 26، وابن الجوزي 3/ 24، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1279 بسند جيد عنه قال: (أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ ا.
هـ وفي "الدر المنثور" 3/ 16، قال: (أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قال: (أي لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا.
هـ.
(١٠) في (أ): (أن الأمر لله حق).
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 240، انظر: الطبري 7/ 176 - 177، و"معاني النحاس" 2/ 414 "بدائع التفسير" 2/ 146.
(١٢) ذكره الرازي 12/ 194، وأبو حيان 4/ 104، عن الواحدي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ ﴾ ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً هائلاً، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ ﴾ فرئ برفع نكذبُ ونكونُ على الاستئناف والقطع على التمني، ومّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿ وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ تقرير لهم وتوبيخ ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.
﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.
الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.
﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.
﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟
فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.
شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.
وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.
والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.
وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.
والوقر الثقل في الآذان.
والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.
وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.
وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.
ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.
وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".
وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.
الثاني: أن المكلف الذي علم الله أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.
الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.
الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.
الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.
وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.
والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.
ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.
والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.
ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.
وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.
وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.
قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.
ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.
إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.
ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.
ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.
نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.
وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.
وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ويتباعد عما جاء به.
روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.
ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.
ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.
وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.
ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.
ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.
أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.
ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.
وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.
وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.
وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.
قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ فينطق الله جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.
وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.
وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.
وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد .
والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.
ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟
وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.
وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.
وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.
وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.
وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.
ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.
ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟
فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟
﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟
فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.
فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.
عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.
وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.
و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.
وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.
وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.
أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.
وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.
وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.
وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.
ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.
وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.
والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.
أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.
وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.
ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.
وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.
وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.
﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.
ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.
وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.
وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.
﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.
وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.
وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .
﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟
وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.
وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟
فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.
وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
قيل: وما هو يا رسول الله؟
قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟
وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟
قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.
وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.
وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.
وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.
وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.
فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.
ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.
فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.
وقال أبو ميسرة: إن رسول الله مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.
وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ﴾ فانظر.
الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.
الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.
الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.
وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.
ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.
﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.
وكان يكبر على النبي كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.
يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.
والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.
والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.
وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.
والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.
مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.
وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.
فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.
ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.
والمراد أنه هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.
أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.
ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.
أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.
أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.
التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.
﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.
﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.
﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟
﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.
والنهي في حقه هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ .
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ .
عن الحسن قال: سترى إذ وقفوا على النار.
وفي حرف ابن مسعود - -: (ولو ترى إذ عرضوا على النار) [وكذلك في: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم)، إذ عرضوا على ربهم].
ولولا ما روي عن ابن مسعود - - وقفوا: عرضوا على النار، وإلا يجوز أن يحمل قوله: ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، أي: عند النار، أو في النار "على" مكان "عند"، أو مكان "في"، وذلك جائز في اللغة، ولكن ما روي عن ابن مسعود - - أقنعنا عن ذلك.
ثم يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا صلة [قوله] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ [كأنه يقول: ولو ترى يا محمد إذ وقفوا على النار لرحمتهم؛ لما كان منهم من القول فيك ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ وهكذا الواجب على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخليد فيها، وألا يطلب الانتقام منه بما كان منه بمكانةٍ، وأن يقال: ولو تراهم إذ وقفوا على النار من الذل والخضوع لرحمتهم بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ الآية [السجدة: 12]، أخبر عن ذلهم وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف؛ فعلى ذلك يخبر نبيّه عمّا يصيبهم من الذلّ بتكبرهم في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد إلى الدنيا.
ثم فيه دليلان: أحدهما: أنهم عرفوا أن ما أصابهم [إنما أصابهم] بتكذيبهم الآيات وتركهم الإيمان، حيث قالوا: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ﴾ .
والثاني: أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير؛ لأنهم إنما فزعوا عند معاينتهم العذاب فتمنوا الرد والعود إلى الدنيا؛ لأن يكونوا من المؤمنين، [و] لم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات - دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير، وأنه ضد التكذيب، والتكذيب هو فرد فعلى ذلك التصديق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ .
قيل فيه وجوه: قال بعضهم: قوله - -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ إنما نزل في المنافقين، يدل على ذلك قوله: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ ، وهو سمة أهل النفاق أنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويضمرون الخلاف، ويخفون العداوة لهم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ رؤساؤهم كانوا عرفوا في الدنيا أنه رسول، وأن ما (أنزل) عليه هو من ربه، وعرفوا أن البعث حق، لكنهم أخفوا ذلك على أتباعهم، وستروه، ثم ظهر ما كانوا يخفون على أتباعهم.
وقيل: قوله: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ وذلك أنهم حين قالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، [يحتمل قوله ﴿ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: حبسوا إذ لو وقف حبس]، والنار لا يوقف عليها، بل يكون فيها ما قال - عز وجل: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ﴾ ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب للمساءلة؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22] ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ ﴾ أي: لو ترى ذلهم وخضوعهم، كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ ﴾ ولم يذكر جواب "لو"، وقد يترك جواب (لو) لما يعلم ربما [يعلم] بالتأمل أو بالذكر؛ كقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ بمعنى ظننتم، أو على ما ذكر في موضع آخر؛ نحو قوله: ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ وغير ذلك، فلعل معناه: لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هم عليه، ولهان عليك التصبر لأذاهم، ولأشفقت عليهم.
ويحتمل قوله: ولو ترى ما ينزل بهم من نقمة الله، ويحل بهم من عذابه، لعلمت أن القوة لله جميعاً، وأنه بحلمه ورحمته يملي لهم ويسترجعهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
ويحتمل أن يكون جوابه فيما ذكر من تمنيهم العود، وندامتهم على ما سلف منهم، وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك أمراً عظيماً، وجزاء بالغاً، لما يكون ما ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم.
وقد يخرج الخطاب لرسول الله على تضمن تنبيه كل مميز وتبصير كل متأمّل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ .
قيل: إلى الدنيا.
وقيل: إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم هذا التمييز، أو يقولون سفها كما قالوا كذباً بقوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ﴾ .
قال الحسن: بدين ربنا.
وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأوّل لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من الله الخبر عنهم مما فيه العناد منهم؛ كقوله : ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ، وذلك يدل على تعنتهم في القول؛ ليتخلصوا عما بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم؛ لذلك - والله أعلم - قال الله - - ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
ثم دل قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق لوجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق.
والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل.
وبعد، فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ مشكلة الغير لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا به التصديق، وفيه [أنه] اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ \[قيل فيه بوجوه فقال بعضهم: إنه\] يخرج على أوجه: أحدها: على أن الآية في أهل النفاق أظهرت ما قد أضمروا من الكفر.
والثاني: أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث، وبأن الرسل تكون من البشر، وألاَّ شريك لله، فبدا للأتباع ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا.
ويحتمل: وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه وأضمروه في أنفسهم ظنوا أنه لا يطلع على ذلك أحد، وذلك كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وغير ذلك.
ويحتمل: ما كانوا يخفون من الخلق، أو بدا لهم ذلك بالجزاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ أي: إلى ما تمنوا أن يردّوا إليه.
﴿ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
أخبر الله عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك [و] أن الآية لا تضطر صاحبها، ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد.
وقال قوم: لم يجز لزوم العذاب بما يعلم الله من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين اعتدوا [وعاندوا] الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدا، ثم أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أنه ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة؛ إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك، فعلى ذلك الإفادة، لكنه أخبر عن تعنتهم.
ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم يؤمنون لردهم إلى ذلك [و] إذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا على أنه ليس لله قبض روح مَنْ يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يوماً من الدهر وقد بينا نحن أن ذلك لا يجب، وإن كان أولئك في علم الله لن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم أنه يلزم الكفر، وينجي عن المهالك من يعلم أنه يعود، ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به النجاة عنه، والله أعلم.
وبعد، فإن الله - - قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فبين أنه لم يبسط لئلا يبغوا، وقال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم قد جعل لكثير ممن ضل بهم قوم نحو الفراعنة ولكثير منهم وقد بغوا في الأرض؛ إذ لو لم يكن البسط لفرعون لم يكن ليدعي الألوهية لكن الأول: طريق الفضل يفضل به، والثاني: طريق العدل وما يجوز في الحكمة، فعلى ذلك الإمهال، يبين لك ما كان الله يأمر بقتل من لعله يؤمن لو أمهل بما ندب إلى القتال، ولا يحتمل أن يأمر في قتل من ليس له قبض روحه، وقد يبقى من به يهلك ويضل، وإن قبض كثيراً منهم بما يضل به لو أبقى؛ كما قال: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ ، والله أعلم.
وظنت الخوارج بهذه الآية أن كل من يرتكب كبيرة يظهر منه كذبه فيما وعد أنه لا يفعل؛ إذ الله سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك.
فإذا تقرر عندنا من أحد [ركوب ما كان في] عهده وإيمانه أنه [لا] يرتكب يظهر به كذبه.
وذلك خطأ؛ لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحداً، ومن كذب في أمر الصغائر في العهد أو رد يكفر، ومن ارتكب [الصغيرة] لم يصر كذلك، فعلى ذلك الكبائر.
لكن الآية تخرج على أوجه: أحدها: أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا، دليله فتنتهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
والثاني: أنه ذكر كذبهم، أنطق الله جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فتمنوا عند ذلك العود والرد.
ويحتمل: ﴿ بَدَا لَهُمْ ﴾ : ظهر لهم ما كانوا يخفون من نعت محمد وصفته في الدنيا وكتموه، والله أعلم.
وقوله - -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة.
أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانياً، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم، فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل، فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم.
ومن قولهم: إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز [له] أن يميته.
وغير ذلك من المخاييل والأباطيل.
وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذباً؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [الممتحنة: 12] فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة، كما جعل من ذكر كاذباً في الوعد إذا أخلف، وعلى ذلك يجعلونه كافراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
يحتمل ﴿ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي: ليكذبون لو ردوا، أو أنهم لكاذبون في قولهم: ﴿ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يضمرون أنهم لا يؤمنون؛ كقوله - -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ يقولون: إنك لرسول الله، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهم كاذبين، فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم كاذبون في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ .
قيل: إلى الدنيا، ولكن [لو] ردوا إلى المحنة ثانياً لعادوا لما نهوا عنه.
والثاني: أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد، وظهر منهم الجحود في القديم، فبذلك سماهم كذبة، كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها؛ فعلى ذلك هذا.
والثالث: أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا، وعرض عليهم ذلك، وبعث إليهم الرسل بالآيات، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ .
قوله : ﴿ إِنْ هِيَ ﴾ يحتمل ﴿ هِيَ ﴾ : الحياة الدنيا، ويحتمل ﴿ هِيَ ﴾ الدنيا.
ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت، ويقولون: إن هذا الخلق كالنبات ينبت ثم يتلاشى؛ فعلى ذلك الخلق يموتون ويصيرون تراباً، ثم يحيون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ﴾ .
ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر، ولم يشاهدوا غيره، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور الدنيا عليه، فإن كان ذلك منهم، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك، أي: بالبعث، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع؛ ليكونوا أشد اتباعاً لهم وانقياداً؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له، ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ .
أي: لربهم؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وكقوله - -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ ﴾ أي: للنصب، وأصله: ما روي في حرف ابن مسعود - -: (ولو ترى إذ وقفوا أذْ عرضوا على ربهم).
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: إنه باطل.
ويحتمل: بما كانوا أوعدوا العذاب إن لم يؤمنوا، فكذبوا ذلك، فقال: أليس ما أوعدتم في الدنيا حقّاً، فأقروا فقالوا: ﴿ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ : في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو رُدُّوا لآمنوا، بل ظهر لهم ما كانوا يسترون من قولهم: (والله ما كنا مشركين)، حين شهدت عليهم جوارحهم، ولو قُدِّرَ أنهم رجعوا إلى الدنيا لرجعوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والشرك، وإنهم لكاذبون في وعدهم بالإيمان إذا رجعوا.
<div class="verse-tafsir" id="91.Jnoq8"