الآية ٢٩ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٢٩ من سورة الأنعام

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 65 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) أي : لعادوا لما نهوا عنه ، إنهم لكاذبون ولقالوا : ( إن هي إلا حياتنا ) أي : ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ، ثم لا معاد بعدها ; ولهذا قال : ( وما نحن بمبعوثين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين، العادلين به الأوثان والأصنام، الذين ابتدأ هذه السورة بالخبرعنهم.

يقول تعالى ذكره: " وقالوا إنْ هي إلا حياتنا الدنيا " ، يخبر عنهم أنهم ينكرون أنّ الله يُحيي خلقه بعد أن يُميتهم, ويقولون: " لا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور بعد الفناء ".

فهم بجحودهم ذلك، وإنكارهم ثوابَ الله وعقابَه في الدار الآخرة, لا يبالون ما أتوا وما ركبوا من إثم ومعصية، لأنهم لا يرجون ثوابًا على إيمان بالله وتصديق برسوله وعملٍ صالح بعد موت, ولا يخافون عقابًا على كفرهم بالله ورسوله وسيّئٍ من عمل يعملونه.

(3) * * * وكان ابن زيد يقول: هذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء الكفرة الذين وقفوا على النار: أنهم لو ردُّوا إلى الدنيا لقالوا: " ما هي إلا حياتُنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ".

13184- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وقالوا حين يردون: " إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ".

----------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "ما قصد هؤلاء" ، وهو لا شيء ولكن حمله عليه أنه في المخطوطة"ما هؤلاء العادلين" ، واستظهرت الصواب من قوله بعد: "لكن بهم الإشفاق".

(2) السياق: "ما بهؤلاء العادلين بربهم .

.

.

الأسى والندم .

.

.".

(3) في المطبوعة: "وشيء من عمل" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين[ ص: 320 ] قوله تعالى : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ابتداء وخبر و ( إن ) نافية .

وما نحن نحن اسم ما و ( بمبعوثين ) خبرها ; وهذا ابتداء إخبار عنهم عما قالوه في الدنيا .

قال ابن زيد : هو داخل في قوله : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا أي : لعادوا إلى الكفر ، واشتغلوا بلذة الحال .

وهذا يحمل على المعاند كما بيناه في حال إبليس ، أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا ، وهذا شائع في العقل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

} { وَقَالُوا } منكرين للبعث { إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا، إلا الحياة الدنيا وحدها.

{ وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) هذا إخبار عن إنكارهم البعث ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» أي منكر والبعث «إن» ما «هي» أي الحياة «إلا حياتنا الدنيا ومانحن بمبعوثين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال هؤلاء المشركون المنكرون للبعث: ما الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها، وما نحن بمبعوثين بعد موتنا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مفترياتهم فى الدنيا واغترارهم بها فقال - تعالى - { وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } .أى : أن هؤلاء الكافرين قد بلغ بهم الحب للدنيا والتعلق بها أنهم قالوا : ما الحياة التى تسمى حياة فى نظرنا إلا هذه الدنيا التى نتمتع فيها بما نريد من شهوات وما نحن بمبعوثين ولا محاسبين بعد ذلك .فالآية الكريمة تحكى عنهم أنهم ينكرون أى حياة سوى الحياة التى يعيشونها ، وينفون وقوع البعث والحساب والثواب والعقاب نفياً مؤكداً بالباء وبالجملة الإسمية .ويرى جمهور المفسرين أن هذه الآية الكريمة تتمة للآية السابقة لها من حيث المعنى ، وأن قوله { وقالوا } معطوف على { لَعَادُواْ } والتقدير ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر وسيىء الأعمال وقالوا ما الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ويكون قوله { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } جملة اعتراضية مؤكدة لمعنى دعوتهم إلى ما كانوا عليه إن عادوا إلى الدنيا ، إذ هى تكذيب لادعائهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه حصل في الآية قولان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآية الأولى، أنه بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل فبين في هذه الآية أن ذلك الذي يخفونه هو أمر المعاد والحشر والنشر، وذلك لأنهم كانوا ينكرونه ويخفون صحته ويقولون ما لنا إلا هذه الحياة الدنيوية، وليس بعد هذه الحياة لا ثواب ولا عقاب.

والثاني: أن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا الحشر والنشر، وقالوا: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالُواْ ﴾ عطف على لعادوا.

أي: ولو ردّوا لكفروا ولقالوا: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة.

ويجوز أن يعطف على قوله: وإنهم لكاذبون، على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء، وهم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.

وكفى به دليلاً على كذبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ الإضْرابِ عَنْ إرادَةِ الإيمانِ المَفْهُومَةِ مِنَ التَّمَنِّي، والمَعْنى أنَّهُ ظَهَرَ لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن نِفاقِهِمْ، أوْ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ فَتَمَنَّوْا ذَلِكَ ضَجَرًا لا عَزْمًا عَلى أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا.

﴿ وَلَوْ رُدُّوا ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا بَعْدَ الوُقُوفِ والظُّهُورِ.

﴿ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيما وعَدُوا بِهِ مِن أنْفُسِهِمْ.

وَقالُوا عَطْفٌ عَلى لَعادُوا، أوْ عَلى إنَّهم لَكاذِبُونَ أوْ عَلى نُهُوا، أوِ اسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما قالُوهُ في الدُّنْيا.

﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ ﴿ وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ} عطف على لعادوا أي ولو ردوا لكفروا ولقالوا {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا} كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة أو على قوله وَإِنَّهُمْ لكاذبون أي وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا أن هى إلا حياتنا الدنيا وهي كناية عن الحياة أو هو ضمير القصة {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى (عادَوْا) كَما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ واعْتَرَضَهُ ابْنُ الكَمالِ بِأنَّ حَقَّ ﴿ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ حِينَئِذٍ يُؤَخَّرُ عَنِ المَعْطُوفِ أوْ يُقَدَّمُ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ بِأنَّ تَوْسِيطَهُ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَتْهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (إنَّهم لَكاذِبُونَ) أوْ عَلى خَبَرِ (إنَّ) أوْ عَلى (نُهُوا)، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوهُ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بِذِكْرِ ما قالُوا في الدُّنْيا، ﴿ إنْ هِيَ ﴾ أيْ ما هي ﴿ إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ والضَّمِيرُ لِلْحَياةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَهُ كَما في قَوْلِ المُتَنَبِّي: هو الجَدُّ حَتّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها وحَتّى يَكُونَ اليَوْمُ لِلْيَوْمِ سَيِّدًا وقَدْ نَصُّوا عَلى صِحَّةِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً في مَواضِعَ مِنها ما إذا كانَ خَبَرُ الضَّمِيرِ مُفَسِّرًا لَهُ كَما هُنا وجَعَلَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا يَتَأتّى عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّهُمُ اشْتَرَطُوا في خَبَرِهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً وخالَفَهم بِذَلِكَ الكُوفِيُّونَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم جَوازُ كَوْنِ خَبَرِهِ مُفْرَدًا إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ كَوْنِ المُفْرَدِ عامِلًا عَمَلَ الفِعْلِ كاسْمِ الفاعِلِ نَحْوَ: إنَّهُ قائِمٌ زَيْدٌ، بِناءً عَلى أنَّهُ حِينَئِذٍ سَدَّ مَسَدَّ الجُمْلَةِ، وقِيلَ -وفِيهِ بُعْدٌ-: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ عِبارَةً عَمّا في الذِّهْنِ وهو الحَياةُ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الَّتِي نَحْنُ فِيها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: الدُّنْيا لا القَرِيبَةُ الزَّوالِ أوِ الدَّنِيئَةُ أوِ المُتَقَدِّمَةُ عَلى الآخِرَةِ كَما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ إذْ كَلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ لاسِيَّما الأخِيرُ ﴿ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ 92 - أيْ إذا فارَقَتْنا هَذِهِ الحَياةُ أصْلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا يعني: ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا، فيموت الآباء، ويجيء الأبناء وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت.

فيبيّن الله تعالى حالهم يومئذٍ فقال: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا يعني: عرضوا وسيقوا وحبسوا عَلى رَبِّهِمْ يعني: عند ربهم وعند عذاب ربهم قالَ أَلَيْسَ هذا يعني: العذاب والبعث بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ به وتجحدونه.

قوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ يعني: غبن الذين جحدوا بالله، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً يعني: فجأة ومعناه: أنهم جحدوا وثبتوا على جحودهم حتى إذا جاءتهم القيامة قالُوا يا حَسْرَتَنا يعني: يا ندامتنا وخزينا والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته نداء كقوله: يا حَسْرَتَنا ويا وَيْلَتَنا [الكهف: 49] ويا ندامتنا عَلى مَا فَرَّطْنا يعني: ضيعنا وتركنا العمل فِيها يعني: فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلٍ الآخرة وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ يعني: آثامهم عَلى ظُهُورِهِمْ يعني: إنهم يحملون آثامهم.

وروى أسباط عن السدي قال: ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا آتاه ملك قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك فيقول: كذلك كان عملك قبيحاً.

فيقول ما أنتن ريحك فيقول: كذلك كان عملك منتناً.

فيقول: من أنت؟

فيقول: أنا عملك.

فيكون معه في قبره.

فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، فأنت اليوم تحملني.

فيركب على ظهره حتى يدخله النار.

قال: وذلك قوله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وذلك على سبيل المجاز يعني: يحملون وبال ذلك على ظهورهم وعقوبته.

ويقال: وقرت ظهورهم من الآثام.

ثقلت وحملت، وأصل الوزر في اللغة: هو الثقل ثم قال: أَلا ساءَ مَا يَزِرُونَ يعني: يحملون.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لأن اللَّه- تعالى- حكى عن هؤلاء أنهم لو رُدُّوا لَعَادُوا لما نُهُوا عنه، وما ذاك إلا للقضاء السابق فيهم.

انتهى.

وقوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ هذا على تأويل الجمهور ابتداء كَلاَمٍ، وإخبار عنهم بهذه المَقَالَةِ، و «إن» نافية، ومعنى الآية عنهم التكذيب بالحَشْرِ والعَوْدَة إلى اللَّه.

وقوله سبحانه: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ الإشَارَةُ بهذا إلى البَعْثِ الذي كذبوا به/ في الدنيا، وقولهم: بَلى وَرَبِّنا أَيْمَانٌ، ولكنه حِينَ لا يَنْفَعُ.

وقوله: فَذُوقُوا استعارة بليغة، والمعنى باشروه مباشرة الذائق، وبَغْتَةً معناه:

فجأة، تقول: بَغَتَنِي الأمر أي: فجأني، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

وَلَكِنَّهُمْ بَانُوا وَلَمْ أَخْشَ بَغْتَةً ...

وَأَفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَأُكَ البَغْتُ «١»

ونصبها على المَصْدَرِ في موضع الحال.

وقولهم: يا حَسْرَتَنا عَلى مَا فَرَّطْنا فِيها نداء الحَسَرَةِ على تعظيم الأمر، وتشنيعه.

وفَرَّطْنا معناه: قَصَّرْنَا، والضمير في قوله: فِيها عائد على السَّاعَةِ أي: في التَّقْدِمَةِ لها.

قاله الحسن «٢» .

ويحتمل أن يَعُودَ الضمير على الدنيا، إذ المعنى يَقْتَضِيهَا، ومجيء الظرفية أمكن.

قلت: قال عَبد الحق في «العَاقِبَةِ» : لا يَعْرِفُ مِقْدَارَ الحياة إلا الموتى لأنهم قد ظَهَرَتْ لهم الأمور، وانكشفت لهم الحَقَائِقُ، وتَبَدَّتْ لهم المَنَازِلُ، وعلموا مِقْدَارَ الأعمال الصَّالِحَةِ، ولما اسْتَبَانَ لهم ذلك، وعلموا مِقْدَارَ ما ضيعوا، وقيمة ما فيه فَرَّطُوا، نَدِمُوا وَأَسِفُوا، وودُّوا أنهم إلى الدنيا رَجَعُوا، فالذي عمل صالحًا ودَّ أن لو رجع إلى الدنيا ليزداد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ "بَلْ" هاهُنا رَدٌّ لَكَلامِهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا مِن أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَآَمَنُوا.

وَقالَ الزَّجّاجُ: "بَلْ" اسْتِدْراكٌ وإيجابٌ بَعْدَ نَفْيٍ، تَقُولُ ما جاءَ زِيدٌ، بَلْ عَمْرٌو وفي مَعْنى الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها بَدا ما كانَ يُخْفِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَدا بِنُطْقِ الجَوارِحِ ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ بِألْسِنَتِهِمْ قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: بَدا لَهم جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَهُ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

والرّابِعُ: بَدا لَلْأتْباعِ ما كانَ يُخْفِيهِ الرُّؤَساءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ، وإنَّهم لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في إخْبارِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ، أنَّهم إنْ رُدُّوا، آَمَنُوا ولَمْ يُكَذِّبُوا، ولَمْ يُكَذِّبْهم في التَّمَنِّي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا ﴾ هَذا إخْبارٌ عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ.

قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ  كَفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا هَذا.

وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ يَقُولُ: هَذا حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، لَوْ رُدُّوا لَقالُوهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟

ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ  ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.

وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا ﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا ﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ  ﴾ ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛ ﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون عطفاً على قوله ﴿ لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ [الأنعام: 28] فيكون جواب ﴿ لوْ ﴾ ، أي لو ردّوا لكذّبوا بالقرآن أيضاً، ولكذّبوا بالبعث كما كانوا مدّة الحياة الأولى.

ويجوز أن تكون الجملة عطفت على جملة ﴿ يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين ﴾ [الأنعام: 25]، ويكون ما بين الجملتين اعتراضاً يتعلّق بالتكذيب للقرآن.

وقوله ﴿ إنْ هي ﴾ (إن) نافية للجنس، والضمير بعدها مبهم يفسّره ما بعد الاستثناء المفرّغ.

قصد من إبهامه الإيجاز اعتماداً على مفسّره، والضمير لمّا كان مفسّراً بنكرة فهو في حكم النكرة، وليس هو ضمير قصّة وشأن، لأنّه لا يستقيم معه معنى الاستثناء، والمعنى إنْ الحياةُ لنا إلاّ حياتُنا الدنيا، أي انحصر جنس حياتنا في حياتنا الدنيا فلا حياة لنا غيرها فبطلت حياة بعد الموت، فالاسم الواقع بعد ﴿ إلاّ ﴾ في حكم البدل من الضمير.

وجملة: ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ نفي للبعث، وهو يستلزم تأكيد نفي الحياة غير حياة الدنيا، لأنّ البعث لا يكون إلاّ مع حياة.

وإنّما عطفت ولم تفصل فتكونَ موكّدة للجملة قبلها لأنّ قصدهم إبطال قول الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّهم يحْيون حياة ثانية، وقولَه تارة أنّهم مبعوثون بعد الموت، فقصدوا إبطال كلّ باستقلاله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عايَنُوها، ومَن عايَنَ الشَّيْءَ فَقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن تَحْتِهِمْ وهم فَوْقَها، فَصارُوا وُقُوفًا عَلَيْها.

والثّالِثُ: أنَّهم عَرَفُوها بِالدُّخُولِ فِيها، ومَن عَرَفَ الشَّيْءَ فَقَدْ وقَفَ عَلَيْهِ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ وجْهًا رابِعًا: أنَّ مَعْناهُ ولَوْ تَرى إذْ حُبِسُوا عَلى النّارِ.

﴿ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَمَنَّوُا الرَّدَّ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ التَّكْلِيفِ لِيُؤْمِنُوا ويُصَدِّقُوا، والتَّمَنِّي لا يَدْخُلُهُ صِدْقٌ ولا كَذِبٌ، لِأنَّهُ لَيْسَ بِخَبَرٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَدا لَهم وبالَ ما كانُوا يُخْفُونَ.

والثّانِي: بَدا لَهم ما كانَ يُخْفِيهِ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بَدا لِلْأتْباعِ مِمّا كانَ يُخْفِيهِ الرُّؤَساءُ.

﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ يَعْنِي ولَوْ رُدُّوا إلى ما تَمَنَّوْا مِنَ الدُّنْيا لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ.

﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ كَذِبِهِمْ لا أنَّهُ عائِدٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن تَمَنِّيهِمْ، لِعَدَمِ الصِّدْقِ والكَذِبِ في التَّمَنِّي.

والثّانِي: ﴿ وَإنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ يَعْنِي في الإخْبارِ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ إنْ رُدُّوا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال: في حرف ابن مسعود ﴿ يا ليتنا نرد فلا نكذب ﴾ بالفاء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ قال: من أعمالهم ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ يقول: بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي افتروا في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: فاخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قال: وقالوا حين يردون ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴾ كان ابن زيد (١) ﴿ لَعَادُوا ﴾ ، والمعنى: لعادوا إلى الشرك، لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وأنكروا البعث) (٢) (٣) (١) ابن زيد: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، تقدمت ترجمته.

(٢) أخرجه الطبري 7/ 177، ابن أبي حاتم 4/ 1280، بسند جيد، وذكره أكثرهم، وهو ظاهر كلام الزمخشري 2/ 13، و"البيضاوي" 1/ 136، وقال القرطبي 6/ 411،: (يحمل هذا على المعاند ...

أو على أن الله يلبس عليهم بعد ما عرفوا، وهذا شائع في العقل) ا.

هـ.

(٣) هذا قول الجمهور واختيار الطبري 7/ 177، والجمع بينهما حسن، فيقال.

لما كان ديدنهم في الدنيا هو الكذب بالآخرة الذي كانوا يعبرون عنه بتلك المقولة: == ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴾ فإنهم لو ردوا إلى الدنيا لعادوا إلى ديدنهم ذلك ولقالوا نفس المقولة.

انظر: ابن عطية 5 - 172 - 173، الرازي 12/ 194، و"الفريد" 2/ 138، و"البحر" 4/ 105، و"الدر المصون" 4/ 592.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار ﴾ جواب لو محذوف هنا، وفي قوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبِّهِمْ ﴾ ، وإنما حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمراً شنيعاً هائلاً، ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل حتى كأنه ماض ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ ﴾ فرئ برفع نكذبُ ونكونُ على الاستئناف والقطع على التمني، ومّله سيبويه بقولك: دعني ولا أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالاً تقديره نرد غير مكذبين، أو عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ المعنى ظهر لهم يوم القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم القيامة ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ ﴾ إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما انفرد الله بعلمه ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ يعني في قولهم: ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا نردّ، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب ﴿ وقالوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق ﴾ تقرير لهم وتوبيخ ﴿ قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ﴾ الضمير فيها للحياة الدنيا لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ ﴾ كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله بعد أن يتصوّر له في أحسن صورة ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.

الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.

﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.

﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله  أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله  فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟

فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.

شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.

وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.

والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.

وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.

والوقر الثقل في الآذان.

والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.

وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.

وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.

ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف  ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله  يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.

وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".

وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.

الثاني: أن المكلف الذي علم الله  أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.

الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.

الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.

الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله  علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه  هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.

وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.

والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.

ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.

والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.

ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.

وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.

وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.

قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.

ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.

إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.

ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.

ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.

نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.

وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.

وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله  ويتباعد عما جاء به.

روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي  فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.

ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.

ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.

وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.

ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.

ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.

أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.

ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.

وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.

وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.

وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال  ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله  عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.

قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ فينطق الله  جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.

وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.

وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد  .

والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.

ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله  حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟

وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.

وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.

وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.

وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.

وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.

ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه  يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله  محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.

ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟

فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟

﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟

فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.

فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.

عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.

وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.

و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله  "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله  ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.

وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي  ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.

وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.

أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.

وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.

وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.

وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.

ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.

وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.

والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.

أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.

وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.

ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.

وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.

وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً  ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.

﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.

ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.

وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.

وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.

﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.

وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.

وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .

﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟

وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.

وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟

فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.

وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه  قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.

قيل: وما هو يا رسول الله؟

قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟

وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله  وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟

قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.

وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.

وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.

وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.

وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.

فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً  ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً  ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟

فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.

فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.

وقال أبو ميسرة: إن رسول الله  مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.

وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي  في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله  في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ فانظر.

الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.

الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله  ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.

الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.

وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.

ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.

﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون  ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.

وكان يكبر على النبي  كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.

يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.

والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.

والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.

والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.

وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.

والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.

مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.

فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.

ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.

والمراد أنه  هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.

أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.

ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد  وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا  من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.

أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.

أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.

التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.

﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.

﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.

﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟

﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي  ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.

والنهي في حقه  هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون  ﴾ .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

عن الحسن قال: سترى إذ وقفوا على النار.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (ولو ترى إذ عرضوا على النار) [وكذلك في: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم)، إذ عرضوا على ربهم].

ولولا ما روي عن ابن مسعود -  - وقفوا: عرضوا على النار، وإلا يجوز أن يحمل قوله: ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، أي: عند النار، أو في النار "على" مكان "عند"، أو مكان "في"، وذلك جائز في اللغة، ولكن ما روي عن ابن مسعود -  - أقنعنا عن ذلك.

ثم يحتمل - والله أعلم - أن يكون هذا صلة [قوله] ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ [كأنه يقول: ولو ترى يا محمد إذ وقفوا على النار لرحمتهم؛ لما كان منهم من القول فيك ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ وهكذا الواجب على كل أحد أن يرحم عدوه إذا كان عاقبته النار والتخليد فيها، وألا يطلب الانتقام منه بما كان منه بمكانةٍ، وأن يقال: ولو تراهم إذ وقفوا على النار من الذل والخضوع لرحمتهم بما كان منهم من التكبر والاستكبار في الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ الآية [السجدة: 12]، أخبر عن ذلهم وخضوعهم في الآخرة بما كان منهم في الدنيا من الاستكبار والاستنكاف؛ فعلى ذلك يخبر نبيّه عمّا يصيبهم من الذلّ بتكبرهم في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

تمنوا عند معاينتهم العذاب العود والرد إلى الدنيا.

ثم فيه دليلان: أحدهما: أنهم عرفوا أن ما أصابهم [إنما أصابهم] بتكذيبهم الآيات وتركهم الإيمان، حيث قالوا: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ﴾ .

والثاني: أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير؛ لأنهم إنما فزعوا عند معاينتهم العذاب فتمنوا الرد والعود إلى الدنيا؛ لأن يكونوا من المؤمنين، [و] لم يفزعوا إلى شيء آخر من الخيرات - دل أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير، وأنه ضد التكذيب، والتكذيب هو فرد فعلى ذلك التصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل فيه وجوه: قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ  ﴾ إنما نزل في المنافقين، يدل على ذلك قوله: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ ، وهو سمة أهل النفاق أنهم كانوا يظهرون الموافقة للمؤمنين، ويضمرون الخلاف، ويخفون العداوة لهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ رؤساؤهم كانوا عرفوا في الدنيا أنه رسول، وأن ما (أنزل) عليه هو من ربه، وعرفوا أن البعث حق، لكنهم أخفوا ذلك على أتباعهم، وستروه، ثم ظهر ما كانوا يخفون على أتباعهم.

وقيل: قوله: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ وذلك أنهم حين قالوا: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ ، [يحتمل قوله ﴿ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: حبسوا إذ لو وقف حبس]، والنار لا يوقف عليها، بل يكون فيها ما قال - عز وجل: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ ويحتمل الوقف عندها قبل الدخول في حال الحساب للمساءلة؛ كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...

﴾ الآية [الصافات: 22] ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ ﴾ أي: لو ترى ذلهم وخضوعهم، كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ  ﴾ ولم يذكر جواب "لو"، وقد يترك جواب (لو) لما يعلم ربما [يعلم] بالتأمل أو بالذكر؛ كقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً  ﴾ بمعنى ظننتم، أو على ما ذكر في موضع آخر؛ نحو قوله: ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ  ﴾ وغير ذلك، فلعل معناه: لو ترى ذلهم بعد استكبارهم لرحمتهم على ما هم عليه، ولهان عليك التصبر لأذاهم، ولأشفقت عليهم.

ويحتمل قوله: ولو ترى ما ينزل بهم من نقمة الله، ويحل بهم من عذابه، لعلمت أن القوة لله جميعاً، وأنه بحلمه ورحمته يملي لهم ويسترجعهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون جوابه فيما ذكر من تمنيهم العود، وندامتهم على ما سلف منهم، وشدة تلهفهم على صنيعهم لرأيت ذلك أمراً عظيماً، وجزاء بالغاً، لما يكون ما ينزل بهم أعظم عندك مما تلقى منهم.

وقد يخرج الخطاب لرسول الله على تضمن تنبيه كل مميز وتبصير كل متأمّل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ ﴾ .

قيل: إلى الدنيا.

وقيل: إلى المحنة من حيث لا يحتمل كون الدنيا بعد كون الآخرة، لكن هذا تكلف تحقيق مراد قوم ظهر سفههم، ولعله ليس عندهم هذا التمييز، أو يقولون سفها كما قالوا كذباً بقوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ﴾ .

قال الحسن: بدين ربنا.

وقال قوم: بحجج ربنا، فيكون في الآية اعتراف أنهم على التعنت كذبوا في الأوّل لا على الجهل، وإن كان ثم آيات عاندوها، وهم قوم قد سبق من الله الخبر عنهم مما فيه العناد منهم؛ كقوله  : ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وذلك يدل على تعنتهم في القول؛ ليتخلصوا عما بلوا بجميع ما يحتمل وسعهم، لا أن ذلك كذلك في قلوبهم؛ لذلك - والله أعلم - قال الله -  - ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

ثم دل قوله: ﴿ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أنهم قد عرفوا أن الإيمان هو التصديق لوجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الإيمان مقابل التكذيب؛ ليعلم أنه التصديق.

والثاني: أنهم ذكروا الآيات، والآيات يكذب بها ويصدق لا أن يعمل.

وبعد، فإن الذي في حد إمكان الإتيان مما فات هو التصديق؛ إذ مشكلة الغير لو توهم الأمر ليوجد ما سبق من الترك والتصديق لو أمر، فهو لما سبق من التكذيب على أنه أجمع ألا يؤمر من آمن بقضاء شيء مما فات، فثبت أنهم أرادوا به التصديق، وفيه [أنه] اسم لذلك حتى عرفه أهله وغير أهله معرفة واحدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ﴾ \[قيل فيه بوجوه فقال بعضهم: إنه\] يخرج على أوجه: أحدها: على أن الآية في أهل النفاق أظهرت ما قد أضمروا من الكفر.

والثاني: أن تكون الآية في رؤساء الكفرة العلماء بالبعث، وبأن الرسل تكون من البشر، وألاَّ شريك لله، فبدا للأتباع ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا.

ويحتمل: وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه وأضمروه في أنفسهم ظنوا أنه لا يطلع على ذلك أحد، وذلك كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ  ﴾ وغير ذلك.

ويحتمل: ما كانوا يخفون من الخلق، أو بدا لهم ذلك بالجزاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ أي: إلى ما تمنوا أن يردّوا إليه.

﴿ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .

أخبر الله عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون، وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك [و] أن الآية لا تضطر صاحبها، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: إن الخلود يلزم في النار بما هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد.

وقال قوم: لم يجز لزوم العذاب بما يعلم الله من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف، فعلى ذلك أمر الخلاف، لكن الآية في خاص منهم، وهم الذين اعتدوا [وعاندوا] الحق بعد الوضوح، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدا، ثم أمهلهم على ذلك، وهذا يبين أنه ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة؛ إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك، فعلى ذلك الإفادة، لكنه أخبر عن تعنتهم.

ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم يؤمنون لردهم إلى ذلك [و] إذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا على أنه ليس لله قبض روح مَنْ يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يوماً من الدهر وقد بينا نحن أن ذلك لا يجب، وإن كان أولئك في علم الله لن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم أنه يلزم الكفر، وينجي عن المهالك من يعلم أنه يعود، ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به النجاة عنه، والله أعلم.

وبعد، فإن الله -  - قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فبين أنه لم يبسط لئلا يبغوا، وقال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، ثم قد جعل لكثير ممن ضل بهم قوم نحو الفراعنة ولكثير منهم وقد بغوا في الأرض؛ إذ لو لم يكن البسط لفرعون لم يكن ليدعي الألوهية لكن الأول: طريق الفضل يفضل به، والثاني: طريق العدل وما يجوز في الحكمة، فعلى ذلك الإمهال، يبين لك ما كان الله يأمر بقتل من لعله يؤمن لو أمهل بما ندب إلى القتال، ولا يحتمل أن يأمر في قتل من ليس له قبض روحه، وقد يبقى من به يهلك ويضل، وإن قبض كثيراً منهم بما يضل به لو أبقى؛ كما قال: ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً  ﴾ ، والله أعلم.

وظنت الخوارج بهذه الآية أن كل من يرتكب كبيرة يظهر منه كذبه فيما وعد أنه لا يفعل؛ إذ الله سماهم كذبة بما في علمه أنهم يعودون إلى ذلك.

فإذا تقرر عندنا من أحد [ركوب ما كان في] عهده وإيمانه أنه [لا] يرتكب يظهر به كذبه.

وذلك خطأ؛ لما لو كان كذلك لكان الصغائر والكبائر واحداً، ومن كذب في أمر الصغائر في العهد أو رد يكفر، ومن ارتكب [الصغيرة] لم يصر كذلك، فعلى ذلك الكبائر.

لكن الآية تخرج على أوجه: أحدها: أنها في قوم أرادوا بذلك دفع العذاب لا أن عزموا على ما ذكروا، دليله فتنتهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

والثاني: أنه ذكر كذبهم، أنطق الله جوارحهم، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فتمنوا عند ذلك العود والرد.

ويحتمل: ﴿ بَدَا لَهُمْ ﴾ : ظهر لهم ما كانوا يخفون من نعت محمد  وصفته في الدنيا وكتموه، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ تعلق بظاهر هذه الآية الخوارج والمعتزلة.

أما المعتزلة فإنهم قالوا: إنهم لما طلبوا الرد ولم يردهم لما علم أنه لو ردهم لعادوا إلى التكذيب ثانياً، ولو علم منهم أنهم لا يعودون لكان يردهم، فدل أنه إنما لم يردهم لما علم منهم أنهم يعودون إلى ما كانوا من قبل، فيستدلون بظاهر هذه الآية على أن الله لا يفعل بالعبيد إلا الأصلح لهم في الدين، وقالوا: لو علم منهم الإيمان لكان لا يجوز له ألا يردهم.

ومن قولهم: إنه إذا علم من كافر أنه يؤمن في آخر عمره لم يجز [له] أن يميته.

وغير ذلك من المخاييل والأباطيل.

وقالت الخوارج: أخبر أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه، وسماهم بالقول كاذبين بما في علمه أنهم لا يفعلون بما يقولون، فعلى ذلك كل صاحب كبيرة إذا كان في اعتقاده الذي أظهره أنه لا يأتي بها، فإذا أتى بها يصير فيما اعتقده ألا يأتي بها كاذباً؛ ولذلك يجعلون أصحاب الكبائر كذبة في القول الأول أنهم لا يأتون بها، وعلى ذلك كانت المبايعة بقوله - عز وجل -: ﴿ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [الممتحنة: 12] فإذا سرقن صرن كاذبات في البيعة، كما جعل من ذكر كاذباً في الوعد إذا أخلف، وعلى ذلك يجعلونه كافراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

يحتمل ﴿ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي: ليكذبون لو ردوا، أو أنهم لكاذبون في قولهم: ﴿ وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: يضمرون أنهم لا يؤمنون؛ كقوله -  -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ يقولون: إنك لرسول الله، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك في قلوبهم سماهم كاذبين، فعلى ذلك هؤلاء لما أضمروا في أنفسهم التكذيب وإن ردوا فهم كاذبون في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ ﴾ .

قيل: إلى الدنيا، ولكن [لو] ردوا إلى المحنة ثانياً لعادوا لما نهوا عنه.

والثاني: أنه ذكر كذبهم بما اعتادوا العناد، وظهر منهم الجحود في القديم، فبذلك سماهم كذبة، كما سمي أهل النار كفرة بما كان من كفرهم قبل أن يصيروا إليها؛ فعلى ذلك هذا.

والثالث: أن يكون على الخبر عن عاقبتهم أنهم يصيرون كاذبين لو ردوا، وعرض عليهم ذلك، وبعث إليهم الرسل بالآيات، لا أن يكذبوا في ذلك الوعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾ .

قوله  : ﴿ إِنْ هِيَ ﴾ يحتمل ﴿ هِيَ ﴾ : الحياة الدنيا، ويحتمل ﴿ هِيَ ﴾ الدنيا.

ثم هذا القول يحتمل أن يكون من الدهرية؛ لأنهم ينكرون البعث والحياة بعد الموت، ويقولون: إن هذا الخلق كالنبات ينبت ثم يتلاشى؛ فعلى ذلك الخلق يموتون ويصيرون تراباً، ثم يحيون في الدنيا؛ كقوله: ﴿ نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ  ﴾ .

ويحتمل أن هذا القول كان من مشركي العرب لما لم يروا إلا الدهر، ولم يشاهدوا غيره، فظنوا أنه ليس يهلكهم إلا ذلك الدهر الذي تدور الدنيا عليه، فإن كان ذلك منهم، فإنما كان ذلك من كبرائهم ورؤسائهم على علم منهم بذلك، أي: بالبعث، يلبسون ذلك على السفلة والأتباع؛ ليكونوا أشد اتباعاً لهم وانقياداً؛ لأنهم لو أعلموا الأتباع بالبعث بعد الموت لعلهم يتركون طاعتهم واتباعهم؛ لما يشتغلون بالاستعداد لذلك والعمل له، ففي ذلك ترك اتباعهم وطاعتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ .

أي: لربهم؛ كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: للنصب، وأصله: ما روي في حرف ابن مسعود -  -: (ولو ترى إذ وقفوا أذْ عرضوا على ربهم).

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: إنه باطل.

ويحتمل: بما كانوا أوعدوا العذاب إن لم يؤمنوا، فكذبوا ذلك، فقال: أليس ما أوعدتم في الدنيا حقّاً، فأقروا فقالوا: ﴿ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ : في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال هؤلاء المشركون: لا حياة إلا الحياة التى نحن فيها، ولسنا مبعوثين للحساب.

<div class="verse-tafsir" id="91.2dB3q"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل