الآية ٣٦ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٦ من سورة الأنعام

۞ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ٣٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٦ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٦ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) أي : إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه ، كقوله : ( لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين ) [ يس : 70 ] ، وقوله ( والموتى يبعثهم الله ) يعني : بذلك الكفار ; لأنهم موتى القلوب ، فشبههم الله بأموات الأجساد فقال : ( والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) وهذا من باب التهكم بهم ، والازدراء عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يكبُرنّ عليك إعراض هؤلاء المعرضين عنك، وعن الاستجابة لدعائك إذا دعوتهم إلى توحيد ربّهم والإقرار بنبوّتك, فإنه لا يستجيب لدعائك إلى ما تدعوه إليه من ذلك، (1) إلا الذين فتح الله أسماعهم للإصغاء إلى الحق، وسهَّل لهم اتباع الرُّشد, دون من ختم الله على سمعه، فلا يفقه من دعائك إياه إلى الله وإلى اتباع الحق إلا ما تفقه الأنعام من أصوات رُعاتها, فهم كما وصفهم به الله تعالى ذكره: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [سورة البقرة: 171] =" والموتى يبعثهم الله " ، يقول: والكفارُ يبعثهم الله مع الموتى, فجعلهم تعالى ذكره في عداد الموتى الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاء، ولا يفقهون قولا إذ كانوا لا يتدبرون حُجج الله، ولا يعتبرون آياته، ولا يتذكرون فينـزجرون عما هم عليه من تكذيب رُسل الله وخلافهم.

(2) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13206 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " إنما يستجيب الذين يسمعون "، المؤمنون، للذكر =" والموتى " ، الكفار, حين يبعثهم الله مع الموتى.

13207- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل , عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

13208 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إنما يستجيب الذين يسمعون " ، قال: هذا مَثَل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله.

والذين كذَّبوا بآياتنا صم وبكم, وهذا مثل الكافر أصم أبكم, لا يبصر هدًى ولا ينتفع به.

13209 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة, عن سفيان الثوري, عن محمد بن جحادة, عن الحسن: " إنما يستجيب الذين يسمعون "، المؤمنون =" والموتى " ، قال: الكفار.

13210- حدثني ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن محمد بن جحادة قال: سمعت الحسن يقول في قوله: " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله " ، قال: الكفار.

* * * وأما قوله: " ثم إليه يرجعون " ، فإنه يقول تعالى ذكره: ثم إلى الله يرجع المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول, (3) والكفارُ الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئًا, فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب, ويعاقب هذا الكافرَ بما أوعدَ أهل الكفر به من العقاب, لا يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة.

--------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الاستجابة" فيما سلف 3: 483 ، 484/7 : 486 - 488.

(2) في المطبوعة: "ولا يتذكرون فينزجروا" وفي المخطوطة: "ولا يتذكروا فينزجروا" والصواب ما أثبته.

(3) في المطبوعة والمخطوطة: "ثم إلى الله يرجعون المؤمنون" ، وليس بشيء هنا ، والجيد ما أثبته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعونقوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون أي : سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق ، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون ; قال معناه الحسن ومجاهد ، وتم الكلام .

ثم قال : والموتى يبعثهم الله وهم الكفار ; عن الحسن ومجاهد ; أي : هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة .

وقيل : الموتى كل من مات .

يبعثهم الله أي : للحساب ; وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم .

وعن الحسن : هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد - يعني عند حضور الموت - في حال الإلجاء في الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ } لدعوتك، ويلبي رسالتك، وينقاد لأمرك ونهيك { الَّذِينَ يَسْمَعُونَ } بقلوبهم ما ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع.

والمراد بالسماع هنا: سماع القلب والاستجابة، وإلا فمجرد سماع الأذن، يشترك فيه البر والفاجر.

فكل المكلفين قد قامت عليهم حجة الله تعالى، باستماع آياته، فلم يبق لهم عذر، في عدم القبول.

{ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } يحتمل أن المعنى، مقابل للمعنى المذكور.

أي: إنما يستجيب لك أحياء القلوب، وأما أموات القلوب، الذين لا يشعرون بسعادتهم، ولا يحسون بما ينجيهم، فإنهم لا يستجيبون لك، ولا ينقادون، وموعدهم القيامة، يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، ويحتمل أن المراد بالآية، على ظاهرها، وأن الله تعالى يقرر المعاد، وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون.

ويكون هذا، متضمنا للترغيب في الاستجابة لله ورسوله، والترهيب من عدم ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما يستجيب الذين يسمعون ) يعني : المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه ، ( والموتى ) يعني الكفار ، ( يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) فيجزيهم بأعمالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنَّما يستجيب» دعاءك إلى الإيمان «الذين يسمعون» سمع تفهُّم واعتبار «و الموتى» أي الكفار شبههم بهم في عدم السماع «يبعثهم الله» في الآخرة «ثم إليه يرجعون» يُردون فيجازيهم بأعمالهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما يجيبك -أيها الرسول- إلى ما دعوت إليه من الهدى الذين يسمعون الكلام سماع قبول.

أما الكفار فهم في عداد الموتى؛ لأن الحياة الحقيقية إنما تكون بالإسلام.

والموتى يخرجهم الله من قبورهم أحياء، ثم يعودون إليه يوم القيامة ليوفوا حسابهم وجزاءهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - من هم أهل للإيمان والاستجابة للحق فقال :{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } أى : إنما يستجيب لك أيها الرسول الكريم أولئك الذين يسمعون توجيهك وأقوالك سماع تدبر وتفهم وتأثر ، أما هؤلاء الذين يعاندونك فقد طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون .فالمراد بالاستجابة هنا ، الإجابة المقرونة بالتفكر والتأمل ، فهى إجابة محكمة دقيقة لأنها أتت بعد استقراء وتدبر وهذا ما تدل عليه السين .ثم بين - سبحانه - حال الكفار فقال : { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } أى : وموتى القلوب الذين لا يسمعون سماع تدبر وتقبل وهم المشركون ، سيبعثهم الله من قبورهم يوم القيامة ويحاسبهم حسابا عسيرا على أقوالهم الباطلة وأعمالهم السيئة .فالمراد بالموتى هنا الكفار لأنهم موتى القلوب فشبههم - سبحانه - بموتى الأجساد ، وهذا من باب التهكم بهم والتحقير من شأنهم .وقيل : إن لفظ الموتى على حقيقته وأن الله - تعالى - بقدرته النافذة سيبعث الجميع يوم القيامة ويرجعهم إليه فيجازى الذين أساؤا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بيّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ولا يتركون الكفر فقال: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ ﴾ يعني أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى  ﴾ قال علي بن عيسى: الفرق بين يستجيب ويجيب، أن يستجيب في قبوله لما دعيَ إليه، وليس كذلك يجيب لأنه قد يجيب بالمخالفة كقول القائل: أتوافق في هذا المذهب أم تخالف؟

فيقول المجيب: أخالف.

وأما قوله: ﴿ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة والمراد: أنه تعالى هو القادر على أن يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ثم إليه يرجعون للجزاء، فكذلك هاهنا أنه تعالى هو القادر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر عليه.

والقول الثاني: أن المعنى: وهؤلاء الموتى يعني الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استمعاهم، وقريء ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ بفتح الياء.

وأقول: لا شك أن الجسد الخالي عن الروح يظهر منه النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات، وأصلح أحواله أن يدفن تحت التراب، وأيضاً الروح الخالية عن العقل يكون صاحبها مجنوناً يستوجب القيد والحبس والعقل بالنسبة إلى الروح كالروح بالنسبة إلى الجسد، وأيضاً العقل بدون معرفة الله تعالى وصفاته وطاعته كالضائع الباطل، فنسبة التوحيد والمعرفة إلى العقل كنسبة العقل إلى الروح، ونسبة الروح إلى الجسد فمعرفة الله ومحبته روح روح الروح فالنفس الخالية عن هذه المعرفة تكون بصفة الأموات، فلهذا السبب وصف الله تعالى أولئك الكفار المصرين بأنهم الموتى.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان يكبر على النبي صلى الله عليه وسلم كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل: ﴿ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الشعراء: 3] ، ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56] ، ﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض ﴾ منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها ﴿ أَوْ سُلَّماً فِي السماء فَتَأْتِيَهُمْ ﴾ منها ﴿ بئَايَةٍ ﴾ فافعل.

يعني أنك لا تستطيع ذلك.

والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم.

وقيل: كانوا يقترحون الآيات فكان يودُّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم.

فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالة على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون.

ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآيات، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها.

وحذف جواب (إن) كما تقول إن شئت أن تقوم بنا إلى فلان نزوره ولو شاء الله لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين ﴾ من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ ﴾ يعني أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى ﴾ [النمل: 80] ﴿ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان.

وأنت لا تقدر على ذلك.

وقيل: معناه: وهؤلاء الموتى- يعني الكفرة- يبعثهم الله.

ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون.

وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ ، بفتح الياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ إنَّما يُجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِفَهْمٍ وتَأمُّلٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ وهَؤُلاءِ كالمَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.

﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فَيُعْلِمُهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ.

﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ.

﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ آيَةٌ بِما اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةٌ أُخْرى سِوى ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها عِنادًا.

﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنَتْقِ الجَبَلِ، أوْ آيَةً إنْ جَحَدُوها هَلَكُوا.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِها، وأنَّ إنْزالَها يَسْتَجْلِبُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ، وأنَّ لَهم فِيما أُنْزِلَ مَندُوحَةً عَنْ غَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يُنْزِلُ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم أخبر أن حرصه على هدايتهم لا ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ} أي إنما يجيب دعاءك الذين يسمعون

دعاءك بقلوبهم {والموتى} مبتدأ إي الكفار {يَبْعَثُهُمُ الله ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فحينئذ يسمعون وأما قبل ذلك فلا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يُفْهِمُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن أنَّهم يُؤْمِنُونَ.

والِاسْتِجابَةُ بِمَعْنى الإجابَةِ، وكَثِيرًا ما أُجْرِيَ اسْتَفْعَلَ مَجْرى أفَعَلَ كاسْتَخْلَصَ بِمَعْنى أخَلَصَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنى أوْقَدَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ومِنهُ قَوْلُ الغَنَوِيِّ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قالَ مُجِيبٌ ولَمْ يَقُلْ: مُسْتَجِيبٌ.

ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَ اسْتَجابَ وأجابَ بِأنَّ اسْتَجابَ يَدُلُّ عَلى قَبُولٍ والمُرادُ بِالسَّماعِ الفَرْدُ الكامِلُ وهو سَماعُ الفَهْمِ والتَّدَبُّرِ بِجَعْلِ ما عَداهُ كَلّا سَماعٌ أيْ إنَّما يُجِيبُ دَعْوَتَكَ إلى الإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ سَماعَ فَهْمٍ وتُدَبُّرٍ دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ﴾ (والمَوْتى) أيِ الكُفّارَ كَما قالَ الحَسَنُ، ورَواهُ غَيْرُ واحِدٍ ﴿ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ مِن قُبُورِهِمْ إلى المَحْشَرِ، وقِيلَ: بَعَثُهم هِدايَتُهم إلى الإيمانِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ 63 - لِلْجَزاءِ فَحِينَئِذٍ يَسْمَعُونَ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلى سَماعِهِمْ لِما أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً وفي آذانِهِمْ وقْرًا، وفي إطْلاقِ المَوْتى عَلى الكُفّارِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالمَوْتِ كَما قِيلَ: لا يَعْجَبَنَّ الجَهُولُ بِزِيِّهِ فَذاكَ مَيِّتٌ ثِيابُهُ كَفَنُ وقِيلَ: ”المَوْتى“ عَلى حَقِيقَتِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى تَوْفِيقِ أُولَئِكَ الكُفّارِ لِلْإيمانِ بِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ المَوْتى الَّذِينَ رَمَّتْ عِظامُهم مِنَ القُبُورِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ  لا يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ لِأنَّها كَبَعْثِ المَوْتى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لَيْسَ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ كَبِيرُ دَخْلٍ في التَّمْثِيلِ إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإيمانِ مِنَ الآثارِ، وفي إعْرابِ (المَوْتى) وجْهانِ، أحَدُهُما أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والثّانِي أنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ مُجاهِدٍ أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِالعَطْفِ عَلى المَوْصُولِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الحالِ والظّاهِرُ خِلافُهُ.

وقُرِئَ (يَرْجِعُونَ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا.

والمُتَواتِرَةُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإنْبائِها عَنْ كَوْنِ مَرْجِعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يطيعك، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ.

قال الزجاج يعني: يسمع سماع قابل.

فالذي لا يقبل كأنه أصم.

كما قال القائل: أصم عما ساءه سميع.

ويقال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بأنه يؤمن بك بعضهم، ولن يؤمن بك البعض.

وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى وهو أهل لذلك.

وقال: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يعقلون الموعظة.

ثم قال: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي: كفار مكة سماهم الله موتى، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني يحييهم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني الكفار في الآخرة فينبئهم، فهذا تهديد لهم.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: الكفار.

قالوا: هلاّ نزل عليه آية من ربه يعني: علامة لنبوته قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما سألوك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن الله قادر على أن ينزلها.

ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب.

قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فذكر الجناحين للتأكيد لأنه يقال: طار في الأمر إذا أسرع فيه، فإذا ذكر الجناحين صار تأكيداً له.

وقرأ بعضهم وَلا طائِرٍ بالضم لأن معناه: وما دابةٌ فِى الارض وَلاَ طائرٌ لأن مِنْ زيادة، فيكون الطائر عطفاً ورفعاً وهي قراءة شاذة.

ثم قال: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في الخلق، والموت، والبعث، تعرف بأسمائهم مَّا فَرَّطْنا يقول: ما تركنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني: في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق إلا قد بيّناه.

ويقال: في القرآن قد بيّن كل شيء يحتاج إليه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني: الدواب والطير يُحْشَرُونَ ثم يصيرون تراباً.

وروى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: يَحْشُرُ الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة والبهائم والدواب والطيور وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً.

وعن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبيّ  فقال: «يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟

قلت: لا قال: «لكن الله تَعَالَى يَدْرِي فَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» .

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن يؤاخذوا به.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الذال، وفتح الكاف- وقرأها ابن عباس، ورَدَّهَا على قارئ قرأ عليه «يُكذبونك» بضم الياء، وقال: إنهم كانوا يسمونه الأَمِينَ.

وقرأ نافع والكسائي- بسكون الكاف، وتخفيف الذال-، وهما قراءتان مشهورتان صحيحتان، وهما بمعنى واحد، فمعنى: لا يكذبونك، أي: لا يعتقدون كذبك، وإنهم يعلمون صِدْقَكَ، ولكنهم يَجْحَدُونَ عنَاداً وظُلْماً، وهذا تأويل قتادة والسُّدي وغيرهما «١» .

وحكي عن طائفة من الكُفَّارِ أنها كانت تَقُولُ: إنا لنعلم أن محمداً صادق، ولكن إذا آمنَّا به فضلنا بنو هاشم بالنبوءة، فنحن لا نُؤْمِنُ به أَبَداً.

رويت هذه المَقَالَةِ عن أَبِي جَهْلٍ «٢» ، ومن جرى مجراه.

وأسْنَدَ الطَّبَريُّ «٣» : «أن جِبْريلَ وجد النبي صلّى الله عليه وسلّم حَزِيناً فسأله، فقال: كذبني هؤلاء، فقَال: إنهم لا يكذبونك بل يعلمون أَنَّكَ صَادِقٌ ولكن الظالمين بآيات اللَّه يَجْحَدُونَ» وجَحْدُ العِنَادِ جائز الوقوع بمقتضى النظر، وظواهر القرآن تعطيه، ويَجْحَدُونَ: حِقِيقِتُهُ في كلام العرب الإنْكارُ بعد معرفة، وهو ضد الإقرار.

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا الآية.

قال ابن جُرَيْجٍ، والضحاك: عزى اللَّه بهذه الآية نَبِيَّهُ- عليه السلام- «١» ثم قَوَّى سبحانه رَجَاء نَبِيِّهِ فيما وَعَدَهُ من النصر، بقوله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أي: لاَ رَادَّ لأَمْرِهِ، وكلماته السابقة بما يكون، فكأن المعنى: فاصبر كما صَبَرُوا، وانتظر ما يأتي، وَثِقْ بهذا الإخبار، فإنه لا مُبَدِّلَ له.

وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ...

الآية فيها إلزام الحجة للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقسيم الأحوال عليه حتى يبين أنْ لاَ وَجْهَ إلا الصَّبر، والمعنى: إن كنت تعظم تكذيبهم، وكفرهم على نَفْسِكَ، وتلتزم الحُزْنَ، فإن كنت تقدر على دخول سرب في أعمال الأرض، أو على ارْتِقَاءِ سُلَّمٍ في السماء، فافعل، أي: ولست بِقَادِرٍ على شيء من هذا، ولا بُدَّ لك من التزام الصَّبْرِ، واحتمال المشقة، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ في أن تَأْسَفَ وتحزن على أَمْرٍ أراده اللَّه، وأمضاه.

وروى الدّارقطنيّ في «سننه» / عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قال: «إذا أَصَابَ أَحَدَكُمْ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ فليقل سَبْعَ مَرَّاتٍ: اللَّه اللَّه رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِه شَيْئاً» «٢» انتهى من «الكوكب الدّري» .

وفَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أي: بعلامة.

وقال مَكّي، والمَهْدوي: الخِطَابُ بقوله: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمُرَادُ أمته، وهذا ضَعِيفٌ لا يقتضيه اللفظ.

قلت وما قاله ع: فيه عندي نَظَرٌ لأن هذا شَأْنُ التأويل إخراج اللَّفْظِ عن ظاهره لموجب، عَلَى أن أَبَا محمد مَكِّيًّا- رحمه اللَّه- نَقَلَ هذا القول عن غيره نَقْلاً، ولفظه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أي: ممن لا يعلم أن اللَّه لو شَاءَ لَجَمَعَ على الهُدَى جميع خَلْقِهِ.

وقيل: معنى الخطاب لأمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين، ومثله في القرآن كثير.

انتهى من «الهِدَايَةِ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هذا من النَّمَطِ المتقدّم في التسلية،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ أيْ إنَّما يُجِيبُكَ مَن يَسْمَعُ، والمُرادُ سَماعُ قَبُولٍ.

وَفِي المُرادِ بِالمَوْتى قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ؛ فَأمّا الكُفّارُ، فَلا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ يَحْشُرُهم كُفّارًا، فَيُجِيبُونَ اضْطِرارًا.

والثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى حَقِيقَةً، ضَرَبَهُمُ اللهُ مَثَلًا؛ والمَعْنى: أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللهُ، فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، فَيُجازِي الكُلَّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما مِن دابَّةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.

وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛ ﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ  ﴾ ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعليل لما أفاده قوله: ﴿ وإنْ كان كَبُر عليك إعراضهم إلى قوله فلا تكوننّ من الجاهلين ﴾ [الأنعام: 35] من تأييس من ولوج الدعوة إلى أنفسهم، أي لا يستجيب الذين يسمعون دون هؤلاء الذين حرمهم فائدة السمع وفهم المسموع.

ومفهوم الحصر مؤذن بإعمال منطوقه الذي يؤمئ إلى إرجاء بعد تأييس بأنّ الله جعل لقوم آخرين قلوباً يفقهون بها وآذاناً يسمعون بها فأولئك يستجيبون.

وقوله: ﴿ يستجيب ﴾ بمعنى يجيب، فالسين والتاء زائدان للتأكيد؛ وقد تقدّم الكلام على هذا الفعل عند قوله تعالى: ﴿ فاستجاب لهم ربّهم ﴾ في سورة [آل عمران: 195].

وحذف متعلّق يستجيب } لظهوره من المقام لأنّ المقام مقام الدعوة إلى التوحيد وتصديق الرسول.

ومعنى ﴿ يسمعون ﴾ ، أنّهم يفقهون ما يلقى إليهم من الإرشاد لأنّ الضالّين كمن لا يسمع.

فالمقصود سمع خاصّ وهو سمع الاعتبار.

أمّا قوله: ﴿ والموتى يبعثهم الله ﴾ فالوجه أنّه مقابل لِ ﴿ الذين يسمعون ﴾ .

ولذلك حسن عطف هذه الجملة على جملة: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ .

فمعنى الكلام: وأمّا المعرضون عنك فهم مثل الموتى فلا يستجيبون، كقوله: ﴿ إنّك لا تسمع الموتى ﴾ [النمل: 80].

فحذف من الكلام ما دلّ عليه السياق، فإنّ الذي لا يسمع قد يكون فقدان سمعه من علّة كالصمم، وقد يكون من عدم الحياة، كما قال عبد الرحمان بن الحكم الثقفي: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً *** ولكن لا حياة لمنْ تنادي فتضمّن عطف ﴿ والموتى يبعثهم الله ﴾ تعريضاً بأنّ هؤلاء كالأموات لا ترجى منهم استجابة.

وتخلّص إلى وعيدهم بأنّه يبعثهم بعد موتهم، أي لا يرجى منهم رجوع إلى الحقّ إلى أن يبعثوا، وحينئذٍ يلاقون جزاء كفرهم.

﴿ والموتى ﴾ استعارة لمن لا ينتفعون بعقولهم ومواهبهم في أهمّ الأشياء، وهو ما يُرضي الله تعالى.

و ﴿ يبعثهم ﴾ على هذا حقيقة، وهو ترشيح للاستعارة، لأنّ البعث من ملائمات المشبّه به في العرف وإن كان الحي يخبر عنه بأنه يبعث، أي بعد موته، ولكن العرف لا يذكر البعث إلاّ باعتبار وصف المبعوث بأنّه ميّت.

ويجوز أن يكون البعث استعارة أيضاً للهداية بعد الضلال تبعاً لاستعارة الموت لعدم قبول الهدى على الوجهين المعروفين في الترشيح في فن البيان من كونه تارة يبقى على حقيقته لا يقصد منه إلاّ تقوية الاستعارة، وتارة يستعار من ملائم المشبّه به إلى شبهه من ملائم المشبّه، كقوله تعالى: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ [آل عمران: 103].

فيكون على هذا الوجه في الكلام وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنّ بعض هؤلاء الضالّين المكذّبين سيهديهم الله تعالى إلى الإسلام، وهم من لم يسبق في علمه حرمانهم من الإيمان.

فعلى الوجه الأول يكون قوله ﴿ ثم إليه يُرْجعون ﴾ زيادة في التهديد والوعيد.

وعلى الوجه الثاني يكون تحريضاً لهم على الإيمان ليلقوا جزاءه حين يُرجعون إلى الله.

ويجوز أن يكون الوقف عند قوله تعالى: ﴿ يبعثهم الله ﴾ .

وتمّ التمثيل هنالك.

ويكون قوله: ﴿ ثم إليه يرجعون ﴾ استطراداً تُخلّص به إلى قرع أسماعهم بإثبات الحشر الذي يقع بعد البعث الحقيقي، فيكون البعث في قوله: ﴿ يبعثهم الله ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.

وقريب منه في التخلّص قوله تعالى: ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ﴾ في سورة [البقرة: 73].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّكْذِيبِ لَكَ، والكُفْرُ بِي.

﴿ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ، وإنَّما هو تَكْذِيبُ بُهْتٍ وعِنادٍ، فَلا يَحْزُنْكَ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَ قَوْلَكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ، قالَهُ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: لا يُكَذِّبُونَكَ في السِّرِّ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ لِعَداوَتِهِمْ لَكَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّ تَكْذِيبَهم لِقَوْلِكَ لَيْسَ بِتَكْذِيبٍ لَكَ، لِأنَّكَ رَسُولٌ مُبَلِّغٌ، وإنَّما هو تَكْذِيبٌ لِآياتِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ والمُوجِبَةِ لِقَبُولِ قَوْلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ أيْ يَكْذِبُونَ.

وَقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ﴿ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ وهي قِراءَةٌ عَنِ النَّبِيِّ  وتَأْوِيلُها: لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ أرْبَعَةَ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لا مُبْطِلَ لِحُجَّتِهِ ولا دافِعَ لِبُرْهانِهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ فِيما قَضاهُ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وأوْجَبَهُ مِن هَلاكِ أعْدائِهِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ لا تَكْذِيبَ لِخَبَرِهِ فِيما حَكاهُ مِن نَصْرِ مَن نُصِرَ وهَلاكِ مَن أُهْلِكَ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ لا يَشْتَبِهُ ما تَخَرَّصَهُ الكاذِبُونَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ الأنْبِياءُ عَنْهُ.

﴿ وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ ﴾ فِيما صَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الأذى، وقُوبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [إعْراضُهُمْ] عَنْ سَماعِ القُرْآنِ.

والثّانِي: عَنِ اسْتِماعِكَ.

﴿ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ ﴾ أيْ سِرْبًا، وهو المَسْلَكُ فِيها، مَأْخُوذٌ مِن نافِقاءِ اليَرْبُوعِ.

﴿ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِصْعَدًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: دَرَجًا، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: سَبَبًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: ولا لَكُما مَنجًى عَلى الأرْضِ فابْغِيا بِهِ نَفَقًا أوْ في السَّماواتِ سُلَّمًا ﴿ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ﴾ يَعْنِي أفْضَلَ مِن آيَتِكَ ولَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ، لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ، فَلا يُحْزِنُكَ تَكْذِيبُهم وكُفْرُهم، قالَ الفَرّاءُ: وفي الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: فَتَأْتِيهِمْ بِآيَةٍ فافْعَلْ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى ﴾ يَعْنِي بِالإلْجاءِ والِاضْطِرارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ مَوْضِعٍ قالَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَشَأْ.

﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ يَعْنِي تَجْزَعُ في مَواطِنِ الصَّبْرِ، فَتَصِيرُ بِالأسَفِ والتَّحَسُّرِ مُقارِبًا لِأحْوالِ الجاهِلِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ الِاسْتِجابَةُ هي القَبُولُ، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الجَوابِ: أنَّ الجَوابَ قَدْ يَكُونُ قَبُولًا وغَيْرَ قَبُولٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي الَّذِينَ يَعْقِلُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ قَدْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ طَلَبًا لِلْحَقِّ، فَأمّا مَن لا يَسْمَعُ، أوْ يَسْمَعُ لَكِنْ لا بِقَصْدِ طَلَبِ الحَقِّ، فَلا يَكُونُ مِنهُ اسْتِجابَةً.

﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالمَوْتى هُنا الكُفّارُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّما يَسْتَجِيبُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، والكُفّارُ لا يَسْمَعُونَ إلّا عِنْدَ مُعايَنَةِ الحَقِّ اضْطِرارًا حِينَ لا يَنْفَعُهم حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ كُفّارًا ثُمَّ يُحْشَرُونَ كُفّارًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ المَوْتى الَّذِينَ فَقَدُوا الحَياةَ، وهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ  ، ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَما أنَّ المَوْتى لا يَسْتَجِيبُونَ حَتّى يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً ﴿ في السماء ﴾ فتصعد عليه ﴿ فتأتيهم بآية ﴾ أفضل مما أتيناهم به فافعل ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً ﴿ أو سلماً في السماء ﴾ قال: يعني الدرج.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله تعالى ﴿ تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً في الأرض فتذهب هرباً.

قال: وهل تعرب العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: فدس لها على الانفاق عمرو ** بشكته وما خشيت كمينا وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون للذكر ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار حين يبعثهم الله مع الموتى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، فهو حي القلب حي البصر ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ [ الأنعام: 39] وهذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدي ولا ينتفع به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ قال مجاهد وقتادة: (يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فينتفعون به) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ قال الحسن (٦) (٧) ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ﴾ للحق المؤمنون، وأما (٨) ﴿ الْمَوْتَى ﴾ وهم الكفار فإن الله يبعثهم في الآخرة ثم إليه يردون فيجزيهم بأعمالهم) (٩) (١) تفسير مجاهد 1/ 214، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 7/ 186، وابن أبي هاشم 4/ 1285، من طرق جيدة عن مجاهد.

(٢) أخرجه الطبري 7/ 186، وابن أبي حاتم 4/ 1285 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 19.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 245، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 420 - 421.

(٤) ذكره الرازي 12/ 209، وأبو حيان 4/ 117، عن علي بن عيسى الرماني، وهو قول الهمداني في "الفريد" 2/ 144، وقال العسكري في "الفروق" ص 184: (أجاب معناه فعل الإجابة، واستجاب طلب أن يفعل الإجابة، لأن أصل الاستفعال لطلب الفعل، وصلح استجاب بمعنى أجاب؛ لأن المعنى فيها يؤول إلى شيء واحد، وذلك أن استجاب طلب الإجابة بقصده إليها، وأجاب أوقع == الإجابة بفعلها) ا.

هـ.

وقال الراغب في "المفردات" ص 210، والسمين في "العمدة" ص 105: (الاستجابة قيل: هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عُبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها) ا.

هـ.

وفي "اللسان" 2/ 716 (جوب): (هما بمعنى واحد) ا.

هـ.

(٥) "تنوير المقباس" 2/ 16.

(٦) أخرجه الطبري 7/ 186، وابن أبي حاتم 4/ 1285، بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 19.

(٧) سبق تخريج قول مجاهد وقتادة.

(٨) في (ش): (فأما).

(٩) "تفسير مقاتل" 1/ 559.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ ﴾ المعنى إنما يستجيب لك الذين يسمعون فيفهمون ويعقلون ﴿ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن الموتى عبارة عن الكفار بموت قلوبهم، والبعث يراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفار في الدنيا كالموتى في قلة سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون، والآخر أن الموتى عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسمع والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث الموتى يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.

الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.

﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.

﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله  أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله  فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟

فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.

شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.

وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.

والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.

وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.

والوقر الثقل في الآذان.

والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.

وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.

وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.

ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف  ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله  يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.

وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".

وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.

الثاني: أن المكلف الذي علم الله  أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.

الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.

الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.

الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله  علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه  هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.

وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.

والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.

ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.

والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.

ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.

وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.

وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.

قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.

ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.

إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.

ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.

ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.

نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.

وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.

وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله  ويتباعد عما جاء به.

روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي  فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.

ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.

ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.

وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.

ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.

ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.

أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.

ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.

وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.

وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.

وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال  ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله  عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.

قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ فينطق الله  جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.

وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.

وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد  .

والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.

ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله  حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟

وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.

وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.

وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.

وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.

وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.

ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه  يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله  محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.

ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟

فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟

﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟

فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.

فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.

عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.

وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.

و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله  "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله  ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.

وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي  ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.

وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.

أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.

وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.

وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.

وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.

ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.

وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.

والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.

أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.

وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.

ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.

وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.

وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً  ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.

﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.

ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.

وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.

وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.

﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.

وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.

وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .

﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟

وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.

وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟

فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.

وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه  قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.

قيل: وما هو يا رسول الله؟

قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟

وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله  وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟

قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.

وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.

وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.

وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.

وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.

فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً  ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً  ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟

فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.

فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.

وقال أبو ميسرة: إن رسول الله  مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.

وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي  في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله  في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ فانظر.

الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.

الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله  ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.

الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.

وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.

ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.

﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون  ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.

وكان يكبر على النبي  كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.

يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.

والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.

والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.

والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.

وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.

والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.

مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.

فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.

ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.

والمراد أنه  هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.

أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.

ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد  وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا  من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.

أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.

أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.

التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.

﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.

﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.

﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟

﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي  ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.

والنهي في حقه  هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون  ﴾ .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعاً، لكن الوجه فيه ما ذكرنا [أنه] إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ كان النبي -  - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أنه\] على الابتداء؛ يبعثهم الله ثم إليه يرجعون.

وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتاً والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة [أبدية في] الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [....]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا.

والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا بذلك؟!

ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات.

وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعاً المكتسبة والمنشأة فيسمى كلاًّ بالأسماء التي اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : هؤلاء قوم همتهم العناد والمكابرة [وإلا] قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات.

فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88].

وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنبأهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها.

[والآيات الحسيات]: هي ما سقى أقواماً كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها.

لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : التي سألوك، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أن [يكون] أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا.

ويحتمل قوله  : ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة [بهم] إليها.

ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.

أو [إن أنزل آية] على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً  ﴾ ؛ لأنه ذكر "دابة"، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء.

لما كان قادراً على خلق هذه الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، [فهو قادر] على أن ينزل آية؛ [ولو أنزل آية] لاضطروا جميعاً إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، وعلى هذا يُخرَجُ [مخرج] قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

[و] من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

ثم اختلف في قوله  : ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : عن أبي هريرة -  - قال في قوله -  -: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : أي: إلا سيحشرون يوم القيامة [كما تحشرون]، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً  ﴾ ؛ كالبهائم.

وعن ابن عباس قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي كما تعرفون أنتم.

وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : سخرها لكم لم يكن منها ما يكون منكم من العناد [والخلاف] والتكذيب للرسل والخروج عليهم؛ بل خاضعين لكم مذللين تنتفعون بها.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق الطاعة لله؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ أي: ما تركنا شيئاً إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن.

وعن ابن عباس -  ما - قال: ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب: وهو اللوح المحفوظ.

وقيل: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ : ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن.

﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ .

قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ : يعني بني آدم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

قال الحسن: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ : ديننا.

وقال غيره: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة والنبوة.

ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان.

ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون [منه]، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر.

أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنُفِي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، والحياة المكتسبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ظلمات الجهل والكفر.

والثاني: هم في ظلمات: يعني ظلمات السمع، والبصر، والقلب.

وهم في الظلمتين جميعاً: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ كقوله -  -: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ  ﴾ ، والمؤمن في النور؛ كقوله -  -: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وصف - عز وجل - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعاً متقلبين في مشيئته، وأخبر أنه شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى [لكن] لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عز وجل؛ لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى.

وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل الكفر منه، وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق فعل الاهتداء منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يجيبك قابلًا ما جئت به من يسمعون الكلام ويفهمونه، والكفار موتى لا شأن لهم، فقد ماتت قلوبهم، والموتى يبعثهم الله يوم القيامة، ثم إليه وحده يرجعون ليجازيهم على ما قدموا.

<div class="verse-tafsir" id="91.w1oKW"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله