الآية ٣٧ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٧ من سورة الأنعام

وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةًۭ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم كانوا يقولون : ( لولا نزل عليه آية من ربه ) أي : خارق على مقتضى ما كانوا يريدون ، ومما يتعنتون كما قالوا : ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) الآيات [ الإسراء : 90 ] .

( قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي : هو تعالى قادر على ذلك ، ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك ; لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا ، لعاجلهم بالعقوبة ، كما فعل بالأمم السالفة ، كما قال تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] ، وقال تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) [ الشعراء : 4 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء العادلون بربهم، المعرضون عن آياته: " لولا نزل عليه آية من ربه " ، يقول: قالوا: هلا نـزل على محمد آية من ربه؟

(4) كما قال الشاعر: (5) تَعُـدُّونَ عَقْـرَ النِّيـبِ أَفْضَـل مَجْدِكُمْ بَنِـي ضَوْطَـرَي, لَـولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (6) بمعنى: هلا الكميَّ.

* * * و " الآية "، العلامة.

(7) * * * وذلك أنهم قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْـزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [سورة الفرقان : 7،8] .

قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لقائلي هذه المقالة لك: " إنّ الله قادر على أن ينزل آية ", يعني: حجة على ما يريدون ويسألون=" ولكن أكثرهم لا يعلمون " ، يقول: ولكن أكثر الذين يقولون ذلك فيسألونك آية, (8) لا يعلمون ما عليهم في الآية إن نـزلها من البلاء, ولا يدرون ما وجه ترك إنـزال ذلك عليك, ولو علموا السبب الذي من أجله لم أنـزلها عليك، لم يقولوا ذلك، ولم يسألوكه, ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك.

------------------ الهوامش : (4) انظر تفسير"لولا" فيما سلف 2: 552 ، 553/10 : 448/ 11 : 262 ، (5) هو جرير.

(6) مضى البيت وتخريجه وتفسيره وصواب نسبته فيما سلف 2: 552 ، 553.

(7) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).

(8) في المخطوطة: "ولكن أكثرهم الذين يقولون" ، والجيد ما في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قال الحسن : لولا هاهنا بمعنى هلا ; وقال الشاعر ( هو الفرزدق ) :[ ص: 327 ]تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعاوكان هذا منهم تعنتا بعد ظهور البراهين ; وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله ، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب ولكن أكثرهم لا يعلمون أي : لا يعلمون أن الله عز وجل إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده ; وكان في علم الله أن يخرج من أصلابهم أقواما يؤمنون به ولم يرد استئصالهم .

وقيل : ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله قادر على إنزالها .

الزجاج : طلبوا أن يجمعهم على الهدى أي : جمع إلجاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَقَالُوا } أي: المكذبون بالرسول، تعنتا وعنادا: { لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } يعنون بذلك آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة.

كقولهم: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا *أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا } الآيات.

{ قُلْ } مجيبا لقولهم: { إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً } فليس في قدرته قصور عن ذلك، كيف، وجميع الأشياء منقادة لعزته، مذعنة لسلطانه؟!

ولكن أكثر الناس لا يعلمون فهم لجهلهم وعدم علمهم يطلبون ما هو شر لهم من الآيات، التي لو جاءتهم، فلم يؤمنوا بها لعوجلوا بالعقاب، كما هي سنة الله، التي لا تبديل لها، ومع هذا، فإن كان قصدهم الآيات التي تبين لهم الحق، وتوضح السبيل، فقد أتى محمد صلى الله عليه وسلم، بكل آية قاطعة، وحجة ساطعة، دالة على ما جاء به من الحق، بحيث يتمكن العبد في كل مسألة من مسائل الدين، أن يجد فيما جاء به عدة أدلة عقلية ونقلية، بحيث لا تبقي في القلوب أدنى شك وارتياب، فتبارك الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأيده بالآيات البينات ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وقالوا ) يعني : رؤساء قريش ، ( لولا ) هلا ( نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما عليهم في إنزالها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» أي كفار مكة «لولا» هلا «نزَّل عليه آية من ربه» كالناقة والعصا والمائدة «قل» لهم «إن الله قادر على أن ينزِّل» بالتشديد والتخفيف «آية» مما اقترحوا «ولكن أكثرهم لا يعلمون» أن نزولها بلاء عليهم لوجوب هلاكهم إن جحدوها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال المشركون -تعنتًا واستكبارًا-: هلا أنزل الله علامة تدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من نوع العلامات الخارقة، قل لهم -أيها الرسول-: إن الله قادر على أن ينزل عليهم آية، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن إنزال الآيات إنما يكون وَفْق حكمته تعالى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى تذرع بها المشركون تعنتا ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم ، وبما يؤكد قدرته النافذة وعلمه المحيط فقال - تعالى - : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ .

.

.

} .و { لَوْلاَ } هنا تحضيضية بمعنى هلا ، والمعنى : وقال أولئك الكافرون : هلا نزل عليك يا محمد معجزة حسية كتفجير الأنهار ، وفلق البحر ، ونزول الملائكة معك .

.

.

إلخ .فهذه الآيات الكريمة تحكى عنهم أنهم لم يكتفوا بالقرآن معجزة خالدة للنبى صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون معجزات حسية من جنس معجزات الأنبياء السابقين .وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه ، حتى لكأنه لم ينزل عليه شىء عنادا وجحودا منهم .وفى قولهم - كما حكى القرآن عنهم - { لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } ببناء الفعل للمجهول وذكر لفظ الرب ، للإشارة إلى أنهم لا يوجهون الطلب إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإنما يوجهونه إلى الله تعالى ، لأنه إذا كان رسولا من عنده ، فليجب له هذا الطلب الذى نتمناه ونكون من بعده مؤمنين .وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله : { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } .أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التوبيخ والتقريع إن الله - تعالى - قادر على تنزيل ما اقترحوا من آيات ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شىء ، ولكنه - سبحانه - ينزل ما تقتضيه حكمته ، إلا أنهم لجهلهم وعنادهم لا يعلمون شيئاً من حكم الله فى أفعاله ، ولا من سننه فى خلقه .وقوله - تعالى : { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } يفيد أنهم لا يؤمنون حتى ولو جاءتهم الآيات التى اقترحوها ، لأن عدم إيمانهم ليس عن نقص فى الدليل ولكنه عن تكبر وجحود .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا النوع الرابع من شبهات منكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم قالوا: لو كان رسولاً من عند الله فهلا أنزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة!

ويروى أن بعض الملحدة طعن فقال: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد أتى بآية معجزة لما صح أن يقول أولئك الكفار ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ ﴾ ولما قال: ﴿ إن الله قادِرٌ على أن يُنَزِّلَ آيةً ﴾ .

والجواب عنه: أن القرآن معجزة قاهرة وبينة باهرة، بدليل أنه صلى الله عليه وسلم تحداهم به فعجزوا عن معارضته، وذلك يدل على كونه معجزاً.

بقي أن يقال: فإذا كان الأمر كذلك فكيف قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ .

فنقول: الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: لعلّ القوم طعنوا في كون القرآن معجزاً على سبيل اللجاج والعناد، وقالوا: إنه من جنس الكتب، والكتاب لا يكون من جنس المعجزات، كما في التوراة والزبور والإنجيل، ولأجل هذه الشبهة طلبوا المعجزة.

والوجه الثاني: أنهم طلبوا معجزات قاهرة من جنس معجزات سائر الأنبياء مثل فلق البحر واظلال الجبل وإحياء الموتى.

والوجه الثالث: أنهم طلبوا مزيد الآيات والمعجزات على سبيل التعنت واللجاج مثل إنزال الملائكة وإسقاط السماء كسفاً وسائر ما حكاه عن الكافرين.

والوجه الرابع: أن يكون المراد ما حكاه الله تعالى عن بعضهم في قوله: ﴿ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ فكل هذه الوجوه مما يحتملها لفظ الآية.

ثم إنه تعالى أجاب عن سؤالهم ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً ﴾ يعني أنه تعالى قادر على إيجاد ما طلبتموه وتحصيل ما اقترحتموه ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ واختلفوا في تفسير هذه الكلمة على وجوه: الوجه الأول: أن يكون المراد أنه تعالى لما أنزل آية باهرة ومعجزة قاهرة وهي القرآن كان طلب الزيادة جارياً مجرى التحكم والتعنت الباطل، والله سبحانه له الحكم والأمر فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فإن فاعليته لا تكون إلا بحسب محض المشيئة على قول أهل السنة أو على وفق المصلحة على قول المعتزلة، وعلى التقديرين: فإنها لا تكون على وفق اقتراحات الناس ومطالباتهم، فإن شاء أجابهم إليها، وإن شاء لم يجبهم إليها.

والوجه الثاني: هو أنه لما ظهرت المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة الكافية لم يبق لهم عذر ولا علة، فبعد ذلك لو أجابهم الله تعالى في ذلك الاقتراح فلعلّهم يقترحون اقتراحاً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، وهكذا إلى ما لا غاية له، وذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة، فوجب في أول الأمر سد هذا الباب والاكتفاء بما سبق من المعجزة القاهرة والدلالة الباهرة.

والوجه الثالث: أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة، فلو لم يؤمنوا عند ظهورها لاستحقوا عذاب الاستئصال، فاقتضت رحمة الله صونهم عن هذا البلاء فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم، وإن كان لا يعلمون كيفية هذه الرحمة، فلهذا المعنى قال: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .

والوجه الرابع: أنه تعالى علم منهم أنهم إنما يطلبون هذه المعجزات لا لطلب الفائدة بل لأجل العناد والتعصب وعلم أنه تعالى لو أعطاهم مطلوبهم فهم لا يؤمنون، فلهذا السبب ما أعطاهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنه لا فائدة في ذلك، فالمراد من قوله: ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ هو أن القوم لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل التعنت والتعصب فإن الله تعالى لا يعطيهم مطلوبهم ولو كانوا عالمين عاقلين لطلبوا ذلك على سبيل طلب الفائدة، وحينئذ كان الله تعالى يعطيهم ذلك المطلوب على أكمل الوجوه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ ﴾ نزل بمعنى أنزل.

وقرئ: ﴿ أن ينزل ﴾ بالتشديد والتخفيف.

وذكر الفعل والفاعل مؤنث.

لأن التأنيث آية غير حقيقي، وحسن للفصل.

وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أنزل من الآيات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شيء من الآيات عناداً منهم ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً ﴾ تضطرهم إلى الإيمان.

كنتق الجبل على بني إسرائيل ونحوه، أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، وأن صارفاً من الحكمة يصرفه عن إنزالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ إنَّما يُجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ بِفَهْمٍ وتَأمُّلٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ ﴾ وهَؤُلاءِ كالمَوْتى الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ.

﴿ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴾ فَيُعْلِمُهم حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ.

﴿ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ.

﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ آيَةٌ بِما اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةٌ أُخْرى سِوى ما أنْزَلَ مِنَ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ لِعَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها عِنادًا.

﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ كَنَتْقِ الجَبَلِ، أوْ آيَةً إنْ جَحَدُوها هَلَكُوا.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِها، وأنَّ إنْزالَها يَسْتَجْلِبُ عَلَيْهِمُ البَلاءَ، وأنَّ لَهم فِيما أُنْزِلَ مَندُوحَةً عَنْ غَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ يُنْزِلُ بِالتَّخْفِيفِ والمَعْنى واحِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ} هلا أنزل عليه {آية مّن رَّبّهِ} كما نقترح من جعل الصفا ذهباً وتوسيع أرض مكة وتفجير الأنهار خلالها {قل إن الله قادر على أن ينزل آية} كما اقترحوا {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إن الله قادر على أن ينزل تلك الآية أو لا يعلمون ما عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا ﴾ أيْ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بَلَغَ بِهِمُ الجَهْلُ والضَّلالُ إلى حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ ولَمْ يَعْتَدُّوا بِهِ ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ هَلّا ﴿ نُزِّلَ ﴾ أيْ أُنْزِلَ ﴿ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ مُلْجِئَةٌ لِلْإيمانِ ﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ ﴿ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ 73 - فَلا يَدْرُونَ أنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِها مَعَ ظُهُورِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الاخْتِيارِ أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ إذْ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ جَحْدِ الآيَةِ المُلْجِئَةَ وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا المُلْجِئَ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالمُشاهَدِ طَلَبُهُ بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قَدْ طَلَبُوا غَيْرَ الحاصِلِ مِمّا لا يُلْجِئُ لَجاجًا وعِنادًا، ويَكُونُ الجَوابُ بِالمُلْجِئِ حِينَئِذٍ مِن أُسْلُوبِ الحَكِيمِ أوْ يَكُونُ جَوابًا بِما يَسْتَلْزِمُ مَطْلُوبَهم بِطَرِيقٍ أقْوى وهو أبْلَغُ.

و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (نُزِّلَ)، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (آيَةً) .

وما يُفِيدُهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالتَّهَكُّمِ مِن جِهَتِهِمْ.

والِاقْتِصارُ في الجَوابِ عَلى بَيانِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى التَّنْزِيلِ مَعَ أنَّها لَيْسَتْ في حَيِّزِ الإنْكارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِهِ تَعالى لِلْآيَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَجِبُ مَعْرِفَتُها وهم عَنْها غافِلُونَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ الإشْعارِ بِالعِلْيَةِ، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) إمّا مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مَعْنى أنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أيْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا.

وتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابَرَةً وعِنادًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (يَنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى هُنا كَما قِيلَ واحِدٌ لِأنَّهُ لَمْ يُنْظَرْ إلى التَّدْرِيجِ وعَدَمِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يطيعك، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ.

قال الزجاج يعني: يسمع سماع قابل.

فالذي لا يقبل كأنه أصم.

كما قال القائل: أصم عما ساءه سميع.

ويقال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بأنه يؤمن بك بعضهم، ولن يؤمن بك البعض.

وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى وهو أهل لذلك.

وقال: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يعقلون الموعظة.

ثم قال: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي: كفار مكة سماهم الله موتى، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني يحييهم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني الكفار في الآخرة فينبئهم، فهذا تهديد لهم.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: الكفار.

قالوا: هلاّ نزل عليه آية من ربه يعني: علامة لنبوته قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما سألوك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن الله قادر على أن ينزلها.

ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب.

قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فذكر الجناحين للتأكيد لأنه يقال: طار في الأمر إذا أسرع فيه، فإذا ذكر الجناحين صار تأكيداً له.

وقرأ بعضهم وَلا طائِرٍ بالضم لأن معناه: وما دابةٌ فِى الارض وَلاَ طائرٌ لأن مِنْ زيادة، فيكون الطائر عطفاً ورفعاً وهي قراءة شاذة.

ثم قال: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في الخلق، والموت، والبعث، تعرف بأسمائهم مَّا فَرَّطْنا يقول: ما تركنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني: في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق إلا قد بيّناه.

ويقال: في القرآن قد بيّن كل شيء يحتاج إليه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني: الدواب والطير يُحْشَرُونَ ثم يصيرون تراباً.

وروى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: يَحْشُرُ الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة والبهائم والدواب والطيور وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً.

وعن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبيّ  فقال: «يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟

قلت: لا قال: «لكن الله تَعَالَى يَدْرِي فَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» .

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن يؤاخذوا به.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب يَسْمَعُونَ إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ- رضي اللَّه عنهم- إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا:

سمع.

ثم قال تعالى: وَالْمَوْتى يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته.

قاله مجاهد، والحسن، وقتادة «١» .

ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم «٢» ، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق «٣» ، فَتَنَاسَبَت الآية.

وقال مجاهد، وقتادة: وَالْمَوْتى يريد الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ، أي: إلى سطوته، وعقابه يُرْجَعُونَ «٤» .

وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ» ، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ- عليه السلام- بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه- عز وجل- قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه- سبحانه- إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمّل ليهتدي قوم ويضلّ آخرون.

وقوله سبحانه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ.

ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً.

قال الطبري «١» ، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء.

وروى أبو ذَرٍّ: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟

/ قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» «٢» .

وقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده.

وقوله: بِجَناحَيْهِ تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ.

وقال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( [الإسراء: ١٣] ، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: بِجَناحَيْهِ إخراج للطائر عن هذا كله.

وقوله سبحانه: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير.

قال أبو حيان «٣» : أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون مِنْ شَيْءٍ في موضع المفعول به.

انتهى.

والْكِتابِ: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ.

وقيل: اللوح المحفوظ، ومِنْ شَيْءٍ على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ قُرَيْشٍ.

"وَلَوْلا": بِمَعْنى "هَلّا" وقَدْ شَرَحْناها في سُورَةِ (النِّساءِ) .

وقالَ مُقاتِلٌ: أرادُوا بِالآَيَةِ مِثْلَ آَياتِ الأنْبِياءِ.

وقالَ غَيْرُهُ: أرادُوا نُزُولَ مَلِكٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْزالِ الآَيَةِ.

والثّانِي: لا يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ مِنَ البَلاءِ في إنْزالِها، لِأنَّهم إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، زادَ عَذابُهم.

والثّالِثُ: لا يَعْلَمُونَ المَصْلَحَةَ في نُزُولِ الآَيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما مِن دابَّةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.

وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛ ﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ  ﴾ ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ [الأنعام: 35] الآيات، وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة [4] من ذكر إعراضهم عن آيات الله بقوله ﴿ وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين ﴾ ثم ذكر ما تفنّنوا به من المعاذير من قولهم: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8] وقوله: ﴿ وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها ﴾ [الأنعام: 25] أي وقالوا: لولا أنزل عليه آية، أي على وفق مقترحهم، وقد اقترحوا آيات مختلفة في مجادلات عديدة.

ولذلك أجملها الله تعالى هنا اعتماداً على علمها عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه ﴾ .

فجملة: ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربِّه ﴾ وقع عطفها معترضاً بين جملة ﴿ والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ﴾ [الأنعام: 36] وجملة ﴿ وما من دابّة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38] الخ.

وفي الإتيان بفعل النزول ما يدلّ على أنّ الآية المسؤولة من قبيل ما يأتي من السماء، مثل قولهم ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8] وقولهم: ﴿ ولن نُؤمن لِرُقيّك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 93] وشبه ذلك.

وجرّد ﴿ نزّل ﴾ من علامة التأنيث لأنّ المؤنّث الذي تأنيثه لفظي بحت يجوز تجريد فعله من علامة التأنيث؛ فإذا وقع بين الفعل ومرفوعه فاصل اجتمع مسوّغان لتجريد الفعل من علامة التأنيث، فإنّ الفصل بوحده مسوّغ لتجريد الفعل من العلامة.

وقد صرّح في «الكشاف» بأنّ تجريد الفعل عن علامة التأنيث حينئذٍ حسن.

و ﴿ لولا ﴾ حرف تحضيض بمعنى (هلاّ).

والتحضيض هنا لقطع الخصم وتعجيزه، كما تقدّم في قوله تعالى آنفاً ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8].

وتقدّم الكلام على اشتقاق ﴿ آية ﴾ عند قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا ﴾ في سورة [البقرة: 39].

وفصل فعل ﴿ قل ﴾ فلم يعطف لأنَّه وقع موقع المحاورة فجاء على طريقة الفصل التي بيّنّاها في مواضع كثيرة، أولها: قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة [البقرة: 30].

وأمَر الله رسوله أن يجيبهم بما يُعلم منه أنّ الله لو شاء لأنزل آية على وفق مقترحهم تقوم عليهم بها الحجّة في تصديق الرسول، ولكنّ الله لم يرد ذلك لحكمة يعلمها؛ فعبّر عن هذا المعنى بقوله: إنّ الله قادر على أنّ ينزّل آية } وهم لا ينكرون أنّ الله قادر، ولذلك سألوا الآية، ولكنّهم يزعمون أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام لا يَثبُت صدقه إلاّ إذا أيّده الله بآية على وفق مقترحهم.

فقوله: ﴿ إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ﴾ مستعمل في معناه الكنائي، وهو انتفاء أن يريد الله تعالى إجابة مقترحهم، لأنَّه لمّا أرسل رسوله بآيات بيّنات حصل المقصود من إقامة الحجّة على الذين كفروا، فلو شاء لزادهم من الآيات لأنّه قادر.

ففي هذه الطريقة من الجواب إثبات للردّ بالدليل، وبهذا يظهر موقع الاستدراك في قوله: ﴿ ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ﴾ فإنّه راجع إلى المدلول الالتزامي، أي ولكن أكثر المعاندين لا يعلمون أنّ ذلك لو شاء الله لفعله، ويحسبون أنّ عدم الإجابة إلى مقترحهم يدلّ على عدم صدق الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك من ظلمة عقولهم، فلقد جاءهم من الآيات ما فيه مزدجر.

فيكون المعنى الذي أفاده هذا الردّ غير المعنى الذي أفاده قوله ﴿ ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ [الأنعام: 8] فإنّ ذلك نبّهوا فيه على أنّ عدم إجابتهم فيه فائدة لهم وهو استبقاؤهم، وهذا نبّهوا فيه على سوء نظرهم في استدلالهم.

وبيان ذلك أنّ الله تعالى نصب الآيات دلائل مناسبة للغرض المستدلّ عليه كما يقول المنطقيّون: إنّ المقدّمات والنتيجة تدلّ عقلاً على المطلوب المستدلّ عليه، وإنّ النتيجة هي عين المطلوب في الواقع وإن كانت غيره في الاعتبار؛ فلذلك نجد القرآن يذكر الحجج على عظيم قدرة الله على خلق الأمور العظيمة، كإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي في سياق الاستدلال على وقوع البعث والحشر.

ويسمّى تلك الحجج آيات كقوله ﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقَرّ ومستودع قد فصّلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾ [الأنعام: 98]، وكما سيجيء في أول سورة [الرعد: 2] ﴿ الله الذي رفع السماوات بغير عمد قرونها ﴾ وذكر في خلال ذلك تفصيل الآيات إلى قوله: ﴿ وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنّا تراباً إنّا لفي خلق جديد ﴾ [الرعد: 5].

وكذلك ذكر الدلائل على وحدانية الله باستقلاله بالخلق، كقوله: ﴿ وخلق كلّ شيء وهو بكلّ شيء عليم ذلكم الله ربّكم لا إله إلاّ هو خالق كلّ شيء فاعبدوه إلى قوله وكذلك نفصّل الآيات وليقولوا دَرَست ﴾ [الأنعام: 101 105] الخ، وكقوله في الاستدلال على انفراده بأنواع الهداية ﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البرّ والبحر قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾ .

ولمّا كان نزول القرآن على الرسول عليه الصلاة والسلام حجّة على صدقه في إخباره أنّه مُنزل من عند الله لمَا اشتمل عليه من العلوم وتفاصيل المواعظ وأحوال الأنبياء والأمم وشرع الأحكام مع كون الذي جاء به معلوم الأمية بينهم قد قضى شبابه بين ظهرانيهم، جعَله آية على صدق الرسول عليه الصلاة والسلام فيما أخبر به عن الله تعالى، فسمّاه آيات في قوله: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا، بيّنات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ﴾ [الحج: 72] فلم يشأ الله أن يجعل الدلائل على الأشياء من غير ما يناسبها.

أمّا الجهلة والضّالون فهم يرومون آيات من عجائب التصاريف الخارقة لنظام العالم، يريدون أن تكون علامة بينهم وبين الله على حسب اقتراحهم بأن يحييهم إليها إشارة منه إلى أنّه صدّق الرسول فيما بلّغ عنه، فهذا ليس من قبيل الاستدلال ولكنَّه من قبيل المخاطرة ليزعموا أنّ عدم إجابتهم لما اقترحوه علامة على أنّ الله لم يصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.

ومن أين لهم أنّ الله يرضى بالنزول معهم إلى هذا المجال، ولذلك قال تعالى: ﴿ قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ﴾ ، أي لا يعلمون ما وجه الارتباط بين دلالة الآية ومدلولها.

ولذلك قال في الردّ عليهم في سورة [الرعد: 7] ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربّه إنّما أنت منذر فهم جعلوا إيمانهم موقوفاً على أن تنزّل آية من السماء.

وهم يعنون أنّ تنزيل آية من السماء جملة واحدة.

فقد قالوا: لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ [الفرقان: 32] وقالوا: ﴿ ولن نؤمن لرقّيك حتّى تُنَزّل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 93].

فردّ الله عليهم بقوله: ﴿ إنّما أنت منذر ﴾ [الرعد: 7]، أي لا علاقة بين الإنذار وبين اشتراط كون الإنذار في كتاب ينزّل من السماء، لأنّ الإنذار حاصل بكونه إنذاراً مفصّلاً بليغاً دالاّ على أنّ المنذِر به ما اخترعه من تلقاء نفسه، ولذلك ردّ عليهم بما يبيّن هذا في قوله: ﴿ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذَنْ لارْتَابَ المُبطلون إلى قوله وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربّه قل إنَّما الآيات عند الله وإنّما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنَّا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم ﴾ [العنكبوت: 48 51]، أي فما فائدة كونه ينزل في قرطاس من السماء مع أنّ المضمون واحد.

وقال في ردّ قولهم: ﴿ حتّى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه ﴾ [الإسراء: 93] ﴿ قل سبحان ربِّي هل كنت إلاّ بشراً رسولا ﴾ [الإسراء: 93].

نعم إنّ الله قد يقيم آيات من هذا القبيل من تلقاء اختياره بدون اقتراح عليه، وهو ما يسمّى بالمعجزة مثل ما سمّى بعض ذلك بالآيات في قوله: ﴿ في تسع آيات إلى فرعون وقومه ﴾ [النمل: 12]، فذلك أمر أنف من عند الله لم يقترحه عليه أحد.

وقد أعطى نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم من ذلك كثيراً في غير مقام اقتراححٍ من المعرضين، مثل انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام القليل، ونبع الماء من الأرض بسهم رشقه في الأرض.

هذا هو البيان الذي وعدتُ به عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملَك ﴾ في هذه السورة [8].

ومن المفسِّرين من جعل معنى قوله ولكنّ أكثرهم لا يعلمون} أنّهم لا يعلمون أنّ إنزال الآية على وفق مقترحهم يعقبها الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهم لعنادهم لا يؤمنون.

إلاّ أنّ ما فسّرتها به أولى لئلاّ يكون معناها إعادة لمعنى الآية التي سبقتها، وبه يندفع التوقّف في وجه مطابقة الجواب لمقتضى السؤال حسبما توقّف فيه التفتزاني في تقرير كلام «الكشاف».

وقوله: ﴿ ولكنّ أكثرهم لا يعلمون ﴾ تنبيه على أنّ فيهم من يعلم ذلك ولكنّه يكابر ويُظهر أنّه لا يتمّ عنده الاستدلال إلاّ على نحو ما اقترحوه.

وإعادة لفظ ﴿ آية ﴾ بالتنكير في قوله ﴿ أن يُنزّل آية ﴾ من إعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى.

وهذا يبطل القاعدة المتداولة بين المعربين من أنّ اللفظ المنكّر إذا أعيد في الكلام منكّراً كان الثاني غير الأول.

وقد ذكرها ابن هشام في «مغني اللبيب» في الباب السادس ونقضها.

وممّا مثّل به لإعادة النكرة نكرة وهي عين الأولى لا غيرها قوله تعالى: ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ﴾ [الروم: 54].

وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليهما أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير ﴾ في سورة [النساء: 128].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي آيَةً تَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ يَعْنِي آيَةً يُجابُونَ بِها إلى ما سَألُوا.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ المَصْلَحَةَ في نُزُولِ الآيَةِ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ زِيادَةَ الآياتِ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، تُوجِبُ الزِّيادَةَ مِن عَذابِهِمْ، لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ آيَةً تَقُودُهم إلى التَّصْدِيقِ فَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الإيمانُ، قِيلَ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، وأنَّ القُرْآنَ مَعَ عَجْزِ مَن تَحَدّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ بِمِثْلِهِ، وما تَضَمَّنَهُ مِن أخْبارِ الغُيُوبِ وصِدْقِ خَبَرِهِ عَمّا كانَ ويَكُونُ أبْلَغَ الآياتِ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ.

وَإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً سَألُوها إعْناتًا، فَلَمْ يُجابُوا مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى إنْزالِها، لِأنَّهُ لَوْ أجابَهم إلَيْها لاقْتَرَحُوا غَيْرَها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، حَتّى يَنْقَطِعَ الرَّسُولُ بِإظْهارِ الآياتِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.

وَإنَّما يَلْزَمُهُ إظْهارُ الآياتِ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ بَعْثِهِ رَسُولًا لِيَكُونَ مَعَ اسْتِدْعائِهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ.

والثّانِي: أنْ يَسْألَها مَن يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ إنْ أظْهَرَها لَهُ آمَنَ بِهِ، ولَيْسَ يَلْزَمُهُ إظْهارُها في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ دابَّةٌ بِمَعْنى ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ كُلِّهِ.

﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ يَعْنِي في الهَواءِ، جَمَعَ بَيْنَ ما هو عَلى الأرْضِ وفِيها وما ارْتَفَعَ عَنْها.

﴿ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ في الأُمَمِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَماعاتُ.

والثّانِي: أنَّها الأجْناسُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَلَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ في التَّكْلِيفِ كَما جُعِلَ قَوْمٌ اشْتَبَهَ الظّاهِرُ عَلَيْهِمْ وتَعَلَّقُوا مَعَ اشْتِباهِ الظّاهِرِ بِرِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ  ، فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتا؟

قُلْتُ: لا، قالَ: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وسَيَقْضِي بَيْنَهُما قالَ أبُو ذَرٍّ: لَقَدْ تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ  وما يُقَلِّبُ طائِرٌ بِجَناحَيْهِ في السَّماءِ إلّا ذَكَّرَنا مِنهُ عِلْمًا،» لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْلُ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ كانَ عَدَمُهُ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أجْناسٌ وتَتَمَيَّزُ في الصُّوَرِ والأسْماءِ.

والثّانِي: أنَّها مَخْلُوقَةٌ لا تُظْلَمُ، ومَرْزُوقَةٌ لا تُحْرَمُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَرَكْنا خَلْقًا إلّا أوْجَبْنا لَهُ أجَلًا، والكِتابُ هُنا هو إيجابُ الأجَلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ  ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وأنْشَدَ لِنابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ بَلَغُوا المُلُوكَ وأدْرَكُوا ال كِتابَ وانْتَهى الأجَلُ والتَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ الَّذِي أنْزَلَهُ، ما أخَلَّ فِيهِ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، إمّا مُفَصَّلًا يَسْتَغْنِي عَنِ التَّفْسِيرِ، أوْ مُجْمَلًا جَعَلَ إلى تَفْسِيرِهِ سَبِيلًا.

يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: ما فَرَّطْنا فِيهِ بِدُخُولِ خَلَلٍ عَلَيْهِ، أوْ وُجُودِ نَقْصٍ فِيهِ، فَكِتابُ اللَّهِ سَلِيمٌ مِنَ النَّقْصِ والخَلَلِ.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالحَشْرِ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَشْرَ الجَمْعُ لِبَعْثِ السّاعَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ فَلِماذا تُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ؟

قِيلَ: لَيْسَ التَّكْلِيفُ عِلَّةَ البَعْثِ، لِأنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ يُبْعَثُونَ وإنْ كانُوا في الدُّنْيا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، وإنَّما يَبْعَثُها لِيُعَوِّضَ ما اسْتَحَقَّ العِوَضَ مِنها بِإيلامٍ أوْ ظُلْمٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما يَشاءُ مِنها تُرابًا، وما شاءَ مِن دَوابِّ الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُ المُؤْمِنُونَ بِرُكُوبِهِ ورُؤْيَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً ﴿ في السماء ﴾ فتصعد عليه ﴿ فتأتيهم بآية ﴾ أفضل مما أتيناهم به فافعل ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً ﴿ أو سلماً في السماء ﴾ قال: يعني الدرج.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله تعالى ﴿ تبتغي نفقاً في الأرض ﴾ قال: سرباً في الأرض فتذهب هرباً.

قال: وهل تعرب العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: فدس لها على الانفاق عمرو ** بشكته وما خشيت كمينا وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: المؤمنون للذكر ﴿ والموتى ﴾ قال: الكفار حين يبعثهم الله مع الموتى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ قال: هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله، فهو حي القلب حي البصر ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ [ الأنعام: 39] وهذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدي ولا ينتفع به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا ﴾ يعني: رؤساء قريش، ﴿ لَوْلَا ﴾ : هلا، ﴿ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يعني: نزول الملك يشهد لمحمد بالنبوة وصحة ما أتى به (١) ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قال المفسرون (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 483، والبغوي 3/ 141، وابن الجوزي 3/ 34.

(٢) انظر: الطبري 7/ 187، والماوردي 2/ 110، والمراجع السابقة.

(٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 245، والمراجع السابقة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ الضمير في قالوا للكفار، ولولا: عرض، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بآية على نبوّته، فإن قيل: فقد أتى به، وكأنه لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم، والآخر: أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ جواب على قولهم، وقد حكى هذا القول عنهم في مواضع من القرآن وأجيب عليه بأجوبة مختلفة، منها ما يقتضي الردّ عليهم في طلبهم الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الآيات ﴾ [البقرة: 118]، وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ ﴾ [العنكبوت: 51]، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم، لأن الخصم إذا تبين عناده سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ ، ويحتمل أيضاً أن يكون معناه قادر على أن ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما لا يعلمون أن الله قادر، والآخر لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ بالنصب فيهما: حمزة وحفص ويعقوب وافق ابن عامر في ﴿ ونكون ﴾ الباقون: بالرفع ﴿ ولدار الآخرة ﴾ بالإضافة: ابن عامر بتأويل الساعة الآخرة، الباقون: بتعريف الدار ورفع الآخرة على الوصفية.

﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص وكذلك في الأعراف ﴿ يكذبونك ﴾ بالتخفيف من أكذبه إذا وجده كاذباً: علي ونافع والأعشى في اختياره.

الباقون: بالتشديد من كذبه إذا نسبه إلى الكذب.

﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ وقرأ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ وينأون عنه ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ وما يشعرون ﴾ ه ﴿ من المؤمنين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ وربنا ﴾ ط ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ بلقاء الله ﴾ ط لأن "حتى" للابتداء فيها لا لأن الواو للحال ﴿ على ظهورهم ﴾ ط ﴿ يزرون ﴾ ه ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ نصرنا ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقصود لكلمات الله كذلك.

﴿ المرسلين ﴾ ه ﴿ بآية ﴾ ط ﴿ من الجاهلين ﴾ ه ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بعض أسباب ذلك فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ قال ابن عباس: حضر عند رسول الله  أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف واستمعوا إلى حديث رسول الله  فقالوا للنضر: ما تقول في محمد؟

فقال: ما أدري ما يقول إلا أني أرى تحريك.

شفتيه يتكلم بشيء وما يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية.

وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، وكان يحدث قريشاً فيستملحون حديثه فنزلت الآية.

والأكنة جمع كنان وهو كل ما وقى شيئاً وستره من الأغطية والقفل، ومنه أكننت وكننت.

وأن يفقهوه مفعول لأجله أي كراهة فقههم.

والوقر الثقل في الآذان.

والتركيب يدور على الثقل ومنه الوِقر بالكسر الحمل، والوقار الحلم.

وفي الآية دلالة على أن الله تعالى هو الذي يصرف عن الإيمان ويحول بين المرء وبين قلبه.

وقالت المعتزلة: لا يمكن أجراؤها على ظاهرها وإلا كأن فيها حجة الكفار، ولأنه يكون تكليفاً للعاجز.

ولم يتوجه ذمهم في قولهم ﴿ وقالوا قلوبنا غلف  ﴾ فلا بد من التأويل وذلك من وجوه الأول: قال الجبائي: إن القوم كانوا يسمعون لقراءة الرسول ليتوسلوا بسماع قراءته إلى مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه، فكان الله  يلقي على قلوبهم النوم والغفلة، وعلى آذانهم الثقل.

وزيف بأن المراد لوكان ذلك لقيل " أن يسمعوه" بدل "أن يفقوه".

وبأن قوله ﴿ وأن يروا كل آية ﴾ أي كل دليل وحجة ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ لا يناسبه.

الثاني: أن المكلف الذي علم الله  أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر يسم قلبه بعلامة مخصوصة لتستدل الملائكة برؤيتها فلا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان مع انها في نفسها ليست بمانعة عن الإيمان.

الثالث: يقال: إنه جبل على كذا إذا كان مصّراً عليه وذلك على جهة التمثيل.

الرابع: لما منعهم الألطاف التي تصلح أن تفعل بالمهتدين وفوّض أمورهم إلى أنفسهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه.

الخامس: أن هذا حكاية قولهم ﴿ وفي ءَاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ﴾ وعورضت هذه الأدلة بالعلم والداعي، وذلك أن الله  علم من الكافر أنه لا يؤمن وخلاف علمه محال، وأنه  هو الذي خلق فيهم داعية الكفر ومع وجود تلك الداعية يستحيل الإيمان فهو المعنى بالكنان.

وتحقيق المسألة تقدم في أول سورة البقرة في قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم  ﴾ والإفراد في ﴿ يستمع ﴾ والجمع في ﴿ قلوبهم ﴾ اعتبار اللفظ من تارة ولمعناه أخرى ﴿ حتى إذا جاؤك ﴾ هي حتى المبتدأة التي يقع بعدها الجمل كقوله: حتى ماء دجلة أشكل.

والجملة ههنا مجموع الشرط والجزاء أعني قوله ﴿ إذا جاؤك ﴾ يقول: ﴿ ويجادلونك ﴾ في موضع الحال.

ويجوز أن تكون حتى جارّة أي حتى وقت مجيئهم ﴿ ويجادلونك ﴾ حال بحاله ﴿ ويقول ﴾ تفسير له.

والمعنى أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى حالة المجادلة.

ثم فسر الجدل بأنهم يقولون ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ وأصل السطر هو أن يجعل شيئاً ممتداً مؤلفاً في صف ومنه سطر الكتاب وسطر من نخيل وجمعه أسطار وجمع الجمع أساطير.

وقال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة كأحاديث وأحدوثة.

وقال أبو زيد: لا واحد له كعباديد.

قال ابن عباس: معناه أحاديث الأولين التي كانوا يسطرونها أي يكتبونها.

ومن فسر الأساطير بالخرافات والترهات نظر.

إلى أن الإغلب هو أن لا يكون فيها فائدة معتبرة كحديث رستم وغيره فذلك معنى وليس بتفسير.

ثم إن غرض القوم من هذا القول هو القدح في كون القرآن معجزاً كما الكتب المشتملة على الأخبار والقصص ليست بمعجزة، والجواب أن هذا مقرون بالتحدي وقد عجزوا عن آخرهم دون تلك فظهر الفرق.

ثم أكد طعنهم في القرآن بقوله ﴿ وهم ينهون عنه ﴾ قال محمد بن الحنفية وابن عباس في رواية والسدي والضحاك: عن القرآن وتدبره والاستماع له ﴿ وينأون عنه ﴾ والنأي البعد.

نأيته ونأيت عنه وناء الرجل إذا بعد لغة في "نأى" وحملوه على القلب لأن المصدر لم يجيء إلا على النأي.

وقيل: الضمير للرسول والمراد النهي عن اتباعه والتصديق بنبوّته، جمعوا بين قبيحين: النأي والنهي فضلوا وأضلوا.

وعن عطاء ومقاتل عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله  ويتباعد عما جاء به.

روي أن قريشاً اجتمعوا إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي  فقال أبو طالب: والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وأبشر وقر بذلك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا لولا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً وضعفت هذه الرواية بقوله ﴿ إن يهلكون إلا أنفسهم ﴾ يعني بما تقدم ذكره، ولكن النهي عن أذيته حسن لا يوجب الهلاك.

ويمكن أن يجاب بأن الذم توجه على الهيئة الاجتماعية الحاصلة من النهي مع النأي كقوله ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ولو سلم فلم لا يجوز أن يرجع الذم إلى القسم الأخير فقط.

ثم بيَّن أنه كيف يعود الضرر إليهم فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ وجواب "لو" محذوف أي لرأيت سوء منقلبهم ونحو ذلك.

وجاز حذفه للعلم به ولما في الحذف من تفخيم الشأن وهو ذهاب الوهم كل مذهب كما لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك وسكت عن الجواب.

ذهب فكره إلى أنواع المكاره من الضرب والقتل وغيرهما بخلاف ما لو قلت: لأضربنك.

ولمثل هذا من إرادة المبالغة قال ﴿ وقفوا ﴾ بلفظ الماضي مع "إذا" الدال على المضي كأن هذا الأمر وقع وتحقق فكان من حقه أن يخبر عنه بلفظ الماضي أي وقفوا على أن يدخلوا النار وهم يعاينونها، أو وقفوا عليها وهي تحتهم، أو هو من قولهم: وقفت على المسألة الفلانية وقوفاً أي عرفوا حقيقتها تعريفاً أو المراد أنهم في جوف النار غائصين فيها فتكون "على" بمعنى "في" وجاز لأن النار دركات بعضها فوق بعض فلا يخلو من معنى الاستعلاء ﴿ يا ليتنا نردّ ﴾ هو داخل في حكم التمني.

أما قوله ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ فمن قرأ بالنصب فيهما فبإضمار "أن" على جواب التمني والمعنى إن رددنا إلى دار التكليف لم نكذب ونكن من المؤمنين.

ومن قرأ بالرفع فيهما فوجهان: أحدهما أن التمني يتم عند قوله ﴿ نرد ﴾ ثم ابتدؤا ﴿ ولا نكذب ونكون ﴾ أي ونحن لا نكذب ونكون كأنهم ضمنوا أن لا يكذبوا ويكونوا من المؤمنين سواء حصل الرد أو لم يحصل.

وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود بمعنى دعني وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني.

وثانيهما أن يكونا معطوفين على ﴿ نرد ﴾ أو حالين على معنى يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين فيدخل المجموعتحت حكم التمني.

وأورد على هذا الوجه أن المتمني لا يكون كاذباً وقد قال  ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ وأجيب بأن هذا التمني قد تضمن معنى الوعد فجاز أن يتعلق به التكذيب كقول القائل: ليت الله يرزقني مالاً فأحسن إليك فهذا متمن في حكم الواعد فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه كذب لأنه كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.

وأما قراءة ابن عامر فمعناه إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين ثم رد الله  عليهم بأنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا وترك التكذيب وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان بل لأجل خوفهم من العذاب الذي شاهدوه وعاينوه فقال ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وما الذي كانوا يخفونه في الدنيا.

قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ فينطق الله  جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى ﴿ بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ وقال المبرد: بدا لهم وبال عقائدهم وأعمالهم وسوء عاقبتها، وذلك أن كفرهم ما كان ظاهراً لهم وإنما ظهر لهم يوم القيامة.

وقال الزجاج: بدا للأتباع ما أخفاه الرؤساء منهم من أمر البعث والنشور بدليل قوله بعد ذلك ﴿ وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ وهذا قول الحسن.

وقيل: إنها في المنافقين كانوا يسرون الكفر فيظهر نفاقهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة.

وقيل: هو في أهل الكتاب يظهر لهم ما كانوا يكتمونه من صحة نبوة محمد  .

والأولى حمل الآية على الكل لأنه يوم تبلى السرائر فلا جرم تظهر الفضائح والقبائح وتنكشف الأسرار وتنهتك الأستار اللهم كفر عنا سيآتنا في ذلك اليوم.

ثم قال ﴿ ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ قيل كيف يتصوّر هذا وإنهم قد عرفوا الله  حينئذ بالضرورة وشاهدوا الأحوال والأهوال؟

وأجاب القاضي بأن المراد ولو ردّوا إلى حالة التكليف.

وعلى هذا التقدير لا تبقى المعرفة ضرورية فلا يمتنع صدور الكفر عنهم.

وضعف بأن المقصود من إيراد هذا الكلام المبالغة في غيهم وتماديهم وإصرارهم على الكفر.

وإذا فرض عودهم إلى حالة التكليف زال التعجب كما هو الأن فإذن لا تنحل العقدة إلا بأن يقال: المراد توكيد جريان القضاء السابق فيهم بحيث لو شاهدوا العذاب والعقاب ثم سألوا الرجعة فردوا إلى الدنيا لعادوا إلى الشرك ولم ينجع ذلك فيهم ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما وعدوا في ضمن التمني أو في كل شيء ولهذا قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ "إن" نافية والضمير عائد إلى حقيقة الحياة "المعلومة في الأذهان ولهذا أضيف الى جمع المتكلم أي ما لنا حياة إلا هذه الحياة" التي هي أقرب إلينا ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ بعدها.

وقيل: إن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا البعث ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا.

ثم لما قرر إنكارهم كشف عن حالهم يوم القيامة فقال ﴿ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ﴾ تمسك بعض المشبهة بهذا على أنه  يحضر تارة ويغيب أخرى، ورد بأن استعلاء شيء على ذات الله  محال بالاتفاق فوجب تأويل الأية بأنه مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه للعتاب، أو لمضاف محذوف أي على جزاء ربهم أو وعده أو إخباره بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين، أوهو من قولك: وقفته على كذا أي أطلعته عليه.

ثم كان لسائل أن يقول: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟

فأجيب ﴿ قال أليس هذا ﴾ الذي عاينتموه من حديث البعث والجزاء ﴿ بالحق ﴾ الذي حدثتموه؟

﴿ قالوا بلى وربنا ﴾ وفيه دليل على أن حالهم في الإنكار سيؤل إلى الإقرار، ثم كأنه سئل ماذا قيل لهم بعد الإقرار؟

فأجيب ﴿ قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ أي بسبب كفركم وذلك ليعلم أن الإقرار في غير دار التكليف لا ينفع، وذلك أن جوهر النفس اللطيفة القدسية بعث إلى هذا العالم الجسماني الكثيف وأعطى الآلات الجسمانية لتحصيل المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت.

فإذا استعملها الإنسان بناء على اعتقاد عدم المعاد في تحصيل اللذات الفانية والسعادات المنقطعة إلى أن ينقضي أجله فقد ضاع رأس المال ولا ربح وذلك قوله ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ﴾ أي ببلوغ الآخرة وثوابها وعقابها.

عبر عن ذلك بلقاء الله لأنه لا حكم لأحد هناك إلا لله بخلاف الدنيا فإنه قد يظن أن للإنسان تصرفاً واختياراً وملكاً وملكاً.

وحمل اللقاء على الرؤية أيضاً غير بعيد عند أهل السنة.

و"حتى" غاية لـ ﴿ كذبوا ﴾ لا لـ ﴿ خسر ﴾ لأن خسرانهم لا غاية له أي لم يزل بهم التكذيب إلى تحسرهم وقت مجيء الساعة بل وقت موتهم، فإن أمارات السعادة والشقاوة تلوح على صفحات أحوال المكلف من وقتئذ وهذا معنى قوله  "من مات فقد قامت قيامته" وسمى يوم القيامة الساعة لسرعة الحساب فيه كأنه قيل: ما هو إلا ساعة الحساب، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة لا يعلمها إلا الله  ولهذا قال ﴿ بغتة ﴾ أي فجأة.

وانتصابها على الحال أي باغتة من بغته إذا فاجأه، أو على المصدر العام أي بغتتهم الساعة بغتة أو الخاص لأن البغت نوع من المجيء ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" ﴿ يا حسرتنا ﴾ مثل ﴿ يا ويلتي  ﴾ وقد مر مثله في سورة المائدة أي احضري فهذا وقتك ﴿ على ما فرّطنا ﴾ أصله يدل على الترك والهمزة في الإفراط لإزالة ذلك.

وقولهم فرطت القوم أي سبقتهم إلى الماء، معناه تركتهم من ورائي حتى حصل لي التقدم.

أما الضمير في ﴿ فيها ﴾ فقال ابن عباس: أي في الدنيا وإن لم يجر لها ذكر في الآية بدلالة العقل لأن موضع التقصير هو الدنيا.

وقال الحسن: أي في وقت الساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها وإعداد الزاد وتحصيل الأهبة لها.

وقال محمد بن جرير الطبري: يعود إلى الصفقة والمبايعة بدلالة ذكر الخسران.

وقيل: إلى ما فيما فرطنا أي يا حسرتنا على الأعمال والطاعات التي تركناها وقصرنا فيها.

ثم بين تضاعف خسرانهم بأنهم لم يحصلوا لأنفسهم مواجب الثواب ولكن حصلوا مواجب العقاب فقال ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾ هي الآثام والخطايا.

وأصل الوزر الثقل ومنه الوزير لأنه يحمل ثقل صاحبه.

والوزر الملجأ لأنه يدفع عنه ما أصابه فكأنه حمله.

أما كيفية حملهم الأوزار فقال في الكشاف: إنه مجاز عن حصولها لهم كقوله ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي.

وقال الزجاج: الثقل قد يذكر في الحال والصفة.

ثقل عليّ خطاب فلان أي كرهته، فالمعنى أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم.

وقيل: هو كقولك: شخصك نصب عيني أي ذكرك ملازم لي.

وقال جمع من المفسرين: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أحسن الأشياء صورة وأطيبها ريحاً فيقول: أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم فذلك قوله ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً  ﴾ قالوا ركباناً وإن الكافر إذا خرج من قبره استقبله شيء هو أقبح الأشياء صورة وأخبثها ريحاً فيقول: أنا عملك الفاسد طالما ركبتني في الدنيا فأنا أركبك اليوم قاله قتادة والسدي.

﴿ ألا ساء ما يزرون ﴾ بئس شيئاً يزرون وزرهم.

ثم رغب في الحياة الباقية وزهد في الحياة العاجلة فقال ﴿ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ﴾ قال ابن عباس: يريد حياة أهل الشرك والنفاق لأن حياة المؤمن تحصل فيها أعمال صالحة فلا تكون لعباً ولهواً.

وقال آخرون: هو عام في حياة المؤمن والكافر وذلك أن مدة اللهو واللعب وكل شيء يلهيك ويشغلك مما لا أصل له قليلة سريعة الانقضاء والزوال، ومدة هذه الحياة كذلك.

وأيضاً اللعب واللهو لا بد أن يتناهيا في أكثر الأمر إلى شيء من المكاره ولذات الدنيا كذلك، ولهذا رفضها العلماء المحققون والحكماء المتألهون.

﴿ وللدار الآخرة ﴾ قال ابن عباس: هي الجنة وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي.

وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير.

وقال الآخرون: نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا من حيث إنها دائمة باقية مصونة عن شوائب الآفات والمخافات، آمنة من نقص الانقضاء والانقراض ﴿ للذين يتقون ﴾ فيه أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن اتقى الكفر والمعاصي، وأما الكافر والفاسق فالدنيا بالنسبة إليهما خير كما قال  : "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" .

﴿ أفلا تعقلون ﴾ قال الواحدي: من قرأ بتاء الخطاب فالمعنى قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون، ومن قرأ بالياء فمعناه أفلا يعقل الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟

وذلك أن خيرات الدنيا ليست إلا قضاء الشهوات التي يشارك فيها سائر الحيوانات، بل ربما كان أمر تلك الحيوانات فيها أكمل، فالجمل أكثر أكلاً، والديك والعصفور أكثر وقاعاً، والذئب والنمر والحيات أقوى غضباً وقهراً، وكل من وقف عمره على هذه المطالب لم يكن له عند العقلاء وزن ولا عند الحكماء والعلماء قدر، وكل من صرف عمره في تحصيل الكمالات الدائمات والسعادات الباقيات كان له في العيون مهابة وفي القلوب قبول، وذلك دليل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية وعلو مرتبة الكمالات الروحانية.

وهب أن النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة أليس المعلوم أفضل من المظنون وأن خيرات الآخرة معلومة قطعاً والوصول إلى خيرات الدنيا في الغد غير معلوم ولا مظنون؟

فكم من سلطان قاهر بكرة صار تحت التراب عشية، وكم من متمول متغلب أصبح أميراً كبيراً ثم أمسى فقيراً حقيراً.

وهب أنه وجد بعد هذا اليوم يوماً آخر فلن يمكنه الانتفاع بكل ما جمع من الأسباب، ولو انتفع فقلما يخلص من شوائب المكاره والآفات كما روي أنه  قال "من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.

قيل: وما هو يا رسول الله؟

قال: سرور يوم بتمامه" وهب أن الدست له قد تم، أليس مآل كل ذلك إلى الزوال والانقراض؟

وكفى بذلك نقصاً وكدراً كما قال: كمال الغم عندي في سرور *** تيقن عنه صاحبه انتقالا ثم سلى رسول الله  وقال ﴿ قد نعلم ﴾ والمراد كثرة العلم والمبالغة كما مر في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ والهاء في ﴿ أنه ﴾ ضمير الشأن وكسرت بعد العلم لمكان لام الابتداء في ﴿ ليحزنك ﴾ وما ذلك المحزن؟

قال الحسن: هو قولهم ساحر شاعر كاهن مجنون: وقيل: تصريحهم بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه.

وقيل: نسبتهم إياه إلى الكذب ﴿ فإنهم لا يكذبونك ﴾ قال أبو علي وثعلب: أكذبه وكذبه بمعنى.

وقيل: أكذبت الرجل ألفيته كاذباً، وكذبته إذا قلت له كذبت.

وقال الكسائي: أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب.

وقال الزجاج: معنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته أن الذي أتى به كذب في نفسه من غير ادعاء أن ذلك القائل تكلف ذلك الكذب وأتى به على سبيل الافتعال والقصد.

فمن قرأ بالتخفيف نظر إلى أن القوم كانوا يعتقدون أن محمداً  ما ذكر ذلك على سبيل الافتعال والترويج بل تخيل صحة ذلك وأنه نبي إلا أن تخيله باطل.

ثم إن ظاهر الآية يقتضي أنهم لا يكذبون محمداً  ولكنهم يجحدون بآيات الله، وفي الجمع بين الأمرين وجوه: الأول أن القوم ما كانوا يكذبونه في السر ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية ويجحدون القرآن ونبوته ويؤكده رواية السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل بن هشام التقيا فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟

فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري.

فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش فنزلت.

وقال أبو ميسرة: إن رسول الله  مر بأبي جهل وأصحابه فقالوا يا محمد إنا والله ما نكذبك إنك عندنا لصادق ولكن نكذب ما جئت به فنزلت.

وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل كان يكذب النبي  في العلانية، فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب ولا أحسبه إلا صادقاً فإذن هذه الآية نظير قوله  في قصة موسى ﴿ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً  ﴾ فانظر.

الثاني في تأويل الآية أنهم لا يقولون إنك كذاب لأنهم جربوك الدهر الطويل وما وجدوا منك كذباً وسموك الصادق الأمين فلا يقولون بعد إنك كاذب، ولكن حجدوا صحة نبوتك ورسالتك إما لأنهم اعتقدوا أن محمداً عرض له نوع خبل ونقصان فلأجل ذلك تخيل أنه رسول لا أنه كذب في نفسه، أو لأنهم زعموا أنه أمين في كل الأمور إلا في هذا الواحد.

الثالث أنه لما ظهرت المعجزات على يده ثم إن القوم أصروا على التكذيب فقال له إن القوم ما كذبوك وإنما كذبوني، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك وإنما أهانوني ومثله قوله  ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ فكأنه قيل له: إله عن حزنك لنفسك وليشغلك عن ذلك ما هو أهم وهو استعظامك لجحود آيات الله والاستهانة بكتابه.

الرابع: قيل في التفسير الكبير: أي لا يخصونك بهذا التكذيب بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقاً ويكذبون جميع الأنبياء والرسل.

وقوله ﴿ ولكنّ الظالمين ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم في جحودهم، لأن من وضع التكذيب مقام التصديق فقد ظلم.

ثم صبر رسوله على أذية القوم فقال ﴿ ولقد كذبت رسل ﴾ وأيّ رسل ﴿ من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ﴾ فأنت أولى بهذه السيرة لأنك مبعوث إلى كافة الخلائق فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا.

﴿ ولا مبدّل لكلمات الله ﴾ أي لمواعيده في نحو قوله ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون  ﴾ ﴿ ولقد جاءك من نبأ المرسلين ﴾ قال الأخفش "من" زائدة والأصح أنها للتبعيض لقلة مجيء زيادة "من" في الإثبات، ولأن الواصل إليه بعض قصص الأنبياء لقوله ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ فالتقدير: ولقد جاءك بعض أنبائهم.

وكان يكبر على النبي  كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزلت ﴿ وإن كان كبر ﴾ أي شق ﴿ عليك إعراضهم ﴾ عن الإيمان وصحة القرآن ﴿ وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ فافعل.

يعني أنك لا تستطيع ذلك والجواب محذوف وحسن للعلم به.

والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان ومنه اشتقاق المنافق.

والسلم واحد السلاليم التي يرتقي عليها وأصله من السلامة كأنه يسلمك إلى مصعدك.

والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتي بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها وبكل ما اقترحوه رجاء إيمانهم، ويجوز أن يكون ابتغاء النفق أو السلم هو الآية كأنه قيل: لو استطعت ذلك لفعلت كل ذلك ليكون لك آية يؤمنون عندها، ثم قال ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ قال أهل السنة: فهو دليل على أنه تعالى لا يريد الإيمان من الكافر.

وقالت المعتزلة: المراد مشيئة الإلجاء المنافي للتكليف.

والإلجاء هو أن يعلمهم أنهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه فيضطرون إلى الإيمان.

مثاله: أن يحصل شخص بحضرة السلطان وهناك خدمه وحشمه فيعلم أنه لو هم بقتل ذلك السلطان لقتلوه في الحال فيصير هذا العلم مانعاً له من القتل.

وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

أما قوله ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ أي من الذين يرومون خلاف مأمور الله.

فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه.

ثم بيَّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان فقال ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ﴾ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة.

والمراد أنه  هو الذي يقدر على إحياء قلوب هؤلاء الكفار بحياة الإيمان وأنت لا تقدر على ذلك، يعني أن الذين تحرص على حصول إيمانهم بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون كقوله ﴿ إنك لا تسمع الموتى  ﴾ أو المعنى أن هؤلاء الكفرة يبعثهم الله ثم إليه يرجعون فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم.

أما وجه تشبيه الكفرة بالموتى فلأن حياة الروح بالعلم ومعرفة الصانع كما أن حياة الجسد بالروح.

ثم ذكر شبهة أخرى للطاعنين في نبوّة محمد  وهو أنه ما جاء بآية قاهرة ومعجزة باهرة فكأنهم طعنوا في كون هذا القرآن معجزاً على سبيل العناد أو قياساً على سائر الكتب السماوية، أو طلبوا معجزات تقرب من حد الإلجاء كشق الجبل وفلق البحر، فإن معجزات نبينا  من تسبيح الحصا وانشقاق القمر وغير ذلك ليست بأقل منها.

أو اقترحوا مزيد الآيات بطريقة التعنت واللجاج كقولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء  ﴾ فأجابهم الله تعالى بقوله ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن فاعليته ليست إلا بحسب محض المشيئة عند أهل السنة، أو على وفق المصلحة عند المعتزلة، لا على موجب اقتراحات الناس ومطالباتهم.

أو أنه لما ظهرت المعجزة الباهرة والدلالة الكافية من القرآن وغيره لم يبق لهم عذر ولا علة، فلو أجابهم إلى مقترحهم فلعلهم يقترحون اقتراحاً ثانياً وثالثاً وهلم جر أو ذلك يفضي إلى أن لا يستقر الدليل ولا تتم الحجة وهذا خلاف المقصود، أو لا يعلمون أنه لو أعطاهم سؤلهم ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الاستئصال، أو لا يعلمون أنهم لما طلبوا ذلك على سبيل العناد لا لأجل الفائدة - وقد علم الله ذلك - لم يعطهم مطلوبهم ولو كان غرضهم طلب الحق ونيله لأعطاهم مطلوبهم على أكمل الوجوه.

التأويل: ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ إنكاراً واختباراً ﴿ وجعلنا على قلوبهم ﴾ من شؤم إنكارهم حجباً من غير الإنكار ﴿ وفي آذانهم وقراً ﴾ من فساد الاستعداد الفطري.

﴿ وإن يروا كل آية ﴾ بعين الظاهر ﴿ لا يؤمنوا بها ﴾ من عمى القلوب وإعواز نور الإيمان فيها ﴿ وهم ينهون ﴾ الطلاب عن الحق.

﴿ وإن يهلكون ﴾ بتنفير الخلق عن الحق ﴿ إلا أنفسهم ﴾ لأن التباعد من أهل الحق هو البعد عن الحق وهذا هو الهلاك الحقيقي.

﴿ ولو ترى إذ وقفوا على النار ﴾ أي أرواح الأشقياء بعد الخلاص عن حبس الطبيعة عرفوا ألم عذاب القطيعة ﴿ فقالوا يا ليتنا نرد ﴾ إلى عالم الصورة وإلى الاستعداد الفطري ﴿ بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ﴾ أين يظهر عليهم آثار الشقاوة التي كتبت لهم وكانوا يتكلفون سترها في عالم الصورة بلباس البشرية ﴿ ولو ردوا ﴾ إلى عالم الصورة ﴿ لعادوا لما نهوا عنه ﴾ من اتباع الهوى فيفسدون استعدادهم مرة أخرى ﴿ وإنهم لكاذبون ﴾ فيما يدعون لأنهم خلقوا لأجل التكذيب لا لأجل التصديق، ولهذا نسوا ما شاهدوا يوم الميثاق من الألطاف والإعطاف، وقولهم "بلى" في جواب خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ ﴿ إذ وقفوا على ربهم ﴾ عرفوا ربوبية ربهم ولو عرفوها في الدنيا لم يذوقوا عذاب البعد في العقبى ﴿ حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ﴾ هي الساعة التي يجتذب العبد فيها عن أوصاف البشرية بجذبات المحبة فجأة وهي قيامة أخرى لأن فيها تبدل أرض البشرية غير الأرض ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ فينظر المحب الصادق بالنور الساطع إلى أيام ضاعت منه في طلب غير الحق فيتأسف عليها ويقول: أيها القانص ما أحسنت صيد الظبيات، فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات ﴿ وهم يحملون ﴾ أثقال التعلقات الزائدة على ظهور وجودهم، فإن الوجود على السالك ثقيل مانع عن السلوك فكيف ما زيد عليه؟

﴿ إلا لعب ولهو ﴾ كلعب الصبيان ولهو أهل العصيان ﴿ وللدار الآخرة ﴾ هي السير من البشرية إلى الروحانية والإقبال على الله والإعراض عما سواه ﴿ خير للذين يتقون ﴾ غير الله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن الإنسان خلق لهذا الشأن لا لغيره كقوله ﴿ واصطنعتك لنفسي  ﴾ ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك ﴾ من ضيق نطاق البشرية أثر في حبيب الله مقالة الجهلة ولا مبدل لكلمات الله لمقدّراته التي قدّرها ودبرها من الأزل إلى الأبد بكلمة "كن" ﴿ ولو شاء الله لجمعهم ﴾ في عالم الأرواح عند رشاش النور على الهدى ﴿ فلا تكونن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعلمون الحكمة في جعل البعض في مظاهر اللطف والبعض بمظاهر القهر.

والنهي في حقه  هو نهي الامتناع عن الكينونة أي خلق في الأزل ممتنعاً عن الجهل بواسطة كلمة لا تكن كما أنه خلق مستعداً للكمال بكلمة "كن" ﴿ قل إن الله قادر على أن ينزل آية ﴾ في كل لحظة ولمحة ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ دلالة الكائنات على المكوّن والممكنات على الواجب والمصنوعات على الصانع ﴿ وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون  ﴾ .

وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعاً، لكن الوجه فيه ما ذكرنا [أنه] إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ كان النبي -  - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أنه\] على الابتداء؛ يبعثهم الله ثم إليه يرجعون.

وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتاً والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة [أبدية في] الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [....]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا.

والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا بذلك؟!

ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات.

وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعاً المكتسبة والمنشأة فيسمى كلاًّ بالأسماء التي اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : هؤلاء قوم همتهم العناد والمكابرة [وإلا] قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات.

فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88].

وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنبأهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها.

[والآيات الحسيات]: هي ما سقى أقواماً كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها.

لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : التي سألوك، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أن [يكون] أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا.

ويحتمل قوله  : ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة [بهم] إليها.

ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.

أو [إن أنزل آية] على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً  ﴾ ؛ لأنه ذكر "دابة"، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء.

لما كان قادراً على خلق هذه الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، [فهو قادر] على أن ينزل آية؛ [ولو أنزل آية] لاضطروا جميعاً إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، وعلى هذا يُخرَجُ [مخرج] قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

[و] من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

ثم اختلف في قوله  : ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : عن أبي هريرة -  - قال في قوله -  -: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : أي: إلا سيحشرون يوم القيامة [كما تحشرون]، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً  ﴾ ؛ كالبهائم.

وعن ابن عباس قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي كما تعرفون أنتم.

وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : سخرها لكم لم يكن منها ما يكون منكم من العناد [والخلاف] والتكذيب للرسل والخروج عليهم؛ بل خاضعين لكم مذللين تنتفعون بها.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق الطاعة لله؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ أي: ما تركنا شيئاً إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن.

وعن ابن عباس -  ما - قال: ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب: وهو اللوح المحفوظ.

وقيل: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ : ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن.

﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ .

قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ : يعني بني آدم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

قال الحسن: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ : ديننا.

وقال غيره: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة والنبوة.

ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان.

ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون [منه]، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر.

أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنُفِي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، والحياة المكتسبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ظلمات الجهل والكفر.

والثاني: هم في ظلمات: يعني ظلمات السمع، والبصر، والقلب.

وهم في الظلمتين جميعاً: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ كقوله -  -: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ  ﴾ ، والمؤمن في النور؛ كقوله -  -: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وصف - عز وجل - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعاً متقلبين في مشيئته، وأخبر أنه شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى [لكن] لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عز وجل؛ لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى.

وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل الكفر منه، وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق فعل الاهتداء منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال المشركون مُتَعَنِّتينَ ومُماطِلين بالإيمان: هلَّا أنزِل على محمد آية خارقة تكون برهانًا من ربه على صدقه فيما جاء به؟

قل -أيها الرسول-: إن الله قادر على تنزيل آية حسبما يريدون، ولكن أكثر هؤلاء المشركين المطالبين بإنزال آية لا يعلمون أن إنزال الآيات يكون وفق حكمته تعالى، وليس وفق ما يطالبون به، فلو أنزلها ثم لم يؤمنوا لأهلكهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.LYJke"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله