الآية ٣٨ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٨ من سورة الأنعام

وَمَا مِن دَآبَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍۢ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍۢ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 152 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) قال مجاهد : أي أصناف مصنفة تعرف بأسمائها .

وقال قتادة : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة .

وقال السدي : ( إلا أمم أمثالكم ) أي : خلق أمثالكم .

وقوله : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) أي : الجميع علمهم عند الله ، ولا ينسى واحدا من جميعها من رزقه وتدبيره ، سواء كان بريا أو بحريا ، كما قال : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] أي : مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها ، وحاصر لحركاتها وسكناتها ، وقال [ الله ] تعالى : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) [ العنكبوت : 60 ] وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد ، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان ، حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : قل الجراد في سنة من سني عمر ، - رضي الله عنه - ، التي ولي فيها ، فسأل عنه فلم يخبر بشيء ، فاغتم لذلك .

فأرسل راكبا إلى كذا ، وآخر إلى الشام ، وآخر إلى العراق يسأل : هل رؤي من الجراد شيء أم لا؟

فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة جراد فألقاها بين يديه ، فلما رآها كبر ثلاثا ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " خلق الله ، عز وجل ، ألف أمة ، منها ستمائة في البحر ، وأربعمائة في البر .

وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد ، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه .

وقوله ( ثم إلى ربهم يحشرون ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( ثم إلى ربهم يحشرون ) قال : حشرها الموت .

وكذا رواه ابن جرير من طريق إسرائيل ، عن سعيد ، عن مسروق ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : موت البهائم حشرها .

وكذا رواه العوفي ، عنه .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد والضحاك ، مثله .

والقول الثاني : إن حشرها هو بعثها يوم القيامة كما قال تعالى : ( وإذا الوحوش حشرت ) [ التكوير : 5 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سليمان ، عن منذر الثوري ، عن أشياخ لهم ، عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى شاتين تنتطحان ، فقال : " يا أبا ذر ، هل تدر فيم تنتطحان؟

" قال : لا .

قال " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما " ورواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الأعمش ، عمن ذكره عن أبي ذر قال : بينا أنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ انتطحت عنزان ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون فيم انتطحتا؟

" قالوا : لا ندري .

قال : " لكن الله يدري ، وسيقضي بينهما " .

رواه ابن جرير ، ثم رواه من طريق منذر الثوري ، عن أبي ذر ، فذكره وزاد : قال أبو ذر : ولقد تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يقلب طائر بجناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما وقال عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه : حدثني عباس بن محمد وأبو يحيى البزار قالا حدثنا حجاج بن نصير ، حدثنا شعبة ، عن العوام بن مراجم - من بني قيس بن ثعلبة - عن أبي عثمان النهدي ، عن عثمان ، - رضي الله عنه - ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة " وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة في قوله : ( إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) قال : يحشر الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء .

قال : ثم يقول : كوني ترابا .

فلذلك يقول الكافر : ( يا ليتني كنت ترابا ) [ النبأ : 40 ] ، وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المعرضين عنك، المكذبين بآيات الله: أيها القوم, لا تحسبُنَّ الله غافلا عما تعملون, أو أنه غير مجازيكم على ما تكسبون!

وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغيرٍ أو كبيرٍ، (9) ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنَّسة وأصنافًا مصنفة, (10) تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سُخِّرت له كما تتصرفون, ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها, ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب, ثم إنه تعالى ذكره مميتها ثم منشرها ومجازيها يوم القيامة جزاءَ أعمالها.

يقول: فالرب الذي لم يضيِّع حفظَ أعمال البهائم والدوابّ في الأرض، والطير في الهواء، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب، وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء, أحرى أن لا يُضيع أعمالكم، ولا يُفَرِّط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها، أيها الناس، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها, إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا, إذ كان قد خصكم من نعمه، وبسط عليكم من فضله، ما لم يعمَّ به غيركم في الدنيا, وكنتم بشكره أحقَّ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميِّزون، والفهم الذي لم يعطه البهائم والطيرَ، الذي به بين مصالحكم ومضارِّكم تفرِّقون.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13211 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, قال ، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " أمم أمثالكم " ، أصناف مصنفة تُعرَف بأسمائها .

13212- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .

13213- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ، يقول: الطير أمة, والإنس أمة, والجن أمة.

13214 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " إلا أمم أمثالكم " ، يقول: إلا خلق أمثالكم .

13215- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج, عن ابن جريج في قوله: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " ، قال: الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب .

* * * وأما قوله: " ما فرطنا في الكتاب من شيء " ، فإن معناه: ما ضيعنا إثبات شيء منه، كالذي:- 13216 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب.

13217 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، قال : لم نُغفِل الكتاب, ما من شيء إلا وهو في الكتاب.

(11) 13218- وحدثني به يونس مرة أخرى, قال في قوله: " ما فرطنا في الكتاب من شيء "، قال: كلهم مكتوبٌ في أم الكتاب .

* * * وأما قوله: " ثم إلى ربهم يحشرون " ، فإن أهل التأويل اختلفوا في معنى " حشرهم "، الذي عناه الله تعالى ذكره في هذا الموضع.

(12) فقال بعضهم: " حشرها "، موتها.

* ذكر من قال ذلك: 13219- حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل, عن سعيد, عن مسروق, عن عكرمة, عن ابن عباس: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم "، قال ابن عباس: موت البهائم حشرها.

(13) 13220- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " ثم إلى ربهم يحشرون " ، قال: يعني بالحشر، الموت .

13221- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله : " ثم إلى ربهم يحشرون " ، يعني بالحشر: الموت.

* * * وقال آخرون: " الحشر " في هذا الموضع، يعني به الجمعُ لبعث الساعة وقيام القيامة.

* ذكر من قال ذلك: 13222 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر = عن جعفر بن برقان, عن يزيد بن الأصم, عن أبي هريرة في قوله: " إلا أمم أمثالكم ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون " ، قال: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة, البهائمَ والدوابَّ والطيرَ وكل شيء, فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذَ للجمَّاء من القَرْناء, ثم يقول: " كوني ترابًا ", فلذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: 40] .

(14) 13223 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر=، عن الأعمش, عمن ذكره، (15) عن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ انتطحت عنـزان, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون فيما انتطحتا؟

قالوا: لا ندري!

قال: " لكن الله يدري, وسيقضي بينهما.

(16) 13224- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن سليم قال، حدثنا فطر بن خليفة, عن منذر الثوري, عن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أبا ذَرّ، أتدري فيم انتطحتا "؟

قلت: لا!

قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما!

قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلِّب طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علمًا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنّ كل دابة وطائر محشورٌ إليه.

وجائز أن يكون معنيًّا بذلك حشر القيامة = وجائز أن يكون معنيًّا به حشر الموت = وجائز أن يكون معنيًّا به الحشران جميعًا ، ولا دلالة في ظاهر التنـزيل، ولا في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ ذلك المراد بقوله: " ثم إلى ربهم يحشرون " ، إذ كان " الحشر "، في كلام العرب الجمع, (17) ومن ذلك قول الله تعالى ذكره: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [سورة ص: 19] ، يعني: مجموعة.

فإذ كان الجمع هو " الحشر "، وكان الله تعالى ذكره جامعًا خلقه إليه يوم القيامة، وجامعهم بالموت, كان أصوبُ القول في ذلك أن يُعَمَّ بمعنى الآية ما عمه الله بظاهرها = وأن يقال: كل دابة وكل طائر محشورٌ إلى الله بعد الفناء وبعد بعث القيامة, إذ كان الله تعالى ذكره قد عم بقوله: " ثم إلى ربهم يحشرون "، ولم يخصص به حشرًا دون حشر.

* * * فإن قال قائل: فما وجهُ قوله: " ولا طائر يطير بجناحيه " ؟

وهل يطير الطائر إلا بجناحيه؟

فما في الخبر عن طيرانه بالجناحين من الفائدة؟

قيل : قد قدمنا القول فيما مضى أن الله تعالى ذكره أنـزل هذا الكتاب بلسان قوم، وبلغاتهم وما يتعارفونه بينهم ويستعملونه في منطقهم خاطبهم.

فإذ كان من كلامهم إذا أرادوا المبالغة في الكلام أن يقولوا: " كلمت فلانًا بفمي", و " مشيت إليه برجلي", و " ضربته بيدي"، خاطبهم تعالى بنظير ما يتعارفونه في كلامهم، ويستعملونه في خطابهم, ومن ذلك قوله تعالى ذكره : (إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثَي) [سورة ص: 23].

(18) ----------------------- الهوامش : (9) انظر تفسير"دابة" فيما سلف 3: 275.

(10) انظر تفسير"أمة" فيما سلف 10: 465 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(11) في المطبوعة: "لم نغفل ما من شيء .

.

." ، أسقط"الكتاب" ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(12) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 297 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(13) الأثر: 13219 -"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، سلف قريبًا رقم: 13177 ، وكان هنا في المطبوعة والمخطوطة أيضًا"عبد الله بن موسى" ، وهو خطأ ، أشرت إليه فيما سلف.

(14) الأثر: 13222 -"جعفر بن برقان الكلابي" ، ثقة ، مضى برقم: 4577 ، 7836.و"يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي" ، تابعي ثقة ، مضى برقم: 7836.وهذا الخبر رواه الحاكم في المستدرك 2: 316 ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن جعفر الجذري ، عن يزيد بن الأصم ، وقال: "جعفر الجذري هذا ، هو ابن برقان ، قد احتج به مسلم ، وهو صحيح على شرطه ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3: 308 ، 309 ، ثم قال: "وقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3: 11 ، وزاد نسبته لأبي عبيد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

و"الجماء": الشاة إذا لم تكن ذات قرن.

و"القرناء": الشاة الكبيرة القرن.

(15) في المطبوعة والمخطوطة: "عن الأعمش ذكره" ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه من تفسير ابن كثير.

وقوله"عمن ذكره" كأنه يعني: "منذر الثوري" أو "الهزيل بن شرحبيل" كما يتبين من التخريج.

(16) الأثران: 13223 ، 13224 -"إسحق بن سليمان الرازي العبدي" ، ثقة مضى برقم: 6456 ، 10238 ، 11240.و"فطر بن خليفة القرشي" ، ثقة ، مضى برقم: 3583 ، 6175 ، 7511.

وكان في المطبوعة: "مطر بن خليفة" ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة.

و"منذر الثوري" ، هو: "منذر بن يعلى الثوري" ، ثقة ، قليل الحديث روى عن التابعين ، لم يدرك الصحابة.

مضى برقم: 10839.

وهذا الخبر رواه أحمد في مسنده 5: 153 ، مختصرًا من طريق ابن نمير ، عن الأعمش ، عن منذر ، عن أشياخ من التيم ، قالوا ، قال أبو ذر: "لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا".

ثم رواه أيضًا في المسند 5: 162 ، من ثلاث طرق ، مطولا ومختصرًا كالسالف ، أولها مطولا من طريق محمد بن جعفر ، عن سليمان ، عن منذر الثوري ، عن أشياخ لهم ، عن أبي ذر = ثم من الطريق نفسه مختصرًا كالسالف = ثم من طريق حجاج ، عن فطر ، عن المنذر ، بمعناه.

قد تبين من رواية أحمد أن الذي روى عنه الأعمش في الإسناد الأول ، هو منذر الثوري نفسه.

وإسناد هذه كلها إما منقطعة ، كإسناد أبي جعفر = أو فيها مجاهيل ، كأسانيد أحمد.

ثم رواه أحمد في مسنده بغير هذا اللفظ ، (5 ، 172 ، 173) من طريق عبيد الله بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الرحمن بن ثروان ، عن الهزيل بن شرحبيل ، عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وشاتان تقترتان ، فنطحت إحداهما الأخرى فأجهضتها.

قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل له: ما يضحكك يا رسول الله؟

قال: عجبت لها!

والذي نفسي بيده ليقادن لها يوم القيامة".وكان في المسند: "عبد الرحمن بن مروان" ، وهو خطأ ، وإنما الراوي عن الهزيل ، هو"ابن ثروان".

وهذا إسناد حسن متصل.

(17) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 346 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(18) في المطبوعة: ذكر الآية كقراءتها في مصحفنا ، هكذا: "إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة" ، وليس هذا موضع استشهاد أبي جعفر ، والصواب في المخطوطة كما أثبته.

وهي قراءة عبد الله بن مسعود ، وقد ذكرها أبو جعفر في تفسيره بعد (23: 91 ، بولاق) ثم قال: [وذلك على سبيل توكيد العرب الكلمة ، كقولهم: هذا رجل ذكر" ، ولا يكادون يفعلون ذلك إلا في المؤنث والمذكر الذي تذكيره وتأنيثه في نفسه ، كالمرأة والرجل والناقة ، ولا يكادون أن يقولوا: "هذه دار أنثى ، وملحفة أنثى" ، لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها].

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرونقوله تعالى : وما من دابة في الأرض تقدم معنى الدابة والقول فيه في " البقرة " وأصله الصفة ; من دب يدب فهو داب إذا مشى مشيا فيه تقارب خطو .

ولا طائر يطير بجناحيه بخفض طائر عطفا على اللفظ .وقرأ الحسن وعبد الله بن أبي إسحاق ( ولا طائر ) بالرفع عطفا على الموضع ، و ( من ) زائدة ، التقدير : وما من دابة .

( بجناحيه ) تأكيد وإزالة للإبهام ; فإن العرب تستعمل الطيران لغير الطائر ; تقول للرجل : طر في حاجتي ; أي : أسرع ; فذكر بجناحيه ليتمحض القول في الطير ، وهو في غيره مجاز .

وقيل : إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ، ولو كان غير معتدل لكان يميل ; فأعلمنا أن الطيران بالجناحين و ما يمسكهن إلا الله .

والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء ، وأصله الميل إلى ناحية من النواحي ; ومنه جنحت السفينة إذا مالت إلى ناحية الأرض لاصقة بها فوقفت .

وطائر الإنسان عمله ; وفي التنزيل وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه .

إلا أمم أمثالكم أي : هم جماعات مثلكم في أن الله عز وجل خلقهم ، وتكفل بأرزاقهم ، وعدل عليهم ، فلا ينبغي أن [ ص: 328 ] تظلموهم ، ولا تجاوزوا فيهم ما أمرتم به .

و ( دابة ) تقع على جميع ما دب ; وخص بالذكر ما في الأرض دون السماء لأنه الذي يعرفونه ويعاينونه .

وقيل : هي أمثال لنا في التسبيح والدلالة ; والمعنى : وما من دابة ولا طائر إلا وهو يسبح الله تعالى ، ويدل على وحدانيته لو تأمل الكفار .

وقال أبو هريرة : هي أمثال لنا على معنى أنه يحشر البهائم غدا ويقتص للجماء من القرناء ، ثم يقول الله لها : كوني ترابا .

وهذا اختيار الزجاج فإنه قال : إلا أمم أمثالكم في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص ، وقد دخل فيه معنى القول الأول أيضا .

وقال سفيان بن عيينة : أي : ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه ; فمنهم من يعدو كالأسد ، ومنهم من يشره كالخنزير ، ومنهم من يعوي كالكلب ، ومنهم من يزهو كالطاوس ; فهذا معنى المماثلة .

واستحسن الخطابي هذا وقال : فإنك تعاشر البهائم والسباع فخذ حذرك .

وقال مجاهد في قوله عز وجل : إلا أمم أمثالكم قال أصناف لهن أسماء تعرف بها كما تعرفون .

وقيل غير هذا مما لا يصح من أنها مثلنا في المعرفة ، وأنها تحشر وتنعم في الجنة ، وتعوض من الآلام التي حلت بها في الدنيا وأن أهل الجنة يستأنسون بصورهم ; والصحيح إلا أمم أمثالكم في كونها مخلوقة دالة على الصانع محتاجة إليه مرزوقة من جهته ، كما أن رزقكم على الله .

وقول سفيان أيضا حسن ; فإنه تشبيه واقع في الوجود .قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء أي : في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث .

وقيل : أي : في القرآن أي : ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن ; إما دلالة مبينة مشروحة ، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام ، أو من الإجماع ، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب ; قال الله تعالى : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقال : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم وقال : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فأجمل في هذه الآية وآية ( النحل ) ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره ، إما تفصيلا وإما تأصيلا ; وقال : اليوم أكملت لكم دينكم .قوله تعالى : ثم إلى ربهم يحشرون أي : للجزاء ، كما سبق في خبر أبي هريرة ، وفي صحيح مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة [ ص: 329 ] الجلحاء من الشاة القرناء .

ودل بهذا على أن البهائم تحشر يوم القيامة ; وهذا قول أبي ذر ، وأبي هريرة ، والحسن وغيرهم ; وروي عن ابن عباس ; قال ابن عباس في رواية : حشر الدواب والطير موتها ; وقال الضحاك ; والأول أصح لظاهر الآية والخبر الصحيح ; وفي التنزيل وإذا الوحوش حشرت وقول أبي هريرة فيما روى جعفر بن برقان ، عن يزيد بن الأصم ، عنه : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ; فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول : ( كوني ترابا ) فذلك قوله تعالى : ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا .

وقال عطاء : فإذا رأوا بني آدم وما هم عليه من الجزع قلن : الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم ، فلا جنة نرجو ولا نار نخاف ; فيقول الله تعالى لهن : ( كن ترابا ) فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا .

وقالت جماعة : هذا الحشر الذي في الآية يرجع إلى الكفار وما تخلل كلام معترض وإقامة حجج ; وأما الحديث فالمقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص والاعتناء فيه حتى يفهم منه أنه لا بد لكل أحد منه ، وأنه لا محيص له عنه ; وعضدوا هذا بما في الحديث في غير الصحيح عن بعض رواته من الزيادة فقال : حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء ، وللحجر لما ركب على الحجر ، وللعود لما خدش العود ; قالوا : فظهر من هذا أن المقصود منه التمثيل المفيد للاعتبار والتهويل ، لأن الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها ، ولم يصر إليه أحد من العقلاء ، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء ; قالوا : ولأن القلم لا يجري عليهم فلا يجوز أن يؤاخذوا .قلت : الصحيح القول الأول لما ذكرناه من حديث أبي هريرة ، وإن كان القلم لا يجري عليهم في الأحكام ولكن فيما بينهم يؤاخذون به ; وروي عن أبي ذر قال : انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ذر ، هل تدري فيما انتطحتا ؟

قلت : لا .

قال : لكن الله تعالى يدري وسيقضي بينهما وهذا نص ، وقد زدناه بيانا في كتاب ( التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ) .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور، كلها أمم أمثالكم خلقناها.

كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم.

{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } أي: ما أهملنا ولا أغفلنا، في اللوح المحفوظ شيئا من الأشياء، بل جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، مثبتة في اللوح المحفوظ، على ما هي عليه، فتقع جميع الحوادث طبق ما جرى به القلم.

وفي هذه الآية، دليل على أن الكتاب الأول، قد حوى جميع الكائنات، وهذا أحد مراتب القضاء والقدر، فإنها أربع مراتب: علم الله الشامل لجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الموجودات، ومشيئته وقدرته النافذة العامة لكل شيء، وخلقه لجميع المخلوقات، حتى أفعال العباد.

ويحتمل أن المراد بالكتاب، هذا القرآن، وأن المعنى كالمعنى في قوله تعالى { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ } وقوله { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } أي: جميع الأمم تحشر وتجمع إلى الله في موقف القيامة، في ذلك الموقف العظيم الهائل، فيجازيهم بعدله وإحسانه، ويمضي عليهم حكمه الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، أهل السماء وأهل الأرض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ) قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي ، ( إلا أمم أمثالكم ) قال مجاهد : أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة ، فالطير أمة ، والدواب أمة ، والسباع أمة ، تعرف بأسمائها ، مثل بني آدم ، يعرفون بأسمائهم ، يقال : الإنس والناس .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها ، فاقتلوا منها كل أسود بهيم ) .

وقيل : أمم أمثالكم : يفقه بعضهم عن بعض ، وقيل : أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث ، وقال عطاء : أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة ، قال ابن قتيبة : أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك .

( ما فرطنا في الكتاب ) أي : في اللوح المحفوظ ، ( من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) قال ابن عباس والضحاك : حشرها موتها ، وقال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير ، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء ، ثم يقول : كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول : ( يا ليتني كنت ترابا ) .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما من» زائدة «دابة» تمشي «في الأرض ولا طائر يطير» في الهواء «بجناحيه إلا أمم أمثالكم» في تدبير خلقها ورزقها وأحوالها «ما فرطنا» تركنا «في الكتاب» اللوح المحفوظ «من» زائدة «شىء» فلم نكتبه «ثم إلى ربهم يحشرون» بينهم ويقتص للجماء من القرناه ثم يقول لهم كونوا ترابا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس في الأرض حيوان يَدِبُّ على الأرض أو طائر يطير في السماء بجناحيه إلا جماعات متجانسة الخلق مثلكم.

ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، ثم إنهم إلى ربهم يحشرون يوم القيامة، فيحاسب الله كلا بما عمل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - بعض الآيات الكونية المبثوثة فى الأرض والجو والمعروضة على البصائر والأبصار فقال - تعالى - :{ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } .الدابة : كل ما يدب على الأرض من حيوان .

والطائر : كل ذى جناح يسبح فى الهواء ، والأمم : جمع أمة وهى جماعة يجمعهم أمر ما .والمعنى : إنه لا يوجد نوع ما من أنواع الأحياء التى تدب على الأرض ولا من أنواع الطير التى تسبح فى الهواء إلا وهى أمم مماثلة لكم فى أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما الغرض من ذكر ذلكظ قلت : الدلالة عن عظم قدرة الله .

وسعة سلطانه ، وتدبير تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة الأصناف ، وهو حافظ لما لها ، وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن من شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان " .وذكر الجناحين فى الطير لتوجيه الأنظار إلى بديع صنعه - سبحانه - وحسن خلقه .قال - تعالى - : { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ } ثم قال - تعالى - : { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } .التفريط فى الأمر : التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت .

والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وقيل المراد به القرآن .والمعنى : ما تركنا فى الكتاب شيئاً لم نحصه ولم نثبته ، وإنما أحطنا بكل شىء علماً ، وليس من مخلوق صغر أو كبر فى هذا الوجود إلا وسيجمع يوم القيامة أمام خالقه .فالآية الكريمة مسوقة لبيان سعة علم الله - تعالى - وكمال قدرته ، لتكون كالدليل على أنه - سبحانه - قادر على تنزيل الآية التى اقترحوها ، وإنما لم ينزلها لأن حكمته تقتضى ذلك .وجملة { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ } معترضة لتقرير مضمون ما قبلها .والتعبير بثم فى قوله { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } للإشارة إلى أنهم أعداد لا يحصيها العد ، وجمعهم ليس يسيرا فى ذاته ، وإن كان بالنسبة لقدرته - تعالى - أمرا هينا .ويرى بعض العلماء أن المراد بحشر البهائم موتها .

ويرى آخرون أن المراد بعثها يوم القيامة لقوله - تعالى - : { وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } وفى الحديث الشريف عن أبى ذر الغفارى أن النبى صلى الله عليه وسلم " رأى شاتين تتناطحان فقال : يا أبا ذر هل تدرى فيم تتناطحان؟

قال : لا .

قال : ولكن الله يدرى ويقضى بينهما " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم، فنقول فيه وجهان: الأول: أنه تعالى بيّن في الآية الأولى أنه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها إلا أنه لما لم يكن إظهارها مصلحة للمكلفين، لا جرم ما أظهرها.

وهذا الجواب إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك فبيّن أن الأمر كذلك، وقرره بأن قال: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم ﴾ في وصول فضل الله وعنايته ورحمته وإحسانه إليهم، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات؛ فلو كان في إظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها ولامتنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها وذلك يدل على أنه تعالى إنما لم يظهر تلك المعجزات، لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين.

فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم.

الوجه الثاني في كيفية النظم: قال القاضي: إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بين أيضاً بعده بقوله: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم ﴾ في أنهم يحشرون، والمقصود: بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضاً حاصل في حق البهائم.

المسألة الثانية: الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير فجميع ما خلق الله تعالى من الحيوانات، فإنه لا يخلو عن هاتين الصفتين، إما أن يدب، وإما أن يطير.

وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: من الحيوان ما لا يدخل في هذين القسمين مثل حيتان البحر، وسائر ما يسبح في الماء ويعيش فيه.

والجواب: لا يبعد أن يوصف بأنها دابة من حيث إنها تدب في الماء أو هي كالطير، لأنها تسبح في الماء، كما أن الطير يسبح في الهواء، إلا أن وصفها بالدبيب أقرب إلى اللغة من وصفها بالطيران.

السؤال الثاني: ما الفائدة في تقييد الدابة بكونها في الأرض؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء احتجاجاً بالأظهر لأن ما في السماء وإن كان مخلوقاً مثلنا فغير ظاهر، والثاني: أن المقصود من ذكر هذا الكلام أن عناية الله تعالى لما كانت حاصلة في هذه الحيوانات فلو كان إظهار المعجزات القاهرة مصلحة لما منع الله من إظهارها.

وهذا المقصود إنما يتم بذكر من كان أدون مرتبة من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالاً منه، فلهذا المعنى قيد الدابة بكونها في الأرض.

السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ ؟

مع أن كل طائر إنما يطير بجناحيه.

والجواب فيه من وجوه: الأول: أن هذا الوصف إنما ذكر للتأكيد كقوله نعجة أنثى وكما يقال: كلمته بفي ومشيت إليه برجلي.

الثاني: أنه قد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع وعلى هذا التقدير: فقد يحصل الطيران لا بالجناح.

قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** فذكر الجناح ليتمحض هذا الكلام في الطير.

والثالث: أنه تعالى قال في صفة الملائكة ﴿ جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع  ﴾ فذكر هاهنا قوله: ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ ليخرج عنه الملائكة فإنا بينا أن المقصود من هذا الكلام إنما يتم بذكر من كان أدون حالاً من الإنسان لا بذكر من كان أعلى حالاً منه.

السؤال الرابع: كيف قال: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ ﴾ مع إفراد الدابة والطائر؟

والجواب: لما كان قوله: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ وَلاَ طَائِرٍ ﴾ دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقول: وما من دواب ولا طيور لا جرم حمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ ﴾ على المعنى.

السؤال الخامس: قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم ﴾ قال الفرّاء: يقال إن كل صنف من البهائم أمة وجاء في الحديث: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها» فجعل الكلاب أمة.

إذا ثبت هذا فنقول: الآية دلت على أن هذه الدواب والطيور أمثالنا، وليس فيها ما يدل على أن هذه المماثلة في أي المعاني حصلت ولا يمكن أن يقال: المراد حصول المماثلة من كل الوجوه وإلا لكان يجب كونها أمثالاً لنا في الصورة والصفة والخلقة وذلك باطل فظهر أنه لا دلالة في الآية على أن تلك المماثلة حصلت في أي الأحوال والأمور فبينوا ذلك.

والجواب: اختلف الناس في تعيين الأمر الذي حكم الله تعالى فيه بالمماثلة بين البشر وبين الدواب والطيور وذكروا فيه أقوالاً: القول الأول: نقل الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يريد، يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني.

وإلى هذا القول ذهب طائفة عظيمة من المفسرين وقالوا: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتحمده وتوحده وتسبحه واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ مِمَّنْ شَيء إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ وبقوله في صفة الحيوانات ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  ﴾ وبما أنه تعالى خاطب النمل وخاطب الهدهد، وقد استقصينا في تقرير هذا القول وتحقيقه في هذه الآيات.

وعن أبي الدرداء أنه قال: أبهمت عقول البهائم عن كل شيء إلا عن أربعة أشياء: معرفة الإله، وطلب الرزق، ومعرفة الذكر والأنثى، وتهيوء كل واحد منهما لصاحبه.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قتل عصفوراً عبثاً جاء يوم القيامة يعج إلى الله يقول يا رب إن هذا قتلني عبثاً لم ينتفع بي ولم يدعني آكل من خشاش الأرض».

والقول الثاني: المراد إلا أمم أمثالكم في كونها أمماً وجماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً، ويأنس بعضها ببعض، ويتوالد بعضها من بعض كالإنس إلا أن للسائل أن يقول حمل الآية على هذا الوجه لا يفيد فائدة معتبرة لأن كون الحيوانات بهذه الصفة أمر معلوم لكل أحد فلا فائدة في الاخبار عنها.

القول الثالث: المراد أنها أمثالنا في أن دبرها الله تعالى وخلقها وتكفل برزقها وهذا يقرب من القول الثاني في أنه يجري مجرى الاخبار عما علم حصوله بالضرورة.

القول الرابع: المراد أنه تعالى كما أحصى في الكتاب كل ما يتعلق بأحوال البشر، من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة فكذلك أحصى في الكتاب جميع هذه الأحوال في كل الحيوانات.

قالوا: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ ﴾ وليس لذكر هذا الكلام عقيب قوله: ﴿ إلا أممٌ أمثالُكُمْ ﴾ فائدةً إلا ما ذكرناه.

القول الخامس: أراد تعالى أنها أمثالنا في أنها تحشر يوم القيامة يوصل إليها حقوقها، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقص للجماء من القرناء».

القول السادس: ما اخترناه في نظم الآية، وهو أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة الظاهرة، فبين تعالى أن عنايته وصلت إلى جميع الحيوانات كما وصلت إلى الإنسان.

ومن بلغت رحمته وفضله إلى حيث لا يبخل به على البهائم كان بأن لا يبخل به على الإنسان أولى، فدل منع الله من إظهار تلك المعجزات القاهرة على أنه لا مصلحة لأولئك السائلين في إظهارها، وأن إظهارها على وفق سؤالهم واقتراحهم يوجب عود الضرر العظيم إليهم.

القول السابع: ما رواه أبو سليمان الخطابي عن سفيان بن عيينة، أنه لما قرأ هذه الآية قال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم، فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوس كفعل الطاوس، ومنهم من يشبه الخنزير فإنه لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام الرجل عن رجيعه ولغ فيه.

فكذلك نجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا رواه عنه.

ثم قال: فاعلم يا أخي إنك إنما تعاشر البهائم والسباع، فبالغ في الحذار والاحتراز، فهذا جملة ما قيل في هذا الموضع.

المسألة الثالثة: ذهب القائلون بالتناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله تعالى موصوفة بالمعارف الحقة وبالأخلاق الطاهرة، فإنها بعد موتها تنقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تنقل إلى مخالطة عالم الملائكة، وأما إن كانت شقية جاهلة عاصية فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت تلك الأرواح أكثر شقاوة واستحقاقاً للعذاب نقلت إلى بدن حيوان أخس وأكثر شقاء وتعباً، واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية فقالوا: صريح هذه الآية يدل على أنه لا دابة ولا طائر إلا وهي أمثالنا، ولفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية أما الصفات العرضية المفارقة، فالمساواة فيها غير معتبرة في حصول المماثلة.

ثم إن القائلين بهذا القول زادوا عليه، وقالوا: قد ثبت بهذا أن أرواح جميع الحيوانات عارفة بربها وعارفة بما يحصل لها من السعادة والشقاوة، وأن الله تعالى أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها، واحتجوا عليه بأنه ثبت بهذه الآية أن الدواب والطيور أمم.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولاً أرسله الله إليها.

ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد، وقصة النمل، وسائر القصص المذكورة في القرآن.

واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ.

والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ وفي المراد بالكتاب قولان: القول الأول: المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السموات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام، كما قال عليه السلام: «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة».

والقول الثاني: أن المراد منه القرآن، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن.

إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، وليس فيه أيضاً تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع؟

والجواب: أن قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ يجب أن يكون مخصوصاً ببيان الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ التفريط لا يستعمل نفياً وإثباتاً إلا فيما يجب أن يبين لأن أحداً لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه.

الثاني: أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله، وإذا كان هذا التقييد معلوماً من كل القرآن كان المطلق هاهنا محمولاً على ذلك المقيد.

أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع.

فنقول: أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه: فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل، فلا حاجة إليها، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول: للعلماء هاهنا قولان: الأول: أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة، كان ذلك في الحقيقة موجوداً في القرآن، وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة: المثال الأول: روي أن ابن مسعود كان يقول: مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمستوصلة، وروي أن أمرأة قرأت جميع القرآن، ثم أتته فقالت: يا ابن أم عبد، تلوت البارحة ما بين الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة، فقال: لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ  ﴾ وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال: «لعن الله الواشمة والمستوشمة» وأقول: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًا مَّرِيدًا  لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا  ﴾ فحكم عليه باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله: ﴿ وَلاَمُرَنَّهُمْ فليغيرن خَلَقَ الله  ﴾ وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن.

المثال الثاني: ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالساً في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟

فقال: لا شيء عليه فقال: أين هذا في كتاب الله؟

فقال: قال الله تعالى: ﴿ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ ﴾ ثم ذكر إسناداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» ثم ذكر إسناداً إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور.

قال الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطاً بثلاث درجات، وأقول: هاهنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة.

قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم  ﴾ وقال: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ  ﴾ فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة.

وأما الطريق الذي ذكره الشافعي: فهو تمسك بالعموم على أربع درجات: أولها: التمسك بعموم قوله: ﴿ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ  ﴾ وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين.

وثانيها: التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي».

وثالثها: بيان أن عمر رضي الله عنه كان من الخلفاء الراشدين.

ورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئاً، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب.

المثال الثالث: قال الواحدي: روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله» ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت.

قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله.

وأقول: هذا المثال حق، لأنه تعالى قال: ﴿ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلاً تحت هذه الآية، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة، وأن خبر الواحد حجة، وأن القياس حجة، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة، كان في الحقيقة ثابتاً بالقرآن، فعند هذا يصح قوله تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ هذا تقرير هذا القول، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء.

ولقائل أن يقول: حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول: حمل قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيء ﴾ ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال: اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس، كان المعنى الذي ذكروه حاصلاً من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجباً لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصاراً منه، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن، فوجب أن يقال، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول.

والقول الثاني: في تفسير هذه الآية قول من يقول: القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام وتقريره أن الأصل براءة الذمة في حق جميع التكليف، وشغل الذمة لابد فيه من دليل منفصل والتنصيص على أقسام ما لم يرد فيه التكليف ممتنع، لأن الأقسام التي لم يرد التكليف فيها غير متناهية، والتنصيص على ما لا نهاية له محال بل التنصيص إنما يمكن على المتناهي مثلاً لله تعالى ألف تكليف على العباد وذكره في القرآن وأمر محمداً عليه السلام بتبليغ ذلك الألف إلى العباد.

ثم قال بعده ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ ﴾ فكان معناه أنه ليس لله على الخلق بعد ذلك الألف تكليف آخر، ثم أكد هذه الآية بقوله: ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ وبقوله: ﴿ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ  ﴾ فهذا تقرير مذهب هؤلاء، والاستقصاء فيه إنما يليق بأصول الفقه، والله أعلم.

ولنرجع الآن إلى التفسير، فنقول: قوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ قال الواحدي ﴿ مِنْ ﴾ زائدة كقوله: ما جاء لي من أحد.

وتقريره ما تركنا في الكتاب شيئاً لم نبينه.

وأقول: كلمة ﴿ مِنْ ﴾ للتبعيض فكان المعنى ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب.

أما قوله: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فالمعنى أنه تعالى يحشر الدواب والطيور يوم القيامة.

ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ  ﴾ وبما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقتص للجماء من القرناء» وللعقلاء فيه قولان: القول الأول: أنه تعالى يحشر البهائم والطيور لإيصال الأعواض إليها وهو قول المعتزلة.

وذلك لأن إيصال الآلام إليها من سبق جناية لا يحسن إلا للعوض، ولما كان إيصال العوض إليها واجباً، فالله تعالى يحشرها ليوصل تلك الأعواض إليها.

والقول الثاني: قول أصحابنا أن الإيجاب على الله محال، بل الله تعالى يحشرها بمجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.

واحتجوا على أن القول بوجوب العوض على الله تعالى محال باطل بأمور: الحجة الأولى: أن الوجوب عبارة عن كونه مستلزماً للذم عند الترك وكونه تعالى مستلزماً للذم محال، لأنه تعالى كامل لذاته والكامل لذاته لا يعقل كونه مستلزماً للذم بسبب أمر منفصل، لأن ما بالذات لا يبطل عند عروض أمر من الخارج.

والحجة الثانية: أنه تعالى مالك لكل المحدثات، والمالك يحسن تصرفه في ملك نفسه من غير حاجة إلى العوض.

والحجة الثالثة: أنه لو حسن إيصال الضرر إلى الغير لأجل العوض، لوجب أن يحسن منا إيصال المضار إلى الغير لأجل التزام العوض من غير رضاه وذلك باطل، فثبت أن القول بالعوض باطل.

والله أعلم.

إذا عرفت هذا: فلنذكر بعض التفاريع التي ذكرها القاضي في هذا الكتاب.

الفرع الأول: قال القاضي: كل حيوان استحق العوض على الله تعالى بما لحقه من الآلام، وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا، فإنه يجب على الله حشره عقلاً في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض والذي لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً، إلا أنه تعالى أخبر أنه يحشر الكل، فمن حيث السمع يقطع بذلك.

وإنما قلنا أن في الحيوانات من لا يستحق العوض ألبتة، لأنها ربما بقيت مدة حياتها مصونة عن الآلام ثم إنه تعالى يميتها من غير إيلام أصلاً.

فإنه لم يثبت بالدليل أن الموت لابد وأن يحصل معه شيء من الإيلام، وعلى هذا التقدير فإنه لا يستحق العوض ألبتة.

الفرع الثاني: كل حيوان أذن الله تعالى في ذبحه فالعوض على الله.

وهي أقسام: منها ما أذن في ذبحها لأجل الأكل ومنها ما أذن في ذبحها لأجل كونها مؤذية، مثل السباع العادية والحشرات المؤذية، ومنها آلمها بالأمراض، ومنها ما أذن الله في حمل الأحمال الثقيلة عليها واستعمالها في الأفعال الشاقة وأما إذا ظلمها الناس فذلك العوض على ذلك الظالم وإذا ظلم بعضها بعضاً فذلك العوض على ذلك الظالم.

فإن قيل: إذا ذبح ما لا يؤكل لحمه على وجه التذكية فعلى من العوض؟

أجاب بأن ذلك ظلم والعوض على الذابح، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة.

الفرع الثالث: المراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة والرفعة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل لها إلى تحصيل تلك المنفعة إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح فإنها كانت ترضى به، فهذا هو العوض الذي لأجله يحسن الإيلام والأضرار.

الفرع الرابع: مذهب القاضي وأكثر معتزلة البصرة أن العوض منقطع.

قال القاضي: وهو قول أكثر المفسرين، لأنهم قالوا إنه تعالى بعد توفير العوض عليها يجعلها تراباً، وعند هذا يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.

قال أبو القاسم البخلي: يجب أن يكون العوض دائماً واحتج القاضي على قوله بأنه يحسن من الواحد منا أن يلتزم عملاً شاقاً والأجرة منقطعة، فعلمنا أن إيصال الألم إلى الغير غير مشروط بدوام الأجرة.

واحتج البلخي على قوله، بأن قال: إنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم وذلك الألم يوجب عوضاً آخر، وهكذا إلى ما لا آخر له.

والجواب عنه: أنه لم يثبت بالدليل أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا مع الإيلام.

والله أعلم.

الفرع الخامس: أن البهيمة إذا استحقت على بهيمة أخرى عوضاً، فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله تعالى فإنه تعالى ينقل ذلك العوض إلى المظلوم.

وإن لم يكن الأمر كذلك فالله تعالى يكمل ذلك العوض، فهذا مختصر من أحكام الأعواض على قول المعتزلة.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أُمَمٌ أمثالكم ﴾ مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ ما تركنا وما أغفلنا ﴿ فِى الكتاب ﴾ في اللوح المحفوظ ﴿ مِن شَيْء ﴾ من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به ﴿ ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ يعني الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض، كما روي: «أنه يأخذ للجماء من القرناء» ، فإن قلت: كيف قيل: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ ﴾ مع إفراد الدابة والطائر؟

قلت: لما كان قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ ﴾ دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، حمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ ﴾ على المعنى، فإن قلت: هلا قيل: وما من دابة ولا طائر إلا أمم أمثالكم؟

وما معنى زيادة قوله: ﴿ وفِى الأرض ﴾ و ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ قلت: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قيل: وما من دابة فقط في جميع الأرضين السبع، وما من طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها.

فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟

قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان.

وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ ولا طائر ﴾ ، بالرفع على المحل، كأنه قيل: وما دابة ولا طائر.

وقرأ علقمة ﴿ ما فرطنا ﴾ بالتخفيف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ تَدِبُّ عَلى وجْهِها.

﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ في الهَواءِ، وصَفَهُ بِهِ قَطْعًا لِمَجازِ السُّرْعَةِ ونَحْوَها.

وقُرِئَ «وَلا طائِرٌ» بِالرَّفْعِ عَلى المَحَلِّ.

﴿ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ مَحْفُوظَةٌ أحْوالُها مُقَدَّرَةٌ أرْزاقُها وآجالُها، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الدَّلالَةُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وسِعَةِ تَدْبِيرِهِ، لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ آيَةً.

وجَمْعُ الأُمَمِ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى.

﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي اللَّوْحَ المَحْفُوظَ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَجْرِي في العالَمِ مِنَ الجَلِيلِ والدَّقِيقِ لَمْ يُهْمَلْ فِيهِ أمْرُ حَيَوانٍ ولا جَمادٍ.

أوِ القُرْآنَ فَإنَّهُ قَدْ دُوِّنَ فِيهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ مُفَصَّلًا أوْ مُجْمَلًا، ومِن مَزِيدَةٌ وشَيْءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ لا المَفْعُولِ بِهِ، فَإنَّ فَرَّطَ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وقَدْ عُدِّيَ بِفي إلى الكِتابِ.

وقُرِئَ «ما فَرَطْنا» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ يَعْنِي الأُمَمَ كُلَّها فَيُنْصِفُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ كَما رُوِيَ: «أنَّهُ يَأْخُذُ لِلْجَمّاءِ مِنَ القُرَناءِ.» وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: حَشَرُها مَوْتُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا مِن دَابَّةٍ} هي اسم لما يدب وتقع على المذكر والمؤنث {فِي الأرض} في موضع جر صفة لدابة {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قيد الطيران بالجناحين لنفي المجاز لأن غير الطائر قد يقال فيه طار إذا أسرع {إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم} في الخلق والموت والبعث والاحتياج إلى مدبر يدبر أمرها {مَّا فَرَّطْنَا} ما تركنا {فِي الكتاب} في اللوح المحفوظ {مِن شَيْءٍ} من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت أو الكتاب القرآن وقوله مِن شَيْءٍ أي من شيء يحتاجون إليه فهو مشتمل على ما تعبدنا به عبارة وإشارة

الأنعام (٣٨ _ ٤٢)

ودلالة واقتضاء {ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ} يعني الأمم كلها من الدواب والطيور فينصف بعضها من بعض كما رُوي أنه يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كوني تراباً وإنما قال إِلاَّ أُمَمٌ مع إفراد الدابة والطائر لمعنى الاستغراق فيهما

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ -كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ وغَيْرُهُ- لِبَيانِ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإنْزالِ وإنَّما لا يُنْزِلُ مُحافَظَةً عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى البَعْثِ والحَشْرِ، والأوَّلُ أنْسَبُ، وزِيدَتْ (مِن) تَنْصِيصًا عَلى الِاسْتِغْراقِ.

والدّابَّةُ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ، وأصْلُهُ مِن دَبَّ يَدِبُّ دَبِيبًا إذا مَشى مَشْيًا فِيهِ تَقارُبُ خَطْوٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أوْ مَجْرُورٍ أوْ مَرْفُوعٍ وقَعَ صِفَةً لِدابَّةٍ، ووُصِفَتْ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن فَرْدٍ مِن أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ وجْهِها أوْ جَوْفِها، وكَذا الوَصْفُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا أيْ ولا فَرْدٍ مِن أفْرادِ الطَّيْرِ يَطِيرُ في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الجَوِّ بِجَناحَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِقَطْعِ مَجازِ السُّرْعَةِ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الطَّيَرانُ في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا وكَذا اسْتُعْمِلَ الطّائِرُ في العَمَلِ والنَّصِيبِ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ﴾ واحْتِمالُ التَّجَوُّزِ مَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ بَعِيدٌ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بِدُونِ قَرِينَةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ أنَّ وجْهَ الوَصْفِ تَصْوِيرُ تِلْكَ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُوَّةِ والقُدْرَةِ.

وأُورِدَ عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: ولا طائِرَ في السَّماءِ لَكانَ أخْصَرُ وفي إفادَةِ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ أظْهَرُ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ بِذِكْرِ جِهَةِ العُلُوِّ في إحْداهِما وجِهَةِ السِّفْلِ في الأُخْرى، ورُدَّ -كَما قالَ الشِّهابُ- بِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: في السَّماءِ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ لَمْ يَشْمَلْ أكْثَرَ الطُّيُورِ لِعَدَمِ اسْتِقْرارِها في السَّماءِ، ثُمَّ أنَّ قَصْدَ التَّصْوِيرِ لا يُنافِي قَطْعَ المَجازِ إذْ لا مانِعَ مِن إرادَتِهِما جَمِيعًا كَما لا يَخْفى، ثُمَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الدَّلالَةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا بِبَيانِ ما يَعْرِفُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ سُبْحانَهُ لَهُما كانَ غَيْرُهُما غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالبَيانِ، فالِاعْتِراضُ بِأنَّ أمْثالَ حِيتانِ البَحْرِ خارِجَةٌ عَنْهُما، والجَوابُ بِأنَّها داخِلَةٌ في القِسْمِ الأوَّلِ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ بِمَعْنى جِهَةِ السِّفْلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ولا طائِرُ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما دابَّةُ ولا طائِرُ ﴿ إلا أُمَمٌ ﴾ أيْ طَوائِفَ مُتَخالِفَةً ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ في أنَّ أحْوالَها مَحْفُوظَةٌ وأُمُورَها مَعْنِيَّةٌ ومَصالِحَها مَرْعِيَّةٌ جارِيَةٌ عَلى سُنَنِ السَّدادِ مُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ التَّقْدِيراتِ الإلَهِيَّةِ والتَّدْبِيراتِ الرَّبّانِيَّةِ، وجَمَعَ الأُمَمَ بِاعْتِبارِ الحَمْلِ عَلى مَعْنى الجَمْعِيَّةِ المُسْتَفادِ مِنَ العُمُومِ كَما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وهو يَقْتَضِي جَوازَ أنْ يُقالَ: لا رَجُلَ قائِمُونَ، والقِياسُ -كَما قِيلَ- لا يَأْباهُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلّا مَعَ الفَصْلِ.

وصَرَّحَ السَّيِّدُ السَّنَدُ بِأنَّ النَّكِرَةَ هَهُنا مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ النَّكِرَةَ المَذْكُورَةَ مِن حَيْثُ الإخْبارِ عَنْها مَحْمُولَةٌ عَلى المَجْمُوعِ لا أنَّهُ مُرادٌ مِنها، فَلا يَرِدُ أنَّ الحُكْمَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إلا أُمَمٌ ﴾ يَأْبى أنْ يَكُونَ التَّنْكِيرُ فِيما سَبَقَ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ لِلْفَرْدِيَّةِ لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعَةٍ، وكَذا يَأْبى أنْ يَكُونَ لِلنَّوْعِيَّةِ أيْضًا لِأنَّ الفَرْدَ لَيْسَ بِجَماعاتٍ وهو ظاهِرٌ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ النَّوْعَ يَشْتَمِلُ عَلى أصْنافٍ وكُلُّ صِنْفٍ أُمَّةٌ، أوِ الأُمَّةُ كُلُّ جَماعَةٍ في زَمانٍ فَيَدْفَعُهُ تَوْصِيفُ أُمَمٍ بِـ (أمْثالُكُمْ) إذِ الخِطابُ بِـ (كُمْ) لَإفْرادِ نَوْعِ الإنْسانِ فالمُناسِبُ تَشْبِيهُ النَّوْعِ بِالنَّوْعِ في كَوْنِهِما مَحْفُوظِي الأحْوالِ لا تَشْبِيهَ الصِّنْفِ بِالنَّوْعِ أوْ تَشْبِيهَ جَماعَةٍ في وقْتٍ بِالنَّوْعِ، نَعَمْ قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ: إنَّ ذِكْرَ (فِي الأرْضِ) مَعَ دابَّةٍ و(يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) مَعَ طائِرٍ لِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن لَفْظِ دابَّةٍ ولَفْظِ طائِرٍ إنَّما هو إلى الجِنْسَيْنِ وإلى تَقْرِيرِهِما، وعَلَيْهِ لا إشْكالَ في صِحَّةِ الحَمْلِ لِاشْتِمالِ كُلٍّ مِنَ الجِنْسَيْنِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كُلٌّ مِنها أُمَّةٌ كالإنْسانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن جِنْسٍ مِن هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ إلّا أُمَمٌ إلَخْ وهَذا كَما يُقالُ: ما مِن رَجُلٍ مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلّا كَذا، ومُرادُهُ أنَّ لَفْظَ دابَّةٍ وطائِرٍ حامِلٌ لِمَعْنى الجِنْسِ والوَحْدَةِ فَلِبَيانِ أنَّ القَصْدَ مِن كُلٍّ مِنهُما إلى الجِنْسِ مِن حَيْثُ هو دُونَ الوَحْدَةِ والكَثْرَةِ ووُصِفَ بِصِفَةٍ لازِمَةٍ لِلْجِنْسِ مِن حَيْثُ هو أيْ بِلا شَرْطِ شَيْءٍ مِنهُما والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ (مِن) بِالنَّظَرِ إلى الجِنْسَيْنِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ القَوْلُ بِوُجُوبِ تَأْوِيلِ كَلامِ السَّكّاكِيِّ وإرْجاعِهِ إلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ، وعَلَيْهِ لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الوَصْفِ مُفِيدًا لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ والإحاطَةِ لِأنَّ الجِنْسَ مِن حَيْثُ هو أيْ لا بِشَرْطِ شَيْءٍ مَفْهُومٍ واحِدٍ كَما لا يَخْفى واعْتُرِضَ أيْضًا القَوْلُ بِالعُمُومِ بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ مَعَ وُجُوبِ خُرُوجِ المُشَبَّهِ بِهِ عَنْهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ القَصْدَ أوَّلًا إلى العامِّ والمُشَبَّهُ بِهِ في حُكْمِ المُسْتَثْنى بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مِن واحِدٍ مِن أفْرادِ هَذَيْنِ الجِنْسَيْنِ بِعُمُومِهِما سِواكم إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ، ولَكَ أنْ تَدَّعِيَ دُخُولَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُخاطَبِينَ بِالتِزامِ أنَّ لَهُ اعْتِبارَيْنِ اعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ واعْتِبارُ أنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ فَتَأْمَّلْ جَمِيعَ ذَلِكَ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ التَّفْرِيطُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يَتَعَدّى بِـ (فِي) وقَدْ ضَمِنَ هُنا مَعْنى أغْفَلْنا وتَرَكْنا فَـ (مِن شَيْءٍ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ و(مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَبْعُدُ جَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً أيْ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ بَعْضَ شَيْءٍ وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ القُرْآنُ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ وجَماعَةٌ فَإنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا بَلْ وغَيْرِ ذَلِكَ إمّا مُفَصَّلًا وإمّا مُجْمَلًا فَعَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ في الدِّينِ نازِلَةً إلّا في كِتابِ اللَّهِ تَعالى الهُدى فِيها ورَوى البُخارِيُّ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ في ذَلِكَ: فَقالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو في كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ ما بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَما وجَدْتُ فِيهِ ما تَقُولُ قالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيهِ أما قَرَأْتِ ﴿ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ قالَتْ: بَلى قالَ: فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ نَهى عَنْهُ،» وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَرَّةً بِمَكَّةَ سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ أُخْبِرْكم عَنْهُ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَقِيلَ لَهُ ما تَقُولُ في المُحْرِمِ يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ: فَأجابَ بِأنَّهُ يَقْتُلُهُ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِنَحْوِ اسْتِدْلالِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ كُلُّ عِلْمٍ وبُيِّنَ لَنا فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ ولَكِنَّ عِلْمَنا يَقْصُرُ عَمّا بُيِّنَ لَنا في القُرْآنِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في كِتابِ العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أغْفَلَ شَيْئًا لَأغْفَلَ الذَّرَّةَ والخَرْدَلَةَ والبَعُوضَةَ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوْ ضاعَ لِي عِقالُ بَعِيرٍ لَوَجَدْتُهُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى وقالَ المُرْسِيُّ: جَمَعَ القُرْآنُ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ بِحَيْثُ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمًا حَقِيقَةً إلّا المُتَكَلِّمُ بِهِ ثُمَّ رَسُولُ اللَّهِ  خَلا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وقَدْ سَمِعْتُ مِن بَعْضِهِمْ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ العَرَبِيِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ وقَعَ يَوْمًا عَنْ حِمارِهِ فَرَضَّتْ رِجْلُهُ فَجاءُوا لِيَحْمِلُوهُ فَقالَ: أمْهِلُونِي فَأمْهَلُوهُ يَسِيرًا ثُمَّ أذِنَ لَهم فَحَمَلُوهُ فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: راجَعْتُ كِتابَ اللَّهِ تَعالى فَوَجَدْتُ فِيهِ خَبَرَ هَذِهِ الحادِثَةِ قَدْ ذُكِرَتْ في الفاتِحَةِ، وهَذا أمْرٌ لا تَصِلُهُ عُقُولُنا.

ومِثْلُهُ اسْتِخْراجُ بَعْضِهِمْ مِنَ الفاتِحَةِ أيْضًا أسْماءَ سَلاطِينِ ءالِ عُثْمانَ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ سَلْطَنَتِهِمْ إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الزَّمانِ ولا بِدْعَ فَهي أُمُّ الكِتابِ وتَلِدُ كُلَّ أمْرٍ عَجِيبٍ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والتَّكالِيفِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ شَيْئًا هُنا واقِعٌ مَوْقِعَ المَصْدَرِ أيْ تَفْرِيطًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأنَّ فَرَّطْنا لا تَتَعَدّى بِنَفْسِها بَلْ بِحَرْفِ الجَرِّ وقَدْ عُدِّيَتْ بِفي إلى الكِتابِ فَلا تَتَعَدّى بِحَرْفٍ آخَرَ، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ وجَعَلُوا ما يُفْهَمُ مِنَ القامُوسِ مِن تَعَدِّي هَذا الفِعْلِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: فَرَّطَ الشَّيْءَ وفَرَّطَ فِيهِ تَفْرِيطًا ضَيَّعَهُ وقَدَّمَ العَجْزَ فِيهِ وقَصَّرَ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ في مُقابَلَةِ مَن هو أطْوَلُ باعًا مِنهُ مَعَ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ المَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ وضِيعَةً بَلْ مَجازِيَّةً أوْ بِطَرِيقِ التَّضْمِينِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، وعَلى هَذا يَبْقى كَما قالَ أبُو البَقاءِ في الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ظَنَّ أنَّ الكِتابَ يَحْتَوِي عَلى ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ، والكَلامُ حِينَئِذٍ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ أيْ ضَيْرًا وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ كَما ذُكِرَ لِأنَّهُ إذا تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلى المَصْدَرِ كانَ مَنفِيًّا عَلى جِهَةِ العُمُومِ ويَلْزَمُهُ نَفْيُ أنْواعِ المَصْدَرِ، وهو يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ التَّفْرِيطِ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ، وهو مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا يَلْزَمُهُ أنْ يُذْكَرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ كَما لَزِمَ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها فَإنَّ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما يَنْبَغِي وعَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو مُشْتَمِلٌ عَلى كُلِّ ما كانَ ويَكُونُ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمُرادُ بِالِاعْتِراضِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ مُسْتَقْصاةٌ هُناكَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذا القَدْرِ المُجْمَلِ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ مِنهُ الأجَلُ أيْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وقَدْ جَعَلَنا لَهُ أجَلًا هو بالِغُهُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وقَرَأ عَلْقَمَةُ ما فَرَطْنا بِالتَّخْفِيفِ وهو والمُشَدَّدُ بِمَعْنًى، وقالَ أبُو العَبّاسِ: مَعْنى فَرَطْنا المُخَفَّفِ أخَّرْنا كَما قالُوا فَرَطَ اللَّهُ تَعالى عَنْكَ المَرَضَ أيْ أزالَهُ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ 83 - الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ مُطْلَقًا وتَكُونُ صِيغَةُ الجَمْعِ لِلتَّغْلِيبِ أيْ إلى مالِكِ أُمُورِهِمْ لا إلى غَيْرِهِ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُجازِيهِمْ ويُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ حَتّى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَبْلُغُ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ كَما جاءَ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ الشَّيْخانِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ حَشْرَ الحَيْواناتِ مَوْتُها ومُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ مَجْمُوعُهُ مُسْتَعارٌ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِلْمَوْتِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَشْرَ بَعْثٌ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وتَعْدِيَتُهُ بِإلى تَنْصِيصٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ المَوْتُ مَعَ أنَّ في المَوْتِ أيْضًا نَقْلًا مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ الجَماعَةُ أوْفَقُ بِمَقامِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ، هَذا وفي رِسالَةِ المَعادِ لِأبِي عَلِيٍّ قالَ المُعْتَرِفُونَ بِالشَّرِيعَةِ مِن أهْلِ التَّناسُخِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ﴿ وما مِن دابَّةٍ ﴾ إلَخْ وفِيهِ الحُكْمُ بِأنَّ الحَيْواناتِ الغَيْرَ النّاطِقَةِ أمْثالُنا ولَيْسُوا أمْثالَنا بِالفِعْلِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُهم أمْثالَنا بِالقُوَّةِ لِضَرُورَةِ صِدْقِ هَذا الحُكْمِ وعَدَمِ الواسِطَةِ بَيْنَ الفِعْلِ والقُوَّةِ، وحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِحُلُولِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحَيْواناتِ وهو التَّناسُخُ المَطْلُوبُ.

ولا يَخْفى أنَّهُ دَلِيلٌ كاسِدٌ عَلى مَذْهَبٍ فاسِدٍ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَها دَلِيلًا عَلى أنَّ لِلْحَيْواناتِ بِأسْرِها نُفُوسًا ناطِقَةً كَما لِأفْرادِ الإنْسانِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ وبَعْضُ الحُكَماءِ الإسْلامِيِّينَ.

وأوْرَدَ الشَّعْرانِيُّ في الجَواهِرِ والدُّرَرِ لِذَلِكَ أدِلَّةً غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنها أنَّهُ  لَمّا هاجَرَ وتَعَرَّضَ كُلٌّ مِنَ الأنْصارِ لِزِمامِ ناقَتِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «دَعُوها فَإنَّها مَأْمُورَةٌ» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ أنَّهُ  أخْبَرَ أنَّ النّاقَةَ مَأْمُورَةٌ ولا يَعْقِلُ الأمْرَ إلّا مَن لَهُ نَفْسٌ ناطِقَةٌ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لِلنّاقَةِ نَفْسًا كَذَلِكَ ثَبَتَ لِلْغَيْرِ إذْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ومِنها ما يُشاهَدُ في النَّحْلِ وصَنْعَتِها أقْراصَ الشَّمْعِ، والعَناكِبِ واحْتِيالِها لِصَيْدِ الذُّبابِ، والنَّمْلِ وادِّخارِهِ لِقُوتِهِ عَلى وجْهٍ لا يَفْسَدُ مَعَهُ ما ادَّخَرَهُ.

وأوْرَدَ بَعْضُهم دَلِيلًا لِذَلِكَ أيْضًا النَّمْلَةَ الَّتِي كَلَّمَتْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا عَنْها مِمّا لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ إلّا العالِمُونَ؛ وخَوْفُ الشّاةِ مِن ذِئْبٍ لَمْ تُشاهِدْ فِعْلَهُ قَبْلُ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنِ اسْتِدْلالٍ وهو شَأْنُ ذَوِي النُّفُوسِ النّاطِقَةِ، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحَبَهُ فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اعْتِقادِ النَّفْعِ ومَعْرِفَةِ الحَسَنِ وهو مِن شَأْنِ ذَوِي النُّفُوسِ.

وأغْرَبُ مِن هَذا دَعْوى الصُّوفِيَّةِ ونَقَلَهُ الشَّعْرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَواصِّ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ أنَّ الحَيَواناتِ مُخاطَبَةٌ مُكَلَّفَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ المَحْجُوبُونَ ثُمَّ قالَ: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ ﴾ حَيْثُ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الأُمَّةَ والنَّذِيرَ وهم مِن جُمْلَةِ الأُمَمِ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَقُولُ: جَمِيعُ ما في الأُمَمِ فِينا حَتّى أنَّ فِيهِمُ ابْنَ عَبّاسٍ مِثْلِي.

وذَكَرَ في الأجْوِبَةِ المُرْضِيَّةِ أنَّ فِيهِمْ أنْبِياءَ.

وفي الجَواهِرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ مِن أنْفُسِهِمْ وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهم مِن جِنْسِهِمْ.

وحَكى شَيْخُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: إنَّ تَشْبِيهَ اللَّهِ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنْ هم إلا كالأنْعامِ ﴾ لَيْسَ لِنَقْصٍ فِيها وإنَّما هو لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى حَتّى حارَتْ فِيهِ فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى هو مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ أيْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُئُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ.

ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ لَهم والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ وذَلِكَ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، اهـ.

ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ ابْنِ المُنِيرِ أنَّ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ البَهائِمَ والهَوامَّ مُكَلِّفَةٌ لَها رُسُلٌ مِن جِنْسِها فَهو مِنَ المَلاحِدَةِ الَّذِينَ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِمْ كالجاحِظِ وغَيْرِهِ وعَلى إكْفارِ القائِلِ بِذَلِكَ نَصٌّ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ والجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْحَيْواناتِ عِنْدَهم لَيْسَ جَزاءَ تَكْلِيفٍ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ الحَيْواناتِ لا تُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ وأوَّلُ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ.

وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا أصْلَ لَهُ والمِثْلِيَّةُ في الأيَّةِ لا تَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ.

وأغْرَبُ الغَرِيبِ عِنْدَ أهْلِ الظّاهِرِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم جَعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ في الوُجُودِ حَيًّا دَرّاكًا يَفْهَمُ الخِطابَ ويَتَألَّمُ كَما يَتَألَّمُ الحَيْوانُ وما يَزِيدُ الحَيْوانُ عَلى الجَمادِ إلّا بِالشَّهْوَةِ، ويَسْتَنِدُونَ في ذَلِكَ إلى الشُّهُودِ.

ورُبَّما يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ وبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأخْبارِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ مِنَ العُلَماءِ أنَّ التَّسْبِيحَ حالِيٌّ لا قالِيٌّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ شَكى إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى وامْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي وما يَصْدُرُ مِن بَعْضِ الجَماداتِ مِن تَسْبِيحٍ كَتَسْبِيحِ الحَصى في كَفِّهِ الشَّرِيفِ  مَثَلًا إنَّما هو عَنْ خَلْقِ ادِّراكِ إذْ ذاكَ، وما يُشاهَدُ مِنَ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ لِبَعْضِ الحَيْواناتِ لَيْسَ كَما قالَ الشَّيْخُ الرَّئِيسُ مِمّا يَصْدُرُ عَنِ اسْتِنْباطٍ وقِياسٍ بَلْ عَنْ إلْهامٍ وتَسْخِيرٍ، ولِذَلِكَ لا تَخْتَلِفُ ولا تَتَنَوَّعُ، والنَّقْضُ بِالحَرَكَةِ الفَلَكِيَّةِ لا يَرِدُ بِناءً عَلى قَواعِدِنا، وعَدَمُ افْتِراسِ الأسَدِ المُعَلَّمِ مَثَلًا صاحِبَهُ لَيْسَ عَنِ اعْتِقادٍ بَلْ هُناكَ هَيْئَةٌ أُخْرى نَفْسانِيَّةٌ وهي أنَّ كُلَّ حَيْوانٍ يُحِبُّ بِالطَّبْعِ ما يُلِذُّهُ والشَّخْصُ الَّذِي يُطْعِمُهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ مانِعًا مِنِ افْتِراسِهِ، ورُبَّما يَقَعُ هَذا العارِضُ عَنِ إلْهامٍ إلَهِيٍّ مِثْلَ حُبِّ كُلِّ حَيْوانٍ ولَدَهُ.

وعَلى هَذا الطَّرْزِ يَخْرُجُ الخَوْفُ مَثَلًا الَّذِي يَعْتَرِي بَعْضَ الحَيْواناتِ وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ وأنا لا أرى مانِعًا مِنَ القَوْلِ بِأنَّ لِلْحَيْواناتِ نُفُوسًا ناطِقَةً وهي مُتَفاوِتَةُ الِادِّراكِ حَسَبَ تَفاوُتِها في أفْرادِ الإنْسانِ وهي مَعَ ذَلِكَ كَيْفَما كانَتْ لا تَصِلُ في ادِّراكِها وتَصَرُّفِها إلى غايَةٍ يَصِلُها الإنْسانُ والشَّواهِدُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ ولَيْسَ في مُقابَلَتِها قَطْعِيٌّ يَجِبُ تَأْوِيلُها لِأجْلِهِ.

وقَدْ صَرَّحَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّها عارِفَةٌ بِرَبِّها جَلَّ شَأْنُهُ، وأمّا إنَّ لَها رُسُلًا مِن جِنْسِها فَلا أقُولُ بِهِ ولا أُفْتِي بِكُفْرِ مَن قالَ بِهِ.

وأمّا أنَّ الجَماداتِ حَيَّةٌ مُدْرِكَةٌ فَأمْرٌ وراءَ طَوْرِ عَقْلِي، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يطيعك، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ.

قال الزجاج يعني: يسمع سماع قابل.

فالذي لا يقبل كأنه أصم.

كما قال القائل: أصم عما ساءه سميع.

ويقال: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بأنه يؤمن بك بعضهم، ولن يؤمن بك البعض.

وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى وهو أهل لذلك.

وقال: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني: يعقلون الموعظة.

ثم قال: وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي: كفار مكة سماهم الله موتى، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني يحييهم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني الكفار في الآخرة فينبئهم، فهذا تهديد لهم.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: الكفار.

قالوا: هلاّ نزل عليه آية من ربه يعني: علامة لنبوته قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً كما سألوك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بأن الله قادر على أن ينزلها.

ويقال: لاَّ يَعْلَمُونَ بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب.

قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فذكر الجناحين للتأكيد لأنه يقال: طار في الأمر إذا أسرع فيه، فإذا ذكر الجناحين صار تأكيداً له.

وقرأ بعضهم وَلا طائِرٍ بالضم لأن معناه: وما دابةٌ فِى الارض وَلاَ طائرٌ لأن مِنْ زيادة، فيكون الطائر عطفاً ورفعاً وهي قراءة شاذة.

ثم قال: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في الخلق، والموت، والبعث، تعرف بأسمائهم مَّا فَرَّطْنا يقول: ما تركنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني: في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق إلا قد بيّناه.

ويقال: في القرآن قد بيّن كل شيء يحتاج إليه ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني: الدواب والطير يُحْشَرُونَ ثم يصيرون تراباً.

وروى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: يَحْشُرُ الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة والبهائم والدواب والطيور وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً.

وعن أبي ذر قال: انتطحت شاتان عند النبيّ  فقال: «يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟

قلت: لا قال: «لكن الله تَعَالَى يَدْرِي فَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» .

وقال بعضهم: هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن يؤاخذوا به.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أي: لا تحفل بمن أعرض، فإنما يَسْتَجِيبُ لداعي الإيمان الذين يَفْهَمُونَ الآيات، ويتلقون البَرَاهِينَ بالقَبُولِ، فعبر عن ذلك كله ب يَسْمَعُونَ إذ هو طريق العلم، وهذه لفظة تستعملها الصُّوفِيَّةُ- رضي اللَّه عنهم- إذا بلغت المَوْعِظَةُ من أحد مبلغاً شافياً، قالوا:

سمع.

ثم قال تعالى: وَالْمَوْتى يُرِيدُ الكفار أي: هم بمَثَابَةِ الموتى، فعبر عنهم بِضِدِّ ما عبر عن المؤمنين، وبالصفة التي تُشْبِهُ حالهم في العمى عن نور اللَّه، والصَّمَمِ عن وَعْيِ كلماته.

قاله مجاهد، والحسن، وقتادة «١» .

ويَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يحتمل معنيين: قال الحسن: معناه يبعثهم بأن يُؤْمنوا حين يوفقهم «٢» ، وقراءة الحسن «ثم إليه تُرْجَعُون» بالتاء من فوق «٣» ، فَتَنَاسَبَت الآية.

وقال مجاهد، وقتادة: وَالْمَوْتى يريد الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ، أي: يَحْشرهم يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ، أي: إلى سطوته، وعقابه يُرْجَعُونَ «٤» .

وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ «لَوْلاَ» تحضيض بمعنى «هلاَ» ، ومعنى الآية: هلا نزل على محمد بَيَانٌ واضح كَمَلَكٍ يَشْهَدُ له، أو كَنْزٍ، أو غير ذلك من تَشَطُّطهِم المَحْفُوظِ في هذا، ثم أُمِرَ- عليه السلام- بالرَّدِّ عليهم بأن اللَّه- عز وجل- قَادِرٌ على ذلك، ولكن أكثرهم لا يَعْلَمُونَ أنها لو نَزَلَتْ، ولم يؤمنوا لَعُوجِلُوا بالعَذَابِ، ويحتمل وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه- سبحانه- إنما جعل الإِنْذَارَ في آيات معرضة للنظر، والتأمّل ليهتدي قوم ويضلّ آخرون.

وقوله سبحانه: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ المعنى: في هذه الآية التَّنْبِيهُ على آيات اللَّه المَوْجُودَةِ في أنواع مَخْلُوقَاتِهِ المَنْصُوبَةِ لمن فَكَّرَ واعتبر كالدواب والطير، ويدخل في هَذَيْنِ جَمِيعُ الحَيَوَانِ، وهي أمم أي: جَمَاعَاتٌ مماثلة للناس في الخَلْقِ، والرزق، والحَيَاةِ، والمَوْتِ، والحَشْرِ.

ويحتمل أن يريد بالمُمَاثَلَةِ في كونها أمماً لا غير، إلا أن الفَائِدَةَ في هذه الآية بأن تكون المُمَاثَلَةُ في أَوْصَافٍ غير كونها أمماً.

قال الطبري «١» ، وغيره: والمُمَاثَلَةُ في أنها يُهْتَبَلُ بأعمالها، وتحاسب، ويقتصّ لبعضها من بَعْضٍ، على ما روي في الأحَادِيثِ أي: فإذا كان هذا يُفْعَلْ بالبهائم، فأنتم أَحْرَى إذ أنتم مُكَلَّفُونَ عُقَلاَء.

وروى أبو ذَرٍّ: أنه انتطحت عنزان بحضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «أَتَعْلَمُونَ فِيمَا انْتَطَحَتَا» ؟

/ قِلْنَا: لا، قال: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» «٢» .

وقال مَكّي: المُمَاثَلَةُ في أنها تَعْرِفُ اللَّه، وتعبده.

وقوله: بِجَناحَيْهِ تأكيد، وبيان، وإزالة للاستعارة المُتَعَاهَدَةِ في هذه اللفظة إذ يقال: طائر السَّعْدِ، والنَّحْسِ.

وقال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ( [الإسراء: ١٣] ، ويقال: طار لفلان طائر كذا، أي: سهمه في المقتسمات، فقوله تعالى: بِجَناحَيْهِ إخراج للطائر عن هذا كله.

وقوله سبحانه: مَّا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط: التقصير في الشَّيْءِ مع القُدْرَةِ على تَرْكِ التقصير.

قال أبو حيان «٣» : أصل فَرَّطْنَا يَتَعَدَّى ب «في» ثم يضمن معنى أغفلنا، فيتعدى إلى مَفْعُولٍ به، وهو هنا كذلك، فيكون مِنْ شَيْءٍ في موضع المفعول به.

انتهى.

والْكِتابِ: القرآن وهو الذي يقتضيه نَظَامُ المعنى في هَذِهِ الآيَاتِ.

وقيل: اللوح المحفوظ، ومِنْ شَيْءٍ على هذا القول عَامٌّ في جَمِيعِ الأشياء، وعلى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى وما مِن ﴿ دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ كُلَّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وذِكْرُ الجَناحَيْنِ تَوْكِيدٌ، وجَمِيعُ ما خَلَقَ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَدُبَّ، وإمّا أنْ يَطِيرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أصْنافٌ مُصَنَّفَةٌ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أجْناسٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَهُ.

وَفِي مَعْنى "أمْثالُكُمْ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْثالُكم في كَوْنِ بَعْضِها يَفْقَهُ عَنْ بَعْضٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: أمْثالُكم في الخَلْقِ والمَوْتِ والبَعْثِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أمْثالُكم في كَوْنِها تَطْلُبُ الغِذاءَ، وتَبْتَغِي الرِّزْقَ، وتَتَوَقّى المَهالِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَوْضِعُ الِاحْتِجاجِ مِن هَذِهِ الآَيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى رَكَّبَ في المُشْرِكِينَ عُقُولًا، وجَعَلَ لَهم أفْهامًا ألْزَمَهم بِها أنْ يَتَدَبَّرُوا أمْرَ النَّبِيِّ  ويَتَمَسَّكُوا بِطاعَتِهِ، كَما جَعَلَ لَلطَّيْرِ أفْهامًا يَعْرِفُ بِها بَعْضُها إشارَةَ بَعْضٍ، وهَدى الذَّكَرَ مِنها لَإتْيانِ الأُنْثى، وفي كُلِّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفاذِ قُدْرَةِ المَرْكَبِ ذَلِكَ فِيها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ في الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.

رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما تَرَكْنا شَيْئًا إلّا وقَدْ كَتَبْناهُ في أُمِّ الكِتابِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآَنُ.

رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما تَرَكْنا مِن شَيْءٍ إلّا وقَدْ بَيَّنّاهُ لَكم.

فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: ما فَرَّطْنا في شَيْءٍ بِكم إلَيْهِ حاجَةٌ إلّا وبَيَّنّاهُ في الكِتابِ، إمّا نَصًّا، وإمّا مُجْمَلًا، وإمّا دَلالَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ  ﴾ أيْ: لَكُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ إلَيْهِ في أمْرِ الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَمْعُ يَوْمَ القِيامَةِ.

«رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ  فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيما انْتَطَحَتا؟

قُلْتُ: لا.

قالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وسَيَقْضِي بَيْنَهُما.» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ، البَهائِمَ والدَّوابَّ والطَّيْرَ وكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لَلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَقُولُ كَوْنِي تُرابًا، فَيَقُولُ الكافِرُ: ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

﴾ والثّانِي: أنَّ مَعْنى حَشْرِها: مَوْتُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".

ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.

و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".

وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما مِن دابَّةٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.

وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛ ﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ  ﴾ ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

معنى هذه الآية غامض بدءاً.

ونهايتها أشدّ غموضاً، وموقعها في هذا السياق خفي المناسبة.

فاعلَم أنّ معنى قوله: ﴿ وما من دابّة في الأرض إلى قوله إلاّ أمم أمثالكم ﴾ أنّ لها خصائص لكلّ جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها، أي جعل الله لكلّ نوع ما به قوامه وألهمه اتِّباع نظامه وأنّ لها حياة مؤجّلة لا محالة.

فمعنى ﴿ أمثالكم ﴾ المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها.

وأمّا معنى قوله: ﴿ ثم إلى ربّهم يحشرون ﴾ أنّها صائرة إلى الموت.

ويعضّده ما روي عن ابن عباس: حشر البهائم موتها، أي فالحشر مستعمل في مجاز قريب إلى حقيقته اللغوية التي في نحو قوله تعالى: ﴿ وحشر لسليمان جنوده ﴾ [النمل: 17].

فموقع هذه الآية عند بعض المفسّرين أنّها بمنزلة الدليل على مضمون قوله تعالى: ﴿ قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الأنعام: 37]، فيجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ﴾ [الأنعام: 37] على أنّها من جملة ما أمر النبي بأن يقوله لهم؛ ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: ﴿ قُل إنّ الله قادر ﴾ [الأنعام: 37] على أنّها من خطاب الله لهم.

أي أنّ الذي خلق أنواع الأحياء كلِّها وجعلها كالأمم ذات خصائص جامعة لأفراد كلّ نوع منها فكان خلقها آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنّكم لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم.

ويكون تعقيبه بقوله تعالى: ﴿ والّذين كذّبوا بآياتنا صمّ وبُكْم ﴾ [الأنعام: 39] الآية واضح المناسبة، أي لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله.

وأمّا قوله: ﴿ ثمّ إلى ربّهم يحشرون ﴾ فإن نظرنا إليه مستقلاً بنصّه غير ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره؛ فأول ما يبدو للناظر أنّ ضميري ﴿ ربّهم ﴾ و ﴿ يحشرون ﴾ عائدان إلى ﴿ دابّة ﴾ و ﴿ طائر ﴾ باعتبار دلالتهما على جماعات الدّواب والطير لوقوعهما في حيّز حرف (مِنْ) المفيدة للعموم في سياق النفي، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء.

وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين: أحدهما أنّه بناءٌ على التغليب إذ جاء بعده ﴿ إلاّ أمم أمثالكم ﴾ .

الوجه الثاني أنّهما عائدان إلى ﴿ أمم أمثالكم ﴾ ، أي أنّ الأمم كلّها محشورة إلى الله تعالى.

وأحسن من ذلك تأويلاً أن يكون الضميران عائديْن إلى ما عادت إليه ضمائر الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه ﴾ ، فيكون موقع جملة ﴿ ثم إلى ربّهم يحشرون ﴾ موقع الإدماج والاستطراد مجابهة للمشركين بأنَّهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك.

فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلّقة بالآية كان الأمر مُشكلاً.

فقد روى مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لتُؤَدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء (التي لا قرن لها، وفي رواية غيره: الجَماء) من الشاة القرناء " وروى أحمد بن حنبل وأبو داوود الطيالسي في «مسنديهما» عن أبي ذرّ قال: انتطحت شاتان أو عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا، قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة.

فهذا مقتض إثبات حشر الدوابّ ليوم الحساب، فكان معناه خفي الحكمة إذ من المحقّق انتفاء تكليف الدوابّ والطير تبعاً لانتفاء العقل عنها.

وكان موقعها جلي المناسبة بما قاله الفخر نقلاً عن عبد الجبّار بأنّه لمّا قدّم الله أنّ الكفّار يُرجعون إليه ويحشرون بيّن بعده أنّ الدوابّ والطير أمم أمثالهم في أنّهم يحشرون.

والمقصود بيان أنّ الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل في البهائم.

وهذا ظاهر قوله: ﴿ يحشرون ﴾ لأنّ غالب إطلاق الحشر في القرآن على الحشر للحساب، فيناسب أن تكون جملة: ﴿ وما من دابّة في الأرض ﴾ الآية عطفاً على جملة: ﴿ والموتى يبعثهم الله ﴾ ، فإنّ المشركين ينكرون البعث ويجعلون إخبار الرسول عليه الصلاة والسلام به من أسباب تهمته فيما جاء به، فلمّا توعّدهم الله بالآية السابقة بأنّهم إليه يرجعون زاد أن سجّل عليهم جهلهم فأخبرهم بما هو أعجب ممّا أنكروه، وهو إعلامهم بأنّ الحشر ليس يختصّ بالبشر بل يعمّ كلّ ما فيه حياة من الدّوابّ والطير.

فالمقصود من هذا الخبر هو قوله: ﴿ ثم إلى ربّهم يحشرون ﴾ .

وأمّا ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال عليه، أي فالدّوابّ والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلّها يوم الحشر، وذلك يقتضي لا محالة أن يقتصّ لها، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان.

وإذا كان المراد من هذين الحديثين ظاهرهما فإنّ هذا مظهر من مظاهر الحق يوم القيامة لإصلاح ما فرط في عالم الفناء من رواج الباطل وحكم القوة على العدالة، ويكون القصاص بتمكين المظلوم من الدوابّ من ردّ فعل ظالمه كيلا يستقرّ بالباطل.

فهو من قبيل ترتّب المسبّبات على أسبابها شبيه بخطاب الوضع، وليس في ذلك ثواب ولا عقاب لانتفاء التكليف ثم تصير الدواب يومئذٍ تراباً، كما ورد في رواية عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ [النبأ: 40].

قال المازري في المُعَلِم: واضطرب العلماء في بعث البهائم.

وأقوى ما تعلّق به من يقول ببعثها قوله تعالى: ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ .

وقد قيل: إنّ هذا كلّه تمثيل للعدل.

ونسبه المازري إلى بعض شيوخه قال: هو ضرب مَثل إعلاماً للخلق بأن لا يبقى حقّ عند أحد.

والدابّة مشتقّة من دبّ إذا مشى على الأرض، وهي اسم لكلّ ما يدبّ على الأرض.

وقوله: ﴿ في الأرض ﴾ صفة قصد منها إفادة التعميم والشمول بذكر اسم المكان الذي يحوي جميع الدوابّ وهو الأرض، وكذلك وصف ﴿ طائر ﴾ بقوله ﴿ يطير بجناحيه ﴾ قصد به الشمول والإحاطة، لأنّه وصف آيل إلى معنى التوكيد، لأنّ مفاد ﴿ يطير بجناحيه ﴾ أنَّه طائر، كأنَّه قيل: ولا طائر ولا طائر.

والتوكيد هنا يؤكّد معنى الشمول الذي دلّت عليه (من) الزائدة في سياق النفي؛ فحصل من هذين الوصفين تقرير معنى الشمول الحاصل من نفي اسمي الجنسين.

ونكتة التوكيد أنّ الخبر لغرابته عندهم وكونه مظنّة إنكارهم أنَّه حقيق بأن يؤكّد.

ووقع في «المفتاح» في بحث إتباع المسند إليه بالبيان أنّ هذين الوصفين في هذه الآية للدلالة على أنّ القصد من اللفظين الجنس لا بعض الأفراد وهو غير ما في «الكشاف»، وكيف يتوهَّم أنّ المقصود بعض الأفراد ووجود (مِن) في النفي نصّ على نفي الجنس دون الوحدة.

وبهذا تعلم أن ليس وصف ﴿ يطير بجناحيه ﴾ وارداً لرفع احتمال المجاز في ﴿ طائر ﴾ كما جنح إليه كثير من المفسِّرين وإن كان رفع احتمال المجاز من جملة نكت التوكيد اللفظي إلاّ أنّه غير مطّرد، ولأنّ اعتبار تأكيد العموم أولى، بخلاف نحو قولهم: نظرته بعيني وسمعته بأذني.

وقول صخْر: شر واتّخذت من شَعَر صدارها *** إذ من المعلوم أنّ الصّدار لا يكون إلاّ من شَعَر.

و ﴿ أمم ﴾ جمع أمّة.

والأمّة أصلها الجماعة من الناس المتماثلة في صفات ذاتية من نسب أو لغة أو عادة أو جنس أو نوع.

قيل: سمّيت أمة لأنّ أفرادها تؤمّ أمَماً واحداً وهو ما يجمع مقوّماتها.

وأحسب أنّ لفظ أمَّة خاصّ بالجماعة العظيمة من البشر، فلا يقال في اللغة أمّة الملائكة ولا أمّة السباع.

فأمّا إطلاق الأمم على الدّوابّ والطير في هذه الآية فهو مجاز، أي مثل الأمم لأنّ كلّ نوع منها تجتمع أفراده في صفات متّحدة بينها أمماً واحدة، وهو ما يجمعها وأحسب أنّها خاصّة بالبشر.

و ﴿ دابّة ﴾ و ﴿ طائر ﴾ في سياق النفي يُراد بهما جميع أفراد النوعين كما هو شأن الاستغراق، فالإخبار عنهما بلفظ ﴿ أمم ﴾ وهو جمع على تأويله بجماعاتها، أي إلاّ جماعاتها أمم، أو إلاّ أفراد أمم.

وتشمل الأرض البحر لأنَّه من الأرض ولأنّ مخلوقاته يطلق عليها لفظ الدابَّة، كما ورد في حديث سرية سِيف البحر قول جابر بن عبد الله: فألقى لنا البحر دابّة يقال لها العنبر.

والمماثلة في قوله: ﴿ أمثالكم ﴾ التشابه في فصول الحقائق والخاصّات التي تميّز كلّ نوع من غيره، وهي النظم الفطرية التي فطر الله عليها أنواع المخلوقات.

فالدّواب والطير تُماثل الأناسي في أنّها خلقت على طبيعة تشترك فيها أفراد أنواعها وأنّها مخلوقة لله معطاة حياة مقدّرة مع تقدير أرزاقها وولادتها وشبابها وهرمها، ولها نظم لا تستطيع تبديلها.

وليست المماثلة براجعة إلى جميع الصفات فإنّها لا تماثل الإنسان في التفكير والحضارة المكتسبة من الفكر الذي اختصّ به الإنسان.

ولذلك لا يصحّ أن يكون لغير الإنسان نظام دولة ولا شرائع ولا رسل ترسل إليهن لانعدام عقل التكليف فيهنّ، وكذلك لا يصحّ أن توصف بمعرفة الله تعالى.

وأما قوله تعالى: ﴿ وإنْ من شيء إلاّ يُسبّح بحمده ﴾ [الإسراء: 44] فذلك بلسان الحال في العجماوات حين نراها بَهِجَة عند حصول ما يلائمها فنراها مرحة فرحة.

وإنّما ذلك بما ساق الله إليها من النعمة وهي لا تفقه أصلها ولكنّها تحسّ بأثرها فتبتهج، ولأنّ في كل نوع منها خصائص لها دلالة على عظيم قدرة الله وعلمه تختلف عن بقية الأنواع من جنسه والمقصد من هذا صرف الأفهام إلى الاعتبار بنظام الخلق الذي أودعه الله في كلّ نوع، والخطاب في قوله: ﴿ أمثالكم ﴾ موجّه إلى المشركين.

وجملة: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ معترضة لبيان سعة علم الله تعالى وعظيم قدرته.

فالكتاب هنا بمعنى المكتوب، وهو المكنّى عنه بالقلم المراد به ما سبق في علم الله وإرادته الجارية على، وفْقِه كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ [الأنعام: 12].

وقيل الكتاب القرآن.

وهذا بعيد إذ لا مناسبة بالغرض على هذا التفسير، فقد أورد كيف يشتمل القرآن على كلّ شيء.

وقد بسط فخر الدين بيان ذلك لاختيار هذا القول وكذلك أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات».

والتفريط: الترك والإهمال، وتقدّم بيانه آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ قالوا يا حسرتنا على ما فرّطنا فيها ﴾ [الأنعام: 31].

والشيء هو الموجود.

والمراد به هنا أحوال المخلوقات كما يدلّ عليه السياق فشمل أحوال الدّواب والطير فإنّها معلومة لله تعالى مقدّرة عنده بما أودع فيها من حكمة خلقه تعالى.

وقوله ﴿ ثم إلى ربِّهم يحشرون ﴾ تقدّم تفسيره آنفاً في أوّل تفسير هذه الآية.

وفي الآية تنبيه للمسلمين على الرفق بالحيوان فإنّ الإخبار بأنّها أمم أمثالنا تنبيه على المشاركة في المخلوقية وصفات الحيوانية كلّها.

وفي قوله: ﴿ ثم إلى ربِّهم يحشرون ﴾ إلقاء للحذر من الاعتداء عليها بما نهى الشرع عنه من تعذيبها وإذا كان يقتصّ لبعضها من بعض وهي غير مكلّفة، فالاقتصاص من الإنسان لها أولى بالعدل.

وقد ثبت في الحديث الصحيح: أنّ الله شكر للذي سقى الكلب العطشان، وأنّ الله أدخل امرأة النار في هرّة حبستها فماتت جوعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي آيَةً تَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ يَعْنِي آيَةً يُجابُونَ بِها إلى ما سَألُوا.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ المَصْلَحَةَ في نُزُولِ الآيَةِ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ زِيادَةَ الآياتِ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، تُوجِبُ الزِّيادَةَ مِن عَذابِهِمْ، لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ آيَةً تَقُودُهم إلى التَّصْدِيقِ فَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الإيمانُ، قِيلَ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، وأنَّ القُرْآنَ مَعَ عَجْزِ مَن تَحَدّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ بِمِثْلِهِ، وما تَضَمَّنَهُ مِن أخْبارِ الغُيُوبِ وصِدْقِ خَبَرِهِ عَمّا كانَ ويَكُونُ أبْلَغَ الآياتِ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ.

وَإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً سَألُوها إعْناتًا، فَلَمْ يُجابُوا مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى إنْزالِها، لِأنَّهُ لَوْ أجابَهم إلَيْها لاقْتَرَحُوا غَيْرَها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، حَتّى يَنْقَطِعَ الرَّسُولُ بِإظْهارِ الآياتِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.

وَإنَّما يَلْزَمُهُ إظْهارُ الآياتِ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ بَعْثِهِ رَسُولًا لِيَكُونَ مَعَ اسْتِدْعائِهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ.

والثّانِي: أنْ يَسْألَها مَن يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ إنْ أظْهَرَها لَهُ آمَنَ بِهِ، ولَيْسَ يَلْزَمُهُ إظْهارُها في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ دابَّةٌ بِمَعْنى ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ كُلِّهِ.

﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ يَعْنِي في الهَواءِ، جَمَعَ بَيْنَ ما هو عَلى الأرْضِ وفِيها وما ارْتَفَعَ عَنْها.

﴿ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ في الأُمَمِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَماعاتُ.

والثّانِي: أنَّها الأجْناسُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَلَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ في التَّكْلِيفِ كَما جُعِلَ قَوْمٌ اشْتَبَهَ الظّاهِرُ عَلَيْهِمْ وتَعَلَّقُوا مَعَ اشْتِباهِ الظّاهِرِ بِرِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ  ، فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتا؟

قُلْتُ: لا، قالَ: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وسَيَقْضِي بَيْنَهُما قالَ أبُو ذَرٍّ: لَقَدْ تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ  وما يُقَلِّبُ طائِرٌ بِجَناحَيْهِ في السَّماءِ إلّا ذَكَّرَنا مِنهُ عِلْمًا،» لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْلُ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ كانَ عَدَمُهُ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أجْناسٌ وتَتَمَيَّزُ في الصُّوَرِ والأسْماءِ.

والثّانِي: أنَّها مَخْلُوقَةٌ لا تُظْلَمُ، ومَرْزُوقَةٌ لا تُحْرَمُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَرَكْنا خَلْقًا إلّا أوْجَبْنا لَهُ أجَلًا، والكِتابُ هُنا هو إيجابُ الأجَلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ  ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وأنْشَدَ لِنابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ بَلَغُوا المُلُوكَ وأدْرَكُوا ال كِتابَ وانْتَهى الأجَلُ والتَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ الَّذِي أنْزَلَهُ، ما أخَلَّ فِيهِ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، إمّا مُفَصَّلًا يَسْتَغْنِي عَنِ التَّفْسِيرِ، أوْ مُجْمَلًا جَعَلَ إلى تَفْسِيرِهِ سَبِيلًا.

يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: ما فَرَّطْنا فِيهِ بِدُخُولِ خَلَلٍ عَلَيْهِ، أوْ وُجُودِ نَقْصٍ فِيهِ، فَكِتابُ اللَّهِ سَلِيمٌ مِنَ النَّقْصِ والخَلَلِ.

﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالحَشْرِ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَشْرَ الجَمْعُ لِبَعْثِ السّاعَةِ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ فَلِماذا تُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ؟

قِيلَ: لَيْسَ التَّكْلِيفُ عِلَّةَ البَعْثِ، لِأنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ يُبْعَثُونَ وإنْ كانُوا في الدُّنْيا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، وإنَّما يَبْعَثُها لِيُعَوِّضَ ما اسْتَحَقَّ العِوَضَ مِنها بِإيلامٍ أوْ ظُلْمٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما يَشاءُ مِنها تُرابًا، وما شاءَ مِن دَوابِّ الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُ المُؤْمِنُونَ بِرُكُوبِهِ ورُؤْيَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ قال: أصنافاً مصنفة تعرف باسمائها.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ﴾ يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ قال: خلق أمثالكم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال: الذرة فما فوقها من ألوان، ما خلق الله من الدواب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس ﴿ ما فرَّطنا في الكتاب من شيء ﴾ يعني ما تركنا شيئاً إلا وقد كتبناه في أم الكتاب.

وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ قال: من الكتاب الذي عنده.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن عبد الله بن زيادة البكري قال: دخلت على ابني بشر المازنيين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يرحمكما الله، الرجل يركب منا الدابة فيضربها بالسوط أو يكبحها باللجام فهل سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟

فقالا: لا.

قال عبد الله: فنادتني امرأة من الداخل فقالت: يا هذا إن الله يقول في كتابه ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فقالا: هذه أختنا وهي أكبر منا، وقد أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ قال: لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في ذلك الكتاب.

وأخرج أبو الشيخ عن أنس بن مالك أنه سأل من يقبض أرواح البهائم؟

فقال: ملك الموت.

فبلغ الحسن فقال: صدق أن ذلك في كتاب الله، ثم تلا ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ قال: موت البهائم حشرها.

وفي لفظ قال: يعني بالحشر الموت.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: ما من دابة ولا طائر إلا ستحشر يوم القيامة، ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن.

ثم يقال لهم كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر ﴿ يا ليتني كنت تراباً ﴾ [ النبأ: 40] وإن شئتم فاقرأوا ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ﴾ إلى قوله: ﴿ يحشرون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن أبي ذر قال: «انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أبا ذر أتدري فيما انتطحتا؟

قلت: لا.

قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما.

قال أبو ذر: لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً» <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ ﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد: كل ما دب وجميع البهائم فهو دابة) (١) قال الزجاج: وجميع ما خلق الله جل وعز لا يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب، وإما أن يطير) (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ قال الفراء والزجاج: (ذكر الجناح هاهنا تأكيد (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) فذكر الجناح ليتمحض (٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ قال الفراء: (يقال: إن كل صنف من البهائم أمة) (١٠) وجاء في الحديث: "لولا (١١) (١٢) واختلفوا في أن البهائم والطير في ماذا شبهت بنا وجُعلت أمثالنا، فقال ابن عباس في رواية عطاء يريد: (يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني ويحمدونني، مثل ما قال تعالى في سبحان: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ) (١٣) وقال مجاهد ﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها) (١٤) (١٥) وقال أبو هريرة في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : (يحشر الله تعالى الخلق يوم القيامة: البهائم والدواب والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذٍ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا) (١٦) ﴿ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ  ﴾ ، ثم أعلم أنه ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الخلق والموت والبعث) (١٧) واختار الأزهري قول ابن عباس فقال: (معنى قوله: ﴿ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في معنى دون معنى -يريد والله أعلم- أنه تعبدهم بما شاء أن يتعبدهم [به] (١٨) (١٩) وقال ابن الأنباري في هذه الآية: (يسأل السائل عن هذا فيقول: ما في هذا من الاحتجاج على المشركين؟

فيُقال له: الاحتجاج أن الله عز وجل قد ركب في الناس عقولاً، وجعل لهم أفهامًا، ألزمهم بها، تدبر أمر الأنبياء، والتمسك بطاعته، وأنه تعالى قد أنعم على الطير والدواب بأن جعل لها (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال بعض أهل التأويل: (إنما مثلت الأمم من غير الناس بالناس في الحاجة وشدة الفاقة إلى مدبر يدبرهم في أغذيتهم وكِنهم ولباسهم ونومهم ويقظتهم وهدايتهم إلى مراشدهم، إلى ما لا يحصى (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) فهذه أقوال المفسرين وأهل التأويل في هذه الآية.

وبعد هذا كله فقد أخبرونا عن أبي سليمان البستي الفقيه -رحمه الله- أنبأ (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ فقال: ما في الأرض آدمي إلا وفيه شبه من البهائم، فمنهم من يهتصر اهتصار (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال أبو سليمان: (ما أحسن ما تأول أبو محمد هذه الآية واستنبط منها هذه الحكمة، وذلك أن الكلام إذا لم يكن حكمه مطاوعًا لظاهره وجب المصير إلى باطنه، وقد أخبر الله تعالى عن وجود المماثلة بيننا وبين كل طائر ودابة، وذلك ممتنع من جهة الخلقة والصورة وعدم من جهة النطق والمعرفة، فوجب أن يكون منصرفًا إلى المماثلة في الطباع والأخلاق (٤١) (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما تركنا من شيء إلا وقد بيناه لكم) (٤٤) قال العلماء: (هذا من العام الذي أريد به الخاص؛ لأن المعنى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ بالعباد إليه حاجة إلا وقد بيناه إما نصًّا، وإما دلالة، وإما مجملاً، وإما مفصلاً، فالمجمل كقوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  ﴾ ، والمفصل ما فصل بيانه مما لا يحتاج فيه إلى بيان الرسول، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  ﴾ ، وأن مما أتانا رسول الله  أن قال: "لعن الله الواشمة والمستوشمة" (٥٣) و (٥٤)  قال ذات يوم وهو جالس في المسجد: (لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه عن كتاب الله، فقال له رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور (٥٥) ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  ﴾ ، وأخبرنا (٥٦)  [أنه] (٥٧) (٥٨) (٥٩)  - أنه قال: للمحرم قتل الزنبور) (٦٠) (٦١) (٦٢)  : اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي فأقول، قال: "قل"، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا ...

وذكر القصة، فقال النبي  : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" (٦٣)  من الكتاب لما حكم هو بهما، وهذا يبين لك أن كل ما يحكم به النبي  كان ذلك كما لو حكم به الكتاب نصًّا) (٦٤) والكتاب على هذا التأويل المراد به القرآن (٦٥) ومعنى ﴿ مَا فَرَّطْنَا ﴾ : ما ضيعنا وما تركنا وما قصرنا (٦٦) ﴿ قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ أي: شيئًا و ﴿ مِن ﴾ زائدة (٦٧) وقيل: (المراد بالكتاب هاهنا الكتاب الذي هو عند الله عز وجل المشتمل على ما كان ويكون، وهو اللوح المحفوظ)، وهو قول (٦٨) (٦٩)  .

"جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة" (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد.

للجزاء إما ثواب وإما عقاب) (٧١) (٧٢) كما روينا عن أبي هريرة (٧٣) ﴿ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ  ﴾ ، ومعنى ﴿ إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ أي: إلى حيث لا يملك النفع والضر إلا الله جل (٧٤) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 32، وابن الجوزي 3/ 34.

(٢) "معاني القرآن" 2/ 245.

(٣) ذكره الرازي 12/ 212.

(٤) في (ش): (توكيد)، وهذا هو قول قطرب كما في "الزاهر" 1/ 58 - 59، ونقل عن أبي العباس أنه قال: (ليس يطير بجناحيه توكيدًا، ولكنه دخل؛ لأن الطيران يكون بالجناحين ويكون بالرجلين، فطيران الطائر من البهائم بجناحيه، ومن الناس برجليه ألا ترى أنك تقول: زيد طائر في حاجته، معناه: مسرع برجليه) ا.

هـ.

(٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 332، وهو قول عامة أهل التفسير ومنهم الطبري 7/ 179، والنحاس في "معانيه" 2/ 422، والسمرقندي 3/ 227، والبغوي 3/ 141، وابن عطية 5/ 193.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 245.

(٧) العنبري: قُريَط بن أنيف العنبرى التميمي شاعر جاهلي.

انظر: "الأعلام" 5/ 195.

(٨) "الحماسة" لأبي تمام 1/ 4، وفي "عيون الأخبار" 1/ 188 الرجل من بلعنبر، وبلا نسبة في "مجال ثعلب" ص 405، و"الصناعتين" ص 285، والرازي 12/ 212، و"الدر المصون" 4/ 112، و"روح المعاني" 7/ 143، وصدره: قَوْمٌ إذا الشرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ وهو من قصيدة تُعد من عيون الشعر، اختارها أبو تمام أول مقطوعة في "الحماسة"، والزرافات، بالفتح: الجماعات، والوحدان، بالضم، جمع واحد.

وفي الحماسة فقط: قاموا، بدل طاروا.

(٩) قوله: ليتمحض غير واضح في النسخ، واللفظ نفسه عند الرازي 12/ 213، والقرطبي 6/ 419.

(١٠) "معاني الفراء" 1/ 332.

(١١) في (أ): (ولولا).

(١٢) أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 54، 56، وأبو داود (2845) كتاب: الضحايا، باب: في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، والترمذي (1486) كتاب: الصيد، باب: ما جاء في قتل الكلاب، والنسائي 7/ 185، كتاب: الصيد، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها، وابن ماجة (3205)، كتاب: الصيد، باب: النهي عن == اقتناء الكلب إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية، والدارمي 2/ 1277 (2051) عن عبد الله بن مغفل  عن النبي  قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ، ولكن اقتلوا كل أسود بهيم" ا.

هـ.

أي: خالص السواد.

قال الترمذي: (حديث حسن صحيح).

(١٣) ذكره عن الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 213، وأبو حيان في "البحر" 4/ 120، وفي "تنوير المقباس" 2/ 17، نحوه، وذكر الرازي بعده أن هذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.

(١٤) أخرجه الطبري 7/ 1871، وابن أبي حاتم 4/ 1285 بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 20.

(١٥) لفظ: (أمة).

ساقط من (أ).

(١٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 1/ 206، والطبري 7/ 189، وابن أبي حاتم 4/ 1286، والحاكم في "المستدرك" 2/ 316، والواحدي في "الوسيط" 1/ 33، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأخرج أحمد 2/ 235 - 363، من طرق جيدة عن أبي هريرة أن النبي  قال: "يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة" ا.

هـ وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 352، وقال: (رواه أحمد، ورجاله رجال == الصحيح)، وله شواهد انظر: "المسند" 1/ 72، ومجمع "الزوائد" 10/ 352 - 353، والقرناء: ذات القرون، والجماء: التي لا قرون لها.

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 245.

(١٨) لفظ: (به) ساقط من (ش).

(١٩) "تهذيب اللغة" 1/ 205، وهذا قول أبي عبيدة أيضاً في "مجاز القرآن" 1/ 191، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 421: (وأكثر أهل التفسير يذهب إلى أن المعنى: أنهم يخلقون كما يخلقون ويبعثون كما يبعثون) ا.

هـ.

ورجحه الطبري في "تفسيره" 7/ 188، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 192، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 420، و"التذكرة" ص 329.

(٢٠) في (أ): (جعل لهم).

(٢١) في (ش): (أن الأمم).

(٢٢) في (أ): (تفهم).

(٢٣) ذكره ابن الجوزي 3/ 35، وأبو حيان في "البحر" 4/ 118 - 119، عن ابن الأنباري.

(٢٤) في (ش): (فيما لا يحصى).

(٢٥) لفظ: (كل) ساقط من (ش).

(٢٦) انظر: "تفسير الرازي" 12/ 211 - 213، و"البحر المحيط" 4/ 120.

(٢٧) "تأويل مشكل القرآن" ص 445.

(٢٨) في (ش): (أخبرنا).

(٢٩) ابن الزئبقي: محمد بن أحمد بن عمرو الزئبقي البصري، روى عن يحيى بن أبي طالب، وحدث عنه غير واحد من البصريين، قاله ابن ماكولا في "الإكمال" 4/ 228: لم أجد له ترجمته عند غيره.

والزئبقي، بكسر الزاي وسكون الياء وفتح الباء وبعدها قاف: نسبة إلى الزئبق وبيعه، انظر: اللباب 2/ 85.

(٣٠) موسى بن زكريا التستري أبو عمران متروك، توفي قبل 300 هـ.

انظر: "سؤالات الحاكم" للدارقطني ص 156، و"ميزان الاعتدال" 5/ 330، و"المغني في الضعفاء" 2/ 683، و"لسان الميزان" 7/ 105، و"التُّسْتَري" نسبة إلى بلدة تستر من كور الأهواز من خوزستان.

انظر: "اللباب" 1/ 216.

(٣١) أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني، تقدمت ترجمته.

(٣٢) العتبي: محمد بن عبيد الله بن عمرو الأموي، أبو عبد الرحمن البصري، إمام علامة فصيح راوية للأخبار والأدب وشاعر مشهور، توفي نحو سنة 228 هـ.

انظر: "المعارف" ص 538، و"تاريخ بغداد" 2/ 324، و"فيات الأعيان" 4/ 398، و"سير أعلام النبلاء" 11/ 96، و"الأعلام" 6/ 258.

والعتبي بالضم وسكون التاء وبعدها باء: نسبة إلى جده عتبة بن أبي سفيان الأموي.

انظر: "اللباب" 2/ 320.

(٣٣) المهتصر: الأسد.

والهصر، بالفتح: الجذب والإمالة وعطف شيء رطب وكسره من غير بينونة، واهتصر النخلة: ذلل عذوقها وسواها.

انظر: "القاموس" ص 498 (هصر).

(٣٤) تطوست المرأة: تزينت، والمطوس: الشيء الحسن.

انظر: "القاموس" ص 555 (طوس).

(٣٥) في (ش): (التي ألقى إليها الطعام)، وفي العزلة للخطابي ص 75: (التي لو ألقي لها الطعام).

(٣٦) الرجيع: الروث.

انظر: "القاموس" ص 721 (رجع).

(٣٧) ولغ السبع في الإناء، أي: شرب ما فيه بأطراف لسانه.

انظر: "القاموس" ص 790 (ولغ).

(٣٨) في (ش): (وكذلك).

(٣٩) في (ش): (يحفظ).

(٤٠) في (ش): (يرويه ويحفظه).

(٤١) في (ش): (بلا خلاف)، وهو تحريف.

(٤٢) في (ش): (يعاشر) بالياء.

(٤٣) "العزلة" للخطابي ص 76، وروايته عن سفيان بن عيينة ضعيفة لمكان موسى التستري كما سبق.

وذكره عن سفيان الرازي 12/ 214، وأبو حيان في "البحر" 4/ 120، وقال القرطبي 6/ 420، بعد ذكر قول سفيان: (استحسنه الخطابي، وهو أيضًا حسن، فإنه تشبيه واقع في الوجود) ا.

هـ.

بتصرف.

(٤٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 34، وابن الجوزي 3/ 35.

(٤٥) في (أ)، (ش): (وأنزلنا)، وهو تحريف.

(٤٦) في (ش): (فذلك).

(٤٧) في (ش): (والموشومة)، قال ابن الأثير في "النهاية" 5/ 189: (الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بصبغ فيظهر أثره.

والمستوشمة والموتشمة التي يفعل بها ذلك) ا.

هـ بتصرف.

(٤٨) قال ابن الأثير في "النهاية" 5/ 192: (الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر زور، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك) ا.

هـ (٤٩) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 10/ 373 - عند كلامه على هذا الحديث-: (المرأة هي أم يعقوب من بني أسد بن خزيمة، ولم أقف لها على ترجمة) ا.

هـ.

(٥٠) ابن أم عبد، هو: الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود  ، قد ينسب إلى أمه أم عبد بنت عبد بن سواء من هذيل صحابية  ا.

انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 431.

(٥١) لفظ: (الجلالة) ساقط من (أ).

(٥٢) في (أ): (لو تلوتيه لوجدتيه)، وقال ابن حجر في "الفتح" 10/ 373) - عند كلامه على الحديث-: (روى مسلم: ليِّن كنت قرأتيه لقد وجدتيه بإثبات الياء، وهي لغة، والأفصح حذفها في خطاب المؤنث في الماضي) ا.

هـ (٥٣) الحديث متفق عليه أخرجه البخاري في "صحيحه" (5931)، في كتاب: "اللباس"، باب المتفلجات للحسن، ومسلم 2/ 1180، 1181 حديث رقم (2124 - 2125)، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وانظر: شرحه في "فتح الباري" 10/ 372 - 380، 8/ 630.

(٥٤) لفظ: (الواو) ساقط من (ش).

(٥٥) الزنبور -بضم الزاي المشددة وسكون النون وضم الباء-: ذباب لساع.

انظر: "القاموس" ص 401 (زنبور).

(٥٦) في (أ): (وأخبر فلان).

(٥٧) لفظ: (أنه) ساقط من (ش).

(٥٨) حديث صحيح، أخرجه أحمد 4/ 126 - 127، والدارمي 1/ 229 - 230، وأبو داود رقم (4607)، والترمذي رقم (2676)، وابن ماجة رقم (42 - 44)، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 29 - 30، والحاكم 1/ 95 - 97 من طرق عن العرباض == بن سارية  ، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرطهما ، ولم أعرف له علة)، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة" لابن أبي عاصم.

(٥٩) الأثر عن عمر  أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 443، رقم 8380 - 8381، وابن أبي شيبة 3/ 334، والبيهقي في سننه 5/ 211، بسند جيد عن سويد بن عفلة الجعفي، وانظر: "المغني" لابن قدامة 5/ 175 - 177.

(٦٠) روى هذه القصة البيهقي في سننه 5/ 212 عن عبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي قال: (سمعت الشافعي بمكة يقول: سلوني ما شئتم أجبكم من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله  قال: فقلت له: أصلحك الله!

ما تقول في المحرم بقتل زنبورًا؟

قال: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ .

حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة قال: قال رسول الله  : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"، وحدثنا سفيان بن عيينة عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب  أنه أمر المحرم بقتل الزنبور) ا.

هـ.

وحديث: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" حديث صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 352 (31933)، والترمذي في "المناقب" 5/ 609 - 610، حديث 3662 - 3663، وحسنه، وابن ماجة في "المقدمة" 1/ 37، حديث 97، وابن أبي عاصم في كتاب: السنة 2/ 545 - 546، وصححه الألباني في "ظلال الجنة في تخريج السنة".

(٦١) نقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 216، وقال: (وأما الطريق الذي ذكره الشافعي فهو تمسك بالعموم على أربع درجات: أولها: التمسك بعموم قوله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي  بمتابعة الخلفاء الراشدين.

وثانيها: التمسك بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".

== وثالثها: أن عمر  كان من الخلفاء الراشدين.

ورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئًا) ا.

هـ.

(٦٢) العسيف: الأجير سمي لأن المستأجر يعسفه في العمل.

انظر: "النهاية" 3/ 236، و"فتح الباري" 12/ 139.

(٦٣) حديث العسيف حديث متفق عليه أخرجه البخاري (6827، 6828)، ومسلم حديث (1697 - 1698)، كلاهما في كتاب الحدود باب الاعتراف بالزنا، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله  فقال: يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله  : "قل".

قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله  ) ا.

هـ.

لفظ مسلم.

وانظر: شرح الحديث في "فتح الباري" 12/ 137 - 142.

(٦٤) ذكر قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 217، والقاسمي في "تفسيره" 6/ 517 - 521.

وانظر البحث في هذا الموضوع في "الموافقات" للشاطبي 2/ 79، 3/ 336.

(٦٥) وهو قول الجمهور ورجحه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 546، وابن عطية في "تفسيره" 5/ 194؛ لأنه هو الذي يقتضيه سياق الآية والمعنى، قال الرازي في "تفسيره" 12/ 215: (هذا أظهر؛ لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن) ا.

هـ.

وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 112، و"البحر المحيط" 4/ 120، و"تفسير القاسمي" 6/ 515 - 516.

(٦٦) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 191.

(٦٧) انظر: "التبيان" 1/ 331، و"الفريد" 2/ 145 - 146، و"البحر" 4/ 120 - 121، و"الدر المصون" 4/ 612، ونقل قول الواحدي الرازي في "تفسيره" 12/ 218، وقال: (من للتبعض، فكأن المعنى: ما فرطنا في الكتاب بعض شيء يحتاج المكلف إليه، وهذا هو نهاية المبالغة في أنه تعالى ما ترك شيئاً مما يحتاج المكلف إلى معرفته في هذا الكتاب) ا.

هـ.

(٦٨) أخرجه الطبري 7/ 188، وابن أبي حاتم 4/ 1286 بسند جيد عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2 /207، بسند جيد عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد عن ابن زيد، وهو اختيار مقاتل 1/ 560، والطبري والسمرقندي 1/ 483، والبغوي 3/ 142، والزمخشري 2/ 17، == وابن كثير 2/ 147، وهو الظاهر -والله أعلم- قال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 147 - 150: (هو أظهر القولين وأظهر في الآية، والسياق يدل عليه) ا.

هـ.

(٦٩) (تقدم أنه علي بن أبي طلحة: والوالِبي: نسبة إلى والب بن الحارث بن ثعلبة بطن من بني أسد، ينسب إليه جماعة منهم: سعيد بن جبير بن هشام الناس الأسدي الوالبي، أبو محمد الكوفي، تابعي إمام عابد، وفضله ومناقبه وثناء الأئمة عليه كثير، قتله الحجاج سنة 95 هـ.

ولم يكمل 50 سنة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 256، و"الجرح والتعديل" 4/ 9، و"الحلية" 4/ 272، و"تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 216، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 321، و"تهذيب التهذيب" 2/ 9، هذا هو المشهور في الوالبي كما في "اللباب" 3/ 350، ولكن مراد الواحدي كما في "أسباب النزول" ص 39، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في "الفتاوى" 8/ 150، 14/ 238، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 147، أن الوالبي هو علي بن أبي طلحة ولم أجد في ترجمته من نسبه إلى ذلك؛ وهو: علي ابن سالم بن مخارق الهاشمي مولاهم أبو الحسن ابن أبي طلحة الحمصي، أصله من الجزيرة، إمام صدوق مشهور برواية التفسير عن ابن عباس  ما، ولم يسمع منه، ولكنه أخذه عن الثقات من أصحاب ابن عباس، وقد أشاد العلماء بصحيفته في التفسير واعتمدوها في كتبهم، توفي سنة 143 هـ.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 458، و"الجرح والتعديل" 6/ 188، و"مشاهير علماء الأمصار" ص182، و"تاريخ بغداد" 11/ 429، و"ميزان الاعتدال" 3/ 134، و"تهذيب التهذيب" 3/ 171، ومقدمة "معجم غريب القرآن" لمحمد فؤاد عبد الباقي.

(٧٠) أخرج الإمام أحمد 4/ 286 - 288، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 137 - 139، حديث طويل عن ابن عباس، وفيه: قال النبي  : "قد جف القلم بما هو كائن ...

"، الحديث.

وصححه أحمد شاكر، والألباني في تخريجهما لذلك.

(٧١) ذكره القرطبي 6/ 421، وفي "تنوير المقباس" 2/ 17، نحوه.

(٧٢) هذا قول الجمهور كما في "البحر" 4/ 121، ورجحه القرطبي 6/ 421، وانظر: الطبري 7/ 171، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 193.

(٧٣) سبق تخريجه.

(٧٤) في (ش): (إلا الله تعالى).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال: طائر للسعد والنحس ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك، ومناسبة ذكر هذا لما قبله من وجهين: أحدهما أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكروا في مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات، والآخر: تنبيه على البعث، كأنه يقول: جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر لقوله بعده: ثم إلى ربهم يحشرون ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب ﴾ أي ما غفلنا، والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام على هذا عام، وقيل: هو القرآن والكلام على هذا خاص: أي ما فرطنا فيه من شيء فيه هدايتكم، والبيان لكم ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ أي تبعث الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.

الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.

فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.

وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.

قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.

قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.

وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.

وكما يقال: مشيت إليه برجلي.

وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.

قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.

وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟

نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه  ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.

ومعرفة الذكر والأنثى.

وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.

وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.

وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.

وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .

وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.

وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.

فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.

واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.

وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله  موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.

وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.

قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.

ثم زعموا أن الله  أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.

وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله  أعلم بحقيقة الحال.

﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.

وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.

والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.

وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.

وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.

وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ﴾ للطب.

وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين  ﴾ للحساب.

وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ للأخلاق.

وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله  أعلم.

أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه  يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.

الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.

وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله  بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله  حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.

فرع آخر: كل حيوان أذن الله  في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.

فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.

فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.

وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.

فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله  فإنه  يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو  أعلم.

ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.

ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً  ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.

أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.

ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.

فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.

أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.

فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.

وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.

والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.

فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.

وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.

وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.

وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.

فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟

ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.

وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب  ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله  لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟

وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.

ثم سلى النبي  بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.

ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.

وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.

والبأساء والضراء البؤس والضر.

أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.

ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.

احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.

وأجيب بأن الترجي في حقه  محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه  يعاملهم معاملة المترجي.

فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.

أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.

ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.

ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.

وقال  "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله  " .

قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.

وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.

ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.

وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.

"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.

دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.

أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.

الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.

والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.

وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله  ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته  فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.

قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.

والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.

ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.

ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.

والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.

وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.

وقالت الأشاعرة: لولا منع الله  لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.

ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.

ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.

أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله  "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.

وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.

فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.

قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.

قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.

وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.

ثم أمر نبيه  أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.

قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي  يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.

واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله  والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح  .

وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً  ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك  ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير  ﴾ فاكتفى بذلك.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.

قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.

﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه  لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.

ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.

وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله  أعلم وأحكم.

التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا  ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.

﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.

﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.

﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.

﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.

والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.

فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال  في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعاً، لكن الوجه فيه ما ذكرنا [أنه] إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ كان النبي -  - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أنه\] على الابتداء؛ يبعثهم الله ثم إليه يرجعون.

وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتاً والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ  ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة [أبدية في] الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [....]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا.

والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا بذلك؟!

ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً  ﴾ .

والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات.

وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعاً المكتسبة والمنشأة فيسمى كلاًّ بالأسماء التي اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : هؤلاء قوم همتهم العناد والمكابرة [وإلا] قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات.

فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...

﴾ الآية [الإسراء: 88].

وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنبأهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها.

[والآيات الحسيات]: هي ما سقى أقواماً كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها.

لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : التي سألوك، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أن [يكون] أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا.

ويحتمل قوله  : ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة [بهم] إليها.

ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.

أو [إن أنزل آية] على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً  ﴾ ؛ لأنه ذكر "دابة"، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء.

لما كان قادراً على خلق هذه الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، [فهو قادر] على أن ينزل آية؛ [ولو أنزل آية] لاضطروا جميعاً إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، وعلى هذا يُخرَجُ [مخرج] قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

[و] من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

ثم اختلف في قوله  : ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : عن أبي هريرة -  - قال في قوله -  -: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : أي: إلا سيحشرون يوم القيامة [كما تحشرون]، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً  ﴾ ؛ كالبهائم.

وعن ابن عباس قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي كما تعرفون أنتم.

وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : سخرها لكم لم يكن منها ما يكون منكم من العناد [والخلاف] والتكذيب للرسل والخروج عليهم؛ بل خاضعين لكم مذللين تنتفعون بها.

ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق الطاعة لله؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ أي: ما تركنا شيئاً إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن.

وعن ابن عباس -  ما - قال: ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب: وهو اللوح المحفوظ.

وقيل: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ : ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن.

﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ .

قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ : يعني بني آدم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .

قال الحسن: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ : ديننا.

وقال غيره: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة والنبوة.

ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ .

هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان.

ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون [منه]، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ لما لم ينتفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر.

أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنُفِي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، والحياة المكتسبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ظلمات الجهل والكفر.

والثاني: هم في ظلمات: يعني ظلمات السمع، والبصر، والقلب.

وهم في الظلمتين جميعاً: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ كقوله -  -: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ  ﴾ ، والمؤمن في النور؛ كقوله -  -: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وصف - عز وجل - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعاً متقلبين في مشيئته، وأخبر أنه شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى [لكن] لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عز وجل؛ لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى.

وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل الكفر منه، وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق فعل الاهتداء منه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما من حيوان يتحرك فوق الأرض، ولا طائر يطير في السماء إلا أجناس مثلكم -يا بني آدم- في الخلق والرزق، ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، والجميع علمهم عند الله، ثم إلى ربهم وحده يوم القيامة يجمعون لفصل القضاء، فيجازي كلًّا بما يستحقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.XxgNK"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله