الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٣٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) أي : مثلهم في جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل أصم - وهو الذي لا يسمع - أبكم - وهو الذي لا يتكلم - وهو مع هذا في ظلام لا يبصر ، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطريق ، أو يخرج مما هو فيه؟
كما قال تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون [ البقرة : 17 ، 18 ] ) وكما قال [ تعالى ] ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) [ النور : 40 ] ; ولهذا قال تعالى : ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) أي : هو المتصرف في خلقه بما يشاء .
القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين كذبوا بحجج الله وأعلامه وأدلته (19) =" صمٌّ"، عن سماع الحق =" بكم "، عن القيل به (20) =" في الظلمات " ، يعني: في ظلمة الكفر حائرًا فيها, (21) يقول: هو مرتطم في ظلمات الكفر, لا يبصر آيات الله فيعتبر بها, ويعلم أن الذي خلقه وأنشأه فدبَّره وأحكم تدبيره، وقدَّره أحسن تقدير، وأعطاه القوة، وصحح له آلة جسمه = لم يخلقه عبثًا، ولم يتركه سدًى, ولم يعطه ما أعطاه من الآلات إلا لاستعمالها في طاعته وما يرضيه، دون معصيته وما يسخطه.
فهو لحيرته في ظلمات الكفر، وتردّده في غمراتها, غافلٌ عمَّا الله قد أثبت له في أمّ الكتاب، وما هو به فاعلٌ يوم يحشر إليه مع سائر الأمم.
ثم أخبر تعالى ذكره أنه المضِلّ من يشاء إضلالَه من خلقه عن الإيمان إلى الكفر، والهادي إلى الصراط المستقيم منهم من أحبَّ هدايته، فموفّقه بفضله وطَوْله للإيمان به، وترك الكفر به وبرسله وما جاءت به أنبياؤه, وأنه لا يهتدي من خلقه أحد إلا من سبق له في أمّ الكتاب السعادة, ولا يضل منهم أحد إلا من سبق له فيها الشقاء, وأنّ بيده الخير كلُّه, وإليه الفضل كله, له الخلق والأمر.
(22) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال قتادة: 13225 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " صم وبكم "، هذا مثل الكافر، أصم أبكم, لا يبصر هدًى، ولا ينتفع به, صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكِّع فيها.
------------------- الهوامش : (19) انظر تفسير"الآية" فيما سلف من فهارس اللغة (أيي).
(20) انظر تفسير"صم" و"بكم" فيما سلف 1: 328 - 331/3 : 315.
(21) وحد الضمير بعد الجمع فقال: "حائرا فيها" ، يعني الكافر المكذب بآيات الله ، وهو جائز في مثل هذا الموضع من التفسير.
(22) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
= وتفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 10: 429 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : [ ص: 330 ] والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيمقوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ابتداء وخبر ، أي : عدموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم ; فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون .
وقد تقدم في البقرة .
في الظلمات أي : ظلمات الكفر .
وقال أبو علي : يجوز أن يكون المعنى صم وبكم في الآخرة ; فيكون حقيقة دون مجاز اللغة .
من يشأ الله يضلله دل على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله .
ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم أي : على دين الإسلام لينفذ فيه فضله .
وفيه إبطال لمذهب القدرية .
والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا ، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه .
هذا بيان لحال المكذبين بآيات الله، المكذبين لرسله، أنهم قد سدوا على أنفسهم باب الهدى، وفتحوا باب الردى، وأنهم { صُمٌّ } عن سماع الحق { وَبُكْمٌ } عن النطق به، فلا ينطقون إلا بباطل .
{ فِي الظُّلُمَاتِ } أي: منغمسون في ظلمات الجهل، والكفر، والظلم، والعناد، والمعاصي.
وهذا من إضلال الله إياهم، فـ { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } لأنه المنفرد بالهداية والإضلال، بحسب ما اقتضاه فضله وحكمته.
قوله عز وجل : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ) لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به ، ( في الظلمات ) في ضلالات الكفر ، ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) وهو الإسلام .
«والذين كذبوا بآياتنا» القرآن «صم» عن سماعه سماع قبول «وبكم» عن النطق بالحق «في الظلمات» الكفر «من يشأ الله» إضلاله «يضلله ومن يشأ» هدايته «يجعله على صراط» طريق «مستقيم» دين الإسلام.
والذين كذبوا بحجج الله تعالى صمٌّ لا يسمعون ما ينفعهم، بُكْمٌ لا يتكلمون بالحق، فهم حائرون في الظلمات، لم يختاروا طريقة الاستقامة.
من يشأ الله إضلاله يضلله، ومن يشأ هدايته يجعله على صراط مستقيم.
ثم قال - تعالى - { والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات } .أى : مثلهم فى جهلهم وقلة علمهم وعدم فهمهم كمثل الأصم الذى لا يسمع ، والأبكم الذى لا يتكلم وهو مع ذلك فى ظلمات لا يبصر ، فكيف يهتدى مثل هذا إلى الطريق القويم أو يخرج مما هو فيه من ضلال .ففى التعبير القرآنى استعارة تمثيلية إذ شبهت حال الجاحدين المعرضين عن كل دليل وبرهان بحال الصم البكم الذين يعيشون فى الظلام من حيث لا نور يهديهم .ثم قال - تعالى - : { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .أى : من يشأ الله له الضلالة أضله بأن يجعله يسير فى طريق هواه بسبب إعراضه عن طريق الخير ، وإيثاره العمى على الهدى ، ومن يشأ الله له الهداية يهده ، لأنه قد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى .
فالهداية والضلالة ليسا إجباريين لا اختيار للعبد فيهما ، وإنما الحق أن للعبد اختيارا فى الطريق الذى يسلكه ، فإن كان خيرا خطا فيه إلى النهاية ، وإن كان شرا سار فيه إلى الهاوية .
فيه مسائل: المسألة الأولى: في وجه النظم قولان: الأول: أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ والموتى يَبْعَثُهُمُ الله ﴾ فذكر هذه الآية تقريراً لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم ﴾ في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم، وفي أن عناية الله محيطة بهم، ورحمته واصلة إليهم، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاماً ألبتة، بكم لا ينطقون بالحق، خائضون في ظلمات الكفر، غافلون عن تأمل هذه الدلائل.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال ليس إلا من الله تعالى.
وتقريره أنه تعالى وصفهم بكونهم صماً وبكماً وبكونهم في الظلمات وهو إشارة إلى كونهم عمياً فهو بعينه نظير قوله في سورة البقرة ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو صريح في أن الهدى والضلال ليسا إلا من الله تعالى.
قالت المعتزلة: الجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي معناه أنه تعالى يجعلهم صماً وبكماً يوم القيامة عند الحشر.
ويكونون كذلك في الحقيقة بأن يجعلهم في الآخرة صماً وبكماً في الظلمات، ويضلهم بذلك عن الجنة وعن طريقها ويصيرهم إلى النار، وأكد القاضي هذا القول بأنه تعالى بين في سائر الآيات أنه يحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم.
والوجه الثاني: قال الجبائي أيضاً ويحتمل أنهم كذلك في الدنيا، فيكون توسعاً من حيث جعلوا بتكذيبهم بآيات الله تعالى في الظلمات لا يهتدون إلى منافع الدين، كالصم والبكم الذين لا يهتدون إلى منافع الدنيا.
فشبههم من هذا الوجه بهم، وأجرى عليهم مثل صفاتهم على سبيل التشبيه.
والوجه الثالث: قال الكعبي قوله: ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ محمول على الشتم والإهانة، لا على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة.
وأما قوله تعالى: ﴿ مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ ﴾ فقال الكعبي: ليس هذا على سبيل المجاز لأنه تعالى وإن أجمل القول فيه هاهنا، فقد فصله في سائر الآيات وهو قوله: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين ﴾ وقوله: ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى ﴾ وقوله: ﴿ يَهْدِى بِهِ الله مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ ﴾ وقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت ﴾ وقوله: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبلنا ﴾ فثبت بهذه الآيات أن مشيئة الهدى والضلال وإن كانت مجملة في هذه الآية، إلا أنها مخصصة مفصلة في سائر الآيات، فيجب حمل هذا المجمل على تلك المفصلات، ثم إن المعتزلة ذكروا تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل من وجوه: الأول: أن المراد من قوله: ﴿ الظلمات مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ ﴾ محمول على منع الألطاف فصاروا عندها كالصم والبكم.
والثاني: ﴿ مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ ﴾ يوم القيامة عن طريق الجنة وعن وجدان الثواب، ومن يشأ أن يهديه إلى الجنة يجعله على صراط مستقيم، وهو الصراط الذي يسلكه المؤمنون إلى الجنة.
وقد ثبت بالدليل أنه تعالى لا يشاء هذا الاضلال إلا لمن يستحق عقوبة كما لا يشاء الهدى إلا للمؤمنين.
وأعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره.
وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيداً جداً، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله، وبتخليقه وتقديره وتكوينه، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسداً قطعاً، وأيضاً فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ ﴾ وفي سائر الآيات، فلا حاجة إلى الإعادة، وأقربها أن هذا الاضلال والهداية معلقان بالمشيئة، وعلى ما قالوه: فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ اختلفوا في المراد بتلك الآيات، فمنهم من قال: القرآن ومحمد، ومنهم من قال: يتناول جميع الدلائل والحجج، وهذا هو الأصح.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف أتبعه قوله: ﴿ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ ؟
قلت: لما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال: والمكذبون ﴿ صُمٌّ ﴾ لايسمعون كلام المنبه ﴿ وَبُكْمٌ ﴾ لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه، ثم قال إيذاناً بأنهم من أهل الطبع ﴿ مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ ﴾ أي يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللطف ﴿ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي يلطف به لأنّ اللطف يجدي عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ ﴾ لا يَسْمَعُونَ مِثْلَ هَذِهِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ سَماعًا تَتَأثَّرُ بِهِ نُفُوسُهم.
﴿ وَبُكْمٌ ﴾ لا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ.
﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ أيْ خابِطُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ.
﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ يُضْلِلْهُ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ لَنا عَلى المُعْتَزِلَةِ.
﴿ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ بِأنْ يُرْشِدَهُ إلى الهُدى ويَحْمِلَهُ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته قال {والذين كذبوا بآياتنا صم} لا يسمعون كلام المنيه {وَبُكْمٌ} لا ينطقون بالحق خابطون {فِي الظلمات} أي ظلمة الجهل والحيرة والكفر غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه صُمٌّ وَبُكْمٌ خبر الذين ودخول الواو لا يمنع من ذلك وفى الظلمات خبر آخر ثم قال إيذاناً بأنه
فعال لما يريد {مَن يَشَأْ الله يُضْلِلْهُ} أي من يشأ الله ضلاله يضلله {وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ} وفيه دلالة خلق الأفعال وإرادة المعاصي ونفي الأصلح
﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ أيِ القُرْآنِ أوْ سائِرِ الحُجَجِ ويَدْخُلُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودَيْنِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ﴾ إلَخْ أوِ الأعَمُّ مِن أُولَئِكَ، والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ما فَرَّطْنا ﴾ إلَخْ أوْ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (صُمٌّ بُكْمٌ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَعْضُهم صُمٌّ وبَعْضُهم بُكْمٌ.
والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَإ والأوَّلُ أوْلى.
وهو مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ عَلى القَوْلِ الأصَحِّ في أمْثالِهِ أيْ أنَّهم كالصُّمِّ وكالبُكْمِ فَلا يَسْمَعُونَ الآياتِ سَماعًا تَتَأثَّرُ مِنهُ نُفُوسُهم ولا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِالحَقِّ ولِذَلِكَ لا يَسْتَجِيبُونَ ويَقُولُونَ في الآياتِ ما يَقُولُونَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ أيْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ وأنْواعِهِ أوْ في ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ العِنادِ وظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ في الباطِلِ إمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِلْمَوْصُولِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ ﴿ عَمًى ﴾ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ ووَجْهُ تَرْكِ العَطْفِ فِيهِ دُونَ ما تَقَدَّمَهُ الإيماءُ إلى أنَّهُ وحْدَهُ كافٍ في الذَّمِّ والإعْراضِ عَنِ الحَقِّ، واخْتِيرَ العَطْفُ فِيما تَقَدَّمَ لِلتَّلازُمِ، وقَدْ يُتْرَكُ رِعايَةً لِنُكْتَةٍ أُخْرى وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: ضالُّونَ خابِطِينَ أوْ كائِنِينَ في الظُّلُماتِ.
ورَجَحَتِ الحالِيَّةُ بِأنَّها أبْلَغُ إذْ يُفْهَمُ حِينَئِذٍ أنَّ صَمَمَهم وبُكْمَهم مُقَيَّدٌ بِحالِ كَوْنِهِمْ في ظُلُماتِ الكُفْرِ أوِ الجَهْلِ وأخَوَيْهِ حَتّى لَوْ أُخْرِجُوا مِنها لَسَمِعُوا ونَطَقُوا، وعَلَيْها لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ تَرْكِ العَطْفِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم في الظُّلُماتِ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ (بُكْمٍ) أوْ ظَرْفًا لَهُ أوْ لِـ (صُمٍّ) أوْ لِما يَنُوبُ عَنْهُما مِنَ الفِعْلِ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجَبائِيِّ أنَّ المُرادَ بِالظُّلُماتِ ظُلُماتُ الآخِرَةِ عَلى الحَقِيقَةِ أيْ أنَّهم كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِقابًا لَهم عَلى كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا، والكَلامُ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأُمَمِ عَلى الِإطْلاقِ وفِيهِ بُعْدٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن حالِهِمْ بِبَيانِ أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا فَـ (مَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ ومَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ أيْ إضْلالَهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) مَفْعُولًا مُقَدَّمًا لَهُ لِفَسادِ المَعْنى، والمُرادُ: مَن يُرِدْ سُبْحانَهُ أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ عَنِ الحَقِّ يَخْلُقْهُ فِيهِ حَسَبَ اخْتِيارِهِ النّاشِئِ عَنِ اسْتِعْدادِهِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ (مَن) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَهُ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ مَن يَشُقَّ أوْ يُعَذِّبْ يَشَأْ إضْلالَهُ ﴿ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ 93 - عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيهِ والآيَةُ دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمِانَ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّ الإرادَةَ لا تَتَخَلَّفُ عَنِ المُرادِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لِما رَأى تَخَرُّقَ عَقِيدَتِهِ الفاسِدَةِ رامَ رَقْعَها كَما هو دَأْبُهُ فَقالَ: مَعْنى يُضْلِلْهُ يَخْذُلْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ و (يَجْعَلْهُ) إلَخْ يَلْطُفُ بِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ مَن يَشَأْ إضْلالَهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى الصِّراطِ الَّذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ إلى الجَنَّةِ وهو كَما تَرى وكانَ الظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ ومَن يَشَأْ يَهْدِهِ إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّ هِدايَتَهُ تَعالى وهي إرْشادُهُ إلى الهُدى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، ولِهَذا قِيلَ في تَفْسِيرِ (يَجْعَلْهُ) إلَخْ أيْ يُرْشِدُهُ إلى الهُدى ويَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، <div class="verse-tafsir"
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: محمدا والقرآن صُمٌّ عن الخبر فلا يسمعون الهدى وَبُكْمٌ يعني: خرساً فلا يتكلمون بخير فِي الظُّلُماتِ يعني: في الضلالات مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يعني: يخذله فيموت على الكفر وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: يستنقذه من الكفَر فيوفّقه للإسلام.
ثم قال: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ الكاف زيادة في بيان الخطاب إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ يعني: القيامة، ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ليدفع عنكم العذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.
قوله تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ قال أهل اللغة: بل للاستدراك والإيجاب بعد النفي.
وإنما تستعمل في موضعين: أحدهما لتدارك الغلط، والثاني: لترك شيء وأخذ شيء آخر.
فهاهنا بيّن أنهم لا يدعون غير الله تعالى.
وإنما يدعون الله عنهم ليكشف عنهم العذاب.
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى، وفضل الله تعالى يُؤْتِيهِ مَن يشاء.
ثم قال: وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ يعني: تتركون دعاء الآلهة عند نزول الشدة.
ثم ذكر حال الأمم الماضية لكي يعتبروا فقال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكذبوهم على وجه الإضمار فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ يعني: بالخوف والشدة وَالضَّرَّاءِ يعني: الزمانة والفقر وسوء الحال والجوع.
وقال الزجاج: البأساء: الجوع، والضراء: النقص في الأموال والأنفس لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يعني: لكي يرجعوا إليه ويؤمنوا به.
قوله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يقول: فهلا إذا جاءهم عذاباً تَضَرَّعُوا إلى الله ويؤمنون به حتى يرفع عنهم العذاب يعني: أنهم لو آمنوا لدفع عنهم العذاب، ولكن أصروا على ذلك فذاك قوله تعالى: وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت ويبست قلوبهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من عبادتهم الأصنام.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
القول بأنه القرآن خاصّ.
ويُحْشَرُونَ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه- تعالى- يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ ...
الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه- تعالى- ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ.
وقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ.
قال ع «١» : ثم تَنْسَحِبُ على سواهم.
وقوله: فِي الظُّلُماتِ يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ.
قال أبو حَيَّانَ «٢» : فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة ل بُكْمٌ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي:
ضالون في الظلمات.
انتهى.
وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (صُمٌّ) عَنِ القُرْآَنِ لا يَسْمَعُونَهُ، "وَبِكُمْ" عَنْهُ لا يَنْطِقُونَ بِهِ، ﴿ فِي الظُّلُماتِ ﴾ أيْ: في الشِّرْكِ والضَّلالَةِ.
﴿ مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ فَيَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو الإسْلامُ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾ كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟
بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟".
فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.
و ﴿ أتاكم عَذابُ اللهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن تكون الواو للعطف، والمعطوف عليه جملة: ﴿ إنّما يستجيب الذين يسمعون ﴾ .
والمعنى: والذين كذّبوا بآياتنا ولم يستمعوا لها، أي لا يستجيبون بمنزلة صمّ وبكم في ظلمات لا يهتدون.
ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والواو استئنافية، أي عاطفة كلاماً مبتدأ ليس مرتبطاً بجملة معيّنة من الكلام السابق ولكنّه ناشيء عن جميع الكلام المتقدّم.
فإنّ الله لمّا ذكر من مخلوقاته وآثار قدرته ما شأنه أن يعرّف الناس بوحدانيته ويدلّهم على آياته وصدق رسوله أعقبه ببيان أنّ المكذّبين في ضلال مبين عن الاهتداء لذلك، وعن التأمّل والتفكير فيه، وعلى الوجهين فمناسبة وقوع هذه الجملة عقب جملة: ﴿ وما من دابة في الأرض ﴾ [الأنعام: 38] الآية قد تعرّضنا إليها آنفاً.
والمراد بالذين كذّبوا المشركون الذين مضى الكلام على أحوالهم عموماً وخصوصاً.
وقوله: ﴿ صمّ وبكم في الظلمات ﴾ تمثيل لحالهم في ضلال عقائدهم والابتعاد عن الاهتداء بحال قوم صمّ وبُكم في ظلام.
فالصّمم يمنعهم من تلقِّي هدى من يهديهم، والبكَم يمنعهم من الاسترشاد ممّن يمرّ بهم، والظلام يمنعهم من التبصّر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم.
وإنَّما قيل في ﴿ الظلمات ﴾ ولم يوصفوا بأنَّهم عُمّي كما في قوله: ﴿ عُميا وبُكما وصمّا ﴾ [الإسراء: 97] ليكون لبعض أجزاء الهيئة المشبَّهة بها ما يصلح لشبه بعض أجزاء الهيئة المشبَّهة، فإنّ الكفر الذي هم فيه والذي أصارهم إلى استمرار الضلال يشبه الظلمات في الحيلولة بين الداخل فيه وبين الاهتداء إلى طريق النجاة.
وفي الحديث: «الظلم ظلمات يوم القيامة» فهذا التمثيل جاء على أتمّ شروط التمثيل.
وهو قبوله لتفكيك أجزاء الهيئتين إلى تشبيهات مفردة، كقول بشّار: كأنّ مُثَار النّقع فوقَ رؤوسنا *** وأسيافنا ليل تَهادَى كواكبُه وجمع الظلمات جار على الفصيح من عدم استعمال الظلمة مفرداً.
وقد تقدّم في صدر السورة، وقيل: للإشارة إلى ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة العناد.
وقوله: ﴿ صمّ وبكم ﴾ خبر ومعطوف عليه.
وقوله: ﴿ في الظلمات ﴾ خبر ثالث لأنّه يجوز في الأخبار المتعددة ما يجوز في النعوت المتعدّدة من العطف وتركه.
وقوله: ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ استئناف بياني لأنّ حالهم العجيبة تثير سؤالاً وهو أن يقول قائل ما بالهم لا يهتدون مع وضوح هذه الدلائل البيّنات، فأجيب بأنّ الله أضلّهم فلا يهتدون، وأنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، فدلّ قوله: ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ على أنّ هؤلاء المكذّبين الضالّين هم ممَّن شاء الله إضلالهم على طريقة الإيجاز بالحذف لظهور المحذوف، وهذا مرتبط بما تقدّم من قوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ﴾ [الأنعام: 35].
ومعنى إضلال الله تقديره الضلال؛ بأن يخلق الضّالّ بعقل قابل للضلال مُصرّ على ضلاله عنيد عليه فإذا أخذ في مبادئ الضلال كما يعرض لكثير من الناس فوعظه واعظ أو خطر له في نفسه خاطر أنَّه على ضلال منعه إصراره من الإقلاع عنه فلا يزال يهوي به في مهاوي الضلالة حتَّى يبلغ به إلى غاية التخلّق بالضلال فلا ينكفّ عنه.
وهذا ممّا أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ [التين: 4، 5]، ودلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم «إنّ الرجل ليَصْدُق حتَّى يكون صدّيقاً وإنّ الرجل ليكذب حتَّى يُكتب عند الله كذّاباً» وكلّ هذا من تصرّف الله تعالى بالتكوين والخلق وهو تصرّف القدر.
وله اتِّصال بناموس التسلسل في تطوّر أحوال البشر في تصرّفات بعقولهم وعوائدهم، وهي سلسلة بعيدة المدى اقتضتها حكمة الله تعالى في تدبير نظام هذا العالم، ولا يعلم كنهها إلاّ الله تعالى، وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإنّ الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحثّ عليه وتسهيله فإنّ ذلك من فعل الشيطان، كما أنّ الله قد حرم من أراد إضلاله من انتشاله واللطف به لأنّ ذلك فضل مَن هو أعلم بأهله.
ومفعول ﴿ يشأ ﴾ محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، كما هو الشائع في مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً.
والصراط هو الطريق البيّن.
ومعنى المستقيم أنّه لا اعوجاج فيه، لأنّ السّير في الطريق المستقيم أيسر على السائر وأقرب وصولاً إلى المقصود.
ومعنى (على) الاستعلاء، وهو استعلاء السائر على الطريق.
فالكلام تمثيل لحال الذي خلقه الله فمَنّ عليه بعقل يرعوي من غيّه ويُصغي إلى النصيحة فلا يقع في الفساد فاتّبع الدين الحقّ، بحال السائر في طريق واضحة لا يتحيَّر ولا يخطئ القصد، ومستقيمة لا تطوح به في طول السير.
وهذا التمثيل أيضاً صالح لتشبيه كلّ جزء من أجزاء الهيئة المشبّهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبّه بها، كما تقدّم في نظيره.
وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].
فالدين يشبه الصراط الموصّل بغير عناء، والهدي إليه شبيه الجعل على الصراط.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ يَعْنِي آيَةً تَكُونُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
﴿ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ﴾ يَعْنِي آيَةً يُجابُونَ بِها إلى ما سَألُوا.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ المَصْلَحَةَ في نُزُولِ الآيَةِ.
الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ أنَّ زِيادَةَ الآياتِ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، تُوجِبُ الزِّيادَةَ مِن عَذابِهِمْ، لِكَثْرَةِ تَكْذِيبِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ آيَةً تَقُودُهم إلى التَّصْدِيقِ فَلَمْ يَلْزَمْهُمُ الإيمانُ، قِيلَ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، وأكْثَرُ مِن أنْ يُنْكَرَ، وأنَّ القُرْآنَ مَعَ عَجْزِ مَن تَحَدّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ بِمِثْلِهِ، وما تَضَمَّنَهُ مِن أخْبارِ الغُيُوبِ وصِدْقِ خَبَرِهِ عَمّا كانَ ويَكُونُ أبْلَغَ الآياتِ وأظْهَرَ المُعْجِزاتِ.
وَإنَّما اقْتَرَحُوا آيَةً سَألُوها إعْناتًا، فَلَمْ يُجابُوا مَعَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى إنْزالِها، لِأنَّهُ لَوْ أجابَهم إلَيْها لاقْتَرَحُوا غَيْرَها إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، حَتّى يَنْقَطِعَ الرَّسُولُ بِإظْهارِ الآياتِ عَنْ تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ.
وَإنَّما يَلْزَمُهُ إظْهارُ الآياتِ في مَوْضِعَيْنِ: أحَدُهُما: عِنْدَ بَعْثِهِ رَسُولًا لِيَكُونَ مَعَ اسْتِدْعائِهِ لَهم دَلِيلٌ عَلى صِدْقِهِ.
والثّانِي: أنْ يَسْألَها مَن يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ إنْ أظْهَرَها لَهُ آمَنَ بِهِ، ولَيْسَ يَلْزَمُهُ إظْهارُها في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ دابَّةٌ بِمَعْنى ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ كُلِّهِ.
﴿ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ يَعْنِي في الهَواءِ، جَمَعَ بَيْنَ ما هو عَلى الأرْضِ وفِيها وما ارْتَفَعَ عَنْها.
﴿ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ ﴾ في الأُمَمِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الجَماعاتُ.
والثّانِي: أنَّها الأجْناسُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
وَلَيْسَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ في التَّكْلِيفِ كَما جُعِلَ قَوْمٌ اشْتَبَهَ الظّاهِرُ عَلَيْهِمْ وتَعَلَّقُوا مَعَ اشْتِباهِ الظّاهِرِ بِرِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «انْتَطَحَتْ شاتانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ، فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتا؟
قُلْتُ: لا، قالَ: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وسَيَقْضِي بَيْنَهُما قالَ أبُو ذَرٍّ: لَقَدْ تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ وما يُقَلِّبُ طائِرٌ بِجَناحَيْهِ في السَّماءِ إلّا ذَكَّرَنا مِنهُ عِلْمًا،» لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْلُ سَبَبًا لِلتَّكْلِيفِ كانَ عَدَمُهُ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أمْثالُكُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها أجْناسٌ وتَتَمَيَّزُ في الصُّوَرِ والأسْماءِ.
والثّانِي: أنَّها مَخْلُوقَةٌ لا تُظْلَمُ، ومَرْزُوقَةٌ لا تُحْرَمُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما تَرَكْنا خَلْقًا إلّا أوْجَبْنا لَهُ أجَلًا، والكِتابُ هُنا هو إيجابُ الأجَلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ وأنْشَدَ لِنابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ بَلَغُوا المُلُوكَ وأدْرَكُوا ال كِتابَ وانْتَهى الأجَلُ والتَّأْوِيلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الكِتابَ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ الَّذِي أنْزَلَهُ، ما أخَلَّ فِيهِ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، إمّا مُفَصَّلًا يَسْتَغْنِي عَنِ التَّفْسِيرِ، أوْ مُجْمَلًا جَعَلَ إلى تَفْسِيرِهِ سَبِيلًا.
يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: ما فَرَّطْنا فِيهِ بِدُخُولِ خَلَلٍ عَلَيْهِ، أوْ وُجُودِ نَقْصٍ فِيهِ، فَكِتابُ اللَّهِ سَلِيمٌ مِنَ النَّقْصِ والخَلَلِ.
﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِالحَشْرِ المَوْتُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الحَشْرَ الجَمْعُ لِبَعْثِ السّاعَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ فَلِماذا تُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ؟
قِيلَ: لَيْسَ التَّكْلِيفُ عِلَّةَ البَعْثِ، لِأنَّ الأطْفالَ والمَجانِينَ يُبْعَثُونَ وإنْ كانُوا في الدُّنْيا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، وإنَّما يَبْعَثُها لِيُعَوِّضَ ما اسْتَحَقَّ العِوَضَ مِنها بِإيلامٍ أوْ ظُلْمٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما يَشاءُ مِنها تُرابًا، وما شاءَ مِن دَوابِّ الجَنَّةِ يَتَمَتَّعُ المُؤْمِنُونَ بِرُكُوبِهِ ورُؤْيَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ قال: هذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدى ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات لا يستطيع منها خروجاً متسكع فيها.
أخرج أبو الشيخ عن أبي يوسف المدني قال: كل مشيئة في القرآن إلى ابن آدم منسوخة، نسختها ﴿ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ قال: خوف السلطان، وغلا السعر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما جاء به محمد : ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ قال: يريد ﴿ صُمٌّ ﴾ عن القرآن لا يسمعونه، ﴿ وَبُكْمٌ ﴾ عن القرآن لا ينطقون به) (١) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴾ إلى آخر الآية، دليل على أن هؤلاء صاروا صمًّا بكمًا بمشيئة الله إضلالهم، وأنه من شاء أضل، ومن شاء هدى (٢) (١) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 18، وأخرج الطبري 7/ 190، وابن أبي حاتم 1/ 53، تحقيق الغماري، بسند جيد عنه قال: ( ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه)، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 191، و"زاد المسير" 3/ 36.
(٢) انظر: الطبري 7/ 190، والسمرقندي 1/ 483، وابن عطية 5/ 195، والقرطبي 6/ 422، و"بدائع التفسير" 2/ 150.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين كَذَّبُواْ ﴾ الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم، وقوله في الظلمات يقوم مقام الوصف بالعمى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُكُم ﴾ معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟
ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك ﴿ إِنْ شَآءَ ﴾ استثناء أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل أن يكون من النسيان أو الترك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.
الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.
فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.
وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.
قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.
قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.
وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.
وكما يقال: مشيت إليه برجلي.
وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.
قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.
وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟
نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.
ومعرفة الذكر والأنثى.
وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.
وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.
وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.
وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .
وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.
وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.
فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.
واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.
وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.
وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.
قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.
ثم زعموا أن الله أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.
وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله أعلم بحقيقة الحال.
﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.
وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.
والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.
وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.
وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.
وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ للطب.
وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ للحساب.
وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ للأخلاق.
وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله أعلم.
أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.
الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.
وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.
فرع آخر: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.
فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.
فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.
وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.
فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله فإنه يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو أعلم.
ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.
ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.
أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.
ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.
فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.
أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.
فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.
وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.
والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.
فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.
وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.
وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.
وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.
فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟
ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.
وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟
وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.
ثم سلى النبي بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.
ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.
وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.
والبأساء والضراء البؤس والضر.
أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.
ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.
احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.
وأجيب بأن الترجي في حقه محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه يعاملهم معاملة المترجي.
فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.
أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.
ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.
ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.
وقال "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله " .
قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.
وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.
ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.
وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.
"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.
دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.
أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.
الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.
والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.
وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.
قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.
والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.
ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.
ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.
والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.
وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.
وقالت الأشاعرة: لولا منع الله لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.
ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.
ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.
أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.
وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.
فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.
قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.
قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.
وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.
ثم أمر نبيه أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.
قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.
واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح .
وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير ﴾ فاكتفى بذلك.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.
قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.
﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.
ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.
وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله أعلم وأحكم.
التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.
﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.
﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.
﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.
﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.
والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.
فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - إنما يستجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وإلا كانوا يسمعون جميعاً، لكن الوجه فيه ما ذكرنا [أنه] إنما يجيب الذين ينتفعون بما يسمعون، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ كان النبي - - ينذر من اتبع الذكر ومن لم يتبع، لكن انتفع بالإنذار من اتبع الذكر، ولم ينتفع من لم يتبع، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع غيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: ﴿ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ \[أنه\] على الابتداء؛ يبعثهم الله ثم إليه يرجعون.
وقال قائلون: أراد بالموتى الكفار، سمي الكافر ميتاً والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن؛ كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ ﴾ ، فهو - والله أعلم - أن جعل لكل بشر سمعين وبصرين وحياتين؛ سمع أبدي في الآخرة، وبصر أبدي في الآخرة؛ وكذلك جعل لكل أحد حياتين: حياة [أبدية في] الآخرة، وحياة منقضية وهي حياة الدنيا؛ وكذلك سمع أبدي وهو سمع الآخرة، وسمع ذو مدة لها انقضاء وهو سمع الدنيا، ثم نفى السمع والبصر والحياة عمن لم يدرك بهذا السمع والبصر والحياة التي جعل له في الدنيا، ولم يقصد سمع الأبدية وبصر الأبدية والحياة الأبدية؛ لأنه إنما جعل لهم هذا في الدنيا؛ ليدركوا بهذا ذاك؛ وكذلك العقول التي ركبت في البشر إنما ركبت ليدركوا بها ويبصروا ذلك الأبدي، وإلا لو كان تركيب هذه العقول في البشر لهذه الدنيا خاصة، لا لعواقب تتأمل للجزاء والعقاب - فالبهائم قد تدرك بالطبع ذلك القدر، وتعرف ما يؤتى ويتقى، وما يصلح لها [....]؛ فدل أن تركيب العقول فيمن ركب إنما ركب لا لما يدرك هذا؛ إذ يدرك ذلك المقدار بالطبع من لم يركب فيه وهو البهائم التي ذكرنا.
والسمع والبصر والحياة قد جعلت في الدنيا لمعاشهم ومعادهم؛ وكذلك جعل لهم اللسان؛ لينطق بحوائجهم في الدنيا، ويعرف بعضهم من بعض حاجته في الدنيا، ويدرك به الأزلي، فإذا لم ينتفعوا بذلك أزال عنهم ذلك وسماهم العُمْي والصم والبكم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ لما لم ينتفعوا بذلك؟!
ألا ترى أنه إذ لم يدرك الأزلي والأبدي من ذلك سماه أعمى؛ حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
والحياة حياتان: حياة مكتسبة: وهي الحياة التي تكتسب بالهدى والطاعات.
وحياة منشأة: وهي حياة الأجسام؛ فالكافر له حياة الجسد وليس له حياة مكتسبة، وأما المؤمن: فله الحياتان جميعاً المكتسبة والمنشأة فيسمى كلاًّ بالأسماء التي اكتسبها، فالمؤمن اكتسب أفعالا طيبة فسماه بذلك، والكافر اكتسب أفعالا قبيحة فسماه بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : هؤلاء قوم همتهم العناد والمكابرة [وإلا] قد كان أنزل عليه آيات عقليات وسمعيات وحسيات.
فأما الآيات العقليات: فهي ما ذكر: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ...
﴾ الآية [الإسراء: 88].
وأما الآيات السمعيات: فهي ما أنبأهم عن أشياء كانت غائبة عنهم، من غير أن كان له اختلاف إلى من يعلمها وينبئه عنها.
[والآيات الحسيات]: هي ما سقى أقواماً كثيرة بلبن قليل من قصعة، وما قطع مسيرة شهرين بليلة واحدة، ونطق العناق الذي شوي له، وحنين المنبر، وغير ذلك من الأشياء مما يكثر ذكرها.
لكنهم عاندوا، وكانت همتهم العناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ : التي سألوك، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أن [يكون] أن أكثرهم لا يعلمون أنه إذا أنزل آية على أثر السؤال لأنزل عليهم العذاب واستأصلهم إذا عاندوا.
ويحتمل قوله : ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ : أنه لا ينزل الآية إلا عند الحاجة [بهم] إليها.
ويحتمل ألا يسألوا الآية ليعلموا، ولكن يسألون؛ ليتعنتوا.
أو [إن أنزل آية] على أثر سؤال، فلم يقبلوها، ولم يؤمنوا بها؛ أهلكهم على ما ذكرنا من سنته في الأولين، لكنه وعد إبقاء هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً ﴾ ؛ لأنه ذكر "دابة"، والدابة: كل ما يدب على وجه الأرض من ذي الروح، وذكر الطائر، وهو: اسم كل ما يطير في الهواء.
لما كان قادراً على خلق هذه الجواهر المختلفة، وسوق رزق كل منهم إليهم، [فهو قادر] على أن ينزل آية؛ [ولو أنزل آية] لاضطروا جميعاً إلى القبول لها والإقرار بها، ولكنه لا ينزل لما ليست لهم الحاجة إليها، والآيات لا تنزل إلا عند وقوع الحاجة بهم إليها، وعلى هذا يُخرَجُ [مخرج] قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
[و] من الناس من استدل بهذه الآية على أن البهائم والطير ممتحنات؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ .
ثم اختلف في قوله : ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : عن أبي هريرة - - قال في قوله - -: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : أي: إلا سيحشرون يوم القيامة [كما تحشرون]، ثم يقتص البهائم بعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً ﴾ ؛ كالبهائم.
وعن ابن عباس قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ ؛ أي: يفقه بعضها من بعض كما يفقه بعضكم من بعض، وأمم أمثالكم في معرفة ما يؤتى ويتقى.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ في الكثرة، والعدد، والخلق، والصنوف تعرف بالأسامي كما تعرفون أنتم.
وأصله: إن ما ذكر من الدواب والطير ﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : سخرها لكم لم يكن منها ما يكون منكم من العناد [والخلاف] والتكذيب للرسل والخروج عليهم؛ بل خاضعين لكم مذللين تنتفعون بها.
ويحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ : في حق معرفة وحدانيته وألوهيته، أو حق الطاعة لله؛ كقوله - -: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ أي: ما تركنا شيئاً إلا وقد ذكرنا أصله في القرآن.
وعن ابن عباس - ما - قال: ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب: وهو اللوح المحفوظ.
وقيل: ﴿ مَّا فَرَّطْنَا ﴾ : ما ضيعنا في الكتاب مما قد يقع لكم الحاجة إليه أو منفعة إلا قد بيناه لكم في القرآن.
﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ .
قيل: الطير والبهائم يحشرون مع الخلق، وقيل: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ : يعني بني آدم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ .
قال الحسن: ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ : ديننا.
وقال غيره: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : حججنا: حجج وحدانيته وألوهيته، وحجج الرسالة والنبوة.
ويحتمل: آيات البعث، كذبوا بذلك كله، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه نفى عنهم السمع، واللسان، والبصر؛ لما لم يعرفوا نعمة السمع، ونعمة البصر، ونعمة اللسان.
ولا يجوز أن يجعل لهم السمع والبصر واللسان، ثم لا يعلمهم ما يسمعون بالسمع، وما ينطقون باللسان، دل أنه يحتاج إلى رسول يسمعون [منه]، ويستمعون إليه، وينطقون ما علمهم، فإذا لم يفعلوا صاروا كما ذكر ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ لما لم ينتفعوا به، ولم يعرفوا نعمته التي جعل لهم فيما ذكر.
أو نفى عنهم السمع والبصر واللسان؛ لما ذكرنا أن السمع والبصر، والحياة على ضربين: مكتسب، ومنشأ، فنُفِي عنهم السمع المكتسب، والبصر المكتسب، والحياة المكتسبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ظلمات الجهل والكفر.
والثاني: هم في ظلمات: يعني ظلمات السمع، والبصر، والقلب.
وهم في الظلمتين جميعاً: في ظلمة الجهل والكفر، وظلمة السمع، والبصر؛ كقوله - -: ﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ ، والمؤمن في النور؛ كقوله - -: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وصف - عز وجل - نفسه بالقدرة، وجعلهم جميعاً متقلبين في مشيئته، وأخبر أنه شاء لبعضهم الضلال، ولبعضهم الهدى، فمن قال: إنه شاء للكل الهدى [لكن] لم يهتدوا، أو شاء للكل الضلال - فهو خلاف ما ذكره عز وجل؛ لأنه أخبر أنه شاء الضلال لمن ضل، وشاء الهدى لمن اهتدى.
وأصله: أنه إذا علم من الكافر أنه يختار الكفر، شاء أن يضل وخلق فعل الكفر منه، وكذلك إذا علم من المؤمن أنه يختار الإيمان والاهتداء، شاء أن يهتدي وخلق فعل الاهتداء منه.
<div class="verse-tafsir"
والذين كذبوا بآياتنا مِثْلُ الصم الذين لا يسمعون، والبكم الذين لا يتكلمون، وهم مع ذلك في الظلمات لا يبصرون، فأنى لمن هذه حاله أن يهتدي؟!
من يشأ الله إضلاله من الناس يضلله، ومن يشأ هدايته يَهْدِهِ بأن يجعله على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Qkbmn"