الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٤٠ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه الفعال لما يريد ، المتصرف في خلقه بما يشاء ، وأنه لا معقب لحكمه ، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه ، بل هو وحده لا شريك له ، الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء ; ولهذا قال : ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ) أي : أتاكم هذا أو هذا ( أغير الله تدعون إن كنتم صادقين؟
) أي : لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه ; ولهذا قال : ( إن كنتم صادقين ) أي : في اتخاذكم آلهة معه .
القول في تأويل قوله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في معنى قوله: " أرأيتكم " .
فقال بعض نحويي البصرة: " الكاف " التي بعد " التاء " من قوله: " أرأيتكم " إنما جاءت للمخاطبة, وتركت " التاء " مفتوحة = كما كانت للواحد.
قال: وهي مثل " كاف "" رويدك زيدًا ", إذا قلت: أرود زيدًا = هذه " الكاف " ليس لها موضع مسمى بحرف، لا رفع ولا نصب, وإنما هي في المخاطبة مثل كاف " ذاك ".
ومثل ذلك قول العرب: " أبصرَك زيدًا ", (23) يدخلون " الكاف " للمخاطبة.
* * * وقال آخرون منهم: معنى: " أرأيتكم إن أتاكم " ، أرأيتم.
قال: وهذه " الكاف " تدخل للمخاطبة مع التوكيد, و " التاء " وحدها هي الاسم, كما أدخلت " الكاف " التي تفرق بين الواحد والاثنين والجميع في المخاطبة، كقولهم: " هذا, وذاك, وتلك, وأولئك "، فتدخل " الكاف " للمخاطبة، وليست باسم, و " التاء " هو الاسم للواحد والجميع, تركت على حال واحدة, ومثل ذلك قولهم: " ليسك ثَمَّ إلا زيد ", يراد: ليس = و " لا سِيَّك زيد ", فيراد: ولا سيما زيد = و " بلاك " فيراد،" بلى " في معنى: " نعم " = و " لبئسك رجلا ولنعمك رجلا ".
وقالوا : " انظرك زيدًا ما أصنع به " = و " أبصرك ما أصنع به "، بمعنى: أبصره.
وحكى بعضهم: " أبصركُم ما أصنع به ", يراد: أبصروا = و " انظركم زيدًا "، أي انظروا.
وحكي عن بعض بني كلاب: " أتعلمك كان أحد أشعرَ من ذي الرمة؟" فأدخل " الكاف ".
وقال بعض نحويي الكوفة: " أرأيتك عمرًا " أكثر الكلام فيه ترك الهمز.
قال: و " الكاف " من " أرأيتك " في موضع نصب, كأن الأصل: أرأيت نفسك على غير هذه الحال؟
قال: فهذا يثني ويجمع ويؤنث, فيقال: " أرأيتما كما " و " أرأيتموكم ".
و " وَأَرَأَيْتُنَّكُنَّ"، (24) أوقع فعله على نفسه, وسأله عنها, ثم كثر به الكلام حتى تركوا " التاء " موحدة للتذكير والتأنيث والتثنية والجمع, فقالوا: " أرأيتكم زيدًا ما صنع ", و " أرأيتكنّ ما صنع ", فوحدوا التاء وثنوا الكاف وجمعوها، فجعلوها بدلا من " التاء "، (25) كما قال: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ [سورة الحاقة: 19]، و " هاء يا رجل ", و " هاؤما ", ثم قالوا: " هاكم ", اكتفى بالكاف والميم مما كان يثنى ويجمع.
فكأن " الكاف " في موضع رفع، إذ كانت بدلا من " التاء ".
وربما وحدت للتثنية والجمع والتذكير والتأنيث, وهي كقول القائل: " عليك زيدًا "," الكاف " في موضع خفض, والتأويل رفع.
فأما ما يُجْلب فأكثر ما يقع على الأسماء, ثم تأتي بالاستفهام فيقال: " أرأيتك زيدًا هل قام ", لأنها صارت بمعنى: أخبرني عن زيد, ثم بيَّن عما يستخبر.
فهذا أكثر الكلام.
ولم يأت الاستفهام يليها.
(26) لم يقل: " أرأيتك هل قمت ", لأنهم أرادوا أن يبيِّنوا عمن يسأل, ثم تُبيّن الحالة التي يسأل عنها.
وربما جاء بالجزاء ولم يأت بالاسم, (27) فقالوا: " أرأيت إن أتيت زيدًا هل يأتينا " (28) = و " أرأيتك " أيضًا = و " أرأيتُ زيدًا إن أتيته هل يأتينا "، إذا كانت بمعنى: " أخبرني", فيقال باللغات الثلاث.
* * * قال أبو جعفر: وتأويل الكلام: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ: أخبروني، إن جاءكم، أيها القوم، عذاب الله, كالذي جاء من قبلكم من الأمم الذين هلك بعضهم بالرجفة, وبعضهم بالصاعقة = أو جاءتكم الساعة التي تنشرون فيها من قبوركم، وتبعثون لموقف القيامة, أغير الله هناك تدعون لكشف ما نـزل بكم من البلاء، أو إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نـزل بكم من عظيم البلاء؟
=" إن كنتم صادقين " ، يقول: إن كنتم محقّين في دعواكم وزعمكم أنّ آلهتكم التي تدعونها من دون الله تنفع أو تضر.
------------------- الهوامش : (23) في المطبوعة: "انصرك زيدًا" بالنون ، والصواب بالباء كما سيأتي.
(24) في المطبوعة فصل وكتب"أرأيتن كن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو المطابق لما في معاني القرآن للفراء.
(25) انظر معاني القرآن للفراء 1: 333 ، 334.
(26) في المطبوعة ، مكان"يليها""ثنيها" وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة.
(27) في المطبوعة: "وربما جاء بالخبر" وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة ، وإن كانت غير منقوطة ولا مهموزة.
ومن أجل هذا التصرف ، تصرف في عبارة أبي جعفر كما سترى في التعليق التالي.
(28) في المطبوعة: "فقالوا: أرأيت زيدًا هل يأتينا" ، حذف"إن أتيت" لسوء تصرفه كما في التعليق السابق.
قوله تعالى : قل أرأيتكم وقرأ نافع بتخفيف الهمزتين ، يلقي حركة الأولى على ما قبلها ، ويأتي بالثانية بين بين .
وحكى أبو عبيد عنه أنه يسقط الهمزة ويعوض منها ألفا .
قال النحاس : وهذا عند أهل العربية غلط عليه ; لأن الياء ساكنة والألف ساكنة ولا يجتمع ساكنان .
قال مكي : وقد روي عن ورش أنه أبدل من الهمزة ألفا ; لأن الرواية عنه أنه يمد الثانية ، والمد لا يتمكن إلا مع البدل ، والبدل فرع من الأصول ، والأصل أن تجعل الهمزة بين الهمزة المفتوحة والألف ; وعليه كل من خفف الثانية غير ورش ; وحسن جواز البدل في الهمزة وبعدها ساكن لأن الأول حرف مد ولين ، فالمد الذي يحدث مع الساكن يقوم مقام حركة يوصل بها إلى النطق بالساكن الثاني .وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة ( أرأيتكم ) بتحقيق الهمزتين وأتوا بالكلمة على أصلها ، والأصل الهمز ; لأن همزة الاستفهام دخلت على ( رأيت ) فالهمزة عين الفعل ، والياء ساكنة لاتصال المضمر المرفوع بها .وقرأ عيسى بن عمر والكسائي ( أريتكم ) بحذف الهمزة الثانية .
قال النحاس : وهذا بعيد في العربية ، وإنما يجوز في الشعر ; والعرب تقول : أرأيتك زيدا ما شأنه .
ومذهب البصريين أن الكاف والميم للخطاب ، لا حظ لهما في الإعراب ; وهو اختيار الزجاج .
ومذهب الكسائي والفراء وغيرهما أن الكاف والميم نصب بوقوع الرؤية عليهما ، والمعنى أرأيتم أنفسكم ; فإذا [ ص: 331 ] كانت للخطاب - زائدة للتأكيد - كان ( إن ) من قوله إن أتاكم في موضع نصب على المفعول لرأيت ، وإذا كان اسما في موضع نصب ف إن في موضع المفعول الثاني ; فالأول من رؤية العين لتعديها لمفعول واحد ، وبمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين .
وقوله : أو أتتكم الساعة المعنى : أو أتتكم الساعة التي تبعثون فيها .
ثم قال : أغير الله تدعون إن كنتم صادقين والآية في محاجة المشركين ممن اعترف أن له صانعا ; أي : أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله ، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية ؟
!
وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب .
يقول تعالى لرسوله: { قُلْ } للمشركين بالله، العادلين به غيره: { أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي: إذا حصلت هذه المشقات، وهذه الكروب، التي يضطر إلى دفعها، هل تدعون آلهتكم وأصنامكم، أم تدعون ربكم الملك الحق المبين.
قوله تعالى : ( قل أرأيتكم ) هل رأيتم؟
والكاف فيه للتأكيد ، وقال الفراء : العرب تقول أرأيتك ، وهم يريدون أخبرنا ، كما يقول : أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟
أي : أخبرني ، وقرأ أهل المدينة " أرايتكم ، وأرايتم ، وأرايت " بتليين الهمزة الثانية ، والكسائي بحذفها ، قال ابن عباس : قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم ، ( إن أتاكم عذاب الله ) قبل الموت ، ( أو أتتكم الساعة ) يعني : القيامة ، ( أغير الله تدعون ) في صرف العذاب عنكم ، ( إن كنتم صادقين ) وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم : ( وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين ) ( لقمان ، 32 ) .
«قل» يا محمد لأهل مكة «أرأيتكم» أخبروني «أن أتاكم عذاب الله» في الدنيا «أو أتتكم الساعة» القيامة المشتملة عليه بغتة «أغير الله تدعون» لا «إن كنتم صادقين» في أن الأصنام تنفعكم فادعوها.
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن جاءكم عذاب الله في الدنيا أو جاءتكم الساعة التي تبعثون فيها: أغير الله تدعون هناك لكشف ما نزل بكم من البلاء، إن كتم محقين في زعمكم أن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله تنفع أو تضر؟
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين عند ما تحيط بهم المصائب والأهوال لا يتوجهون بالضراعة والدعاء إلا إلى الله ، وأنهم مع ذلك لا يخصونه بالعبادة كما يخصونه بالدعاء لكشف الضر ، فقال - تعالى - : { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ .
.
.
.
} .{ أَرَأَيْتُكُم } المقصود به أخبرونى ، وكلمة أرأيت فى القرآن تستعمل للتنبيه والحث على الرؤية والتأمل ، فهو استفهام للتنبيه مؤاده : أرأيت كذا فإن لم تكن رأيته فانظره وتأمله .والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين : أخبرونى عن حالكم عندما يداهمكم عذاب الله الدنيوى كزلزال مدمر ، أو ريح صر صر عاتية ، أو تفاجئكم الساعة بأهوالها وشدائدها ألستم فى هذه الأحوال تلتجئون إلى الله وحده وتنسون آلهتكم الباطلة ، لأن الفطرة حينئذ هى التى تنطق على ألسنتكم بدون شعور منكم؟
وما دام الأمر كذلك فلماذا تشركون مع الله آلهة أخرى؟
إن أحوالكم هذه لتدعو إلى الدهشة والغرابة ، لأنكم تلجأون إليه وحده عند الشدائد والكروب ومع ذلك تعبدون غيره ومن لا يملك ضرا ولا نفعا .والاستفهام فى قوله - تعالى - : { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } للتوبيخ والتقريع والتعجب من حالهم .وجواب الشرط محذوف ، والتقدي : إن كنتم صادقين فى أن الأصنام تنفعكم فادعوها .
أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضاً أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء للعرب في (أرأيت) لغتان: إحداهما: رؤية العين، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد: أهل رأيت نفسك؟
ثم يثنى ويجمع.
فنقول: أرأيتكما أرأيتكم، والمعنى الثاني: أن تقول أرأيتك، وتريد: أخبرني، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.
إذا عرفت هذا فنقول: مذهب البصريين: أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك: أرأيتك لا محل له من الاعراب، والدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عَلَيّ ﴾ ويقال أيضا: أرأيتك زيداً ما شأنه، ولو جعلت الكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه، وذلك كلام فاسد، فثبت أن الكاف لا محل له من الاعراب، بل هو حرف لأجل الخطاب، وقال الفراء: لو كانت الكاف توكيداً لوقعت التثنية والجمع على التاء، كما يقعان عليها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقعت علامة الجمع على الكاف، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد.
ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها.
أجاب الواحدي عنه: بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك، فإن علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب، مجرد عن الاسمية، والله أعلم.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ أَرَأَيْتُكُم ﴾ ، و ﴿ أرأيتكم ﴾ ، و ﴿ أرأيت ﴾ ، و ﴿ أفرأيت ﴾ ، و ﴿ أرأيتك ﴾ ، و ﴿ أفرأيتك ﴾ وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن، والباقون بالهمزة.
أما تخفيف الهمزة، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي.
وأما مذهب الكسائي فحسن، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا: وسله، وكما أنشد أحمد بن يحيى: وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا *** بحذف الهمزة.
أراد فألبسوني بإثبات الهمزة.
وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم.
المسألة الثالثة: معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام: قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه إلى الله تعالى؟
ولما كان من المعلوم بالضرورة أنهم إنما يرجعون إلى الله تعالى في دفع البلاء والمحنة لا إلى الأصنام والأوثان، لا جرم قال: ﴿ بَلْ إياه تَدْعُونَ ﴾ يعني أنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية والمحنة إلا إلى الله تعالى.
ثم قال: ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي فيكشف الضر الذي من أجله دعوتم وتنسون ما تشركون به، وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: المراد تتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع.
الثاني: قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم، وهذا قول الحسن لأنه قال: يعرضون إعراض الناسي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أنهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ ﴾ ولا يذكرون الأوثان.
المسألة الرابعة: هذه الآية تدل على أنه تعالى قد يجيب الدعاء إن شاء وقد لا يجيبه، لأنه تعالى قال: ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء ﴾ ولقائل أن يقول: إن قوله: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ يفيد الجزم بحصول الإجابة، فكيف الطريق إلى الجمع بين الآيتين.
والجواب أن نقول: تارة يجزم تعالى بالإجابة وتارة لا يجزم، إما بحسب محض المشيئة كما هو قول أصحابنا، أو بحسب رعاية المصلحة كما هو قول المعتزلة، ولما كان كلا الأمرين حاصلاً لا جرم وردت الآيتان على هذين الوجهين.
المسألة الخامسة: حاصل هذا الكلام كأنه تعالى يقول لعبدة الأوثان: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله تعالى لا إلى الأصنام والأثان، فلم تقدمون على عبادة الأصنام التي لا تنتفعون بعبادتها ألبتة؟
وهذا الكلام إنما يفيد لو كان ذكر الحجة والدليل مقبولاً.
أما لو كان ذلك مردوداً وكان الواجب هو محض التقليد، كان هذا الكلام ساقطاً، فثبت أن هذه الآية أقوى الدلائل على أن أصل الدين هو الحجة والدليل.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرَأَيْتُكُم ﴾ أخبروني.
والضمير الثاني لا محل له من الإعراب؛ لأنك تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه؟
وهو خلف من القول، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: إن أتاكم عذاب الله ﴿ أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة ﴾ من تدعون.
ثم بكتهم بقوله: ﴿ أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ ﴾ بمعنى أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ، أم تدعون الله دونها ﴿ بَلْ إياه تَدْعُونَ ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي ما تدعونه إلى كشفه ﴿ إِن شَاء ﴾ إن أراد أن يتفضل عليكم ولم يكن مفسدة ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ وتتركون آلهتكم أو لا تذكرونها في ذلك الوقت: لأن أذهانكم في ذلك الوقت مغمورة بذكر ربكم وحده، إذ هو القادر على كشف الضرّ دون غيره، ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله: ﴿ أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ ﴾ كأنه قيل: أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله.
فإن قلت: إن علقت الشرط به فما تصنع بقوله: ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ ﴾ مع قوله: ﴿ أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة ﴾ وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟
قلت: قد اشترط في الكشف المشيئة، وهو قوله: ﴿ إِن شَاء ﴾ إيذاناً بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل لوجه آخر من الحكمة أرجح منه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ اسْتِفْهامُ تَعْجِيبٍ، والكافُ حَرْفُ خِطابٍ أكَّدَ بِهِ الضَّمِيرَ لِلتَّأْكِيدِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّكَ تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ فَلَوْ جَعَلْتَ الكافَ مَفْعُولًا كَما قالَهُ الكُوفِيُّونَ لَعَدَّيْتَ الفِعْلَ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولَلَزِمَ في الآيَةِ أنْ يُقالَ: أرَأيْتُمُوكم بَلِ الفِعْلُ مُعَلَّقٌ أوِ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتُكم آلِهَتَكم تَنْفَعُكم.
إذْ تَدْعُونَها.
وقَرَأ نافِعٌ أرَأيْتُكم وأرَأيْتُ وأرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتُمْ وأفَرَأيْتَ وشَبَهُها إذا كانَ قَبْلَ الرّاءِ هَمْزَةٌ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرّاءِ، والكِسائِيُّ يَحْذِفُها أصْلًا والباقُونَ يُحَقِّقُونَها وحَمْزَةُ إذا وقَفَ وافَقَ نافِعًا.
﴿ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ كَما أتى مَن قَبْلَكم.
﴿ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ ﴾ وهو لَها ويَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ وهو تَبْكِيتٌ لَهم.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ أيْ فادْعُوهُ.
﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ كَما حُكِيَ عَنْهم في مَواضِعَ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ.
﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ ﴾ أيْ ما تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ.
﴿ إنْ شاءَ ﴾ أيْ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم ولا يَشاءُ في الآخِرَةِ.
﴿ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾ وتَتْرُكُونَ آلِهَتَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ عَلى أنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ دُونَ غَيْرِهِ، أوْ وتَنْسَوْنَهُ مِن شِدَّةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)
{قل أرأيتكم} وبتليين الهمزة مدني وبتركه علي ومعناه هل علمتم أن الأمر كما يقال لكم فأخبروني بما عندكم والضمير الثاني لا محل له من الإعراب والتاء ضمير الفاعل ومتعلق الاستخبار محذوف تقديره أرءيتكم {إِنْ أتاكم عَذَابُ الله أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة} من تدعون ثم بكتهم بقوله {أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ} أي أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر أم تدعون الله دونها {إِن كُنتُمْ صادقين} في أن الأصنام آلهة فادعوها لتخلصكم
﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ بِأنْ يُبَكِّتُهم ويُلْقِمَهُمُ الحَجْرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، والتّاءُ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ ضَمِيرُ الفاعِلِ وما بَعْدَهُ حَرْفُ خِطابٍ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَ اسْمًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ إمّا مَجْرُورًا ولا جارَّ هُنا أوْ مَرْفُوعًا ولَيْسَ مِن ضَمائِرِ الرَّفْعِ، ولا مُقْتَضى لَهُ أيْضًا أوْ مَنصُوبًا وهو باطِلٌ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّ هَذا الفِعْلَ قَلْبِيٌّ بِمَعْنى عَلَمٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما فَعَلَ، فَلَوْ جُعِلَ المَذْكُورُ مَفْعُولًا لَكانَ ثالِثًا والثّانِي أنَّهُ لَوْ جُعِلَ مَفْعُولًا لَكانَ هو الفاعِلَ في المَعْنى، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ أرَأيْتَ نَفْسَكَ بَلْ أرَأيْتَ غَيْرَكَ ولِذَلِكَ قُلْتَ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا وزَيْدٌ غَيْرُ المُخاطَبِ ولا هو بَدَلٌ مِنهُ، والثّالِثُ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ كَذَلِكَ لَظَهَرَتْ عَلامَةُ التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّأْنِيثِ في التّاءِ فَكُنْتَ تَقُولُ: أرَأيْتُما كَما وأرَأيْتُمُوكم وأرَأيْتُكُنَّ وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والمَفْعُولانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: الأوَّلُ مِنهُما مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أرَأيْتُكم إيّاهُ أوْ إيّاها أيِ العَذابَ أوِ السّاعَةَ الواقِعَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ﴾ أيِ الدُّنْيَوِيِّ حَسْبَما أتى مَن قَبْلَكم ﴿ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ ﴾ أيْ هَوْلُها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ لِأنَّ الكَلامَ مِن بابِ التَّنازُعِ حَيْثُ تَنازَعَ رَأْيٌ وأتى في مَعْمُولٍ واحِدٍ هو ﴿ عَذابُ اللَّهِ ﴾ والسّاعَةُ فَأُعْمِلَ الثّانِي وأُضْمِرَ في الأوَّلِ، والثّانِي مِنهُما جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ والرّابِطُ لَها بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِ ذَلِكَ، وقِيلَ: لا تَنازُعَ والتَّقْدِيرُ أرَأيْتَكم عِبادَتَكم لِلْأصْنامِ أوِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها هَلْ تَنْفَعُكُمْ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ وذَهَبَ الرَّضِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أنَّ (رَأى) هُنا بَصَرِيَّةٌ وقِيلَ: قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى عَرَفَ وهي عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ، وأصْلُ اللَّفْظِ الِاسْتِفْهامُ عَنِ العِلْمِ أوِ العِرْفانِ أوِ الإبْصارِ إلّا أنَّهُ تَجُوزُ بِهِ عَنْ مَعْنى أخْبِرْنِي ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الِاسْتِخْبارِ عَنْ حالَةٍ عَجِيبَةٍ لِشَيْءٍ، وفِيهِ عَلى ما قالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ تَجُوزانِ إطْلاقُ الرُّؤْيَةِ وإرادَةُ الإخْبارِ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بِأيِّ مَعْنًى كانَتْ سَبَبٌ لَهُ، وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الأمْرِ بِجامِعِ الطَّلَبِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّعْجِيبِ لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي لِما قِيلَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى أصْلِ الكَلامِ، ونُقِلَ عَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّ العَرَبَ أخْرَجَتْ هَذا اللَّفْظَ عَنْ مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَقالُوا: أرَأيْتُكَ وأرَيْتُكَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ إذا كانَ بِمَعْنى أخْبَرْتَ وإذا كانَ بِمَعْنى أبْصَرْتَ لَمْ تُحْذَفْ هَمْزَتُهُ وألْزَمَتْهُ أيْضًا الخُطّابَ عَلى هَذا المَعْنى فَلا تَقُولُ أبَدًا أرانِي زَيْدٌ عُمَرًا ما صَنَعَ هَذا عَلى مَعْنى أعْلَمَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ لِمَعْنى إمّا بِدَلِيلِ دُخُولِ الفاءِ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ ﴾ الآيَةِ فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ خَرَجَتْ لِمَعْنى أما، والمَعْنى أما إذا أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فالأمْرُ كَذا وكَذا، وقَدْ أخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى أخْبِرْنِي كَما قَدَّمْنا وإذا كانَ بِهَذا المَعْنى فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنِ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ اهـ، ولَمْ يُوافَقْ في جَمِيعِ ذَلِكَ وذَهَبَ شَيْخُ أهْلِ الكُوفَةِ الكِسائِيُّ إلى أنَّ التّاءَ ضَمِيرُ الفاعِلِ وأداةُ الخِطابِ اللّاحِقَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وذَهَبَ الفَرّاءُ إلى أنَّ التّاءَ حَرْفُ خِطابٍ واللَّواحِقُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهي ضَمائِرُ نَصْبٍ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ ضَمائِرِ الرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَحَلِّهِ، والمُخْتارُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ مِن جَعْلِ (كُمْ) هُنا، وكَذا سائِرُ اللَّواحِقِ حَرْفُ خِطابٍ ومُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ عِنْدَهم ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ 4 - مُتَعَلِّقٌ بِأرَيْتَكم مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ كاشَفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ أوْ أنَّ عِبادَتَكم لَها نافِعَةٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مِن شَأْنِكُمُ الصِّدْقُ فَأخْبِرُونِي أألَهًا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ، فَإنَّ صِدْقَهم مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ أيْ فادْعَوْهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ عِنْدَ إتْيانِ ما يَأْتِي نَفْسَ دُعائِهِمْ إيّاهُ، وجَوَّزَ آخَرُونَ كَوْنَ مُتَعَلِّقِ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: أغَيْرَ اللَّهِ إلَخْ، اسْتِئْنافًا لِلتَّبْكِيتِ عَلى مَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ كَما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَها، وعَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ وبَعْضُهم جَعَلَ تَقْدِيمَهُ لِأنَّ الإنْكارَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وأنْكَرَ تَعَلُّقَهُ بِالتَّخْصِيصِ، نَعَمِ التَّقْدِيمُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: محمدا والقرآن صُمٌّ عن الخبر فلا يسمعون الهدى وَبُكْمٌ يعني: خرساً فلا يتكلمون بخير فِي الظُّلُماتِ يعني: في الضلالات مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يعني: يخذله فيموت على الكفر وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: يستنقذه من الكفَر فيوفّقه للإسلام.
ثم قال: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ الكاف زيادة في بيان الخطاب إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ في الدنيا أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ يعني: القيامة، ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ليدفع عنكم العذاب إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن مع الله آلهة أخرى.
قوله تعالى: بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ قال أهل اللغة: بل للاستدراك والإيجاب بعد النفي.
وإنما تستعمل في موضعين: أحدهما لتدارك الغلط، والثاني: لترك شيء وأخذ شيء آخر.
فهاهنا بيّن أنهم لا يدعون غير الله تعالى.
وإنما يدعون الله عنهم ليكشف عنهم العذاب.
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى، وفضل الله تعالى يُؤْتِيهِ مَن يشاء.
ثم قال: وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ يعني: تتركون دعاء الآلهة عند نزول الشدة.
ثم ذكر حال الأمم الماضية لكي يعتبروا فقال عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكذبوهم على وجه الإضمار فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ يعني: بالخوف والشدة وَالضَّرَّاءِ يعني: الزمانة والفقر وسوء الحال والجوع.
وقال الزجاج: البأساء: الجوع، والضراء: النقص في الأموال والأنفس لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يعني: لكي يرجعوا إليه ويؤمنوا به.
قوله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا يقول: فهلا إذا جاءهم عذاباً تَضَرَّعُوا إلى الله ويؤمنون به حتى يرفع عنهم العذاب يعني: أنهم لو آمنوا لدفع عنهم العذاب، ولكن أصروا على ذلك فذاك قوله تعالى: وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ يعني: جفّت ويبست قلوبهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ من عبادتهم الأصنام.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
القول بأنه القرآن خاصّ.
ويُحْشَرُونَ قالت فرقة من العلماء: حَشْرُ البهائم بَعْثُهَا، واحتجوا بالأَحَادِيثِ المضمنة أن اللَّه- تعالى- يَقْتَصُّ لِلْجَمَّاءِ من القَرْنَاءِ، ومن قال: إنما هي كِنَايَةٌ عن العَدْلِ، وليست بحقيقة، فهو قول مردود ينحو إلى القول بالرّموز ونحوها.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١)
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ ...
الآية كأنه قال: وما من دَابَّةٍ، ولا طائر، ولا شَيْءٍ، إلاَّ وفيه آية منصوبة دالة على وَحْدَانِيَّةِ اللَّه- تعالى- ولكن الذين كَذَّبُوا بآياتنا صُمّ وبكم لا يتلقون ذلك، ولا يَقْبَلُونَهُ، وظاهر الآية أنها تعمُّ كل مُكَذِّبٍ.
وقال النقاش: نزلت في بني عَبْدِ الدَّارِ.
قال ع «١» : ثم تَنْسَحِبُ على سواهم.
وقوله: فِي الظُّلُماتِ يَنُوبُ عن عمي، وفي الظلمات أَهْوَل عبارة، وأفصح، وأوقع في النَّفْسِ.
قال أبو حَيَّانَ «٢» : فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدإ مَحْذُوفٍ، أي: هم في الظلمات، أو صفة ل بُكْمٌ أي: كائنون في الظلمات، أو حال من الضمير المقدر في الخبر، أي:
ضالون في الظلمات.
انتهى.
وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ابتداء احْتِجَاجٍ على الكفار الجاعلين للَّه شركاء، والمعنى: أرأيتم إذا خِفْتُمْ عَذَابَ اللَّه، أو خفتم هَلاَكاً، أو خفتم السَّاعَةَ، أتدعون أَصْنَامَكُمْ وتَلْجَئُون إليها في كَشْفِ ذلك إن كنتم صادقين في قولكم: إنها آلهة، بل إنما تدعون اللَّه الخَالِقَ الرازق، فيكشف ما خِفْتُمُوه، إن شاء، وتنسون أصنامكم، أي: تتركونهم، فعبر عن التَّرْكِ بأعظم وجوهه الذي هو مَعَ التَّرْكِ ذهول، وإغفال، فكيف يجعل إلهاً من هذه حاله في الشدائد والأزمات.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، "أرَأيْتُمْ" "وَأرَأيْتَكُمْ" و"أرَأيْتَ" بِالألْفِ في كُلِّ القُرْآَنِ مَهْمُوزًا؛ ولَيَّنَ الهَمْزَةَ نافِعٌ في الكُلِّ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِغَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ.
قالَ الفَرّاءُ العَرَبُ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ، وهم يُرِيدُونَ: أخْبَرَنِي.
فَأمّا عَذابُ اللَّهِ، فَفي المُرادِ بِهِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
فَأمّا السّاعَةُ، فَهي القِيامَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو اسْمٌ لَلْوَقْتِ الَّذِي يُصْعَقُ فِيهِ العِبادُ، ولِلْوَقْتِ الَّذِي يُبْعَثُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ أيْ أتَدْعُونَ صَنَمًا أوْ حَجَرًا لَكَشْفِ ما بِكُمْ؟
فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما لا يَدْفَعُونَهُ، لِأنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ.
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ جَوابٌ لَقَوْلِهِ: "أرَأيْتَكُمْ" لِأنَّهُ بِمَعْنى أخْبَرُوا، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَأخْبَرُوا مَن تَدْعُونَ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ بِكُمْ؟
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ﴾ كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و ﴿ فِي الظُلُماتِ ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قُلْ أرَأيْتَكُمْ ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟
بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟".
فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.
و ﴿ أتاكم عَذابُ اللهِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ابتدائي يتضمّن تهديداً بالوعيد طرداً للأغراض السابقة، وتخلّله تعريض بالحثّ على خلع الشرك إذ ليس لشركائهم نفع بأيديهم، فذُكِّروا بأحوال قد تعرض لهم يلجأون فيها إلى الله.
وألقي عليهم سأل أيستمرون على الإشراك بالله في تلك الحالة وهل يستمرّون من الآن على الشرك إلى أن يأتيهم العذاب أو تأتيهم القيامة حين يلجأون إلى الإيمان بوحدانيته، ولات حينَ إيمان.
وافتتح هذا التهديد بالأمر بالقول اهتماماً به وإلاّ فإنّ معظم ما في القرآن مأمور الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم.
وقد تتابع الأمر بالقول في الآيات بعد هذه إلى قوله: ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرّة.
وورد نظيره في سورة يونس.
وقوله: ﴿ أرأيتكم ﴾ تركيب شهير الاستعمال، يفتتح بمثله الكلام الذي يراد تحقيقه والاهتمام به.
وهمزة الاستفهام فيه للاستفهام التقريري.
و (رأى) فيه بمعنى الظنّ.
يسند إلى تاء خطاب تلازم حالة واحدة ملازمة حركة واحدة، وهي الفتحة لا تختلف باختلاف عدد المخاطب وصنفه سواء كان مفرداً أو غيره، مذكّراً أو غيره، ويجعل المفعول الأول في هذا التركيب غالباً ضمير خطاب عائداً إلى فاعل الرؤية القلبية ومستغنى به لبيان المراد بتاء الخطاب.
والمعنى أنّ المخاطب يعلم نفسه على الحالة المذكورة بعد ضمير الخطاب، فالمخاطب فاعل ومفعول باختلاف الاعتبار، فإنّ من خصائص أفعال باب الظنّ أنّه يجوز أن يكون فاعلها ومفعولها واحداً (وألحق بأفعال العلم فعلان: فقَد، وعَدِم في الدعاء نحو فقدتُني)، وتقع بعد الضمير المنصوب جملة في موضع مفعوله الثاني، وقد يجيء في تلك الجملة ما يعلق فعل الرؤية عن العمل.
هذا هو الوجه في تحليل هذا التركيب.
وبعض النحاة يجعل تلك الجملة سادّة مسدّ المفعولين تفصّياً من جعل ضمائر الخطاب مفاعيل إذ يجعلونها مجرّد علامات خطاب لا محلّ لها من الإعراب، وذلك حفاظاً على متعارف قواعد النحو في الاستعمال الأصلي المتعارف مع أنّ لغرائب الاستعمال أحوالاً خاصّة لا ينبغي غضّ النظر عنها إلاّ إذا قصد بيان أصل الكلام أو عدم التشويش على المتعلّمين.
ولا يخفى أنّ ما ذهبوا إليه هو أشدّ غرابة وهو الجمع بين علامتي خطاب مختلفتين في الصورة ومرجعهما متَّحد.
وعلى الوجه الذي اخترناه فالمفعول الثاني في هذا التركيب هو جملة: ﴿ أغير الله تدعون ﴾ .
وإنّما تركت التاء على حالة واحدة لأنّه لمَّا جعلتْ ذاتُ الفاعل ذات المفعول إعراباً وراموا أن يجعلوا هذا التركيب جارياً مجرى المثل في كونه قليل الألفاظ وافر المعنى تجنّبوا ما يحدثه الجمع بين ضميري خطاب مرفوع ومنصوب من الثقل في نحو أرأيتما كُما، وأرأيتُمْكُم وأريْتُنُّكُنّ، ونحو ذلك، سلكوا هذه الطريقة الغريبة فاستغنوا بالاختلاف حالة الضمير الثاني عن اختلاف حالة الضمير الأول اختصاراً وتخفيفاً، وبذلك تأتَّى أن يكون هذا التركيب جارياً مجرى المثل لما فيه من الإيجاز تسهيلاً لشيوع استعماله استعمالاً خاصّاً لا يغيّر عنه، فلذلك لا تكسر تلك التاء في خطاب المؤنّث ولا تضمّ في خطاب المثنّى والمجموع.
وعن الأخفش: أخرجت العرب هذا اللفظ من معناه بالكلية فألزمته الخطاب، وأخرجته عن موضوعه إلى معنى (أمّا) بفتح الهمزة، فجعلت الفاء بعده في بعض استعمالاته كقوله تعالى: ﴿ أرأيتَ إذْ أويْنَا إلى الصخرة فإنّي نسيت الحوت ﴾ [الكهف: 63] فما دخلت الفاء إلاّ وقد أخرجت (أرأيت) لمعنى (أمّا)؛ وأخرجته أيضاً إلى معنى (أخبرني) فلا بد بعده من اسم المستخبر عنه؛ وتلزم الجملة بعد الاستفهام، وقد يخرج لهذا المعنى وبعده الشرط وظرففِ الزمان.
اه.
في «الكشاف»: متعلِّق الاستخبار محذوف، تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون، ثم بكتهم بقوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ ، أي أتخصّون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها بل إيَّاه تدعون اه.
وجملة: ﴿ أغير الله تدعون ﴾ هي المفعول الثاني لفعل ﴿ أرأيتكم ﴾ .
واعلم أنّ هذا استعمال خاصّ بهذا التركيب الخاصّ الجاري مجرى المثل، فأمّا إذا أريد جريان فعل الرؤية العلمية على أصل بابه فإنَّه يجري على المتعارف في تعدية الفعل إلى فاعله ومفعوليه.
فمن قال لك: رأيتُني عالماً بفلان.
فأردت التحقّق فيه تقول: أرأيتَك عالماً بفلان.
وتقول للمثنّى: أرأيتماكما عالمين بفلان، وللجمع أرأيتُموكُم وللمؤنثة أرأيتِك بكسر التاء.
وقرأه نافع في المشهور بتسهيل الهمزة ألفاً؛ وعنه رواية بجعلها بين الهمزة والألف.
وقرأه الكسائي بإسقاط الهمزة التي هي عين الكلمة، فيقول: ﴿ أرَيْت ﴾ وهي لغة.
وقرأه الباقون بتحقيق الهمزة.
وجملة: ﴿ إن أتاكم عذاب الله ﴾ الخ معترضة بني مفعولي فعل الرؤية، وهي جملة شرطية حذف جوابها لدلالة جملة المفعول الثاني عليه.
وإتيان العذاب: حلوله وحصوله، فهو مجاز لأن حقيقة الإتيان المجيء، وهو الانتقال من موضع بعيد إلى الموضع الذي استقر فيه مفعول الإتيان، فيطلق مجازاً على حصول شيء لم يكن حاصلاً.
وكذلك القول في إتيان الساعة سواء.
ووجه إعادة فعل ﴿ أتتكم الساعة ﴾ مع كون حرف العطف مغنياً عن إعادة العامل بأن يقال: إن أتاكم عذاب الله أو الساعة، هو ما يوجَّه به الإظهار في مقام الإضمار من إرادة الاهتمام بالمُظْهَر بحيث يعاد لفظه الصريح لأنّه أقوى استقراراً في ذهن السامع.
والاهتمام هنا دعا إليه التهويل وإدخال الروع في ضمير السامع بأن يصرّح بإسناد هذا الإتيان لاسم المسند إليه الدّالّ على أمر مهول ليدلّ تعلّق هذا الفعل بالمفعول على تهويله وإراعته.
وقد استشعر الاحتياجَ إلى توجيه إعادة الفعل هنا الشيخ محمد بن عَرفة في درس تفسيره، ولكنَّه وجّهه بأنَّه إذا كان العاملان متفاوتين في المعنى لكون أحدهما أشدّ يعاد العامل بعد حرف العطف إشعاراً بالتفاوت، فإنّ إتيان العذاب أشدّ من إتيان الساعة (أي بناء على أنّ المراد بعذاب الله عذاب الآخرة) أو كان العاملان متباعدين، فإن أريد بالساعة القيامة وبعذاب الله المحْقُ والرزايا في الدنيا فيعقبه بعد مهلة تامَّة.
وإن أريد بالساعة المدّة فالمحق الدنيوي كثير، منه متقدّم ومنه متأخِّر إلى الموت، فالتقدّم ظاهر اه.
وفي توجيهه نظر إذ لا يشهد له الاستعمال.
وإضافة العذاب إلى اسم الجلالة لتهويله لصدوره من أقدر القادرين.
والمراد عذاب يحصل في الدنيا يضرعون إلى الله لرفعه عنهم بدليل قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ ، فإنّ الدعاء لا يكون بطلب رفع عذاب الجزاء.
وهذا تهديد وإنذار.
والساعة: علَم بالغلبة على ساعة انقراض الدنيا، أي إن أدركتْكم الساعة.
وتقديم ﴿ أغير الله ﴾ على عامله وهو ﴿ تدعون ﴾ لتكون الجملة المستفهم عنها جملة قصر، أي أتعرضون عن دعاء الله فتدعون غيره دونه كما هو دأبكم الآن، فالقصر لحكاية حالهم لا لقصد الردّ على الغير.
وقد دلّ الكلام على التعجّب، أي تستمرّون على هذه الحال.
والكلام زيادة في الإنذار.
وجمل: ة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ مستأنفة، وجوابها محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ أرأيتكم ﴾ الذي هو بمعنى التقرير.
فتقدير الجواب: إن كنتم صادقين فأنتم مقرّون بأنَّكم لا تدعون غير الله.
ذَكّرهم في هذه الآية وألجأهم إلى النظر ليعلموا أنّه إذا أراد الله عذابهم لا تستطيع آلهتهم دفعه عنهم، فهم إن توخّوا الصدق في الخبر عن هذا المستقبل أعادوا التأمّل فلا يسعهم إلاّ الاعتراف بأنّ الله إذا شاء شيئاً لا يدفعه غيرُه إلاّ بمشيئته، لأنّهم يعترفون بأنّ الأصنام إنَّما تقرّبهم إلى الله زلفى، فإذا صدقوا وقالوا: أندعوا الله، فقد قامت الحجّة عليهم من الآن لأنّ من لا يغني في بعض الشدائد لا ينبغي الاعتماد عليه في بعض آخر.
ولذلك كان موقع ﴿ بَل إيّاه تدعون ﴾ عقب هذا الاستفهام موقع النتيجة للاستدلال.
فحرف (بل) لإبطال دعوة غير الله.
أي فأنا أجيب عنكم بأنّكم لا تدعون إلاّ الله.
ووجه تولّي الجواب عنهم من السائل نفسِه أنّ هذا الجواب لمّا كان لا يسع المسؤول إلاّ إقرارُه صحّ أن يتولّى السائل الجوابَ عنه، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ﴾ في هذه السورة [12].
وتقديم المفعول على تَدْعون} للقصر وهو قصر إفراد للردّ على المشركين في زعمهم أنّهم يدعون الله ويدعون أصنامهم، وهم وإن كانوا لم يزعموا ذلك في حاللِ ما إذا أتاهم عذاب الله أو أتتهم الساعة إلاّ أنّهم لمّا ادّعوه في غير تلك الحالة نزّلوا منزلة من يستصحب هذا الزعم في تلك الحالة أيضاً.
وقوله: ﴿ فيكشف ﴾ عطف على ﴿ تدعون ﴾ ، وهذا إطماع في رحمة الله لعلّهم يتذكّرون.
ولأجل التعجيل به قدّم ﴿ وتنسوْن ما تشركون ﴾ وكان حقّه التأخير.
فهو شبيه بتعجيل المسرّة.
ومفعول: ﴿ تدعون ﴾ محذوف وهو ضمير اسم الجلالة، أي ما تدعونه.
والضمير المجرور بِ (إلى) عائد على ﴿ ما ﴾ من قوله ﴿ ما تدعون ﴾ أي يكشف الذي تدعونه إلى كشفه.
وإنّما قيّد كشف الضرّ عنهم بالمشيئة لأنَّه إطماع لا وعد.
وعديّ فعل ﴿ تدعون ﴾ بحرف (إلى) لأنّ أصل الدعاء نداء فكأنّ المدعو مطلوب بالحضور إلى مكان اليأس.
ومفعول ﴿ شاء ﴾ محذوف على طريقة حذف مفعول فعل المشيئة الواقع شرطاً، كما تقدّم آنفاً.
وفي قوله: ﴿ إن شاء ﴾ إشارة إلى مقابله، وهو إن لم يشأ لم يكشف، وذلك في عذاب الدنيا.
وأما إتيان الساعة فلا يُكشف إلاّ أن يراد بإتيانها ما يحصل معها من القوارع والمصائب من خسف وشبهه فيجوز كشفه عن بعض الناس.
وممَّا كشفه الله عنهم من عذاب الدنيا عذابُ الجوع الذي في قوله تعالى: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم إلى قوله إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون ﴾ [الدخان: 10 16] فُسّرت البطشة بيوم بدر.
وجملة: ﴿ فيكشف ﴾ الخ معترضة بين المعطوفين.
وقوله: ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ عطف على ﴿ إيّاه تدعون ﴾ ، أي فإنّكم في ذلك الوقت تنسون ما تشركون مع الله، وهو الأصنام.
وقوله: ﴿ وتنسون ما تُشركون ﴾ يجوز أن يكون النسيان على حقيقته، أي تذهلون عن الأصنام لِمَا ترون من هول العذاب وما يقع في نفوسهم من أنّه مرسل عليهم من الله فتنشغل أذهانهم بالذي أرسل العذاب وينسون الأصنام التي اعتادوا أن يستشفعوا بها.
ويجوز أن يكون مجازاً في الترك والإعراض، أي وتعرضون عن الأصنام، إذ لعلَّهم يلهمون أن يستدلّون في تلك الساعة على أنّ غير الله لا يكشف عنهم من ذلك العذاب شيئاً، وإطلاق النسيان على الترك شائع في كلام العرب، كما في قوله تعالى: ﴿ فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ [الجاثية: 34]، أي نهملكم كما أنكرتم لقاء الله هذا اليوم.
ومن قبيله قوله تعالى: ﴿ الذين هم عن صلاتهم ساهون ﴾ [الماعون: 5].
وفي قوله: ﴿ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ﴾ دليل على أنّ الله تعالى قد يجيب دعوة الكافر في الدنيا تبعاً لإجراء نعم الله على الكفّار.
والخلاف في ذلك بين الأشعري والماتريدي آئل إلى الاختلاف اللفظي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم تَرَكُوا ما ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.
﴿ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي مِن نِعَمِ الدُّنْيا وسَعَةِ الرِّزْقِ.
وَفي إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ داعِيًا إلى إيمانِهِمْ.
والثّانِي: لِيَكُونَ اسْتِدْراجًا وبَلْوى، وقَدْ رَوى ابْنُ لَهِيعَةَ بِإسْنادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ إيّاهُ فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ » ﴿ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ﴾ يَعْنِي مِنَ النِّعَمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا.
﴿ أخَذْناهم بَغْتَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَعْجِيلُ العَذابِ المُهْلِكِ جَزاءً لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: لِكُفْرِهِمْ بِهِ.
والثّانِي: لِكُفْرِهِمْ بِنِعَمِهِ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو سُرْعَةُ المَوْتِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْهُ بِالنِّعَمِ قَطْعًا لِلَذَّةِ، وتَعْذِيبًا لِلْحَسْرَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإبْلاسَ: الإياسُ قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: مَلِكٌ إذا حَلَّ العُفاةُ بِبابِهِ غَبِطُوا وأنْجَحَ مِنهُمُ المُسْتَبْلِسُ يَعْنِي الآيِسَ.
والثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ والنَّدَمُ.
والثّالِثُ: الخُشُوعُ.
والرّابِعُ: الخِذْلانُ.
والخامِسُ: السُّكُوتُ وانْقِطاعُ الحُجَّةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ: ؎ يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرَّسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ﴾ قال: هذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدى ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات لا يستطيع منها خروجاً متسكع فيها.
أخرج أبو الشيخ عن أبي يوسف المدني قال: كل مشيئة في القرآن إلى ابن آدم منسوخة، نسختها ﴿ من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ قال: خوف السلطان، وغلا السعر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾ الآية، قال الفراء: (للعرب في أرأيت لغتان ومعنيان، أحدهما: رؤية العين فإذا أردت هذا عدّيت الرؤية بالضمير إلى المخاطب وتصرف سائر الأفعال تقول للرجل: أرأيتك على غير هذه الحال ، تريد هل رأيت نفسك، ثم تثنى وتجمع فتقول: أرأيتما كما، وأرأيتموكم (١) (٢) (٣) والمعنى الآخر: أن تقول: أرأيتك وأنت تريد أخبرني كما تقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل، أي: أخبرني، وتترك (٤) (٥) (٦) قال: والرؤية من الأفعال الناقصة التي يُعدّيها المخاطب إلى نفسه بالمكنى مثل: ظننتني وحسبتني ورأيتني، ولا يقولون ذلك في الأفعال التامة، لا يقولون للرجل: قتلتك بمعنى قتلت نفسك، ولا أحسنت إليك كما يقولون: متى تظنك خارجًا ومتى تراك.
وذلك أنهم أرادوا الفصل بين الفعل الذي قد يُلغى وبين الفعل الذي لا يجوز إلغاؤه، ألا ترى أنك تقول: أنا أظن خارج فتلغي أظن، وقال الله تعالى: ﴿ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ ، ولم يقل: رأى نفسه، وجاء في ضرورة الشعر إجراء الأفعال التامة مجرى النواقص، قال جران العود (٧) لَقَدْ كَانَ لي في ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُني ...
وما كنت ألقى من رزينة أبرحُ (٨) والعرب تقول: عدمتني ووجدتني وفقدتني، وليس بوجه الكلام) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال أبو علي: (قولهم: أرأيتك زيدًا ما فعل، بفتح التاء في جميع الأحوال، فالقول في ذلك أن الكاف في أرأيتك لا يخلو من أن يكون (١٤) (١٥) ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ ، وقولهم: أرأيتك زيدًا ما صنع لو كان الكاف اسمًا ولم يكن حرفًا للخطاب لوجب أن يكون الاسم الذي بعده الكاف في المعنى، ألا ترى أن أرأيت يتعدى (١٦) (١٧) (١٨) واحتج ابن الأنباري لمذهب الفراء بأن قال: (لو كانت الكاف توكيدًا لوقعت التثنية والجمع بالتاء كما يقعان بها عند عدم الكاف، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع، ووقع ميسم الجمع لغيرها، كان ذلك دليلًا على أن الكاف غير توكيد، ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة: أرأيت، فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها) (١٩) والصحيح مذهب البصريين، وهذا الذي قاله يبطل بكاف ذلك وأولئك؛ لأن ميسم الجمع يقع عليها، وهي حرف للخطاب مجرد من معنى الاسمية (٢٠) واختلف القراء في هذا الحرف وما كان من بابه ودخل عليه ألف إلاستفهام، مثل ﴿ أَرَءَيْتُمْ ﴾ و ﴿ أَرَءَيْتَكُمْ ﴾ و ﴿ أَرَءَيْتَ ﴾ و ﴿ أَفَرَءَيْتُم ﴾ (٢١) (٢٢) (٢٣) إن لم أُقَاتلْ فالْبِسُوني بُرْقُعا (٢٤) (٢٥) وكقول أبي (٢٦) (٢٧) يَا بَا المُغِيرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ (٢٨) ومما يقوي هذا المذهب قول الشاعر: وَمَنْ رَأ مثلَ مَعْدَان بْنِ لَيْلَى ...
إذا ما النسْعُ طالَ على المَطِيَّة (٢٩) (٣٠) لاَ هَناك المَرْتَعُ (٣١) واجتمعت مع المنقلبة عن اللام فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين.
وقرأ نافع بتليين همزة الرؤية فجعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي والباقون قرؤوا بتحقيق الهمزة؛ لأن الهمزة عين الفعل، ومذهب الكسائي حسن، وبه قرأ (٣٢) عمر (٣٣) (٣٤) (٣٥) أَرَيْتُكَ إذْ هُنّا عَليْكَ أَلَمْ نَخَفْ ...
رَقِيبا وَحَوْلي مِنْ عَدُوِّك حُضَّرُ (٣٦) وأنشد أبو علي (٣٧) أَرَيْتَ إنْ جئْتُ به أُمْلوُدًا ...
مُرَجَّلًا وَيلْبَسُ البُرُوداَ (٣٨) فأما (٣٩) ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} يريد: الموت ﴿ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ﴾ (٤٠) ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ يريد: إلى من تتضرعون (٤١) (٤٢) وقال أبو إسحاق: ( ﴿ السَّاعَةُ ﴾ اسم للوقت الذي يصعق فيه العباد، واسم للوقت الذي يبعث فيه العباد، فالمعنى: ﴿ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ﴾ التي وُعِدتم فيها البعث والفناء؛ لأن قبل البعث موت الخلق كله ﴿ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ أي: أتدعون هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها (٤٣) (٤٤) (٤٥) وقال غيره (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ...
(٤٧) ﴿ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾ ؛ لأنه بمعنى أخبروا كأنه قيل لهم: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ] (٤٨) (١) في (ش): (وأريتموكم)، وهو تحريف.
(٢) في (أ): (أريتنكن)، وهو تحريف.
(٣) زاد الفراء في "معانيه" 1/ 333: (وللمرأة -أرأيتك- فهذه مهموزة تخفض التاء والكاف، لا يجوز إلا ذلك) ا.
هـ (٤) في (ش): (ويترك).
(٥) في (أ): (أريتكما)، وهو تحريف.
(٦) زاد الفراء في هذا الوجه: (وتهمزها وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد والواحدة والجميع في مؤنثه ومذكره) ا.
هـ.
(٧) جِران العَوْد، هو: عامر بن الحارث بن كلدة النُّمَيري، شاعر إسلامي وصاف.
وجران العود لقب غلب على اسمه، وهو بالكسر وفتح الراء: جلد عُنُق الدابة، سمي به؛ لأنه اتخذ منه سوطًا، وأورده في شعره.
انظر: "كنى وألقاب الشعراء" لابن حبيب ص 35، و"الشعر والشعراء" ص 480، و"المبهج" لابن جنى ص 169، و"الصحاح" 5/ 2091 (جرن)، و"اللباب" لابن الأثير 1/ 269، و"تاج العروس" 18/ 106 (جرن)، و"الأعلام" 3/ 250.
(٨) "ديوانه" ص 39، 40، و"الدر المصون" 4/ 622، وهذه هي رواية الفراء في "معانيه" 1/ 334، وفي المراجع: لقد كان لي عن ضرتين عدمنني ...
وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزِحُ والشاهد: عدمتني: حيث جمع بين ضمير الفاعل والمفعول.
(٩) "معاني الفراء" 1/ 333 - 334، بتصرف واختصار، ونصر الواحدي عند السمين في "الدر" 4/ 621 - 622 عن الفراء.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(١١) انظر: "معاني الفراء" 1/ 333.
(١٢) أي يصير لها فاعلان هما التاء والكاف.
(١٣) "معاني القرآن" 2/ 246.
(١٤) في (أ): (لا تخلو من أن تكون).
(١٥) في (ش): (منها)، وهي في بعض نسخ الحجة لأبي علي 3/ 308.
(١٦) في (ش): (تعدى).
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
(١٨) "الحجة" لأبي علي 3/ 308 - 310، وانظر: "الحلبيات" لأبي علي ص 42 - 96.
(١٩) ذكره السمين في "الدر" 4/ 621، وانظر: "تفسير الرازي" 12/ 222.
(٢٠) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 274، و"تفسير الطبري" 7/ 190، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 547، و"معاني القراءات" للأزهري 1/ 353، و"المشكل" لمكي 1/ 351، و"البيان" 1/ 321، و"التبيان" 1/ 332، و"الفريد" 2/ 146، و"المغني" لابن هشام 1/ 181.
(٢١) قرأ نافع: (أرأيتكم) وما أشبهه مما قبل الراء همزة وبعدها همز، بهمز الأولى وتسهيل الثانية بين الهمز والألف لتكون كالمدة في اللفظ حيث وقع، وقرأ الكسائي بهمز الأولى وإسقاط الثانية، وقرأ الباقون بهمزها جميعًا).
انظر: "السبعة" ص 257، و"المبسوط" ص 168، و"التذكرة" 2/ 398، و"التيسير" ص 102، و"النشر" 1/ 397.
(٢٢) في (أ): (أرأيتكم).
(٢٣) وَيْلِمِّه: بفتح فسكون وكسر اللام أو ضمها وكسر الميم المشددة وبعدها هاء لفظ مركب يقال للمستجاد ويلمه أي ويل لأمه، أدغمت لام ويل في اللام الجارة ثم حذفت لكثرة الاستعمال فصار: وي لأمه، ثم حذفت الهمزة فصار ويلمه.
انظر: "الحلبيات" ص 43، و"اللسان" 8/ 4939 (ويل).
(٢٤) لم أعرف قائله وهو في: "الحجة" لأبي علي 3/ 211، 6/ 340، و"كتاب الشعر" لأبي علي 1/ 303، و"المحتسب" 1/ 120، و"الخصائص" 3/ 151، والرازي 12/ 184، والقرطبي 5/ 101، و"البحر" 3/ 206، و"الدر المصون" 3/ 633، وهو رجز آخره: == فتَخاتٍ في اليَدَينِ أَرْبَعا.
والشاهد: فالبسوني، حيث حذف الهمزة، والأصل: فألبسوني.
والفتخات، بفتح فسكون أو بفتحتين: حاتم يكون باليد والرجل.
(٢٥) لفظ: (أراد) ساقط من (ش).
(٢٦) في (ش): (ابن)، وهو تحريف.
(٢٧) أبو الأسود: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل الدؤلي أبو الأسود البصري مشهور بكنيته وفي اسمه ونسبه خلاف، وهو إمام تابعي عابد فاضل نحوي مقرئ فقيه، ثقة، شاعر فارس شجاع، واضع علم النحو، وأول من نقط المصحف، توفي سنة 69هـ.
وله 85 سنة.
انظر: "طبقات الزبيدي" ص 21، و"إنباه الرواة" 1/ 48، و"معجم الأدباء" 3/ 436، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 81، و"تهذيب التهذيب" 2/ 249، و"الأعلام" 3/ 236.
(٢٨) ديوانه ص 134، و"الحجة" لأبي علي 3/ 211، 307، 6/ 340، و"الشعر" لأبي علي 1/ 142، 303 و"أمالي ابن الشجري" 2/ 199، و"المقرب" ص 559، و"الممتع" 2/ 620، و"رصف المباني" ص 134، و"البحر" 5/ 52، و"الدر المصون" 4/ 617، وعجزه: فَرَّجْتهُ بالمَكْرِ مِنّى والدَّهَا والشاهد يا با، حيث حذف الهمزة من أيا.
(٢٩) لم أعرف قائله، وهو في: "الحجة" لأبي علي 3/ 307، 6/ 424، و"الحلبيات" ص 47، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 791، و"اللسان" 3/ 1537، (رأى)، و"الدر المصون" 4/ 618، والنسع بالكسر: سير مضفر تشد به الرحال، انظر "اللسان" 7/ 4410 (نسع)، و"الشاهد" (من رأ) حيث حذف، والأصل رأى.
(٣٠) لفظ: (ألفا) ساقط من (ش).
(٣١) "الشاهد" للفرزدق في "ديوانه" 1/ 408، و"الكتاب" 3/ 554، و"المقتضب" 1/ 303، و"الكامل" 3/ 82، و"الأصول" 3/ 469، و" أمالي ابن الشجري" 1/ 120، 2/ 464، وبلا نسبة في: أضداد ابن الأنباري ص 209، و"الحجة" لأبي علي 1/ 398، و"العضديات" ص 174، و"الشعر" 1/ 145، و"الخصائص" 3/ 152، و"المحتسب" 2/ 173، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 666، و"المقرب" ص 538، وأوله: وَمَضَتْ لمسْلَمَة الرِّكابُ مُوَدِّعًا ...
فَارْعَيْ فَزَازَةُ لا هَناك المَرْتَعُ وهو من قصيدة قالها حين عُزل مسلمة بن عبد الملك عن العراق وتولاها عمر بن هبيرة الفزاري، فدعا ألا يهنأ قومه بولايته.
والشاهد: لا هناك، والأصل: هناك، حيث أبدل الهمزة ألفًا ضرورة.
(٣٢) لم أستطع تحديده، وهناك: أ- عيسى بن عمر الأسدي الهمداني أبو عمر الكوفي، إمام فاضل ثقة، مقرئ أهل الكوفة في زمانه، أخذ عن عاصم، وأخذ عنه الكسائي، توفي سنة 156 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 6/ 282، و"معرفة القراء" 1/ 119، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 199، و"غاية النهاية" 1/ 612، و"تهذيب التهذيب" 3/ 363.
ب- عيسى بن عمر الثقفي، أبو عمر البصري.
إمام صدوق نحوي، مقرئ من أئمة اللغة، ومن أول من هذب النحو ورتبة، أخذ عنه الخليل وسيبويه وأبو عمر بن العلاء، توفي بعد سنة 3/ 364.
== انظر: "إنباه الرواة" 2/ 374، و"معجم الأدباء" 16/ 146، و"وفيات الأعيان" 3/ 486، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 200، و"غاية النهاية" 1/ 613، و"تهذيب التهذيب" 3/ 364.
(٣٣) ذكرها عنه: أبو علي في "الحجة" 3/ 307، والنحاس في "إعرابه" 1/ 547، والرازي 12/ 223، والقرطبي 6/ 423.
(٣٤) في (ش): (وقد).
(٣٥) ديوان عمر بن أبي ربيعة ص 125، و"الدر المصون" 4/ 166.
وأريتك: أي أخبرني.
وحضر: أي حاضرون.
والشاهد: (أريتك) حيث خفف، والأصل: أرأيتك.
(٣٦) في الديوان (وقيت) بدل (رقيبا).
(٣٧) "الحجة" 3/ 308، و"الحلبيات" ص 46، و"العسكريات" ص 107.
(٣٨) الشاهد لرؤبة في ملحق ديوانه ص 173، ولرجل من هذيل في "شرح أشعار الهذليين" للسكري 2/ 651.
وذكر السيوطي في "شرح شواهد المغني" 2/ 759، أنه لامرأة مجهولة، وهو بلا نسبة في: "المحتسب" 1/ 193، و"الخصائص" 1/ 136، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 447، و"اللسان" 3/ 1538 (رأى) و"الدر المصون" 4/ 616.
والأملود بالضم: الناعم اللين.
والمرجل بالضم: المُزيَّن.
ورجل شعره، أي: سرحه، والبرود بالضم: ثوب فيه خطوط من برود العصب والوشي.
انظر: "اللسان" 1/ 250 (برد).
والشاهد: تخفيف أريت، والأصل أرأيت.
(٣٩) انظر: في توجيه القراءات "إعراب القراءات" 1/ 156، و"الحجة" لابن خالويه ص 139، ولابن زنجلة ص 250، و"الكشف" 1/ 431.
(٤٠) في (أ): (أتيكم)، وهو تحريف.
(٤١) في (ش): (يتضرعون).
(٤٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 36، والبغوي 3/ 143، وانظر: "زاد المسير" 3/ 37.
(٤٣) في (أ): (التي عبد من دون الله)، وهو تحريف.
(٤٤) في (ش): (بما لا يدفعون).
(٤٥) "معاني الزجاج" 2/ 246.
(٤٦) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 191، والسمرقندي 1/ 483، وقال النحاس في "معانيه" 2/ 422 - 423: (في هذه الآية أعظم الاحتجاج؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، فإذا وقعوا في شدة دعوا الله) ا.
هـ.
(٤٧) السياق يظهر أن فيه سقطًا، وفي "الوسيط" 1/ 36، ما يبين ذلك حيث قال: (وقوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ جواب قوله: ﴿ أَرَأَيْتَكُمْ ﴾ لأنه بمعنى أخبروا ..).
(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ش).
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين كَذَّبُواْ ﴾ الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم، وقوله في الظلمات يقوم مقام الوصف بالعمى ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُكُم ﴾ معناه أخبروني، والضمير الثاني للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟
ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال للشرك ﴿ إِنْ شَآءَ ﴾ استثناء أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن أراد ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل أن يكون من النسيان أو الترك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.
الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.
فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.
وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.
قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.
قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.
وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.
وكما يقال: مشيت إليه برجلي.
وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.
قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.
وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟
نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.
ومعرفة الذكر والأنثى.
وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.
وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.
وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.
وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.
دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .
وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.
وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.
فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.
واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.
وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.
وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.
قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.
ثم زعموا أن الله أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.
وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله أعلم بحقيقة الحال.
﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.
وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.
والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.
وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.
وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.
وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾ للطب.
وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ للحساب.
وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ للأخلاق.
وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله أعلم.
أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.
الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.
وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.
فرع آخر: كل حيوان أذن الله في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.
فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.
فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.
وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.
فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله فإنه يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو أعلم.
ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.
ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.
أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.
ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.
فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.
أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.
فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.
وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.
والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.
فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.
وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.
وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.
وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.
فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟
ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.
وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟
وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.
ثم سلى النبي بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.
ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.
وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.
والبأساء والضراء البؤس والضر.
أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.
ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.
احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.
وأجيب بأن الترجي في حقه محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه يعاملهم معاملة المترجي.
فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.
أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.
ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.
ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.
وقال "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله " .
قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.
وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.
ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.
وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.
"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.
دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.
أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.
الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.
والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.
وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.
قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.
والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.
ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.
ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.
والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.
وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.
وقالت الأشاعرة: لولا منع الله لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.
ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.
ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.
أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.
وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.
فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.
قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.
قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.
وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.
ثم أمر نبيه أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.
قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.
واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح .
وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير ﴾ فاكتفى بذلك.
قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.
قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.
﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.
ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.
وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله أعلم وأحكم.
التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.
﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.
﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.
﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.
﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.
والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.
فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.
﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ ﴾ .
الذي وعدكم في الدنيا أنه يأتيكم.
﴿ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ ﴾ .
لأنه كان وعدهم أن يأتيهم العذاب، أو كان يعدهم أن تقوم الساعة، فقال: ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ : في رفع ذلك، وكشفه عنكم.
﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ أن معه شركاء وآلهة.
أو ﴿ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ﴾ : أن ما تعبدون شفعاؤكم عند الله، أو تقربكم عبادتكم إياها إلى الله.
وقوله - - ﴿ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ ﴾ .
يحتمل: حقيقة الدعاء عند نزول البلاء.
ويحتمل: العبادة، أي: أغير الله تعبدون على رجاء الشفاعة لكم، وقد رأيتم أنها لم تشفع لكم عند نزول البلايا، ثم أخبر أنهم لا يدعون غير الله في دفع ذلك وكشفه عنهم، وأخبر أنهم إلى الله يتضرعون في دفع ذلك عنهم، وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ .
وكقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : ذكر هذا - والله أعلم - أنكم إذا مسكم الشدائد والبلايا لا تضرعون إلى الذين تشركون في عبادته وألوهيته، فكيف أشركتم أولئك في ربوبيته في غير الشدائد والبلايا، ﴿ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ﴾ ، أي: تتركون ما تشركون بالله من الآلهة؛ فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: البأساء: الشدائد التي تصيبهم من العدو، والضراء: ما يحل بهم من البلاء والسقم السماوي.
وقال بعضهم: البأساء: هو ما يحل بهم من الفقر والقحط والشدة.
وعن ابن عباس - - قال: [قوله] ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ ﴾ : الزمانة والخوف، ﴿ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : البلاء والجوع.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .
أي: ابتلاهم بهذا، أو امتحنهم لعلهم يتضرعون، ويرجعون عما هم عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ .
يذكر في ظاهر هذا أنه قد أصابهم البلاء والشدة، ولم يتضرعوا ولكن قست قلوبهم، ويذكر في غيره من الآيات أنه إذا أصابهم البلاء والشدائد تضرعوا ورجعوا عما كانوا عليه؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ وغيرهما من الآيات.
لكن يحتمل هذا وجوهاً: أن هذا كان في قوم، والأول كان في قوم آخرين، وذلك أن الكفرة كانوا على أحوال ومنازل: منهم من كان على حال، فإذا أصابه خير اطمأن به، وإذا زال عنه وتحول تغير؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ...
﴾ الآية [الحج: 11].
ومنهم من يتضرع ويلين قلبه إذا أصابه الشدة والبلاء، وعند السعة والنعمة قاسي القلب معاند؛ وهو كقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...
﴾ إلى آخر الآية [العنكبوت: 65]؛ وكقوله - -: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ومنهم: من كان فرحاً عند الرحمة [والنعمة]، وعند الشدة والبلاء كفوراً حزيناً؛ كقوله - -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ .
ومنهم: من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها، لا عند الشدة والبلاء، ولا عند الرخاء والنعمة، ويقولون: إن مثل هذا يصيب غيرنا، وقد كان أصاب آباءنا، [وهم] كانوا أهل الخير والصلاح؛ وهو كقوله: ﴿ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ ﴾ : كانوا على أحوال مختلفة، ومنازل متفرقة؛ فيشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ : في القوم الذين لم يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا.
وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد، فإذا انقطع ذلك وارتفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : فيما بينهم وبين ربهم، وهذا فيما بينهم، وبين الرسل؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم إلى أن يقروا، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون، فتكبروا عليهم، وأقروا لله وتضرعوا إليه، تكبروا عليهم ولم يتكبروا على الله.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ : في الأمم السالفة إخبار منه أنهم لم يتضرعوا.
ويحتمل قوله أيضاً: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ﴾ وجهين: أحدهما: أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله، ولكن عاندوا وثبتوا على ما كانوا عليه.
والثاني: تضرعوا عند نزول بأسه؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما كانوا، فيصير كأنه قال: فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: زين لهم صنيعهم الذي صنعوا، ويقولون: إن هذا كان يصيب أهل الخير، ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح.
أو زين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الشرك والتكذيب، ويقول لهم: إن الذي أنتم عليه حق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ يحتمل: ابتداء ترك، أي: تركوا الإجابة إلى ما دعوا وتركوا ما أمروا به.
ويحتمل: نسوا ما ذكروا به من الشدائد والبلايا.
﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل أبواب كل شيء مما يحتاجون إليه، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .
ويحتمل: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: تركوا ما وعظوا به، يعني: بالأمم الخالية لما دعاهم الرسل فكذبوهم ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أنزلنا عليهم أبواب كل شيء من أنواع الخير بعد الضر والشدة الذي كان نزل بهم.
﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم [المبلس]: الآيس من كل خير.
قال القتبي: المبلس: الآيس الملقي بيديه.
وقال أبو عوسجة: المبلس: هو الحزين المغتم الآيس من الرحمة وغيرها من الخير.
وقال الفراء: المبلس هو المنقطع الحجة، وقيل: لذلك سُمي إبليس لعنه الله إبليس لما أيس من رحمة الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ .
قيل: استؤصل القوم الذين ظلموا بالهلاك جميعاً، والظلم هاهنا: هو الشرك.
وقيل: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: أصلهم.
وقيل: دابر القوم، أي: آخرهم.
وكله واحد، وذلك أنه إذا هلك آخرهم وقطعوا، فقد استؤصلوا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، أي: قطع افتخارهم وتكبرهم الذي كانوا يفتخرون به ويتكبرون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
الحمد في هذا الموضع على أثر ذلك الهلاك يخرج على وجوه، وإلا الحمد إنما يذكر على أثر ذكر الكرامة والنعمة، لكن هاهنا وإن كان نقمة وإهلاكاً فيكون للأولياء كرامة ونعمة؛ لأن هلاك العدو يعد من أعظم الكرامة والنعمة من الله، فإذا كان في ذلك شر للأعداء والانتقام فيكون خيراً للأولياء وكرامة، وما من شيء يكون شرا لأحد إلا ويجوز أن يكون في ذلك خير لآخر، فيكون الحمد في الحاصل في الخير والنعمة.
والثاني: أنه يجوز أن يكون في الهلاك نفسه الحمد إذا كان الهلاك بالظلم؛ لأنه هلاك بحق إذ لله أن يهلكهم، ولم يكن الهلاك على الظلم خارجاً عن الحكمة، فيحمد عز وجل في كل فعل: حكمةٍ.
والثالث: يقول: ﴿ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ على إظهار حججه بهلاكهم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني إن جاءكم عذاب من الله أو جاءتكم الساعة التي وُعِدتُّم أنها آتية؛ أتطلبون إذ ذاك غير الله ليكشف ما ينزل بكم من البلاء والشدة، إن كنتم صادقين في ادعاء أن معبوداتكم تجلب نفعًا أو تدفع ضرًّا؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.6Y1J9"