الآية ٥٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥٠ من سورة الأنعام

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) أي : لست أملكها ولا أتصرف فيها ( ولا أعلم الغيب ) أي : ولا أقول : إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله ، عز وجل ، لا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه ( ولا أقول لكم إني ملك ) أي : ولا أدعي أني ملك ، إنما أنا بشر من البشر ، يوحى إلي من الله ، عز وجل ، شرفني بذلك ، وأنعم علي به ; ولهذا قال : ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه .

( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) أي : هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه ، ومن ضل عنه ولم ينقد له؟

( أفلا تتفكرون ) وهذه كقوله تعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب ) [ الرعد : 19 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المنكرين نبوّتك: لستُ أقول لكم إنّي الرب الذي له خزائنُ السماوات والأرض، وأعلم غيوب الأشياء الخفية التي لا يعلمها إلا الرب الذي لا يخفى عليه شيء, (20) فتكذبوني فيما أقول من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يكون ربًّا إلا من له ملك كل شيء، وبيده كل شيء، ومن لا يخفى عليه خافية, وذلك هو الله الذي لا إله غيره =" ولا أقول لكم إني ملك "، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا, فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك (21) =" إن أتبع إلا ما يوحى إليّ"، يقول: قل لهم: ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه، إلا وحي الله الذي يوحيه إليّ، وتنـزيله الذي ينـزله عليّ, (22) فأمضي لوحيه وأئتمر لأمره, (23) وقد أتيتكم بالحجج القاطعة من الله عذركم على صحة قولي في ذلك, وليس الذي أقول من ذلك بمنكر في عقولكم ولا مستحيل كونه، بل ذلك مع وجود البرهان على حقيقته هو الحكمة البالغة, فما وجه إنكاركم ذلك؟

وذلك تنبيه من الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم على موضع حُجته على منكري نبوّته من مشركي قومه.

=" قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، يقول تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهم: هل يستوي الأعمى عن الحق، والبصير به =" والأعمى "، هو الكافر الذي قد عَمى عن حجج الله فلا يتبيَّنها فيتبعها =" والبصير "، المؤمن الذي قد أبصرَ آيات الله وحججه، فاقتدى بها واستضاء بضيائها (24) =" أفلا تتفكرون "، يقول لهؤلاء الذين كذبوا بآيات الله: أفلا تتفكرون فيما أحتجّ عليكم به، أيها القوم، من هذه الحجج, فتعلموا صحة ما أقول وأدعوكم إليه، من فساد ما أنتم عليه مقيمون من إشراك الأوثان والأنداد بالله ربّكم، وتكذيبكم إياي مع ظهور حجج صدقي لأعينكم, فتدعوا ما أنتم عليه من الكفر مقيمون، إلى ما أدعوكم إليه من الإيمان الذي به تفوزون؟

(25) * * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال جماعة من أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13252 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، قال: الضال والمهتدي.

13253-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

13254 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " قل هل يستوي الأعمى والبصير " ، الآية، قال: " الأعمى "، الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه = و " البصير "، العبد المؤمن الذي أبصر بصرًا نافعًا, فوحّد الله وحده, وعمل بطاعة ربه, وانتفع بما آتاه الله.

------------------------ الهوامش : (20) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف: 238 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(21) انظر تفسير"ملك" فيما سلف 1: 444 - 447/4 : 262 ، 263.

(22) انظر تفسير"الوحي" فيما سلف: 290 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(23) في المطبوعة: "وأمر لأمره" ، والصواب من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها.

(24) انظر تفسير"الأعمى" و"البصير" فيما سلف من فهارس اللغة (عمى) ، و (بصر).

(25) في المخطوطة: "تعودون" ، والجيد ما في المطبوعة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون .قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله هذا جواب لقولهم : لولا نزل عليه آية من ربه ، فالمعنى ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات ، ولا أعلم الغيب فأخبركم به .

والخزانة ما يخزن فيه الشيء ; ومنه الحديث فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته .

وخزائن الله مقدوراته ; أي : لا أملك أن أفعل كل ما أريد مما تقترحون ولا أعلم الغيب أيضا ولا أقول لكم إني ملك وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل ، أي : لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا [ ص: 337 ] يشهده البشر .

واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء .

وقد مضى في " البقرة " القول فيه فتأمله هناك .قوله تعالى : إن أتبع إلا ما يوحى إلي ظاهره أنه لا يقطع أمرا إلا إذا كان فيه وحي .

والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد ، والقياس على المنصوص ، والقياس أحد أدلة الشرع .

وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " وجواز اجتهاد الأنبياء في ( الأنبياء ) إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : قل هل يستوي الأعمى والبصير أي الكافر والمؤمن ; عن مجاهد وغيره .

وقيل : الجاهل والعالم .

أفلا تتفكرون أنهما لا يستويان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ المقترحين عليه الآيات، أو القائلين له: إنما تدعونا لنتخذك إلها مع الله.

{ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } أي: مفاتيح رزقه ورحمته.

{ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } وإنما ذلك كله عند الله فهو الذي ما يفتح للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو وحده عالم الغيب والشهادة.

فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول.

{ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } فأكون نافذ التصرف قويا، فلست أدعي فوق منزلتي، التي أنزلني الله بها.

{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي: هذا غايتي ومنتهى أمري وأعلاه، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، فأعمل به في نفسي، وأدعو الخلق كلهم إلى ذلك.

فإذا عرفت منزلتي، فلأي شيء يبحث الباحث معي، أو يطلب مني أمرا لست أدعيه، وهل يلزم الإنسان، بغير ما هو بصدده؟.

ولأي شيء إذا دعوتكم، بما أوحي إلي أن تلزموني أني أدعي لنفسي غير مرتبتي.

وهل هذا إلا ظلم منكم، وعناد، وتمرد؟

قل لهم في بيان الفرق، بين من قبل دعوتي، وانقاد لما أوحي إلي، وبين من لم يكن كذلك { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } فتنزلون الأشياء منازلها، وتختارون ما هو أولى بالاختيار والإيثار؟

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ) نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم : ( لا أقول لكم عندي خزائن الله ) أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون ، ( ولا أعلم الغيب ) فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون ، ( ولا أقول لكم إني ملك ) قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي ، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) أي : ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى ، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة ، ( قل هل يستوي الأعمى والبصير ) ؟

قال قتادة : الكافر والمؤمن ، وقال مجاهد : الضال والمهتدي ، وقيل : الجاهل والعالم ، ( أفلا تتفكرون ) أي : أنهما لا يستويان .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» لهم «لا أقول لكم عندي خزائن الله» التي منها يرزق «ولا» إني «أعلم الغيب» ما غاب عني ولم يوح إلي «ولا أقول لكم إني ملك» من الملائكة «إن» ما «أتبع إلا ما يوحى إليَّ قل هل يستوي الأعمى» الكافر «والبصير» المؤمن؟

لا «أفلا تتفكرون» في ذلك فتؤمنون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إني لا أدَّعي أني أملك خزائن السموات والأرض، فأتصرف فيها، ولا أدَّعي أني أعلم الغيب، ولا أدَّعي أني ملك، وإنما أنا رسول من عند الله، أتبع ما يوحى إليَّ، وأبلِّغ وحيه إلى الناس، قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: هل يستوي الكافر الذي عَمِي عن آيات الله تعالى فلم يؤمن بها والمؤمن الذي أبصر آيات الله فآمن بها؟

أفلا تتفكرون في آيات الله؛ لتبصروا الحق فتؤمنوا به؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الأجوبة الحاسمة التى تدمغ شبهات الكافرين ، وتبين ضلال مقترحاتهم فقال : { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي .

.

.

.

} .المعنى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يقترحون عليك المقترحات الباطلة قل لهم : ليس عندى خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون ، وإنما ذلك لله - تعالى - فهو الذى له خزائن السموات والأرض ، وقد كان المشركون يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم إن كنت رسولا من الله فاطلب منه أن يوسع عيشنا ويغنى فقرنا ، وقل لهم كذلك إنى لا أعلم الغيب فاخبركم بما مضى وبما سيقع فى المستقبل ، وإنما علم ذلك عند الله ، وقد كانوا يقولون له أخبرنا بما ينفعنا ويضرنا فى المستقبل .

حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار ، وقل لهم : إنى لست ملكا فأطلع على مالا يطلع عليه الناس وأقدر على ما لا يقدرون عليه .

وقد كانوا يقولون : ما لهذا الرسول يأكل طعاما ويمشى فى الأسواق ثم يتزوج النساء .ثم بين لهم وظيفته فقال : { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } أى إن وظيفتى اتباع ما يوحى إلى من ربى .

فأنا عبده وممتثل لأمره ، وحاشاى أن أدعى شيئا من تلك الأشياء التى اقترحتموها على .

فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الاستئناف لإظهار تبريه عما يقترحونه عليه .ثم بين لهم - سبحانه - الفرق بين المهتدى والضال فقال : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } .أى : قل لهم : هلى يستوى أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذى دعوتكم إليه ، وذو البصيرة المنيرة التى اهتدت إلى الحق فآمنت به واتبعته؟فالمراد بالأعمى الكافر الذى لم يستجب للحق ، وبالبصير المؤمن الذى انقاد له .والاستفهام للانكار ونفى الوقوع ، أى : كما أنه لا يتساوى أعمى العينين وبصيرهما ، فكذلك لا يتساوى المهتدى والضال والرشيد والسفيه ، بل إن الفرق بين المهتدى والضال أقوة وأظهر ، لأنه كم من أعمى العينين وبصير القلب هو من أعلم العلماء وأهدى الفضلاء وكم من بصير العينين أعمى القلب هو أضل من الأنعام ، ولذا قرعهم الله - تعالى - بقوله : { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } ؟

أى : أفلا تتفكرون فى ذلك فتميزوا بين ضلالة الشرك وهداية الإسلام ، وبين صفات الرب وصفات الإنسان .

والاستفهام هنا للتحريض على التفكر والتدبر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ  ﴾ فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام، إنما بعثت مبشراً ومنذراً، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة، أولها: قوله: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله، فاطلب من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها، ويفتح علينا أبواب سعادتها.

فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي.

وثانيها: قوله: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الغيب ﴾ ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله فلابد وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح، ولدفع تلك المضار.

فقال تعالى: قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب؟

والحاصل أنهم كانوا في المقام الأول يطلبون منه الأموال الكثيرة والخيرات الواسعة، وفي المقام الثاني كانوا يطلبون منه الاخبار عن الغيوب، ليتوسلوا بمعرفة تلك الغيوب إلى الفوز بالمنافع والاجتناب عن المضار والمفاسد.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ ﴾ ومعناه أن الوقم كانوا يقولون ﴿ مَّالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِي الاسواق  ﴾ ويتزوج ويخالط الناس.

فقال تعالى: قل لهم إني لست من الملائكة.

واعلم أن الناس اختلفوا في أنه ما الفائدة في ذكر نفي هذه الأحوال الثلاثة؟

فالقول الأول: أن المراد منه أن يظهر الرسول من نفسه التواضع لله والخضوع له والاعتراف بعبوديته، حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح عليه السلام.

والقول الثاني: أن القوم كانوا يقترحون منه إظهار المعجزات القاهرة القوية، كقولهم: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ إلى آخر الآية فقال تعالى في آخر الآية ﴿ قُلْ سبحان رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً  ﴾ يعني لا أدعي إلا الرسالة والنبوّة، وأما هذه الأمور التي طلبتموها، فلا يكن تحصيلها إلا بقدرة الله، فكان المقصود من هذا الكلام إظهار العجز والضعف وأنه لا يستقل بتحصيل هذه المعجزات التي طلبوها منه.

والقول الثالث: أن المراد من قوله: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ معناه إني لا أدعي كوني موصوفاً بالقدرة اللائقة بالإله تعالى.

وقوله: ﴿ وَلا أَعْلَمُ الغيب ﴾ أي ولا أدعي كوني موصوفاً بعلم الله تعالى.

وبمجموع هذين الكلامين حصل أنه لا يدعي الإلهية.

ثم قال: ﴿ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ ﴾ وذلك لأنه ليس بعد الإلهية درجة أعلى حالاً من الملائكة، فصار حاصل الكلام كأنه يقول لا أدعي الإلهية ولا أدعي الملكية ولكني أدعي الرسالة، وهذا منصب لا يمتنع حصوله للبشر، فكيف أطبقتم على استنكار قولي ودفع دعواي؟

المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء، لأن معنى الكلام لا أدعي منزلة فوق منزلتي ولولا أن الملك أفضل وإلا لم يصح ذلك.

قال القاضي: إن كان الغرض بما نفى طريقة التواضع؛ فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، لم يدل على كونهم أفضل.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ ظاهره يدل على أنه لا يعمل إلا بالوحي وهو يدل على حكمين.

الحكم الأول: أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ  ﴾ .

الحكم الثاني: إن نفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النص أنه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه، لقوله تعالى: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وذلك ينفي جواز العمل بالقياس، ثم أكد هذا الكلام بقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير ﴾ وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير.

ثم قال: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلاً عن معرفته، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله- وهي قسمة بين الخلق وإرزاقه، وعلم الغيب، وأني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلقه الله تعالى وأفضله وأقربه منزلة منه.

أي لم أدّع إلهية ولا ملكية؛ لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزل الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكرونها.

وإنما أدّعي ما كان مثله لكثير من البشر وهو النبوّة ﴿ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير ﴾ مثل للضالّ والمهتدي ويجوز أن يكون مثلاً لمن اتبع ما يوحي إليه.

ومن لم يتبع.

أو لمن ادّعى المستقيم وهو النبوة.

والمحال وهو الإلهية أو الملكية ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فلا تكونوا ضالين أشباه العميان.

أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر.

أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى إليَّ مما لابد لي منه.

فإن قلت: ﴿ أَعْلَمُ الغيب ﴾ ما محله من الإعراب؟

قلت: النصب عطفاً على قوله: ﴿ عِندِى خَزَائِنُ الله ﴾ ، لأنه من جملة المقول كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ مَقْدُوراتُهُ أوْ خَزائِنُ رِزْقِهِ.

﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ما لَمْ يُوحَ إلَيَّ ولَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وهو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ.

﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ أيْ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، أوْ أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ تَبَرَّأ عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ، وادَّعى النُّبُوَّةَ الَّتِي هي مِن كَمالاتِ البَشَرِ رَدًّا لِاسْتِبْعادِهِمْ دَعْواهُ وجَزْمِهِمْ عَلى فَسادِ مُدَّعاهُ.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي، أوِ الجاهِلِ والعالِمِ، أوْ مُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ.

﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَتَهْتَدُوا أوْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ.

﴿ وَأنْذِرْ بِهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُوحى إلَيَّ.

﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُفَرِّطُونَ في العَمَلِ، أوِ المُجَوَّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا مُقِرًّا بِهِ أوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنْجَعُ فِيهِمْ دُونَ الفارِغِينَ الجازِمِينَ بِاسْتِحالَتِهِ.

﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَحْشُرُوا فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ.

﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ الله} أي قسمه بين الخلق وأرزاقه ومحل {وَلا أَعْلَمُ الغيب} النصب عطفاً على محل عِندِي خَزَائِنُ الله لأنه من جملة المقول كأنه قال لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول {وَلآ أَقُولُ لَكُمْ إِنّي مَلَكٌ} أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله وعلم الغيب ودعوى الملكية وإنما أدعي ما كان لكثير من البشر وهو النبوة {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ} أي ما أخبركم إلا بما أنزل الله علي {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير} مثل للضال والمهتدي أو لمن اتبع ما يوحى إليه

ومن لم يتبع أو لمن يدعي المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} فلا تكونوا ضالين أشباه العميان أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر أو فتعلموا أن اتباع ما يوحى إلى ما لا بد منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ أيْ مَقْدُوراتُهُ جَمْعُ خَزِينَةٍ أوْ خِزانَةٍ أوْ خَزْنَةٍ وهي في الأصْلِ ما يُحْفَظُ فِيهِ الأشْياءُ النَّفِيسَةُ تُجُوِّزَ فِيها عَمّا ذُكِرَ، وعَلى ذَلِكَ الجَبائِيُّ وغَيْرُهُ ولَمْ يَقُلْ: لا أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ اللَّهُ، قِيلَ: لِأنَّهُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُدْرَتِهِ كَأنَّ مَقْدُوراتِهِ مَخْزُونَةٌ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ مَجازٌ عَنِ المَرْزُوقاتِ مِن إطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِ أوِ اللّازِمِ عَلى المُلْزَمِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ خَزائِنُ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى أوْ مَقْدُوراتِهِ، والمَعْنى لا أدَّعِي أنَّ هاتِيكَ الخَزائِنَ مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ اسْتِقْلالًا أوْ اسْتِدْعاءً حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنَزُّلَ الآياتِ أوْ إنْزالَ العَذابِ أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي ولا أعْلَمَ الغَيْبَ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فَهو مَقُولٌ أقُولُ أيْضًا، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ مِن حَيْثُ أنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَصِيرَ التَّقْدِيرُ ولا أقُولُ لَكم لا أعْلَمُ الغَيْبَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وأُجِيبُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ ولا أقُولُ لَكم أعْلَمُ الغَيْبَ بِإضْمارِ القَوْلِ بَيْنَ لا وأعْلَمُ لا بَيْنَ الواوِ (ولا)، وقِيلَ: لا في - لا أعْلَمُ - مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ وقالَ أبُو حَيّانَ: الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (لا أقُولُ) لا مَعْمُولَ لَهُ فَهو أُمِرَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الجُمَلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لِلْأمْرِ الَّذِي هو (قُلْ)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ، وإنَّما الفائِدَةُ في الإخْبارِ بِأنِّي لا أقُولُ ذَلِكَ لِيَكُونَ نَفْيًا لِادِّعاءِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ لِيَكُونَ المَعْنى إنِّي لا أدَّعِي الإلَهِيَّةَ ﴿ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ ولا أدَّعِي المَلَكِيَّةَ، ويَكُونُ تَكْرِيرُ (لا أقُولُ) إشارَةً إلى هَذا المَعْنى، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ مَفْهُومِي ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ ، و ﴿ إنِّي مَلَكٌ ﴾ لَمّا كانَ حالُهُما مَعْلُومًا عِنْدَ النّاسِ لَمْ يَكُنْ حاجَةٌ إلى نَفْيِهِما، وإنَّما الحاجَةُ إلى نَفْيِ ادِّعائِهِما تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الباطِلِ، ومَفْهُومُ (إنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ لَمًّا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا احْتِيجَ هُنا إلى نَفْيِهِ فَدَعْوى أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ مَنظُورٌ فِيها، والَّذِي اخْتارَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ القَوْلُ الأوَّلُ، وأنَّ المَعْنى ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ أوْ وقْتِ إنْزالِ العَذابِ أوْ نَحْوِهِما وخَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الغَيْبَ بِعاقِبَةِ ما يَصِيرُونَ إلَيْهِ أيْ لا أدَّعِي ذَلِكَ، ولا أدَّعِي أيْضًا المَلَكِيَّةَ حَتّى تَكْفُلُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُهُ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ أوْ تَعُدَّوْا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ﴾ ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى هَذا دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيها هو مَحَلُّ النِّزاعِ كَما زَعَمَ الجَبائِيُّ لِأنَّها إنَّما ورَدَتْ رَدًّا عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ ﴿ مالِ هَذا الرَّسُولِ ﴾ إلَخْ وتَكْلِيفِهِمْ لَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنَحْوِ الرُّقِيِّ في السَّماءِ.

ونَحْنُ لا نَدَّعِي تَمَيُّزَ الأنْبِياءِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عَدَمِ الأكْلِ مَثَلًا والقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الخارِقَةِ كالرُّقِيِّ ونَحْوِهِ ولا مُساواتَهم لَهم في ذَلِكَ بَلْ كَوْنُ المَلائِكَةِ مُتَمَيِّزِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ مِمّا أجْمَعَ عَلَيْهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ ولا يُوجِبُ ذَلِكَ اتِّفاقًا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنهم بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ وإلّا لَكانَ كَثِيرٌ مِنَ الحَيْواناتِ أفْضَلَ مِنَ الإنْسانِ، ولا يَدَّعِي ذَلِكَ إلّا جَمادٌ وهَذا الجَوابُ أظْهَرُ مِمّا نُقِلَ عَنِ القاضِي زَكَرِيّا مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ  مِن بابِ التَّواضُعِ وإظْهارِ العُبُودِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى» في رَأْيٍ بَلْ هو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الأفْضَلِيَّةَ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ وهو مِن ضِيقِ العَطَنِ، وقِيلَ: حَيْثُ كانَ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لا يَكُونُ فِيها تَرَقٍّ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَلْ هي حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ في التَّدَلِّي، وبِذَلِكَ تَهْدِمُ قاعِدَةَ اسْتِدْلالِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴾ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى البَشَرِ إذْ لا يُتَصَوَّرُ التَّرَقِّي مِنَ الأُلُوهِيَّةِ إلى ما هو أعْلى مِنها إذْ لا أعَلا لِيُتَرَقّى إلَيْهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا هَدْمَ لَها مَعَ إعادَةِ (لا أقُولُ) الَّذِي جَعَلَهُ أمْرًا مُسْتَقِلًّا كالإضْرابِ إذِ المَعْنى لا أدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ بَلْ ولا المَلَكِيَّةَ ولِذا كَرَّرَ (لا أقُولُ) وقالَ بَعْضُهم في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَقامَيْنِ: إنَّ مَقامَ نَفْيِ الِاسْتِنْكافِ يَنْبَغِي فِيهِ أنْ يَكُونَ المُتَأخِّرُ أعَلا لِئَلّا يَلْغُوا ذِكْرُهُ، ومُقامُ نَفْيِ الِادِّعاءِ بِالعَكْسِ فَإنَّ مَن لا يَتَجاسَرُ عَلى دَعْوى المَلَكِيَّةِ أوَّلًا أنْ لا يَتَجاسَرَ عَلى دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ الأشَدِّ اسْتِبْعادًا، نَعَمْ في كَوْنِ المُرادِ مِنَ الأوَّلِ نَفْيَ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والتَّبَرِّي مِنها نَظَرٌ وإلّا لَقِيلَ لا أقُولُ لَكم إنِّي إلَهٌ كَما قِيلَ ﴿ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ وأيْضًا في الكِنايَةِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ بِـ ﴿ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ ما لا يَخْفى مِنَ البَشاعَةِ، وإضافَةُ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى مُنافِيَةٌ لَها.

ودَفَعَ المُنافاةَ بِأنَّ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ لَيْسَ دَعْوى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ تَعالى بَلْ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ عَزَّ اسْمُهُ في الأُلُوهِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ إضافَةَ الخَزائِنِ إلَيْهِ تَعالى اخْتِصاصِيَّةٌ فَتُنافِي الشَّرِكَةَ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ خَزائِنُ مِثْلَ خَزائِنَ أوْ تُنْسَبُ إلَيْهِ وهو كَما تَرى.

ومِن هُنا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ تَبَرِّيًا عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا ﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ ما في الوَحْيِ أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.

وحاصِلُهُ إنِّي عَبْدٌ يَمْتَثِلُ أمْرَ مَوْلاهُ ويَتَّبِعُ ما أوْحاهُ ولا أدَّعِي شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا أبْلَغُ مِن إنِّي نَبِيٌّ أوْ رَسُولٌ ولِذا عَدَلَ إلَيْهِ ولا دَلالَةَ لِنَفاةِ القِياسِ ولا لِمَعانِي جَوازِ اجْتِهادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما لا يَخْفى.

وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الرَّدُّ عَلى الكَفَرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ دَعْوى ولَيْسَتْ مِمّا يُسْتَبْعَدُ إنَّما المُسْتَبْعَدُ ادِّعاءُ الأُلُوهِيَّةِ أوِ المَلَكِيَّةِ ولَسْتُ أدَّعِيها.

وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا ما في دَعْوى أنَّ المَقْصُودَ مِمّا تَقَدَّمَ نَفْيُ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ أيِ الضّالُّ والمُهْتَدِي عَلى الِإطْلاقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ والمُرادُ إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها مَعَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها والتَّنْفِيرُ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبُ في الِاهْتِداءِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْبِيتِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ ﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ 5 - عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ أوْ أتَسْمَعُونَهُ فَلا تَتَفَكَّرُونَ.

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.

والكَلامُ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ.

ومَناطُ التَّوْبِيخِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ عَلى الأوَّلِ وعَدَمُ التَّفْكِيرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ عَلى الثّانِي وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ في الأعْمى والبَصِيرِ ثَلاثَ احْتِمالاتٍ إمّا أنْ يَكُونا مِثالًا لِلضّالِّ والمُهْتَدِي أوْ مِثالًا لِلْجاهِلِ والعالِمِ أوْ مِثالًا لِمُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمَلَكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ.

وأنَّ المَعْنى لا يَسْتَوِي هَذانَ الصِّنْفانِ ﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في ذَلِكَ فَتَهْتَدُوا أيْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ.

والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما مَضى إمّا مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا أوْ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ إنْ أتَّبِعُ ﴾ إلَخْ أوْ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ (لا أقُولُ) .

ورَجَّحَ في الكَشْفِ الأوَّلَ ثُمَّ الثّانِيَ.

ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا التَّرْجِيحِ.

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِإحالَةِ المَلَكِيَّةِ بِأنَّها مِنَ المُمْكِناتِ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَماثِلَةٌ والمَعانِيَ القائِمَةَ بِبَعْضِها يَجُوزُ أنْ تَقُومَ بِكُلِّها وأُجِيبُ بَعْدَ تَسْلِيمِ ما فِيهِ أنَّ البَشَرَ حالَ كَوْنِهِ بَشَرًا مُحالٌ أنْ يَكُونَ مَلَكًا لِتَمايُزِهِما بِالعَوارِضِ المُتَنافِيَةِ بِلا خِلافٍ.

وإقْدامُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ سَماعِ ﴿ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ ﴾ عَلى الأكْلِ لَيْسَ طَمَعًا في المَلَكِيَّةِ حالَ البَشَرِيَّةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَطْمَعْ في المَلَكِيَّةِ أصْلًا وإنَّما طَمِعَ في الخُلُودِ فَأكَلَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني: مفاتيح الرزق وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعني: متى ينزل العذاب بكم.

هذا جواب لقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام: 37] وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من السماء، إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ يعني: ما أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ من القرآن قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر والمؤمن أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ في أمثال القرآن ومواعظه.

قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ يعني: خوّف بالقرآن الَّذِينَ يَخافُونَ يعني: يعلمون أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ في الآخرة.

وإنما خصّ بالإنذار الذين يعلمون وإن كان منذراً لجميع الخلق، لأن الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة وهم أهل الكتاب كانوا يقرون بالبعث.

ويقال: هم المسلمون يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة ويؤمنون به.

لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني: يعلمون أنه ليس لَهُمْ مّن دُونِ الله.

يعني: من عذاب الله وَلِيٌّ في الدنيا وَلا شَفِيعٌ في الآخرة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: أنذرهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصي.

ويقال: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام.

فإنهم إن لم يثبتوا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي  منهم عبد الله بن مسعود.

قالت قريش: تدني هؤلاء السفلة هم الذين يلونك أي: يصرونك.

فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس النبيّ  فيهم بلال وصهيب، فيجيء أشراف من قومه وسادتهم فيجلسون ناحية فقالوا له: إنّا سادات قومك وأشرافهم فلو أدنيتنا؟

فهم أن يفعل فنزل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية.

ويقال: إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبيّ  أصحابه عن نفسه.

فقالوا: إن محمداً يتبعه الموالي والأراذل فلو طردهم لاتّبعناه.

فاستعانوا بعمر-  - فأخبر عمر بذلك رسول الله  بأن يفعل ذلك.

فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني: يعبدون ربهم بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني: يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما عليك من عملهم من شىء وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: الإثم ويقال: معناه: فما عليك إن لم يسلموا، فليس عليك من أوزارهم شيء.

ويقال: يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله.

ثم قال: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ يعني: لو طردتهم من مجلسك فتكون من الضارين بنفسك.

قرأ ابن عامر: بالغدوة وقرأ الباقون: بِالْغَداةِ وهما لغتان.

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلاً، وجَهْرَةً»

: نهارا.

وقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين.

وجَهْرَةً: وهم ينظرون «٢» .

قال أبو حَيَّان «٣» : هَلْ يُهْلَكُ؟

«هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:

حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار.

انتهى.

ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين.

قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)

وقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ...

الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل.

وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.

وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى.

وقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «١» : قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه:

وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ.

وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «٢» ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «٣» : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» ، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «٥» ، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «٦» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الآَيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ( لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ آَيَةً مِن رَبِّهِ )، فَأعْلَمَهم أنَّهُ لا يَمْلِكُ خَزائِنَ اللَّهِ الَّتِي مِنها يَرْزُقُ ويُعْطِي، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ فَيُخْبِرُهم بِهِ إلّا بِوَحْيٍ، ولا يَقُولُ: إنَّهُ مَلَكٌ، لِأنَّ المَلَكَ يُشاهِدُ مِن أُمُورِ اللَّهِ تَعالى ما لا يُشاهِدُهُ البَشَرُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ: "إنِّي مَلِكٌ" بِكَسْرِ اللّامِ.

وفي الأعْمى والبَصِيرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأعْمى: الكافِرُ، والبَصِيرُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: الأعْمى: الضّالُّ، والبَصِيرُ: المُهْتَدِي، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فِيما بَيَّنَ لَكم مِنَ الآَياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وصِدْقِ رَسُولِهِ.

والثّانِي: فِيما ضَرَبَ لَكم مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ، وأنَّهُما لا يَسْتَوِيانِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا مِنَ الرَدِّ عَلى القائِلِينَ: "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ"؛ والطالِبِينَ أنْ يُنْزَلَ مَلَكٌ؛ أو تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ؛ أو أكْثَرُ؛ أو نَحْوَ هَذا؛ والمَعْنى: "لَسْتُ بِهَذِهِ الصِفاتِ؛ فَيَلْزَمُنِي أنْ أُجِيبَكم بِاقْتِراحاتِكُمْ".

وقَوْلُهُ: ﴿ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أظْهَرُهُما أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ؛ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى ؛ ولا مِن قُدْرَتِهِ؛ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غُيِّبَ عنهُ؛ والآخَرُ أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أتَّصِفُ بِأوصافِ إلَهٍ؛ في أنَّ عِنْدِي خَزائِنَهُ؛ وأنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ"؛ وهَذا هو قَوْلُ الطَبَرِيِّ.

وتُعْطِي قُوَّةُ اللَفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في نُفُوسِهِمْ؛ وأقْرَبُ إلى اللهِ تَعالى ؛ والتَفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا؛ وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ؛ وهي مَسْألَةُ خِلافٍ.

و"ما يُوحى"؛ يُرِيدُ: "اَلْقُرْآنَ"؛ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ؛ أيْ: وفي ذَلِكَ عِبَرٌ وآيَةٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّهُ لا يَسْتَوِي الناظِرُ المُفَكِّرُ في الآياتِ؛ مَعَ المُعْرِضِ الكافِرِ؛ المُهْمِلِ لِلنَّظَرِ"؛ فالأعْمى والبَصِيرُ مِثالانِ لِلْمُؤْمِنِ؛ والكافِرِ؛ أيْ: "فَفَكِّرُوا أنْتُمْ وانْظُرُوا"؛ وجاءَ الأمْرُ بِالفِكْرَةِ في عِبارَةِ العَرْضِ والتَحْضِيضِ.

و"أنْذِرْ"؛ عُطِفَ عَلى "قُلْ"؛ والنَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَأْمُورٌ بِإنْذارِ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وإنَّما وقَعَ التَحْضِيضُ هُنا بِحَسَبِ المَعْنى الَّذِي قُصِدَ؛ وذَلِكَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ نَوْعًا مِنَ اليَأْسِ في الأغْلَبِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ الَّذِينَ قَدْ قالَ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ هُنا: "قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعْرِضِينَ: كَذا..

ودَعْهم ورَأْيَهم لِأنْفُسِهِمْ؛ وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ الإيمانِ؛ وأهْلٌ لِلِانْتِفاعِ"؛ ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا يُنْذِرُ سِواهُمْ؛ بَلِ الإنْذارُ العامُّ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما يُوحى"؛ و"يَخافُونَ"؛ عَلى بابِها في الخَوْفِ؛ أيْ: "اَلَّذِينَ يَخافُونَ ما تَحَقَّقُوهُ - مِن أنْ يُحْشَرُوا - ويَسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ؛ ورُبَّ مُتَحَقِّقٍ لِشَيْءٍ مَخُوفٍ؛ وهو - لِقِلَّةِ النَظَرِ والحَزْمِ - لا يَخافُهُ؛ ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: "يَخافُونَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى: "يَعْلَمُونَ"؛ وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ يَعُمُّ بِنَفْسِ اللَفْظِ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ؛ مِن مُسْلِمٍ ؛ ويَهُودِيٍّ؛ ونَصْرانِيٍّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: "يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ؛ ولا شَفِيعَ"؛ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ؛ وأنَّهم أبْناءُ اللهِ تَعالى ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأباطِيلِ؛ وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عن صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ؛ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ و"لَعَلَّهم يَتَّقُونَ"؛ تَرَجٍّ؛ عَلى حَسَبِ ما يَرى البَشَرُ؛ ويُعْطِيهِ نَظَرُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا تقضّت المجادلة مع المشركين في إبطال شركهم ودحْض تعاليل إنكارهم نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم بأنَّهم لا يؤمنون بنبوءته إلاّ إذا جاء بآية على وفق هواهم، وأبطلت شبهتهم بقوله: ﴿ وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين ﴾ [الأنعام: 48] وكان محمد صلى الله عليه وسلم ممَّن شمله لفظ المرسلين، نقل الكلام إلى إبطال معاذيرهم فأعلمهم الله حقيقة الرسالة واقترانها بالآيات فبيّن لهم أنّ الرسول هو الذي يتحدّى الأمّة لأنّه خليفة عن الله في تبليغ مراده من خلقه، وليست الأمّة هي التي تتحدّى الرسول، فآية صدق الرسول تجيء على وفق دعواه الرسالة، فلو أدّعى أنّه مَلك أو أنّه بُعث لإنقاذ الناس من أرزاء الدنيا ولإدناء خيراتها إليهم لكان من عذرهم أن يسألوه آيات تؤيِّد ذلك، فأمّا والرسول مبعوث للهدى فآيته أن يكون ما جاء به هو الهدى وأن تكون معجزته هو ما قارن دعوته ممّا يعجز البشر عن الإتيان بمثله في زمنهم.

فقوله ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من غرض إلى غرض.

وافتتاح الكلام بالأمر بالقول للاهتمام بإبلاغه، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40].

وقد تكرّر الأمر بالقول من هنا إلى قوله ﴿ لكلّ نبأ مستقرّ ﴾ [الأنعام: 67] اثنتي عشرة مرة.

والاقتصار على نفي ادّعاء هذه الثلاثة المذكورة في الآية ناظر إلى ما تقدّم ذكره من الآيات التي سألوها من قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنز ل عليه ملَك ﴾ [الأنعام: 8] وقوله: ﴿ ولو نَزّلنا عليك كتاباً في قرطاس ﴾ [الأنعام: 7] وقوله: ﴿ فإن استطعتَ أن تَبْتَغِي نَفَقاً في الأرض ﴾ [الأنعام: 35] الآية.

وافتتح الكلام بنفي القول ليدلّ على أنّ هذا القول لم يقترن بدعوى الرسالة فلا وجه لاقتراح تلك الأمور المنفي قولها على الرسول لأنّ المعجزة من شأنها أن تجيء على وفق دعوى الرسالة.

واللام في ﴿ لكم ﴾ لام التبليغ، وهي مفيدة تقوية فعل القول عندما لا تكون حاجة لذكر المواجَه بالقول كما هنا لظهور أنّ المواجَه بالقول هم المكذّبون، ولذلك ورد قوله تعالى: ﴿ ولا أقول إنِّي ملَك ﴾ [هود: 31] مجرّداً عن لام التبليغ.

فإذا كان الغرض ذكر المواجَه بالقول فاللام حينئذٍ تسمَّى لام تعدَّية فعل القول فالذي اقتضى اجتلابَ هذه اللام هنا هو هذا القول بحيث لو قاله قائل لكان جديراً بلام التبليغ.

والخزائن جمع خِزانة بكسر الخاء وهي البيت أو الصندوق الذي يحتوي ما تتوق إليه النفوس وما ينفع عند الشدّة والحاجة.

والمعنى أنّى ليس لي تصرّف مع الله ولا أدّعي أني خازن معلومات الله وأرزاقه.

و ﴿ خزائن الله ﴾ مستعارة لتعلّق قدرة الله بالإنعام وإعطاء الخيرات النافعة للناس في الدنيا.

شبّهت تلك التعلّقات الصّلُوحية والتنجيزية في حَجْبها عن عيون الناس وتناولهم مع نفعها إيّاهم، بخزائن أهل اليسار والثروة التي تجمع الأموال والأحبية والخلع والطعام، كما أطلق عليها ذلك في قوله تعالى: ﴿ ولله خزائن السماوات والأرض ﴾ [المنافقون: 7]، أي ما هو مودع في العوالم العليا والسفلى ممّا ينفع الناس، وكذلك قوله: ﴿ وإنْ من شيء إلاّ عندنا خَزائنه ﴾ [الحجر: 21].

وتقديم المسند وهو قوله ﴿ عندي ﴾ للاهتمام به لما فيه من الغرابة والبشارة للمخبرين به لو كان يقوله.

وقوله: ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ عطف على ﴿ عندي خزائن الله ﴾ فهو في حيَّز القول المنفي.

وأعيد حرف النفي على طريقة عطف المنفيات بعضها على بعض فإنّ الغالب أن يعاد معها حرف النفي للتنصيص على أنّ تلك المتعاطفات جميعها مقصودة بالنفي بآحادها لئلاّ يتوهّم أنّ المنفي مجموع الأمرين.

والمعنى لا أقول أعلم الغيب، أي علماً مستمراً ملازماً لصفة الرسالة.

فأمّا إخباره عن بعض المغيّبات فذلك عند إرادة الله إطلاعه عليه بوحي خاصّ، كما قال تعالى: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول ﴾ [الجن: 26، 27] وهو داخل تحت قوله ﴿ إنْ أتّبع إلاّ ما يوحي إلي ﴾ .

وعطف: ﴿ ولا أقول لكم إنِّي ملك ﴾ على ﴿ لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ بإظهار فعل القول فيه، خلافاً لقوله: ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ لعلَّه لدفع ثقل التقاء حرفين: (لا) وحرف (إنّ) الذي اقتضاه مقام التأكيد، لأنّ إدّعاء مثله من شأنه أن يؤكّد، أي لم أدّع أنِّي من الملائكة فتقولوا: ﴿ لولا أنزل عليه ملك ﴾ [الأنعام: 8]، فنفي كونه ملكاً جواب عن مقترحهم أن ينزَل عليهم ملك أو أن يكون معه ملك نذيراً.

والمقصود نفي أن يكون الرسول من جنس الملائكة حتى يكون مقارناً لمَلك آخر مقارنة تلازم كشأن أفراد الجنس الواحد.

وكانوا يتوهَّمون أنّ الرسالة تقتضي أن يكون الرسول من غير جنس البشر فلذلك قالوا: ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ [الفرقان: 7].

فالمعنى نفي ماهية المَلَكية عنه لأنّ لجنس الملك خصائص أخرى مغايرة لخصائص البشر.

وهذا كما يقول القائل لمن يكلِّفه عنتاً: إنِّي لست من حديد.

ومن تلفيق الاستدلال أن يستدلّ الجُبائي بهذه الآية على تأييد قول أصحابه المعتزلة بتفضيل الملائكة على الأنبياء مع بُعد ذلك عن مهيع الآية.

وقد تابعه الزمخشري، وكذلك دأبه كثيراً ما يُرْغِم معاني القرآن على مسايرة مذهبه فتنزو عصبيته وتَنْزوي عبقريته، وهذه مسألة سنتكلَّم عليها في مظنَّتها.

وجملة ﴿ إنْ أتَّبع إلاّ ما يُوحي إليّ ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّه لمَّا نفي أن يقول هذه المقالات كان المقامُ مثيراً سؤال سائل يقول: فماذا تدّعي بالرسالة وما هو حاصلها لأنّ الجهلة يتوهَّمون أنّ معنى النبوءة هو تلك الأشياء المتبرّأ منها في قوله: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن ﴾ الخ، فيجاب بقوله: ﴿ إن أتَّبع إلاّ ما يوحي إليّ ﴾ ، أي ليست الرسالة إلاّ التبليغ عن الله تعالى بواسطة الوحي.

فمعنى ﴿ أتَّبع ﴾ مجاز مرسل في الاقتصار على الشيء وملازمته دون غيره.

لأنّ ذلك من لوازم معنى الاتِّباع الحقيقي وهو المشي خلف المتّبَع بفتح الموحّدة، أي لا أحيد عن تبليغ ما يوحى إليّ إلى إجابة المقترحات من إظهار الخوارق أو لإضافة الأرزاق أوْ إخبار بالغيب، فالتَّلقِّي والتبليغ هو معنى الاتِّباع، وهو كنه الرسالة عن الله تعالى.

فالقصر المستفاد هنا إضافي، أي دون الاشتغال بإظهار ما تقترحونه من الخوارق للعادة.

والغرض من القصر قلب اعتقادهم أنّ الرسول لا يكون رسولاً حتَّى يأتيهم بالعجائب المسؤولة.

وقد حصل بذلك بيان حقيقة الرسالة تلك الحقيقة التي ضلّ عن إدراكها المعاندون.

وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وما نرسل المرسلين إلاّ مبشِّرين ومنذرين ﴾ [الأنعام: 48].

وإذ قد كان القصر إضافياً كان لا محالة ناظراً إلى قلب اعتقادهم بالنسبة لمطالبهم باتِّباع مقترحاتهم، أي لا أتَّبع في التبليغ إليكم إلاّ ما يوحى إليّ.

فليس في هذا الكلام ما يقتضي قصر تصرّف الرسول عليه الصلاة والسلام على العمل بالوحي حتَّى يحتجّ بها من ينفي من علمائنا جواز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في أمور الدين لأنّ تلك مسألة مستقلّة لها أدلَّة للجانبين، ولا مساس لها بهذا القصر.

ومن توهّمه فقد أساء التأويل.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

هذا ختام للمجادلة معهم وتذييل للكلام المفتتح بقوله ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ ، أي قل لهم هذا التذييل عقب ذلك الاستدلال.

وشبّهت حالة من لا يفقه الأدلّة ولا يفكِّك بين المعاني المتشابهة بحالة الأعمى الذي لا يعرف أين يقصد ولا أين يضع قدمه.

وشبِّهت حالة من يُميِّز الحقائق ولا يلتبس عليه بعضها ببعض بحالة القويّ البصر حيث لا تختلط عليه الأشباح.

وهذا تمثيل لحال المشركين في فساد الوضع لأدلَّتهم وعُقم أقيستهم، ولحال المؤمنين الذين اهتدوا ووضعوا الأشياء مواضعها، أو تمثيل لحال المشركين التي هم متلبّسون بها والحال المطلوبة منهم التي نفروا منها ليعلموا أيّ الحالين أولى بالتخلّق.

وقوله ﴿ أفلا تتفكّرون ﴾ استفهام إنكار.

وهو معطوف بالفاء على الاستفهام الأول، لأنّه مترتِّب عليه لأنّ عدم استواء الأعمى والبصير بديهي لا يسعهم إلاّ الاعتراف بعدم استوائهما فلا جرم أن يتفرّع عليه إنكار عدم تفكّرهم في أنَّهم بأيّهما أشبه.

والكلام على الأمر بالقول مثل ما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ﴾ [الأنعام: 40].

والتفكّر: جولان العقل في طريق استفادة علم صحيح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟

قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.

﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.

ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.

﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.

والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.

﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.

الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ  وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.

» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.

والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.

﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.

والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.

وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.

﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.

﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.

﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.

والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.

وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.

والثّانِي: العَفْوُ.

﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعدلون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعرضون عن الحق.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت سفيان بن الحارث وهو يقول: عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ** له صدفنا عن كل حق منزل وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ يصدفون ﴾ قال: يعرضون.

وفي قوله: ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة ﴾ قال: فجأة آمنين ﴿ أو جهرة ﴾ قال: وهم ينظرون وفي قوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: الضال والمهتدي.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه ﴿ والبصير ﴾ العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ﴾ الآية الخزائن (١) (٢) (٣) (٤) وقال الكلبي (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: عاقبة ما يصيرون إليه) (٦) (٧) ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: ما أخبركم إلا بما أنزله الله إلى) (٩) وقال الكلبي (١٠) وقال أبو إسحاق: (أعلمهم النبي  أنه لا يملك خزائن الله التي منها يرزق ويعطي ولا يعلم الغيب فيخبركم بما غاب عنه مما مضى ومما سيكون إلا بوحي من الله عز وجل وليس بملك يشاهد من أمور الله عز وجل ما لا يشاهده البشر: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (١١) (١٢) وقال أهل العلم (١٣) ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (يدل بظاهره على (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ قال ابن عباس: يريد: بالأعمى: الكافر ﴿ وَالْبَصِيرُ ﴾ الذي قد أبصر دينه) (١٦) وقال قتادة: ﴿ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴾ : (الكافر والمؤمن) (١٧) وقال سعيد ابن جبير (١٨) (١٩) (٢٠) (أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) قال ابن عباس: (يريد: يعتبرون (٢١) (٢٢) وقال مقاتل: ((أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) (٢٣) (٢٤) (١) انظر: "العين" 4/ 209، و"الجمهرة" 1/ 596، و"الصحاح" 5/ 2108، و"مقاييس اللغة" 2/ 178، و"المفردات" ص 280، و"اللسان" 2/ 1154 (خزن).

(٢) في (ش): (يناله).

(٣) هذا قول الأزهري في "تهذيبه" 1/ 1027.

(٤) في "تنوير المقباس" 2/ 21: (مفاتيح خزائن الله من النبات والثمار والمطر والعذاب) ا.

هـ.

(٥) ذكره الماوردي 2/ 115، وأبو حيان في "البحر" 4/ 133.

والأولى العموم، ويحمل ما ورد على بيان بعض الأنواع، فالخزائن لفظ عام يشمل الغيب والرحمة والقدرة والعذاب وغيره.

انظر: الطبري 7/ 199، والسمرقندي 1/ 486، والبغوي 3/ 145، والقرطبي 6/ 430.

(٦) في "تنوير المقباس" 2/ 21: (أي: من نزول العذاب ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ من السماء) ا.

هـ.

(٧) لم أقف عليه.

(٨) في النسخ: ﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ ، وهو تحريف.

(٩) لفظ: (إلى) ساقط من (أ)، والأثر لم أقف عليه.

(١٠) "تنوير المقباس" 2/ 21.

(١١) في (أ): ( ﴿ إِلَّا مَا يُوحَى ﴾ أي: إلى ما أنبأتكم به) وهو تحريف.

(١٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 250، وهذا قول الأكثر.

انظر: الطبري 7/ 199، و"معاني النحاس" 2/ 427، والسمرقندي 1/ 486، والماوردي 2/ 116، والبغوي 3/ 145.

(١٣) في (ش): (المعاني).

(١٤) في (ش): (إلى)، وهو تحريف.

(١٥) انظر: "الرسالة" للشافعي ص 39 - 40، ص 503 - 511، و"تفسير الرازي" 12/ 231، وقال القرطبي في "تفسيره" 6/ 430: (والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد والقياس على النصوص، والقياس أحد أدلة الشرع) ا.

هـ.

(١٦) "تنوير المقباس" 2/ 21، وذكره ابن الجوزي 3/ 43، و"البحر" 4/ 134.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 199 وابن أبي حاتم 4/ 1296 بسند جيد، وذكره أكثرهم، انظر: "الوسيط" 1/ 42، والبغوي 3/ 145، وابن الجوزي 3/ 43، و"الدر المنثور" 3/ 24، وهو قول مجاهد كما ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 428، والقرطبي 6/ 430.

(١٨) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42، وابن الجوزي 3/ 43، وأبو حيان في "البحر" 4/ 134.

(١٩) "تفسير مجاهد" 1/ 215، وأخرجه الطبري 7/ 199، وابن أبي حاتم 4/ 1296 من طرق جيدة، وذكره أكثرهم.

انظر: "الوسيط" 1/ 42، والبغوي 3/ 145، وابن الجوزي 3/ 43، و"الدر المنثور" 3/ 24.

(٢٠) ذكره الماوردي 2/ 117، والبغوي 3/ 145، والقرطبي 6/ 430، والظاهر العموم إلا أن السياق يرجح المؤمن والمهتدي والكافر والضال، وهو اختيار أكثرهم.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 562 والطبري 7/ 199، والسمرقندي 1/ 486، وابن عطية 5/ 205.

(٢١) في (ش): (تعتبرون).

(٢٢) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 21، والسمرقندي 1/ 486.

(٢٣) في (أ): (يفكرون)، وهو تحريف.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 1/ 562.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا داعي شيئاً منكراً ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل ﴿ الأعمى والبصير ﴾ مثال للضال والمهتدي ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ ﴾ الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدّم ذكر من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ يتعلق بأنذر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرأيتكم ﴾ وبابه بتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف ﴿ أريتكم ﴾ وبابه بغير همز: عليّ: الباقون: ﴿ أرأيتكم ﴾ بالتحقيق ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد وابن عامر ﴿ به انظر ﴾ بضم الهاء روى الأصفهاني عن ورش.

الوقوف: ﴿ أمثالكم ﴾ ط ﴿ يحشرون ﴾ ه ﴿ في الظلمات ﴾ ط ﴿ يضلله ﴾ ط لابتداء شرط آخر ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ تدعون ﴾ ج لأن جواب "إن" منتظر محذوف تقديره إن كنتم صادقين فأجيبوا مع اتحاد الكلام ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ط ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يأتيكم به ﴾ ط ﴿ يصدفون ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ إني ملك ﴾ ج للابتداء بالنفي مع اتحاد القائل والمقول ﴿ إلى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين أن إنزال سائر المعجزات لو كان مصلحة لهم لفعل ذلك، أكده بما يؤذن أن آثار فضله وإحسانه ولطفه وامتنانه واصلة إلى جميع الحيوانات، فلو كانت مصلحة المكلفين في إظهار تلك المعجزات القاهرة الملجئة لم يخل بذلك ألبتة، وفيه أيضاً مزيد تقرير لأمر البعث وأنه حاصل لجميع الحيوان فضلاً عن الإنسان.

فإن الحيوان إما أن يكون بحيث يدب أو يكون بحيث يطير.

وإنما خص من الدواب ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء أو في الماء، لأن رعاية مصالح الأدون تستلزم رعاية مصالح الأشرف، ويمكن أن يقال: إن الماء أيضاً من جملة الأرض لأنهما جميعاً ككرة واحدة.

قال علماء المعاني: إنما وصف الدابة بكونها في الأرض والطائر بجناحيه ليعلم أنهما باقيان على عمومهما إذ بينهما بخواص الجنسين، ولولا ذلك لاحتمل أن يقدّر فيهما صفة نحو ترتع أو تصيد فتخصصا، أو لأوهم أن المراد بهما غير الجنسين المتعارفين لقوله بعده ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ وقد يقول الرجل لعبده طِرْ في حاجتي والمراد الإسراع.

قال الحماسي: طاروا إليه زرافات ووحدانا *** وقيل: ذكر ﴿ يطير بجناحيه ﴾ ليخرج عنه الملائكة ذوو الأجنحة، فإن المراد ذكر من هو أدون حالاً.

وقيل: إن الوصف للتأكيد كقولهم: نعجة أنثى.

وكما يقال: مشيت إليه برجلي.

وإنما جمع الأمم مع أنه أفرد الدابة والطائر، لأن النكرة المستغرقة في معنى الجمع.

قال الفراء: كل صنف من البهائم أمة.

وفي الحديث "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها" ثم ما وجه المماثلة بين البشر والدابة والطائر؟

نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: يعرفونني ويوحدونني ويسبحونني كقوله ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه  ﴾ وعن أبي الدرداء: أبهمت عقول البهائم إلا عن معرفة الإله وطلب الرزق.

ومعرفة الذكر والأنثى.

وهذا قول طائفة عظيمة من المفسرين.

وقيل: وجه المماثلة كونها جماعات وكونها مخلوقة بحيث يشبه بعضها بعضاً ويأنس بعضها ببعض ويتوالد بعضها من بعض.

وضعف بأن هذا أمر معلوم مشاهد لا فائدة في الإخبار عنه.

وقيل: هو أنه دبرها وخلقها وتكفل برزقها وأحصى أحوالها وما يجري عليها من العمر والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

دليله قوله عقيبه ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ .

وقيل: هو أنها تحشر يوم القيامة ويوصل إليها حقوقها وقد جاء في الحديث "يقتص للجماء من القرناء" ولكن قوله بعد ذلك ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ يصير كالمكرر.

وعن سفيان بن عيينة: ما في الأرض من آدمي إلا وفيه شبه من بعض البهائم.

فمنهم من يقدم إقدام الأسد، ومنهم من يعدو عدو الذئب، ومنهم من ينبح نباح الكلب، ومنهم من يتطوّس كفعال الطاووس، ومنهم من يشبه الخنزير لو ألقي إليه الطعام الطيب تركه وإذا قام عن رجيعه لعب فيه، وكذلك نجد من الأدميين من يسمع خمسين كلمة من الحكمة لا يحفظ واحدة وإن أخطأت مرة واحدة حفظها، ولم يجلس مجلساً إلا زاد فيه.

واعلم يا أخي أنك تعاشر البهائم والسباع فبالغ في الحذر والاحتراز.

وذهب أهل التناسخ إلى أن الأرواح البشرية إن كانت سعيدة مطيعة لله  موصوفة بالمعارف الحقة موسومة بالأخلاق الفاضلة فإنها بعد موتها تنتقل إلى أبدان الملوك، وربما قالوا إنها تصل إلى مخالطة عالم الملائكة.

وإن كانت شقية جاهلة فإنها تنقل إلى أبدان الحيوانات، وكلما كانت أكثر شقاء فإنها تنتقل إلى بدن حيوان أخس وأكثر تعباً وعناء.

قالوا: وذلك لأن لفظ المماثلة يقتضي حصول المساواة في جميع الصفات الذاتية.

ثم زعموا أن الله  أرسل إلى كل جنس منها رسولاً من جنسها لقوله ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  ﴾ واستشهدوا بقصة النمل وحديث الهدهد ونحو ذلك.

وفي تعداد مذاهب أرباب التناسخ طول والله  أعلم بحقيقة الحال.

﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ "من" مزيدة للاستغراق أي ما تركنا وما أغفلنا شيئاً قط.

وقيل: للتبعيض أي ما أهملنا فيه بعض شيء يحتاج المكلف إلى معرفته.

والكتاب اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال العالم على التفصيل.

وقيل: القرآن لأنه هو الذي تسبق إليه الأذهان فيما بين أهل الإيمان، وأورد عليه أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب والحساب ولا تفاصيل كثير من العلوم ولا حاصل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع.

وأجيب بأن لفظ التفريط لا يستعمل إلا فيما يجب أن يفعل، والمحتاج إليه إنما هو الأصول والقوانين لا الفروع التي لا تضبط ولا تتناهى.

وما من علم إلا وفي القرآن أصله ومنه شرفه وفضله كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين  ﴾ للطب.

وقوله ﴿ وهو أسرع الحاسبين  ﴾ للحساب.

وكقوله ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  ﴾ للأخلاق.

وأما تفاصيل علم الفروع فذكر العلماء أن السنة والإجماع والقياس كلها مستندة إلى الكتاب كقوله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا  ﴾ وكقوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين  ﴾ وكقوله: ﴿ فاعتبروا  ﴾ وقيل: إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، لأن الأصل براءة الذمة عن التكاليف كلها وشغل الذمة لا بد فيه من دليل منفصل، وكل حكم لم يكن مذكوراً في القرآن بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام لم يكن ذلك تكليفاً أو يكون باقياً على أصل الإباحة والله  أعلم.

أما قوله ﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ فللعقلاء فيه قولان: الأوّل قول الأشاعرة إنه  يحشر الدواب والطيور لا لأن إيصال العوض إليهن واجب بل مجرد الإرادة والمشيئة ومقتضى الإلهية.

الثاني قول المعتزلة لن يحشر الطيور والبهائم إلا لإيصال الأعواض إليها، لأن إيصال الآلام إليها من غير سبق جناية لا يحسن إلا للعوض.

وفرع القاضي على ذلك فقال: كل حيوان استحق العوض على الله  بما لحقه من الآلام وكان ذلك العوض لم يصل إليه في الدنيا فإنه يجب على الله  حشره في الآخرة ليوفر عليه ذلك العوض، والذي لا يكون كذلك لا يكون كذلك فإنه لا يجب حشره عقلاً إلا أن السمع ورد بحشر الكل فيقطع بذلك.

فرع آخر: كل حيوان أذن الله  في ذبحه فالعوض له على الله تعالى، وكذا الذي أذن في قتله في كونه مؤذياً أو ألمه بمرض أو سخره للإنسان لأجل حمل الاثقال، وأما إذا ظلمها الناس فالعوض على الظالم، وكذا إذا ظلم بعضها بعضاً، ولو ذبح المأكول لغير مأكله.

فالعوض على الذابح ولهذا ورد النهى عن ذبح الحيوان لغير مأكله والمراد من العوض منافع عظيمة بلغت في الجلالة إلى حيث لو كانت هذه البهيمة عاقلة وعلمت أنه لا سبيل إلى تحصيل تلك المنافع إلا بواسطة تحمل ذلك الذبح لرضيت به.

فرع آخر: مذهب القاضي وأكثر المعتزلة أن العوض منقطع وبعد ذلك تصير تراباً وحينئذ ﴿ يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ وقال أبو القاسم البلخي: يجب دوام العوض لأنه لا يمكن قطع ذلك العوض إلا بإماتة تلك البهيمة، وإماتتها توجب الألم، وذلك الألم يوجب عوضاً آخر وهلم جراً إلى ما لا نهاية له.

وأجيب بالمنع من أن الإماتة لا يمكن تحصيلها إلا بالإيلام.

فرع آخر: البهيمة إذا استحقت عوضاً على بهيمة أخرى: فإن كانت البهيمة الظالمة قد استحقت عوضاً على الله  فإنه  يوصل ذلك العوض إلى المظلوم وإلا فإنه تعالى يتكفل بذلك العوض، وهذا القدر يكفي في أحكام الأعواض بحسب المقام وهو  أعلم.

ولما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما ينادي على عظمته ويشهد لربوبيته وينبهعلى رحمته الكاملة وعنايته الشاملة قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا صم ﴾ لا يسمعون كلام الله البتة ﴿ وبكم ﴾ لا ينطقون بالحق خابطون ﴿ في الظلمات ﴾ ظلمة الكفر وظلمة الشكوك وظلمة الحيرة والضلالة.

ثم بين أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان كلها بمشيئته وإرادته وتسخيره وتدبيره فقال ﴿ من يشأ الله يضلله ومن يِشأ يجعله على صراط مستقيم ﴾ والجبائي أوّل الآية بأن المراد أنهم كذلك في الآخرة كقوله ﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً  ﴾ وأنهم شبهوا بمن حاله كذا، أو هو محمول على الشتم والإهانة، وأما قوله ﴿ من يشأ الله يضلله ﴾ أي عن طريق الجنة ولا يشاء الإضلال إلا لمن يستحق عقوبته كما أنه لا يشاء الهدي إلا للمؤمنين.

أو المراد بالإضلال منع الألطاف لأنهم ليسوا من أهلها وبالهداية منحها لأنهم من أهلها.

ثم بين غاية جهالة الكفار وأنهم مع جحودهم يفزعون إلى الله في البليات فقال ﴿ قل أرأيتكم ﴾ هو منقول من رأيت بمعنى أبصرت أو عرفت كأنه قيل: أبصرته وشاهدت حاله العجيبة أو أعرفتها أخبرني عنها فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة بشيء.

فهذا من باب إيقاع السبب على المسبب لأن الإخبار إنما يكون بعد المشاهدة أو العرفان.

أما إعرابه فالتاء ضمير الفاعل، والكاف للخطاب.

فالتاء يكون بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث.

وتختلف هذه المعاني على الكاف نحو: أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن.

والتاء في جميع ذلك مفتوحة والكاف حرف خطاب وليست اسماً وإلا لكانت إما مجرورة ولا جار، وإما مرفوعة وليست الكاف من ضمائر المرفوع ولا رافع أيضاً لأن التاء فاعل ولا يكون لفعل فاعلان، وإما منصوبة وهو باطل من وجوه: أحدها أن هذا الفعل قد يتعدى إلى مفعولين نحو أرأيتك زيداً ما شأنه.

فلو جعلت الكاف مفعولاً لكان ثالثاً.

وثانيها لو كان مفعولاً لكان هو الثاني في المعنى وليس المعنى على ذلك إذ ليس الغرض أرأيت نفسك بل أرأيت غيرك ولذلك قلت: أرأيتك زيداً، وزيد غير المخاطب ولا هو بدل منه.

وثالثها لو كان منصوباً على أنه مفعول لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء نحو: أرأيتماكما وأرأيتموكم وأرأيتموكن.

وقد ذهب الفراء إلى أنه اسم مضمر منصوب في معنى المرفوع ويجوز تصريف التاء.

فأما مفعولا أرأيت في الآية فقيل: هما محذوفان تقديره أرأيتكم عبادتكم الأصنام هل تنفعكم عند مجيء الساعة؟

ودل عليه قوله ﴿ أغير الله تدعون ﴾ وقيل: لا يحتاج ههنا إلى المفعول لأن الشرط وجوابه قد حصلا معنى المفعول وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام في قوله ﴿ أغير الله ﴾ تقديره أرأيتكم الساعة دعوتم الله وحاصل الآية قل يا محمد لهؤلاء الكفار أرأيتكم إن أتاكم العذاب في الدنيا أو عند قيام الساعة، أتخصون آلهتكم بالدعوة أم تدعون الله دونها ﴿ بل إياه تدعون ﴾ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة فيكشف ما تدعونه إلى كشفه إن شاء لأن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين.

وعلى هذا يكون قوله ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ باقياً على إطلاقه لكن في الدنيا، ولو علقت المشيئة بكشف العذاب في الدنيا كان قوله ﴿ ادعوني أستجب  ﴾ أيضاً مقيداً بالمشيئة ﴿ وتنسون ما تشركون ﴾ قال ابن عباس: تتركون الأصنام ولا تدعونها لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع، ويجوز أن يراد لا تذكرون الأصنام في ذلك الوقت لأن أذهانكم مغمورة بذكر الله وحده، والمقصود من الآية تبكيت الكفار كأنه قيل: إذا كنتم ترجعون عند نزول الشدائد إلى الله  لا إلى الأصنام فلم تقدمون عبادتها؟

وفيه أن مبنى الدين على الحجة والدليل لا على محض التقليد.

ثم سلى النبي  بأن أعلمه أنه قد أرسل قبله إلى أقوام بلغوا في القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا وأصروا على كفرهم خلاف الأقوام المذكورين الذين يفزعون إلى الله في الشدائد.

ويحتمل أن يقال: إن حكم الطائفتين واحد لأن التضرع واللجأ إلى الله إزالة البلية لا على سبيل الإخلاص غير معتبر.

وفي الآية محذوف تقديره: ﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً ﴾ فخالفوهم ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ وحسن الحذف لكونه مفهوماً.

والبأساء والضراء البؤس والضر.

أو البأساء القحط والجوع، والضراء الأمراض والأوجاع والرزايا ﴿ لعلهم يتضرعون ﴾ يتذللون ويتخشعون وأصله الانقياد وترك التمرد.

ضرع الرجل ضراعة فهو ضارع أي ذليل ضعيف.

احتج الجبائي بالآية على أنه تعالى إنما أرسل الرسل إليهم وسلط هذه البأساء والضراء عليهم إرادة أن يتضرعوا ويؤمنوا، فهو يريد الإيمان والطاعة من الكل.

وأجيب بأن الترجي في حقه  محال فإنهم يحملونه على الإرادة، ونحن نحمله على أنه  يعاملهم معاملة المترجي.

فالترجيح على أن الفسق وتزيين الشيطان وكل ما يفرضونه لا بد أن ينتهي إلى خلق الله وتكوينه.

أما قوله ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ فمعناه نفي التضرع كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا.

ولكنه جاء بلولا التحضيضية ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا العناد والقسوة والإعجاب، ثم بين أنه لما لم ينجع فيهم المواعظ والزواجر نقلهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء ففتح أبواب الخيرات عليهم وسهل موجبات المسرات لديهم كما يفعله الأب المشفق لولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى.

ومعنى ﴿ كل شيء ﴾ أي كل شيء كان مغلقاً عنهم من الخير ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ أي ظنوا أن ذلك باستحقاقهم ولم يزيدوا إلا بطراً وترفهاً ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم ورب الكعبة.

وقال  "إذا رأيت الله يعطي العاصي فإن ذلك استدراج من الله  " .

قال العلماء: وإنما أخذوا في حال الراحة والرخاء ليكون أشد لتحسرهم على ما فات من السلامة والعطاء ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ آيسون من كل خير.

وقال الفراء: المبلس الذي انقطع رجاؤه.

ويقال للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس.

وقال الزجاج: المبلس الشديد الحسرة الحزين.

"وإذا" ههنا للمفاجأة وهي ظرف مكان "وهم" مبتدأ و ﴿ مبلسون ﴾ خبره وهو العامل في "إذا" ﴿ فقطع دابر القوم ﴾ الدابر للشيء من خلفه كالولد للوالد.

دبر فلان القوم يدبرهم دبوراً ودبراً إذا كان أخرهم.

أبو عبيدة: دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم.

الاصمعي: منهم أحداً واستأصلهم لأن ذلك جارٍ مجرى النعمة على أولئك الرسل، أو على أولئك الهالكين كيلا يزيدوا كفراً وعناداً فيزدادوا عذاباً وعقاباً، أو حمد على ما أنعم عليهم قبل ذلك وهو أن كلفهم وأزال عنهم الأعذار والعلل وبعث الأنبياء والرسل وأخذهم بالبأساء.

والضراء ثم نقلهم إلى الآلاء والنعماء إلا أنهم لم يزدادوا إلا انهماكاً في الغي والضلال فطهر وجه الأرض من شركهم.

وفيه إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك كل ظالم فإن ذلك من جملة آلاء الله  ، ثم عاد إلى الدلالة على وجود الصانع الحكيم المختار وبيان وحدته  فقال ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله ﴾ وتقرير ذلك أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب كما عدّدنا منافعها في أوائل الكتاب، ولا ريب أن القادر على تحصيل قواها فيه وصرفها عن الآفات والمخافات ليس إلا الله وحده، ومعنى أخذ السمع والبصر تعطيل منافعهما، ومعنى الختم على القلب إزالة العقل حتى يصير كالمجانين.

قال ابن عباس: إنه الطبع أو الإماتة حتى لا يعقل الهدى والصلاح ﴿ يأتيكم به ﴾ أي بذلك الذي أخذ من السمع والبصر والقلب، فوضع الضمير موضع اسم الإشارة بناء على أن الضمير المذكور بحكم الاستعمال يلزم أن يكون لذي عقل ولو فرضاً.

والأحسن أن يقال: إنه ذكر أشياء متعددة فوجب أن يعود الضمير إلى جميعها مؤنثاً إذ لا ترجيح، وحيث لم يكن الضمير مؤنثاً علم أنه أراد المذكور مطلقاً فتعين أم يشار إليه بذلك.

ثم إنه أقام الضمير المذكور مقامه أو يعود إلى ما أخذ وختم عليه وصح من غير التكلف المذكور بحكم التغليب ﴿ انظر ﴾ يا محمداً وكل من له أهلية النظر ﴿ كيف نصرف الآيات ﴾ نوردها على الوجوه المختلفة المتكاثرة بحيث يكون كل واحد منها يقوّي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب.

ومعنى "ثم" التفاوت بين الحالين و ﴿ يصدفون ﴾ أي يعرضون.

ويقال: امرأة صدوف للتي تعرض وجهها عليك ثم تصدف أي تعرض.

والصدف ميل في الحافر إلى الشق الوحشي.

وصدف الدرة غشاؤها لميل فيه، قال الكعبي: لو خلق الله فيهم الإعراض والصد لم ينكر ذلك عليهم.

وقالت الأشاعرة: لولا منع الله  لنجع فيهم الدلائل القاطعة للأعذار.

ثم عمم الدليل بقوله ﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم ﴾ والمعنى أنه لا دافع لنوع من أنواع العذاب إلا الله سبحان فوجب أن لا يكون معبوداً إلا هو.

ثم العذاب المفروض إما أن يجيء من غير سبق أمارة تدل على ذلك وهو البغتة وأكثر ما يكون ذلك بالليل، أو مع سبق أمارة وهو الجهرة وأكثره بالنهار ولهذا قال الحسن: معناه ليلاً أو نهاراً.

أما قوله ﴿ هل يهلك إلا القوم الظالمون ﴾ أي لا يهلك مع قوله ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ فمعناه أن الهلاك بالحقيقة وهو هلاك التعذيب والسخط مختص بالظالمين الأشرار لأن الأخيار وإن عمهم العذاب إلا أنهم يستفيدون بذلك ثواباً جزيلاً، فهو لهم بلاء في الظاهر وآلاء في الحقيقة خلاف الظلمة فإنهم يخسرون الدنيا والآخرة ومثله قوله  "إن أمر المؤمن خير كله إن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له" واعلم أنه ذكر ههنا ﴿ أرأيتكم ﴾ مرتين فزاد خطاباً واحداً، لأن عذاب الاستئصال ما عليه من مزيد فناسب زيادة الخطاب لأجل التأكيد، وفيما بينهما قال ﴿ أرأيتم ﴾ حيث لم يكن كذلك، وكذلك في يونس، ثم ذكر أن الأنبياء والرسل بعثوا للتبشير والإنذار فقط ولا قدرة لهم على إظهار الآيات.

وإنزال المعجزات التي اقترحوها في قوله ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ وأن ذلك مفوّض إلى مشيئة الله وحكمته فقال ﴿ وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ﴾ بالثواب على الطاعات ﴿ ومنذرين ﴾ بالعقاب على المعاصي.

فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو من أفعال القلب والعمل الصالح الذي هو من أفعال البدن ﴿ فلا خوف عليهم والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ ومعنى المس التقاء الشيئين من غير فصل.

قال في الكشاف: جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يرد من الآلام وفيه نظر، لأن المس ليس من خواص الأحياء، نعم إنه من خواص الأجسام، فلو ادعيت المبالغة من هذا الوجه لم يكن بعيداً.

قال القاضي: إنه علل عذاب الكافرين بكونهم فاسقين فيكون كل فاسق كافراً.

وأقول: هذا من باب إيهام العكس ولا يلزم العكس، فإن كل كافر فاسق ولا يلزم العكس.

ثم أمر نبيه  أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة فقال ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ﴾ وهي جمع خزانة للمكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ قال في الكشاف: محله النصل عطفاً على محل قوله ﴿ عندي خزائن الله ﴾ لأنه من جملة المقول أي لا أقول لكم ذاك ولا هذا.

قلت: ويحتمل أن يكون عطفاً على ﴿ لا أقول ﴾ أي قل لا أعلم الغيب فيكون فيه دلالة على أن الغيب بالاستقلال لا يعلمه إلا الله بخلاف كون خزائن الله عنده وكونه ملكاً فإن النبي  يحتمل أن يكون له هذه المقامات ولكن لا يظهرها.

واختلف المفسرون في فائدة نفي هذه الأمور فقيل: المراد إظهار التواضع والخضوع لله  والاعتراف بعبوديته حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح  .

وقيل: المقصود إبداء العجز والضعف وأنه لا يستقل بإيجاد المعجزات التي كانوا يقترحونها كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى قوله ﴿ هل كنت إلا بشراً رسولاً  ﴾ وقيل: أي لا أدّعي سوى النبوّة والرسالة ولا أدّعي الإلهية ولا الملكية وإنما زيد ههنا ﴿ لكم ﴾ بخلاف سورة هود حيث قال ﴿ ولا أقول إني ملك  ﴾ لأنه تقدم ذكر لكم في قوله ﴿ إني لكم نذير  ﴾ فاكتفى بذلك.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن الملك أفضل إذ المراد لا أدّعي فوق منزلتي.

قال القاضي: إن كان الغرض التواضع فالأقرب أن ذلك يدل على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة لم يدل على أفضلية الملائكة.

﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ قيل: هذا النص يدل على أنه  لم يحكم من تلقاء نفسه بالاجتهاد في شيء من الأحكام، ولا يجوز لأحد من أمته أن يعمل إلا بالوحي النازل عليه لقوله  ﴿ فاتبعوه  ﴾ فلا يجوز العمل بالقياس، وأكد هذا الحكم بقوله ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك أن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى، والعمل بمقتضى الوحي يقوم عمل البصير.

ثم قال ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تنبيهاً على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين.

وأجيب بأن أصل الاجتهاد والقياس إذا كان بالوحي لم يلزم الضلالة، والآية مثل للضال والمهتدي أو لمن ادعى المستقيم وهو النبوة والمحال وهو الإلهية والملكية ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ فلا تكونوا ضالين كالعميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت سوى ما يليق بالبشر والله  أعلم وأحكم.

التأويل: ﴿ وما من دابة ﴾ تدب في أرض البشرية وتتحرك من الحواس والجوارح والنفس وصفاتها ﴿ إلا أمم أمثالكم ﴾ في السؤال عن أقوالهم وأحوالهم كقوله ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا  ﴾ ﴿ ما فرطنا ﴾ ما تركنا في القرآن من شيء يحتاج إليه الإنسان ظاهره وباطنه، ذاته وصفاته في السير إلى الله من الأوامر والنواهي والندب والآداب.

﴿ ثم إلى ربهم يحشرون ﴾ ههنا بالسير وجذبات العناية، أو هناك بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار في نار القطيعة على وجوههم لأن من شأنهم التكذيب كما قال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بدلائلنا الموصلة إلينا ﴿ صم ﴾ آذان قلوبهم عن استماع الحق ﴿ بكم ﴾ ألسنة أحوالهم عن إجابة دعوة الحق في ظلمات صفات البشرية والأخلاق الذميمة ﴿ بل إياه تدعون ﴾ لأن رجوعه إلى ربه مركوز في روحانيته.

﴿ ولقد أرسلنا إلى أمم ﴾ أي أرسلنا إليهم نعمة الصحة والكفاف والأمن فشغلوا بها عنا، فأرسلنا إليهم بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ندعوهم بها إلينا فلم يهتدوا ﴿ فأخذناهم بالبأساء والضراء ﴾ التي هي موجبة للإلجاء.

﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ وعلموا أن حقائق ألطافنا مدرجة في دقائق صور قهرنا، وتحققوا أن درر محبتنا مستودعة في أصداف شدائد بأسنا، فاستقبلوها بصدق الإلتجاء وحسن التضرع في الدعاء.

﴿ فلما نسوا ﴾ بسبب القساوة ﴿ ما ذكروا به ﴾ من معارضة البأساء والضراء فإنها تذكر أيام الرخاء وتعرّف قدر الصحة والنعماء وتؤدي إلى رؤية المنعم ﴿ فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ من البلاء في صورة النعماء لأرباب الظاهر بالنعم الظاهرة من الماء والجاه والقبول وأمثالها، ولأرباب الباطن بالنعم الباطنة من فتوحات الغيب وأشباهها ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ﴾ وظنوا أنهم قد استغنوا عن صحبة الشيخ وتعليم تصرفاته فشرعوا في الطلب على وفق هواهم ﴿ أخذناهم بغتة ﴾ بفقد الأحوال والاشتغال بالقال ﴿ فإذا هم مبلسون ﴾ متحيرون في تيه الغرور.

والحمد لله على إظهار اللطف لأربابه والقهر لأصحابه ليعلم أن الكل بقدر كما قال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بصرف استعداد عبودية المولى في عبادة الهوى.

فأما من ابتلي بعذاب الله من الآفات والمخافات والأمراض ونحوها ابتلاء فتاب ورجع فهو غيرها لك على الحقيقة ﴿ قل لا أقول لكم ﴾ لم يقل ليس ﴿ عندي خزائن الله ﴾ ليعلم أن خزائن الله وهي العلم بحقائق الأشياء وماهياتها عنده بإراءة ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ وباستجابة دعائه في قوله "أرنا الأشياء كما هي" ولكنه يكلم الناس على قدر عقولهم.

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي لا أقول لكم هذا مع أنه كان يخبرهم عما مضى وعما سيكون بإعلام الحق، وقد قال  في قصة ليلة المعراج "نظرت خلفي نظرة علمت ما كان وما سيكون" ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ وإن كنت قد عبرت عن مقام الملك حين قلت لجبريل: تقدم فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ ﴾ أن أخبرهم وقل معهم ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ فلا يستوي مع الأعمى كلام البصير فكيف أخبركم عما أعمى الله بصائركم عنه وأنا به بصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ .

يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله  لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة [التي] كانت من أولئك، حتى كان هذا جواباً لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على الله.

ويحتمل: أن يكون جواباً لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ  ﴾ ، فقال: عند ذلك: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، [وقال:] ﴿ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواباً لسؤال [عن] وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء.

وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها؟!

أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام؟!

﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أنهما لا يستويان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

في آيات الله وما ذكركم.

أو نقول: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في وعظكم، بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ  ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ...

﴾ الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله  ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم [ولي] يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا.

وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هؤلاء؛ كقوله  : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أولئك، ينذر الفريقين: من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾ ، يعني: ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ونحوه أخبر أن ليس لهم ولي ولا شفيع دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ...

﴾ .

يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله  كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله  فيجلسون قريباً منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أولئك المجلس فيجلس هؤلاء ناحية، فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله  فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك [في] المجلس، فهمّ أن يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية يعاتب نبيه  [بقوله]: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ...

﴾ الآية.

وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول الله  إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ إذ لا يحتمل أن يكون [النبي]  يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم [منه]، هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ويبعد أولئك؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل.

وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديباً وتعليماً؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ  ﴾ ، ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...

﴾ الآية [طه: 131] ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله.

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .

يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله  في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم.

وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ كقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  ﴾ ليس يريد بـ ﴿ وَٱلضُّحَىٰ  ﴾ الضحوة خاصة ولكن النهار كله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ  ﴾ ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة، والله أعلم.

وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله  والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا.

وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنما [كان] يشهدهما أهل الإيمان، وأما أهل النفاق: فإنهم [كانوا] لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل [غير] ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

[الظلم] على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم.

والظلم - هاهنا والله أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ لأنه لو كان منه ما ذكر من [طرد أولئك وإدناء أولئك] لم يكن أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: "أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ .

قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟!

فقال عند ذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله  والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...

﴾ الآية [البقرة: 155].

فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض.

وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ  ﴾ ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك، ويقولون: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ  ﴾ ونحوه من الكلام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .

قال بعضهم: هو موصول بالأول بقوله: ﴿ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: يقول الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ ليس بمفصول من قوله ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ ولكن موصول به ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يعني الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .

ثم يحتمل قوله ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ بالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعاً لنا فقال عند ذلك ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ﴾ أي: عرف هؤلاء نعمة الله  ، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم: إن عندي خزائن الله من الرزق فأتصرف فيها بما شئت، ولا أقول لكم: إني أعلم من الغيب إلا ما أطلعني الله عليه من الوحي، ولا أقول لكم: إني ملك من الملائكة، فأنا رسول من الله، لا أتبع إلا ما يُوحِي إلي، ولا أدّعي ما ليس لي، قل -أيها الرسول- لهم: هل يستوي الكافر الذي عَمِيَتْ بصيرته عن الحق، والمؤمن الذي أبصر الحق وآمن به؛ أفلا تتأملون بعقولكم -أيها المشركون- فيما حولكم من الآيات.

<div class="verse-tafsir" id="91.LzrZe"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر