الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٥١ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥١ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ) أي : يوم القيامة .
( ليس لهم ) أي : يومئذ ( من دونه ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ( لعلهم يتقون ) أي : أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ، عز وجل ( لعلهم يتقون ) فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه .
القول في تأويل قوله : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وأنذر، يا محمد، بالقرآن الذي أنـزلناه إليك، القومَ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، علمًا منهم بأن ذلك كائن، فهم مصدقون بوعد الله ووعيده, عاملون بما يرضي الله, دائبون في السعي، (26) فيما ينقذهم في معادهم من عذاب الله (27) =" ليس لهم من دونه وليّ" ، أي ليس لهم من عذاب الله إن عذبهم = ،" وليّ"، ينصرهم فيستنقذهم منه، (28) =" ولا شفيع "، يشفع لهم عند الله تعالى ذكره فيخلصهم من عقابه (29) =" لعلهم يتقون "، يقول: أنذرهم كي يتقوا الله في أنفسهم, فيطيعوا ربهم، ويعملوا لمعادهم, ويحذروا سَخطه باجتناب معاصيه.
* * * وقيل: " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا "، ومعناه: يعلمون أنهم يحشرون, فوضعت " المخافة " موضع " العلم "، (30) لأنّ خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك.
(31) * * * وهذا أمرٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليم أصحابه ما أنـزل الله إليه من وحيه، وتذكيرهم، والإقبال عليهم بالإنذار = وصدَّ عنه المشركون به، (32) بعد الإعذار إليهم، وبعد إقامة الحجة عليهم, حتى يكون الله هو الحاكم في أمرهم بما يشاء من الحكم فيهم.
--------------------- الهوامش : (26) في المطبوعة: "دائمون في السعي" ، والصواب ما في المخطوطة.
(27) انظر تفسير"الإنذار" فيما سلف : 290 ، 369.
= وتفسير"الحشر" فيما سلف ص: 346 - 349 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(28) انظر تفسير"ولى" فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
(29) انظر تفسير"شفيع" فيما سلف 8: 580 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(30) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف 4: 550/8: 298 ، 299 ، 318/9 : 123 ، 267.
(31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 336.
(32) في المطبوعة: "وصده عن المشركين به" ، غير ما في المخطوطة فأفسد الكلام إفسادًا لا يحل.
قوله تعالى : وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون قوله تعالى : وأنذر به أي : بالقرآن .
والإنذار الإعلام وقد تقدم في البقرة وقيل : به أي : بالله .
وقيل : باليوم الآخر .
وخص الذين يخافون أن يحشروا لأن الحجة عليهم أوجب ، فهم خائفون من عذابه ، لا أنهم يترددون في الحشر ; فالمعنى يخافون يتوقعون عذاب الحشر .
وقيل : يخافون يعلمون ، فإن كان مسلما أنذر ليترك المعاصي ، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق .
وقال الحسن : المراد المؤمنون .
قال الزجاج : كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر .
وقيل : الآية في المشركين أي : أنذرهم بيوم القيامة .
والأول أظهر .ليس لهم من دونه أي : من غير الله شفيع هذا رد على اليهود والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله ، فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار .
ومن قال : الآية في المؤمنين قال : شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن ; وفي التنزيل : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى .
ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له .
من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه .
و ( لعلهم يتقون ) أي : في المستقبل وهو الثبات على الإيمان .
هذا القرآن نذارة للخلق كلهم، ولكن إنما ينتفع به { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ } فهم متيقنون للانتقال، من هذه الدار، إلى دار القرار، فلذلك يستصحبون ما ينفعهم ويدَعُون ما يضرهم.
{ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ } أي: لا من دون الله { وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } أي: من يتولى أمرهم فيحصّل لهم المطلوب، ويدفع عنهم المحذور، ولا من يشفع لهم، لأن الخلق كلهم، ليس لهم من الأمر شيء.
{ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الله، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن الإنذار موجب لذلك، وسبب من أسبابه.
قوله عز وجل : ( وأنذر به ) خوف به أي : بالقرآن ، ( الذين يخافون أن يحشروا ) يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم ، وقيل : يخافون أي يعلمون ، لأن خوفهم إنما كان من علمهم ، ( ليس لهم من دونه ) من دون الله ، ( ولي ) قريب ينفعهم ، ( ولا شفيع ) يشفع لهم ، ( لعلهم يتقون ) فينتهون عما نهوا عنه ، وإنما نفى الشفاعة لغيره - مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون - لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه .
«وأنذر» خوِّف «به» أي القرآن «الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربِّهم ليس لهم من دونه» أي غيره «ولي» ينصرهم «ولا شفيع» يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد بهم العاصون «لعلهم يتقون» الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات.
وخوِّف -أيها النبي- بالقرآن الذين يعلمون أنهم يُحشرون إلى ربهم، فهم مصدِّقون بوعد الله ووعيده، ليس لهم غير الله وليّ ينصرهم، ولا شفيع يشفع لهم عنده تعالى، فيخلصهم من عذابه؛ لعلهم يتقون الله تعالى بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فى إنذار قوم يتوقع منهم الصلاح والاستجابة للحق ، بعد أن أمره قبل ذلك بتوجيه دعوته إلى الناس كافة فقال تعالى : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } .والمعنى : عظ وخوف يا محمد بهذا القرآن أولئك الذين يخافون شدة الحساب والعقاب ، وتعتريهم الرهبة عندما يتذكرون أهوال يوم القيامة لأنهم يعلمون أنه يوم لا تنفع فيه خلة ولا شفاعة ، فهؤلاء هم الذين ترجى هدايتهم لرقة قلوبهم وتأثرهم بالعظات والعبر .فالمراد بهم المؤمنون العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ولذا قال ابن كثير : { وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ } أى وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين هم من خشية ربهم مشفقون ، والذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب أى : يوم القيامة ، { لَيْسَ لَهُمْ } يومئذ ( من دون الله ولى ولا شفيع ) أى : لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فيعملون فى هذه الدار عملا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه ويضاعف لهم الجزيل من ثوابه ) .
اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: (الإنذار) الاعلام بموضع المخافة وقوله: ﴿ بِهِ ﴾ قال ابن عباس والزجاج بالقرآن.
والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ وقال الضحاك ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ﴾ أي بالله، والأول أولى، لأن الانذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى.
وأما قوله: ﴿ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقاً، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، والعلم خلاف الخوف والظن.
ولقائل أن يقول: إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر، بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه.
والقول الثاني: أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم.
والقول الثالث: أنه يتناول الكل لأن لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر، سواء قطع بحصوله أو كان شاكاً فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائماً في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثاً إلى الكل، وكان مأموراً بالتبليغ إلى الكل، وخص في هذه الآية الذين يخافون الحشر، لأن انتفاعهم بذلك الانذار أكمل، بسبب أن خوفهم يحملهم على إعداد الزاد ليوم المعاد.
المسألة الثانية: المجسمة تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ ﴾ وهذا يقتضي كون الله تعالى مختصاً بمكان وجهة لأن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية.
والجواب: المراد إلى المكان الذي جعله ربهم لاجتماعهم وللقضاء عليهم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ قال الزجاج: موضع ﴿ لَّيْسَ ﴾ نصب على الحال كأنه قيل: متخلين من ولي ولا شفيع، والعامل فيه يخافون.
ثم هاهنا بحث: وذلك لأنه إن كان المراد من ﴿ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ ﴾ الكفار، فالكلام ظاهر، لأنهم ليس لهم عند الله شفعاء، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ والله كذبهم فيه وذكر أيضاً في آية أخرى فقال: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ وقال أيضاً ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين ﴾ وإن كان المراد المسلمين، فنقول: قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ لا ينافي مذهبنا في إثبات الشفاعة للمؤمنين لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين، إنما تكون بإذن الله تعالى لقوله: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ فلما كانت تلك الشفاعة بإذن الله، كانت في الحقيقة من الله تعالى.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: معناه وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: وهذا يدل على أنه تعالى أراد من الكفار التقوى والطاعة، والكلام على هذا النوع من الاستدلال قد سبق مراراً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ﴾ الضمير راجع إلى قوله: و ﴿ وَمَا يُوحِى إِلَىَّ ﴾ و ﴿ الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ ﴾ إمّا قوم داخلون في الإسلام مقرّون بالبعث إلاّ أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما يوحي إليه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي يدخلون في زمرة المتقين من المسلمين.
وأمّا أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث.
وإمّا ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا، فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار، دون المتمردّين منهم، فأمر أن ينذر هؤلاء.
وقوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ في موضع الحال من يحشروا، بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم، ولا بدّ من هذه الحال، لأنّ كلاًّ محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ مَقْدُوراتُهُ أوْ خَزائِنُ رِزْقِهِ.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ما لَمْ يُوحَ إلَيَّ ولَمْ يَنْصَبَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وهو مِن جُمْلَةِ المَقُولِ.
﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ أيْ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ، أوْ أقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ تَبَرَّأ عَنْ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ، وادَّعى النُّبُوَّةَ الَّتِي هي مِن كَمالاتِ البَشَرِ رَدًّا لِاسْتِبْعادِهِمْ دَعْواهُ وجَزْمِهِمْ عَلى فَسادِ مُدَّعاهُ.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي، أوِ الجاهِلِ والعالِمِ، أوْ مُدَّعِي المُسْتَحِيلِ كالأُلُوهِيَّةِ والمِلْكِيَّةِ ومُدَّعِي المُسْتَقِيمِ كالنُّبُوَّةِ.
﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَتَهْتَدُوا أوْ فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ ادِّعاءِ الحَقِّ والباطِلِ، أوْ فَتَعْلَمُوا أنَّ اتِّباعَ الوَحْيِ مِمّا لا مَحِيصَ عَنْهُ.
﴿ وَأنْذِرْ بِهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِما يُوحى إلَيَّ.
﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُفَرِّطُونَ في العَمَلِ، أوِ المُجَوَّزُونَ لِلْحَشْرِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا مُقِرًّا بِهِ أوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ، فَإنَّ الإنْذارَ يُنْجَعُ فِيهِمْ دُونَ الفارِغِينَ الجازِمِينَ بِاسْتِحالَتِهِ.
﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن يَحْشُرُوا فَإنَّ المَخُوفَ هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ.
﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لِكَيْ يَتَّقُوا.
<div class="verse-tafsir"
{وَأَنذِرْ بِهِ} بما يوحى {الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ} هم المسلمون المقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه أو أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ} في موضع الحال من يُحْشَرُواْ أي يخافون أن يحشروا غيرا منصورين ولا مشفوعاً لهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} يدخلون في زمرة أهل التقوى
﴿ وأنْذِرْ ﴾ أيْ عِظْ وخَوِّفْ يا مُحَمَّدُ بِهِ أيْ بِما يُوحى أوْ بِالقُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والزَّجّاجِ، وقِيلَ: أيْ بِاللَّهِ تَعالى ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وهَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ بَعْدَما حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ مَن لا يَتَّعِظُ ولا يَتَأثَّرُ قَدِ التَحَقَ بِالأمْواتِ وانْتَظَمَ في سِلْكِ الجَماداتِ فَما يَنْجَعُ فِيهِ دَواءُ الإنْذارِ ولا يُفِيدُهُ العِظَةُ والتِّذْكارُ إذْ يُنْذَرُ مَن يُتَوَقَّعُ في الجُمْلَةِ مِنهُمُ الِانْتِفاعُ ويُرْجى مِنهُمُ القَبُولُ والسَّماعُ وهُمُ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المَجُوزُونَ لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ المُتَرِدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ كالأوَّلِينَ أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ أوِ المُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِهِ يَخافُونَ أنْ يَكُونُ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا والقائِلُونَ بِهِ القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ كَذا قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ المُؤْمِنُونَ وارْتَضاهُ غَيْرُ واحِدٍ إلّا أنَّهم قَيَّدُوا بِالمُفَرِّطِينَ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْإنْذارِ ورَجاءَ التَّقْوى، وتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ وبَيَّنَهُ بِما سَيُذْكَرُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ وعَلَّلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ بِأنَّهُ لا عاقِلَ إلّا وهو يَخافُ الحَشْرَ سَواءٌ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أوْ كانَ شاكًّا فِيهِ لِأنَّهُ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مَعْلُومِ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ فَكانَ هَذا الخَوْفُ قائِمًا في حَقِّ الكُلِّ، وبِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مَبْعُوثًا إلى الكُلِّ فَكانَ مَأْمُورًا بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِ ولا يُخْفى ما فِيهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ إمّا بِالعَذابِ الأُخْوَرِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ بِتَحْقِيقِ المَخافَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنَّ التَّرْبِيَةَ المَفْهُومَةَ مِنها مُقْتَضِيَةٌ خِلافَ ما خافُوا لِأجْلِهِ الحَشْرَ، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّها مُنْبِئَةٌ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ كَما قِيلَ والمُرادُ مِنَ الحَشْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ الحَشْرُ إلى المَكانِ الَّذِي جَعَلَهُ عَزَّ وجَلَّ مَحِلًّا لِاجْتِماعِهِمْ ولِلْقَضاءِ عَلَيْهِمْ فَلا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِلْمُجَسِّمَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (يُحْشُرُوا) والعامِلُ فِيهِ فِعْلُهُ، ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَخافُونَ)، والأوَّلُ أوْلى ومَن دُونَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، والحالُ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ تِلْكَ الحالَةُ لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الإنْذارِ، والحالُ الثّانِيَةُ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ وهو فِقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم وذَلِكَ إنَّما هو غَيْرُهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ ﴾ ولَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِاسْتِلْزامِهِ ثُبُوتَ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ وذَلِكَ فاسِدٌ، والمَعْنى أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ حَشْرَهم غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ بِزَعْمِهِمْ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ سَواءً - عَزَّ وجَلَّ - لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرُ بِدُونِ نُصْرَتِهِ سُبْحانَهُ انْتَهى، وهو تَحْقِيقٌ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، ويَصْغُرُ لَدَيْهِ ما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُما فَتَدَبَّرْ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ 15 - أيْ لِكَيْ يَخافُوا في الدُّنْيا ويَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو عَلى هَذا تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإنْذارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا عَنْ ضَمِيرِ الأمْرِ أيْ أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم أوْ مِنَ المَوْصُولِ أيْ أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ <div class="verse-tafsir"
قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني: مفاتيح الرزق وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ يعني: متى ينزل العذاب بكم.
هذا جواب لقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الأنعام: 37] وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من السماء، إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ يعني: ما أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ من القرآن قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر والمؤمن أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ في أمثال القرآن ومواعظه.
قوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ يعني: خوّف بالقرآن الَّذِينَ يَخافُونَ يعني: يعلمون أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ في الآخرة.
وإنما خصّ بالإنذار الذين يعلمون وإن كان منذراً لجميع الخلق، لأن الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة وهم أهل الكتاب كانوا يقرون بالبعث.
ويقال: هم المسلمون يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة ويؤمنون به.
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ يعني: يعلمون أنه ليس لَهُمْ مّن دُونِ الله.
يعني: من عذاب الله وَلِيٌّ في الدنيا وَلا شَفِيعٌ في الآخرة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: أنذرهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصي.
ويقال: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام.
فإنهم إن لم يثبتوا لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي منهم عبد الله بن مسعود.
قالت قريش: تدني هؤلاء السفلة هم الذين يلونك أي: يصرونك.
فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس النبيّ فيهم بلال وصهيب، فيجيء أشراف من قومه وسادتهم فيجلسون ناحية فقالوا له: إنّا سادات قومك وأشرافهم فلو أدنيتنا؟
فهم أن يفعل فنزل وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية.
ويقال: إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبيّ أصحابه عن نفسه.
فقالوا: إن محمداً يتبعه الموالي والأراذل فلو طردهم لاتّبعناه.
فاستعانوا بعمر- - فأخبر عمر بذلك رسول الله بأن يفعل ذلك.
فنزل: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني: يعبدون ربهم بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني: يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يعني: يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما عليك من عملهم من شىء وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: الإثم ويقال: معناه: فما عليك إن لم يسلموا، فليس عليك من أوزارهم شيء.
ويقال: يعني به: الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي: فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله.
ثم قال: فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ يعني: لو طردتهم من مجلسك فتكون من الضارين بنفسك.
قرأ ابن عامر: بالغدوة وقرأ الباقون: بِالْغَداةِ وهما لغتان.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
قال الحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: بَغْتَةً لَيْلاً، وجَهْرَةً»
: نهارا.
وقال مجاهد: بَغْتَةً فجاءة آمنين.
وجَهْرَةً: وهم ينظرون «٢» .
قال أبو حَيَّان «٣» : هَلْ يُهْلَكُ؟
«هل» حَرْفُ استفهام، معناه هنا النَّفْيُ، أي: ما يهلك ولذلك دخَلَتْ «إلاَّ» على ما بعدها.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ، أي: إلاَّ ليبشِّروا بإنعامنا وَرَحْمَتِنَا مَنْ آمن، ومُنْذِرِينَ بعذابنا وعِقَابنا مَنْ كَذَّب وكَفَر، قال أبو حَيَّان: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ:
حالٌ فيها معنَى العِلِّيَّة، أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار.
انتهى.
ثم وَعَدَ سبحانَهُ مَنْ سلَكَ طريقَ البِشَارة، فآمَنَ وأصْلَح في امتثال الطاعةِ، وأوعد الآخرين.
قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)
وقوله تعالى: قُلْ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ...
الآية: هذا مِنَ الرَّدِّ على القائلين: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [الأنعام: ٣٧] والطَّالِبِينَ أنْ ينزَّل ملَكٌ، أو تكونَ له جَنَّةٌ أو كَنْزٌ، ونَحْوُ هَذَا، والمعنى: إنما أنا بشر، وإنما أَتَّبِعُ ما يوحى إليَّ، وهو القرآنُ وسَائِرُ ما يأتيه مِنَ اللَّه سبحانه، أي: وفي ذلك عِبَرٌ وآياتٌ لمن تأمَّل.
وقوله سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، أي: هل يستوي المؤمِنُ المُفَكِّرُ في الآياتِ، معِ الكافِرِ المُعْرِضِ عَنِ النَّظَر أفلا تتفكَّرون، وجاء الأمر بالفِكْرة في عبارة العرض والتّحضيض/.
وقوله تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ، أي: وأنذر بالقرآن الذين هُمْ مَظِنَّةُ الإيمان، وأهْلٌ للاِنتفاعِ، والضميرُ في بِهِ عائدٌ على ما يوحى.
وقوله سبحانه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ: إخبارٌ من اللَّه سبحانه عَنْ صفة الحالِ يَوْمَ الحَشْرِ، قال الفَخْر «١» : قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: قال ابن عَبَّاس: معناه:
وأنذرهم لكَيْ يخافوا في الدنيا، وينتهوا عن الكُفْر والمعاصِي.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: المرادُ ب الَّذِينَ ضَعَفَةَ المُؤْمنين في ذلك الوَقْت في أمور الدُّنْيا كَبَلاَلٍ.
وصُهَيْبٍ، وعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ «٢» ، وصُبَيْحٍ، وذي الشِّمَالَيْنِ والمِقْدَادِ، ونحوِهِمْ، وسببُ الآية أنَّ بعض أشراف الكفّار قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نَحْنُ لِشَرَفِنَا وأقْدَارِنَا لاَ يُمْكِنُنَا أنْ نختلطَ بهؤلاءِ، فلو طَرَدْتَّهم، لأتَّبَعْنَاكَ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ عن ابْنِ مسعود، وظاهر الأمر أنهم أرادوا بذلك الخديعة، فنزلت الآية، ويَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: قال الحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن «٣» : المراد به صلاةُ مكَّة الَّتي كانَتْ مرَّتين في اليومِ بُكْرةً وعَشِيًّا، وقيل: قوله: بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ: عبارةٌ عن استمرار الفعْلِ، وأنَّ الزمان معمورٌ به، والمرادُ على هذا التأويل، قيل: الصلواتُ الخَمْس قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «٤» ، وقيل: الدُّعاء، وذِكْرُ اللَّه، واللفظةُ على وجهها، وقيل: القُرآنُ وتعلُّمه قاله أبو جعفر «٥» ، وقيل: العبادة قاله الضّحّاك «٦» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَعْنِي بِالقُرْآَنِ، وإنَّما ذَكَرَ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ مُنْذِرًا لَجَمِيعِ الخَلْقِ، لِأنَّ الحُجَّةَ عَلى الخائِفِينَ الحَشْرُ أظْهَرُ، لاعْتِرافِهِمْ بِالمِعادِ، فَهم أحَدُ رَجُلَيْنِ: إمّا مُسْلِمٌ، فَيُنْذِرَ لَيُؤَدِّيَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ في إسْلامِهِ، وإمّا كِتابِيٌّ، فَأهْلُ الكِتابِ.
مُجْمِعُونَ عَلى البَعْثِ.
وَذَكَرَ الوَلِيَّ والشَّفِيعَ، لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى ذَكَرَتْ أنَّها أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَأعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ أهْلَ الكُفْرِ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ، أيْ: لَيْسَ لَهم غَيْرُ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، لِأنَّ شَفاعَةَ الشّافِعِينَ بِأمْرِهِ.
وَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذِهِ الآَيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ هَذا مِنَ الرَدِّ عَلى القائِلِينَ: "لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ"؛ والطالِبِينَ أنْ يُنْزَلَ مَلَكٌ؛ أو تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ؛ أو أكْثَرُ؛ أو نَحْوَ هَذا؛ والمَعْنى: "لَسْتُ بِهَذِهِ الصِفاتِ؛ فَيَلْزَمُنِي أنْ أُجِيبَكم بِاقْتِراحاتِكُمْ".
وقَوْلُهُ: ﴿ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أظْهَرُهُما أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ؛ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى ؛ ولا مِن قُدْرَتِهِ؛ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غُيِّبَ عنهُ؛ والآخَرُ أنَّهُ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أتَّصِفُ بِأوصافِ إلَهٍ؛ في أنَّ عِنْدِي خَزائِنَهُ؛ وأنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ"؛ وهَذا هو قَوْلُ الطَبَرِيِّ.
وتُعْطِي قُوَّةُ اللَفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ؛ وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في نُفُوسِهِمْ؛ وأقْرَبُ إلى اللهِ تَعالى ؛ والتَفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا؛ وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ؛ وهي مَسْألَةُ خِلافٍ.
و"ما يُوحى"؛ يُرِيدُ: "اَلْقُرْآنَ"؛ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ؛ أيْ: وفي ذَلِكَ عِبَرٌ وآيَةٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي"؛ ﴾ اَلْآيَةَ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّهُ لا يَسْتَوِي الناظِرُ المُفَكِّرُ في الآياتِ؛ مَعَ المُعْرِضِ الكافِرِ؛ المُهْمِلِ لِلنَّظَرِ"؛ فالأعْمى والبَصِيرُ مِثالانِ لِلْمُؤْمِنِ؛ والكافِرِ؛ أيْ: "فَفَكِّرُوا أنْتُمْ وانْظُرُوا"؛ وجاءَ الأمْرُ بِالفِكْرَةِ في عِبارَةِ العَرْضِ والتَحْضِيضِ.
و"أنْذِرْ"؛ عُطِفَ عَلى "قُلْ"؛ والنَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - مَأْمُورٌ بِإنْذارِ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وإنَّما وقَعَ التَحْضِيضُ هُنا بِحَسَبِ المَعْنى الَّذِي قُصِدَ؛ وذَلِكَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ نَوْعًا مِنَ اليَأْسِ في الأغْلَبِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ الَّذِينَ قَدْ قالَ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ هُنا: "قُلْ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُعْرِضِينَ: كَذا..
ودَعْهم ورَأْيَهم لِأنْفُسِهِمْ؛ وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ هَؤُلاءِ الآخَرِينَ الَّذِينَ هم مَظِنَّةُ الإيمانِ؛ وأهْلٌ لِلِانْتِفاعِ"؛ ولَمْ يُرِدْ أنَّهُ لا يُنْذِرُ سِواهُمْ؛ بَلِ الإنْذارُ العامُّ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى "ما يُوحى"؛ و"يَخافُونَ"؛ عَلى بابِها في الخَوْفِ؛ أيْ: "اَلَّذِينَ يَخافُونَ ما تَحَقَّقُوهُ - مِن أنْ يُحْشَرُوا - ويَسْتَعِدُّونَ لِذَلِكَ؛ ورُبَّ مُتَحَقِّقٍ لِشَيْءٍ مَخُوفٍ؛ وهو - لِقِلَّةِ النَظَرِ والحَزْمِ - لا يَخافُهُ؛ ولا يَسْتَعِدُّ لَهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: "يَخافُونَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى: "يَعْلَمُونَ"؛ وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ ﴾ ؛ يَعُمُّ بِنَفْسِ اللَفْظِ كُلَّ مُؤْمِنٍ بِالبَعْثِ؛ مِن مُسْلِمٍ ؛ ويَهُودِيٍّ؛ ونَصْرانِيٍّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: "يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ؛ ولا شَفِيعَ"؛ فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ؛ ولِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ؛ وأنَّهم أبْناءُ اللهِ تَعالى ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ الأباطِيلِ؛ وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ ؛ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عن صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ؛ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ و"لَعَلَّهم يَتَّقُونَ"؛ تَرَجٍّ؛ عَلى حَسَبِ ما يَرى البَشَرُ؛ ويُعْطِيهِ نَظَرُهم.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أنَّه عطف على قوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ [الأنعام: 50] لأنّ ذلك مقدّمة لذكر مَن مثّلت حالهم بحال البصير وهم المؤمنون.
وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى ﴿ ما يوحى إليّ ﴾ [الأنعام: 50] وهو القرآن وما يُوحى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مراد به الإعجاز.
و ﴿ والذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ هم المؤمنون الممثّلون بحال البصير.
وعُرّفوا بالموصول لما تدلّ عليه الصلة من المدح، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم دون غيرهم، لأنّ الإنذار للذين يخافون أن يحشروا إنذار نافع، خلافاً لحال الذين ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلاً عن الاحتياج إلى شفعاء.
و ﴿ أن يحشروا ﴾ مفعول ﴿ يخافون ﴾ ، أي يخافون الحشر إلى ربِّهم فهم يقدّمون الأعمال الصالحة وينتهون عمَّا نهاهم خيفة أن يَلقَوا الله وهو غير راض عنهم.
وخوفُ الحشر يقتضي الإيمان بوقوعه.
ففي الكلام تعريض بأنّ المشركين لا ينجع فيهم الإنذار لأنَّهم لا يؤمنون بالحشر فكيف يخافونه..
ولذلك قال فيهم ﴿ إنّ الذين كفروا سواء عليهم ءَأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ [البقرة: 6].
وجملة: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ حال من ضمير ﴿ أن يحشروا ﴾ ، أي يحشروا في هذه الحالة، فهذه الحال داخلة في حيّز الخوف.
فمضمون الحال معتقد لهم، أي ليسوا ممَّن يزعمون أنّ لهم شفعاء عند الله لا تردّ شفاعتهم، فهم بخلاف المشركين الذين زعموا أصنامهم شفعاء لهم عند الله.
وقوله ﴿ من دونه ﴾ حال من ﴿ ولي ﴾ و ﴿ شفيع ﴾ ، والعامل في الحال فعل ﴿ يخافون ﴾ ، أي ليس لهم ولي دون الله ولا شفيع دون الله ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا.
وهو تعريض بالمشركين الذين اتَّخذوا شفعاء وأولياء غير الله.
وفي الآية دليل على ثبوت الشفاعة بإذن الله كما قال تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ﴾ [البقرة: 255].
ولصاحب «الكشاف» هنا تكلّفات في معنى ﴿ يخافون أن يحشروا ﴾ وفي جعل الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ حالاً لازمة، ولعلّه يرمي بذلك إلى أصل مذهبه في إنكار الشفاعة.
وقوله: ﴿ لعلّلهم يتَّقون ﴾ رجاء مسوق مساق التعليل للأمر بإنذار المؤمنين لأنَّهم يرجى تقواهم، بخلاف من لا يؤمنون بالبعث.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ، أيْ لا أقْدِرُ عَلى إغْناءِ فَقِيرٍ، ولا إفْقارِ غَنِيٍّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: مَفاتِيحُ خَزائِنِ العَذابِ لِأنَّهُ خَوَّفَهم مِنهُ، فَقالُوا مَتى يَكُونُ هَذا؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عِلْمُ الغَيْبِ في نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَتى يَكُونُ؟
قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: عِلْمُ جَمِيعِ ما غابَ مِن ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، إلّا أنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ أوْ مَن أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِلْمِهِ مِن أنْبِيائِهِ، وأمّا الماضِي فَقَدْ يَعْلَمُهُ المَخْلُوقُونَ مَن أحَدِ الوَجْهَيْنِ: إمّا مِن مُعايَنَةٍ أوْ خَبَرٍ، فَإنْ كانَ الإخْبارُ عَنْ مُسْتَقْبَلٍ، فَهو مِن آياتِ اللَّهِ المُعْجِزَةِ، وإنْ كانَ عَنْ ماضٍ فَإنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ المُخْبِرِ والمُخْبَرُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا، وإنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ وعَلِمَ بِهِ المُخْبِرُ وحْدَهُ كانَ مُعْجِزًا، فَنَفى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ عِلْمَ الغَيْبِ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِن غَيْبٍ فَهو عَنِ اللَّهِ ووَحْيِهِ.
﴿ وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُ عَنْهُ العِبادُ، وإنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، لِيَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ غُلُوَّ النَّصارى في المَسِيحِ وقَوْلَهُمْ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
ثُمَّ في نَفْيِهِ أنْ يَكُونَ مَلَكًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّهُ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنزِلَةً لَيْسَتْ لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إنِّي لَسْتُ مَلَكًا في السَّماءِ، فَأعْلَمُ غَيْبَ السَّماءِ الَّذِي تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ ويَغِيبُ عَنِ البَشَرِ، وإنْ كانَ الأنْبِياءُ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ غَيْبِهِمْ عَمّا تُشاهِدُهُ المَلائِكَةُ.
﴿ إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ أُخْبِرَكم إلّا بِما أخْبَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
والثّانِي: أنْ أفْعَلَ إلّا ما أمَرَنِي اللَّهُ بِهِ.
﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الجاهِلُ والعالِمُ.
والثّانِي: الكافِرُ والمُؤْمِنُ.
﴿ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما ضَرَبَهُ اللَّهُ مِن مَثَلِ الأعْمى والبَصِيرِ.
الثّانِي: فِيما بَيَّنَهُ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ ﴾ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المَلَأ مِن قُرَيْشٍ أتَوُا النَّبِيَّ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مِثْلَ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ اطْرُدْ عَنّا مَوالِيَنا وحُلَفاءَنا فَإنَّما هم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهم نَتْبَعُكَ، فَقالَ عُمَرُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَعْلَمَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَنَزَلَ في المَلَإ مِن قُرَيْشٍ ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ الآيَةَ، فَأقْبَلَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ مِن مَقالَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةَ.
» وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
والثّالِثُ: تَعْظِيمُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عِبادَةُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ، لِأنَّ العَرَبَ تَذْكُرُ وجْهَ الشَّيْءِ إرادَةً لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هَذا وجْهُ الصَّوابِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا.
والثّانِي: مَعْناهُ يُرِيدُونَ طاعَتَهُ لِقَصْدِهِمُ الوَجْهَ الَّذِي وجَّهَهم إلَيْهِ.
﴿ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.
﴿ وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ يَعْنِي وما مِن حِسابِ عَمَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ مُؤاخَذٌ بِحِسابِ عَمَلِهِ دُونَ غَيْرُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: مَعْناهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ رِزْقِهِمْ وفَقْرِهِمْ مِن شَيْءٍ.
والثّالِثُ: ما عَلَيْكَ كِفايَتُهم ولا عَلَيْهِمْ كِفايَتُكَ، والحِسابُ الكِفايَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا ﴾ أيْ تامًّا كافِيًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ ﴾ يَعْنِي لِاخْتِلافِهِمْ في الأرْزاقِ، والأخْلاقِ، والأحْوالِ.
وَفي إفْتانِ اللَّهِ تَعالى لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِلاؤُهم واخْتِبارُهم لِيَخْتَبِرَ بِهِ شُكْرَ الأغْنِياءِ وصَبْرَ الفُقَراءِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: تَكْلِيفُ ما يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ مَعَ قُدْرَتِها عَلَيْهِ.
﴿ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ﴾ وهَذا قَوْلُ المَلَإ مِن قُرَيْشٍ لِلضُّعَفاءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللُّطْفِ في إيمانِهِمْ.
والثّانِي: ما ذَكَرَهُ مِن شُكْرِهِمْ عَلى طاعَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي بِهِ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ وما كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ.
﴿ فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِمْ مِن نَفْسِهِ تَكْرِمَةً لَهم، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
وَفي السَّلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَمَعَ السَّلامَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ السَّلامُ هو اللَّهُ ومَعْناهُ ذُو السَّلامِ.
﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أوْجَبَ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ.
والثّانِي: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَفْسِهِ.
وَ ﴿ الرَّحْمَةَ ﴾ يَحْتَمِلُ المُرادُ بِها هُنا وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: المَعُونَةُ.
والثّانِي: العَفْوُ.
﴿ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ﴾ في الجَهالَةِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الخَطِيئَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: ما جُهِلَ كَراهِيَةُ عاقِبَتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: أنَّ الجَهالَةَ هُنا ارْتِكابُ الشُّبْهَةِ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ.
﴿ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ ﴾ يَعْنِي تابَ مِن عَمَلِهِ الماضِي وأصْلَحَ في المُسْتَقْبَلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب، وعمار، وبلال، وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟
أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.
فأنزل فيهم القرآن ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ .
وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال مشى عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وقرظة بن عبد، عمر، وابن نوفل، والحارث بن عامر بن نوفل، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم، فأنزل الله: ﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ قالوا: وكانوا بلالاً، وعمار بن ياسر، وسالماً مولى أبي حذيفة، وصبحاً مولى أسيد، ومن الحلفاء ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمر، وذو الشمالين، ومرثد بن أبي مرثد، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا ﴾ الآية.
فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته، فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال «جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال، وصهيب، وعمار، وخباب، في أناس ضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به، فقالوا: انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت.
قال: نعم.
قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعا فأتيناه وهو يقول ﴿ سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه...
﴾ [ الكهف: 28] الآية.
قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، تركناه حتى يقوم» .
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة، أنه قال في أسطوان التوبة: كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء، والمساكين، وأهل الضر، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم، ومن لا مبيت له إلا المسجد.
قال: وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم، فأنزل الله عز وجل ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه....
﴾ [ الكهف: 28] إلى منتهى الآيتين، فلما نزل ذلك فيهم قالوا: يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك، فأنزل الله عز وجل ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى منتهى الآيتين.
وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة، أنا، وعبد الله بن مسعود، وبلال، ورجل من هذيل، واثنين، قالوا: يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ إلى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: المصلين بلال، وابن أم عبد، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما: لولاهما واشباههما لجالسناه، فنهى عن طردهم حتى قوله: ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال، وصهيب، وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا: صهيب رومي، وسلمان فارسي، وبلال حبشي، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟
قال: فهم إن فعل، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم...
﴾ الآية.
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال، وسلمان، وصهيب، وغيرهم مثل ابن أم عبد، وعمار، وخباب، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش: بلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، فلو نحاهم لأتيناه، فأنزل الله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني الصلاة المكتوبة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال الصلاة المفروضة، الصبح والعصر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ قال: هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان: هم أهل الفقر.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغيناء للفقراء ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ يعني هؤلاء هداهم الله، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ يقول: ابتلينا بعضهم ببعض.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا ﴾ لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض...
﴾ الآية.
قال: هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء، فقال أناس من أشراف الناس: نؤمن لك، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال: أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟
فما رد عليهم شيئاً، فانصرفوا فأنزل الله: ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا...
﴾ الآية.
فدعاهم فقرأها عليهم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال: أخبرت أن قوله: ﴿ سلام عليكم ﴾ قال: كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال: سلام عليكم، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ قال: نبين الآليات.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ قال: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.
قوله تعالى ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟
فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا، فأتى عبد الله فأخبره فقال: ﴿ قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ الآية، معنى الإنذار (١) (٢) (٣) ﴿ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: (يقول: خوَّف بالقرآن) (٤) وقاله الزجاج (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ﴾ قال ابن عباس (٧) (٨) وقال الضحاك (٩) ﴿ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ ).
قال الفراء: ﴿ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ (علمًا بأنه سيكون، ولذلك فسر المفسرون ﴿ يَخَافُونَ ﴾ : يعلمون) (١٠) وقال الزجاج: (المراد بالذين ﴿ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ﴾ كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي.
قال (١١) كان ينذر جميع الخلق؛ لأن ﴿ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ الحشر الحجة عليهم أوجب، لاعترافهم بالمعاد) (١٢) ﴿ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ﴾ ) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ أي: إلى المكان الذي جعله ربهم لمجتمعهم (١٤) وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ موضع ﴿ لَيْسَ ﴾ نصب بوقوعها موقع الحال، كأنه قيل: متخلّين من ولي أو شفيع والعامل فيه ﴿ يَخَافُونَ ﴾ (١٥) ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ ﴾ (أي: غير الله ﴿ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ ) (١٦) وقال أبو إسحاق: (إن النصارى واليهود ذكرت أنها أبناء الله وأحباؤه فأعلم الله عز وجل أن أهل الكفر ليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع) (١٧) والمفسرون على أن الآية في المؤمنين، ويكون معنى قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ على قولهم: إن شفاعة الرسل والملائكة للمؤمنين إنما تكون بإذن الله لقوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ ، وذلك راجع إلى الله لما كان بإذن الله (١٨) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: (كي يخافون في الدنيا وينتهوا عما نهيتهم) (١٩) (١) انظر: "العين" 8/ 180، و"الجمهرة" 2/ 695، و"تهذيب اللغة" 4/ 3547، و"الصحاح" 2/ 825، و"مقاييس اللغة" 5/ 414، و"المفردات" ص 797، و"اللسان" 7/ 4390 (نذر).
(٢) في (ش): (يقدم)، وهو تحريف.
(٣) انظر "البسيط" 2/ 464 - 465، تحقيق الدكتور محمد الفوزان.
(٤) "تنوير المقباس" 2/ 22، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42، والرازي 12/ 232.
(٥) "معاني الزجاج" 2/ 251.
(٦) ذكره الثعلبي 177 ب، والرازي 12/ 232، والأول أولى وهو قول الأكثر، وقال الرازي: (هو أولى لأن التخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات الله تعالى)، وهو اختيار مقاتل 1/ 562، والطبري 7/ 200، والنحاس في "معانيه" 2/ 428، والسمرقندي 1/ 486، والبغوي 3/ 145، وابن عطية 5/ 206.
وانظر: القرطبي 6/ 430، و"البحر" 4/ 134.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 42.
(٨) ذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 431.
(٩) لم أقف عليه، وذكر الطبري 7/ 200، هذا القول وقال: (وضعت المخافة موضع العلم؛ لأنه خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك) ا.
هـ.
وقال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 191: (تأتي خاف بمعنى علم.
وقوله: ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ لأن في الخشية == والمخافة طرفًا من العلم) ا.
هـ وقال ابن عطية 5/ 206: (يخافَوَن على بابها وكونها بمعنى العلم غير لازم) ا.
هـ وانظر البغوي 3/ 145.
(١٠) "معاني الفراء" 1/ 336.
(١١) لفظ: (قال) ساقط من (ش).
(١٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 251، و"النحاس" 2/ 428.
(١٣) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، والرازي 12/ 232، قال ابن عطية: (الآية تعم بنفس اللفظ كل مؤمن بالبعث من مسلم وكتابي والنبي مأمور بإنذار جميع الخلائق، وإنما وقع التخصيص هنا بحسب المعنى الذي قصد، ذلك أن فيما تقدم من الآيات نوعًا من اليأس في الأغلب عن هؤلاء الكفرة.
فكأنه قيل له هنا: قل لهؤلاء الكفرة المعرضين كذا، ودعهم ورأيهم لأنفسهم، وأنذر هؤلاء الآخرين الذين هم مظنة الإيمان وأهل للانتفاع، ولم يرد أنه لا ينذر سواهم، بل الإنذار العام ثابت مستقر) ا.
هـ ملخصًا.
(١٤) انظر "تفسير الرازي" 12/ 233.
(١٥) واختار هذا الزمخشري في "الكشاف" 2/ 21.
وانظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، و"الفريد" 2/ 152، و"البحر" 4/ 135، وذكر هذا القول الرازي 12/ 2330، عن الزجاج.
(١٦) لم أقف عليه.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 251.
(١٨) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 206، والرازي 12/ 233.
(١٩) ذكره الرازي 12/ 193، وفي "تنوير المقباس" 2/ 23 نحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ﴾ الآية: أي لا داعي شيئاً منكراً ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل ﴿ الأعمى والبصير ﴾ مثال للضال والمهتدي ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ ﴾ الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدّم في الكلام ما يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم الإنذار، وأعرض عمن تقدّم ذكر من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ في موضع الحال من الضمير في يحشروا، واستئناف إخبار ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ يتعلق بأنذر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بالغدوة ﴾ مضموم الغين ساكن الدال مفتوح الواو وكذا في الكهف: ابن عامر الباقون: بفتح الغين والدال وبالألف ﴿ أنه ﴾ بالفتح ﴿ فإنه ﴾ بالكسر: أبو جعفر ونافع.
وقرأ ابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب جميعاً بالفتح.
الباقون: بالكسر فيهما ﴿ وليستبين ﴾ بياء الغيبة: زيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بالتاء الفوقانية ﴿ سبيل ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وزيد.
الباقون: بالرفع ﴿ يقص ﴾ ابن كثير وأبو جعفر ونافع وعاصم.
الباقون ﴿ يقضي الحق ﴾ .
الوقوف: ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ وجهه ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بكس الألف ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ أهواءكم ﴾ لا لتعيين "إذا" بما قبله أي قد ضللت "إذا" اتبعت ﴿ المهتدين ﴾ ه ﴿ وكذبتم به ﴾ ط ﴿ تستعجلون به ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الفاصلين ﴾ ه ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد المقصود.
﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين أمر الرسول بالإنذار وهو الإعلام بموضع المخافة فقال له ﴿ وأنذر به ﴾ قال ابن عباس والزجاج: أي بالقرآن وهو المذكور هنا في قوله ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إليّ ﴾ وقال الضحاك: أي بالله.
قيل: والأول أولى لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وفيه نظر، لأن الإنذار لا نزاع فيه أنه قول ولكن المنذر به قلما يكون قولاً لقوله ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ ﴿ فأنذرتكم ناراً تلظى ﴾ ولو زعم أن المراد وأنذرهم النار والعذاب بواسطة القرآن قلنا: فقدر مثله ههنا، والمعنى أنذرهم العذاب بقول ينبىء عن شدة سخط الله وعقوبته.
أما ﴿ الذين يخافون أن يحشروا ﴾ فقيل: إنهم الكافرون الذين سبق ذكرهم، فلعل ناساً من المشركين من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار فأمر أن ينذر هؤلاء دون المتمردين منهم.
ثم قال هذا القائل ولا يجوز حمله على المؤمنين لأنهم يعلمون أنهم يحشرون، والعلم خلاف الخوف والظن.
وضعف بأن الخوف شامل للناس كافة لعدم الجزم بالثواب وقبول الطاعة وإن كانوا مقرين بصحة الحشر والنشر فالظاهر أن الضمير يتناول الكل لأن العاقل لا بد أن يخاف الحشر سواء كان جازماً به أو شاكاً فيه.
وأيضاً إنه مأمور بتبليغ الكل فلا وجه للتخصيص.
وقيل: إنهم قوم مسلمون مفرطون في العمل فينذرهم بما أوحي إليه لعلهم يدخلون في زمرة أهل التقوى من المسلمين.
وقيل: هم أهل الكتاب لأنهم مقرون بالعبث.
ومعنى ﴿ إلى ربهم ﴾ إلى حكمه وقضائه فلا يلزم منه مكان ولا جهة.
أما قوله ﴿ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ﴾ فقال الزجاج: إن الجملة في موضع الحال من ضمير ﴿ يحشروا ﴾ أي يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم.
فإن كان الضمير للكفار فظاهر، وإن كان للمؤمنين فشفاعة الملائكة والرسل إذا كانت بإذن الله فإنها تكون بالحقيقة من الله فصح أنه ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، ولا بد من هذه الحال لأن الحشر مطلقاً ليس مخوفا وإنما المخوف هو الحشر على هذه الحالة لأنهم اعتقدوا أن لا ناصر ولا شفيع إلا الله وإذا لم يكن الله ناصراً وشفيعاً لزم أن لا يكون ناصراً أصلاً.
﴿ لعلهم يتقون ﴾ قال ابن عباس: لكي يخافوا في الدنيا وينتهوا عن الكفر والمعاصي.
قالت المعتزلة: فيه دلالة على أنه أراد من الكفار التقوى والطاعة.
وأجيب بأن الترجي راجع إلى العباد.
ولما أمر بإنذار عموم المكلفين ليتقوا أردفهم بذكر المتقين وأمر بتقريبهم وإكرامهم.
"روي عن ابن مسعود أن الملأ من قريش مروا على رسول الله - وعنده صهيب وبلال وخباب وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين - فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟
اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم اتبعناك.
فقال : ما أنا بطارد المؤمنين.
فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت.
فقال: نعم طمعاً في إيمانهم" .
وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون.
ثم إنهم قالوا للرسول : اكتب بذلك كتاباً، فدعا الصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت ﴿ ولا تطرد ﴾ الآية.
فرمى بالصحيفة واعتذر عمر عن مقالته.
قال سلمان وخباب: فينا نزلت.
فكان رسول الله يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ﴾ فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه.
وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات، أثنى الله عليهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي.
قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي يصلون صلاة الصبح والعصر.
وقيل: أي يذكرون ربهم طرفي النهار، والمراد بالغداة والعشي الدوام.
والغداة لغة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والعشي ما بين الزوال إلى الغروب.
قال الجوهري: غدوة بالتنوين نكرة وبدونه معرفة غير مصروفة كسحر.
ومحل ﴿ يريدون وجهه ﴾ نصب على الحال أو على الاستئناف كأنه قيل: ما أرادوا بالمواظبة على الدعاء؟
فأجيب بقوله ﴿ يريدون وجهه ﴾ ولا يثبت به لله عضو كما زعمت المجسمة ولكن المراد به التعظيم، فقد يعبر به عن ذات الشيء أو حقيقته كما يقال: هذا وجه الرأي وذاك وجه الدليل.
وأيضاً المحبة تستلزم طلب رؤية الوجه فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا.
ثم علل النهي بقوله ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ قيل: الضمير عائد إلى المشركين أي لا يؤاخذوا بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويدعوك ذلك إلى أن تطرد المؤمنين، والأولى أن يعود إلى الفقراء ليناسب قوله ﴿ فتطردهم ﴾ كما في قصة نوح ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم كان الأمر على ما زعموا فيما يلزمك إلا اعتبار الظاهر إن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم لا يتعدى إليك كما أن حسابك لا يتعدى إليهم، فالجملتان لهما مؤدى واحد وهو المفهوم من قوله ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: ما عليك من حساب رزقهم من شيء ولا من حساب رزقك عليهم من شيء.
وإنما الرازق لك ولهم هو الله فدعهم يكونوا عندك، أما قوله ﴿ فتطردهم ﴾ فهو جواب النفي في ﴿ ما عليك ﴾ وفي انتصاب ﴿ فتكون ﴾ وجهان: أحدهما أنه جواب النهي، والثاني أنه عطف على ﴿ فتطردهم ﴾ على وجه التسبب، لأن كونه ظالماً معلوم من طردهم ومسبب عنه، فإن طرد من يستوجب التقريب والترحيب وضع للشيء في غير موضعه ومن هنا طعن بعض الناس في عصمة النبي قالوا: كان يقول كلما دخل أولئك الفقراء عليه بعد هذه الواقعة مرحباً بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه.
والجواب أنه ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم وإنما أفرد لهم مجلساً تألفاً لقلوبالمشركين وتكثيراً لسواد الإسلام مع علمه بأنه لا يفوت الفقراء بهذه المصالحة أمر مهم في الدنيا ولا في الدين، فغاية ذلك أنه يكون من باب تبرك الأولى والأفضل، ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك الفتن العظيم ﴿ فتنا ﴾ ابتلينا بعض الناس ببعض، فأحد الفريقين وهم الكفار يرى الآخر مقدماً عليه في المناصب الدينية فيقول ﴿ أهؤلاء ﴾ المسترذلون ﴿ منّ الله عليهم من بيننا ﴾ كقوله: ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا ﴾ والفريق الآخر يرى الأول مقدماً عليه في الخيرات العاجلة والخصب والسعة الراحة والدعة فيقول: أهذا هو الذي فضله الله علينا.
وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله الله فهو صواب، ولا اعتراض عليه بحكم المالكية وبحسب رعاية الأصلح.
وبالجملة فصفات الكمال غير محصورة ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة بل هي موزعة على الخلائق وكلها محبوبة لذاتها.
فكل إنسان يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفة الكمال، فمن عرف سر القدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض لغيره وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة.
قال هشام بن الحكم الافتتان الاختبار والامتحان، وفيه دليل على أنه لا يعلم الجزيئات إلا عن حدوثها.
والجواب أنه يعامل المكلف معاملة المختبر وقد مر مراراً.
وقالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال لأن تلك الفتنة التي ألقاها الله ليست إلا اعتراضهم على الله والاعتراض عليه كفر.
فهو خالق للكفر.
وأيضاً منة الله عليهم ليست إلا بالإيمان ومتابعة الرسول، فلو كان الموجد للإيمان هو العبد كان العبد هو المان على نفسه.
أجاب المعتزلة بأن معنى فتناهم ليقولوا خذلناهم حتى آل أمرهم إلى أن قالوا: فتكون اللام لام العاقبة، وزيف بأنه عدول عن الظاهر مع أنا ننقل الكلام إلى الخذلان فلا بد من الانتهاء إليه تعالى ﴿ أليس الله بأعلم بالشاكرين ﴾ بمن يصرف كل ما أنعم به عليه فيما أعطاه لأجله فيظهر أفعاله على حسب معلوم الله .
وقال في الكشاف: أي الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله نبيّه عن طردهم وكان إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال ماهان الحنفي: أتى قوم النبي فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً، وأظهروا الندامة والأسف فما أخاله رد عليهم بشيء.
فلما ذهبوا وتولوا نزلت الآية.
قال في التفسير الكبير: الأقرب أن تحمل الآية على عمومها، فكل من آمن بآيات الله يدخل تحت هذا التشريف والإكرام ثم أبدى إشكالاً وهو أن المفسرين اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من جميع آي هذه السورة إنها نزلت بسبب الأمر الفلاني؟
قلت: لا استبعاد في أن تنزل السورة دفعة وينزل الصحابة كل آية منها على واقعة تناسبها، كيف وهم أعرف بحقائق التنزيل وأعلم بدقائق التأويل لأنهم أهل مشاهدة الوحي وأرباب مزاولة الأمر والنهي؟!
واعلم أن ما سوى الله فهو آيات وجود الله،وأنها لا تكاد تنحصر فيجب على المكلف أن يكون مدة حياته كالسابح في تلك البحار والسائح في هذه القفار ليكون دائماً مترقياً في معارجها مترقباً أن تفيض عليه الأنوار من مدارجها فيستعد لبشارة ﴿ سلام عليكم ﴾ ويستأهل لكرامة ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم.
قال الزجاج: ﴿ سلام ﴾ إما مصدر "سلمت سلاماً وتسليماً" مثل: كلمت كلاماً وتكليماً.
ومعناه الدعاء بأن يسلم من الآفات في نفسه ودينه، وإما أن يكون جمع سلامة.
وقيل: السلام هو الله أي الله عليكم أي على حفظكم ولعل هذا الوجه إنما يتأتى في المعرف لا في المنكر.
﴿ كتب ربكم ﴾ من جملة المقول لهم تبشيراً بسعة رحمة الله وقبوله التوبة.
ومعنى كتب على نفسه أوجب على ذاته إيجاب الكرم لا إيجاباً يستحق بتركه الذم.
وقالت المعتزلة: كونه عالماً بقبح القبائح وباستغنائه عنها يمنعه عن الإقدام عليها ولو فعل كان ظلماً، وإيجاب الرحمة ينافي القول بأنه منع الكافر من الإيمان ثم أمره حال ذلك المنع بالإيمان ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان، وأجيب بأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض عليه.
﴿ أنه من عمل ﴾ من قرأ بالفتح فعلى الإبدال من الرحمة، ومن قرأ بالكسر فعلى الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: إنه من عمل ﴿ منكم سوءاً بجهالة ﴾ وهو في موضع الحال أي عمله وهو جاهل.
والمراد أنه فاعل فعل الجهال لأن من عمل ما يضره في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه لا من أهل الحكمة والتدبير، أو أنه جاهل بعاقبته ومن حق الحكيم أن لا يقدم على ما لا يعرف مآل حاله.
﴿ ثم تاب من بعده ﴾ بأن يندم على ما فعله ﴿ وأصلح ﴾ العمل في المستقبل ﴿ فأنه غفور ﴾ يزيل العقاب عنه ﴿ رحيم ﴾ يوصل الثواب إليه من قرأ بالكسر فعلى: أن الجملة جزاء للشرط، ومن قرأ بالفتحفعلى أن الخبر أو المبتدأ محذوف أي فغفرانه كائن أو فأمره أنه غفور.
قيل: إن الآية نزلتفي عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما طلبوا ولم يعلم أنها مفسدة.
﴿ وكذلك ﴾ أي كما فصلنا في هذه السورة دلائلنا على التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ﴿ نفصل الآيات ﴾ ونميزها لك في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل ﴿ وليستبين ﴾ معطوف على محذوف كأنه قيل: ليظهر الحق وليستبين، أو معلق بمحذوف أي وليستبين سبيل المجرمين فصلنا ذلك التفصيل البين.
من رفع "السبيل" قرأ ﴿ ليستبين ﴾ بالياء أو بالتاء لأن السبيل يذكر ويؤنث، ومن نصب السبيل قرأ ﴿ لتستبين ﴾ بتاء الخطاب مع الرسول يقال: استبان الأمر وتبين واستبنته وتبينته واستبانة سبيل المجرمين تستلزم استبانة طريق المحقين، فلذلك اقتصر على أحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ ولم يذكر البرد.
وإنما ذكر المجرمين دون المحقين لأن طريق الحق واحد والمجرمون أصناف يشتبه أمرهم، فمنهم من هو مطبوع على قلبه، ومنهم من يرجى فيهم قبول الإسلام، ومنهم من دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده فينبغي أن يستوضح سبيلهم ليعامل كلاً منهم بما يجب، ومن جملة ذلك أنه نهى عن عبادة معبوداتهم وذلك قوله ﴿ قل إني نهيت ﴾ أي صرفت بدلائل العقلية والسمعية ﴿ أن أعبد الذين تدعون ﴾ تعبدون ﴿ من دون الله قل لا أتبع أهواءكم ﴾ لأن عبادة المصنوع والمخلوف محض التقليد وعين الهواى ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أثبت الضلال إذ ذاك ونفى الهدى مع أنهما متلازمان للتقرير والتأكيد، وفيه تعريض بهم أنهم كذلك.
ثم نبه على ما يجب اتباعه بقوله ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ على حجة واضحة من مغفرة ربي وأنه لا معبود سواه ﴿ وكذبتم ﴾ أنتم به حيث أشركتم به غيره.
يقال: أنا على بينة من هذا الأمر وأنا على يقين منه إذا كان ثابتاً عنده بدليل.
وقيل: أي على حجة من جهة ربي وهي القرآن ﴿ وكذبتم به ﴾ أي بالبينة وذكر الضمير على تأويل القرآن أو البيان.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم ﴿ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ﴾ قال الكلبي: نزلت في النضر بن الحرث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد آتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم.
﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ مطلق يتناول الكل.
فقال الأشاعرة: لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله فيمتنع منه فعل الكفر إلا بإرادة الله، واحتجت المعتزلة بقوله ﴿ يقضي الحق ﴾ أي كل ما قضى به فهو الحق، وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس بحق.
ويمكن أن يقال: إن جميع أحكامه حق وصدق ولا اعتراض لأحد عليه بحكم المالكية.
وانتصاب ﴿ الحق ﴾ على أنه صفة مصدر أي يقضي القضاء الحق، أو مفعول به من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها أي يصنع الحق ويدبره.
ومثله من قرأ ﴿ يقصر الحق ﴾ كقوله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ أي يقول الحق أو يتبعه من قص أثره ﴿ وهو خير الفاصلين ﴾ أي القاضي، وإنما كتب ﴿ يقض ﴾ في المصاحف بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، وليوافق قراءة ﴿ يقص ﴾ ﴿ قل لو أن عندي ﴾ أي في قدرتي وإمكاني ﴿ ما تستعجلون ﴾ من العذاب ﴿ لقضي الأمر ﴾ أمر الإهلاك ﴿ بيني وبينكم ﴾ عاجلاً غضباً لربي ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ فيؤخر عقابهم إلى وقته وأنا لا أعلم ما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ﴾ فإن استعجال الهلاك ينافي الحرص على الإيمان، لأن من حرص على إيمان أحد حرص على طول حياته طمعاً في إيمانه.
قلت: لا، بل يؤكده لاشتراك كل من الحكمين في الاستعجال اللازم للبشرية في قوله ﴿ وكان الإنسان عجولا ﴾ ثم بين أعلميته بقوله على سبيل الاستعارة ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أراد أن المتوصل إلى المغيبات وحده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها ولم يمنعه من ذلك مانع، والمفاتح جمع مفتح وهو المفتاح، أو جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن، قال الحكيم في بيانه: إن العلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول وكل ما سوى الواجب فإنه موجود بإيجاده وتكوينه بواسطة أو بوسائط، فعلمه بذاته يوجب العلم بجميع آثاره على ترتيبها المعتبر - كليات كانت أو جزيئات - وعلمه بذاته لم يحصل إلا لذاته فصح ان يقال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.
وفيه أنه لا ضد له ولا ند إذ لو كان في الوجود واجب آخر لكانت مفاتح الغيب حاصلة أيضاً عنده فيبطل هذا الحصر، ولا يمكن أن تكون هذه المفاتح عند شيء من الممكنات لأن المحاط لا يحيط بمحيطه فلا يحيط ما دون الواجب بالواجب، فلا يكون المفتاح الأوّل للعلم بجميع المعلومات إلا عنده.
ثم إن قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ قضية معقولة مجردة، والإنسان الذي يقوي على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جداً والقرآن إنما نزل لينتفع به جميع الناس فذكر من الأمور المحسوسة الداخلة تحت تلك القضية الكلية أمثالاً لها ليعين الحس العقل فقال ﴿ ويعلم ما في البر والبحر ﴾ لأن ذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظيمة لذلك المعقول، وقدم ذكر البر لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر وكثرة ما فيه من المدن والقرى والجبال والتلال والمعادن والنبات والحيوان، وأما البحر فإحاطة الحس بأحواله أقل مع كثرة ما فيها من العجائب والغرائب أيضاً.
ثم أفرد من هذه المحسوسات قسماً فقال ﴿ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ﴾ أي لا يتغير حال ورقة إلا والحق يعلمها.
ثم عدل عن التعجيب من كثرة المدركات إلى التعجيب من صغر المدرك وخفائه فقال ﴿ ولا حبة في ظلمات الأرض ﴾ وفي تخصيص الحبة والورقة تنبيه للمكلفين على أمر الحساب لأنه إذا كان بحيث لا يهمل أمر الأشياء التي ليس لها ثواب ولا عقاب فلأن لا يهمل أمر المكلفين أولى.
ثم عاد إلى ذكر القضية الكلية المجردة بعبارة أخرى فقال ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ قال في الكشاف: ولا حبة ولا رطب ولا يابس عطف على ورقة وداخل في حكمها كأنه قيل: وما يسقط شيء من هذه الأشياء إلا وهو يعلمه.
وقوله ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ كالتكرير لقوله ﴿ إلا يعلمها ﴾ ومعنى ﴿ إلا في كتاب مبين ﴾ واحد.
والكتاب المبين علم الله أو اللوح.
قال علماء التفسير: يجوز أن يكون الله جل شأنه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق لتقف الملائكة على نفاذ علمه في المعلومات وأنه لا يغيب عنه شيء، فيكون في ذلك عبرة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في العالم فيجدونه موافقاً له.
أو لأنه إذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع تغيرها وإلا لزم الكذب أو الجهل فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب سبباً تاماً في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر ما تقدم.
ثم لما بين كمال علمه أردفه ببيان كمال قدرته بقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم ﴾ أي يتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز.
وذلك أن الأرواح الجسمانية تغور حالة النوم من الظاهر إلى الباطن فتتعطل الحواس عن بعض الاعمال، وأما عند الموت فتصير جملة البدن معطلة عن كل الأعمال فلهذا كان النوم أخا الموت فصح إطلاق لفظ الوفاة على النوم من هذا الوجه ﴿ ويعلم ما جرحتم ﴾ أي ما كسبتم من العمل بالنهار ومنه الجوارح للأعضاء وللسباع ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ أي يردّ إليكم أرواحكم بالنهار ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ أي أعماركم المكتوبة.
وقضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت.
ثم لما ذكر أنه يميتهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة فلا جرم استدل بذلك على صحة البعث في القيامة فقال ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ في ليلكم ونهاركم وجميع أحوالكم وأوقاتكم.
واعلم أن في هذه الآية إشكالاً لأن قوله ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ كان ينبغي أن يكون بعد قوله ﴿ ثم يبعثكم فيه ﴾ فإن البعث في النهار مقدم على الكسب فيه بل على تعلق العلم بالكسب.
ويمكن أن يجاب بأن المراد ويعلم ما جرحتم في النهار الماضي بدليل قوله ﴿ جرحتم ﴾ دون "تجرحون" ثم يبعثكم في النهار الآتي.
والغرض بيان إحاطة علمه وقدرته بالزمانين المحيطين بالليل.
ولعل صاحب الكشاف لمكان هذا الإشكال عدل عن هذا التفسير إلى أن قال: ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ والخطاب للكفرة أي أنتم منسدحون الليل كالحيف.
والانسداح الانبطاح أو الاستلقاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ ما كسبتم من الآثام فيه ﴿ ثم يبعثكم ﴾ من القبور ﴿ فيه ﴾ أي في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام في النهار ومن أجله كقولك: فيم دغوتني؟
فيقول: في أمر كذا ﴿ ليقضي أجل مسمى ﴾ وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ ثم إليه مرجعكم ﴾ وهو المرجع إلى موقف الحساب.
والأصوب عندي أن يقال: الخطاب عام، وكذا الكسب في النهار فينبغي أن لا يقيد بالآثام.
أما الضمير في ﴿ فيه ﴾ فيكون جارياً مجرى اسم الإشارة إلى الكسب.
والبعث هو البعث من القبور إلى آخر ما قال والله علم.
التأويل: ﴿ وأنذر به ﴾ أي بهذه الحقائق والمعاني ﴿ الذين يخافون ﴾ أي يرجون ﴿ أن يحشروا إلى ربهم ﴾ بجذبات العناية ويتحقق لهم أن ﴿ ليس لهم ﴾ في الوصول إلى الله ﴿ من دونه ولي ﴾ من الأولياء ﴿ ولا شفيع ﴾ يعني من الأنبياء، لأن الوصول لا يمكن إلا بجذبات الحق.
﴿ ولا تطرد الذين يدعون ﴾ أخبر عن الفقراء أنهم جلساؤه بالغداة والعشي كما قال "أنا جليس من ذكرني" فلا تطردهم عن مجالستك فإنهم يطلبوني في متابعتك لا يريدون الدنيا ولا الآخرة ولكن يريدون وجهه.
وكل له سؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سؤلي وديني رضاكم قال المحققون: الإرادة اهتياج يحصل في القلب يسلب القرار من العبد حتى يصلإلى الله.
فصاحب الإرادة لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، ولا يجد من دون الوصول إلى الله سكوناً ولا قراراً ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ يعني الذي لنا معك في الحساب من المواصلة والتوحيد في الخلوة فإنهم ليسوا في شيء من ذلك ليكون عليك ثقلاً ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي الذي لنا معهم في الحساب من التفرد للوصول والوصال ليس لك إلى ذلك حاجة ليثقل عليهم ﴿ فتطردهم ﴾ فتكسر قلوبهم بالطرد ﴿ فتكون من الظالمين ﴾ بوضع الكسر مقام الجبر فإنك بعثت لجبر قلوبهم لا لكسر قلوبهم كقوله ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾ ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ ليشكر الفاضل وليصبر المفضول فيستويان في الفضل فلهذا قيل: لسليمان ولأيوب كليهما: نعم العبد.
مع قدرة سليمان على أسباب الطاعة وعجز أيوب عنها.
ومن فتنة الفاضل في المفضول رؤية فضله على المفضول أو تحقيره، ومنع حقه عنه في فضله، ومن فتنة المفضول في الفاضل حسده على فضله وسخطه عليه في منع حقه من فضله عنه، فإن المعطي والمانع هو الله.
ومنه أن لا يرىالفاضل مستحقاً للفضل ليقولوا ﴿ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ﴾ ﴿ فقل سلام عليكم ﴾ إنه من كمال فضله على الفقراء حملهم محمل الأكابر والملوك في الدنيا فقال لنبيه : "كن مبتدئاً بالسلام عليهم وفي الآخرة فألهم الملائكة أن يسلموا عليهم في الجنة" { ﴿ سلام عليكم طبتم ﴾ بل سلم بذاته عليهم ﴿ سلام قولاً من رب رحيم ﴾ وكل ذلك نتيجة سلامتهم من ظلمة الخلقة بإصابة رشاش النور في الأزل فلهذا قال ﴿ كتب ربكم على نفسه الرحمة ﴾ أي الرحمة الخاصة كما خص الخضر في قوله ﴿ وآتيناه رحمة من عندنا ﴾ والرحمة العامة كما في الحديث الرباني للجنة "إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" ﴿ أنه من عمل منكم ﴾ أي من المؤمنين ﴿ سوءاً بجهالة ﴾ أي بجهالة الجهولية التي جبل الإنسان عليها لا بجهالة الضلالة التي هي نتيجة إخطاء النور فإن هذه لا توبة لها ﴿ ثم تاب من بعده ﴾ أي رجع إلى الله بقدم السير من بعد إفساد الاستعداد الفطري وأصلح الاستعداد بالأعمال الصالحة لقبول الفيض.
﴿ قل إني نهيت ﴾ في الأزل بإصابة النور المرشش.
﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ من عبادة الهوى ﴿ لقضي الأمر ﴾ يعني أمر القتال والخصومات ولاسترحت من أذيتكم لأن الشيء إنما ينفعل عن ضده لا عن شبيهه ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ يعني العلوم العقلية التي هي سبب فتح باب صور عالم الشهادة كالنقاش ينشيء الصور في ذهنه ثم يصوّرها في الخارج.
وإنما وحد الغيب وجمع المفاتح لأن عالم الغيب عالم التكوين وهو واحد في جميع الأشياء وفي الملكوت كثرة يعلم التكوين ﴿ ويعلم ما في البر ﴾ وهو عالم الشهادة ﴿ والبحر ﴾ وهو عالم الغيب ﴿ و ﴾ بهذا العلم ﴿ ما تسقط من ورقة ﴾ عن شجرة الوجود ﴿ إلا يعلمها ﴾ لأنه مكونها ومسقطها ﴿ ولا حبة ﴾ هي حبة الروح ﴿ في ظلمات ﴾ صفات أرض النفس، أو حبة المحبة في ظلمات أرض القلب ﴿ ولا رطب ولا يابس ﴾ الرطب المؤمن، واليابس ما سيصير موجوداً وما قد صار.
أو الرطب الروحانيات.
واليابس الجمادات.
أو الرطب المؤمن، واليابس الكافر.
أو الرطب العالم، واليابس الجاهل.
أو الرطب العارف، واليابس الزاهد.
أو الرطب أهل المحبة، واليابس أهل السلوة.
أو الرطب صاحب الشهود، اليابس صاحب الوجود.
أو الرطب الباقي بالله واليابس الباقي بنصيبه ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ليل القضاء ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ نهار القدر أو الليل، ليل صفات البشرية والنهار نهار الشهود في عالم الوحدة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ .
يعلم بالإحاطة أن هذا ونحوه خرج على الجواب لأسئلة كانت منهم لرسول الله لكن لسنا نعلم ما كانت تلك الأسئلة [التي] كانت من أولئك، حتى كان هذا جواباً لهم، فلا نفسر، ولكن نقف؛ مخافة الشهادة على الله.
ويحتمل: أن يكون جواباً لما ذكر في آية أخرى، وهو قولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ﴾ ، فقال: عند ذلك: ﴿ لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، [وقال:] ﴿ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ جواباً لسؤال [عن] وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ فقال عند ذلك: لا أقول: إني أعلم الغيب؛ حتى أعلم وقت نزول العذاب أو قيام الساعة، ولا أقول: إني ملك حتى أرقى في السماء.
وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
أي: تعرفون أنتم أنه لا يستوي الأعمى، أي: من عمي بصره، والبصير: أي: من لم يعم بصره، فكيف لا تعرفون أنه لا يستوي من عمي عن الآيات ومن لم يعم عنها؟!
أو نقول: إذا لم يستو الأعمى والبصير، كيف يستوي من يتعامى عن الحق ومن لم يتعام؟!
﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أنهما لا يستويان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
في آيات الله وما ذكركم.
أو نقول: ﴿ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ في وعظكم، بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ...
﴾ الآية، أيئس الكفرة عما سألوا من الأشياء رسول الله ثم أمر بالإنذار الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون، أي: يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم، وأن ليس لهم [ولي] يدفع عنهم ما يحل بهم، ولا شفيع يسأل لهم ما لم يعطوا.
وجائز أن يكون تخصيص الأمر بإنذار المؤمنين لما كان الإنذار ينفعهم ولا ينفع غيرهم، وليس فيه لا ينذر غيرهم؛ وهو كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ ليس فيه أنه لا ينذر من لم يتبع الذكر ولا خشي الرحمن ولكن أنبأ أنه إنما ينفع هؤلاء؛ كقوله : ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أخبر أن الذكرى تنفع المؤمنين ولا تنفع أولئك، ينذر الفريقين: من اتبع، ومن لم يتبع، ومن انتفع، ومن لم ينتفع، ويكون قوله: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ ﴾ ، يعني: ليس لأولئك أولياء ولا شفعاء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ونحوه أخبر أن ليس لهم ولي ولا شفيع دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ...
﴾ .
يذكر في بعض القصة أن رجالا من أصحاب رسول الله كانوا يسبقون إلى مجلس رسول الله فيجلسون قريباً منه، فيجيء أشراف القوم وساداتهم، وقد أخذ أولئك المجلس فيجلس هؤلاء ناحية، فقالوا: نحن نجيء فنجلس ناحية، فذكروا ذلك لرسول الله فقالوا: إنا سادات قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك [في] المجلس، فهمّ أن يفعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية يعاتب نبيه [بقوله]: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ...
﴾ الآية.
وإلى هذا يذهب عامة أهل التأويل، لكنه بعيد؛ إذ ينسبون رسول الله إلى أوحش فعل وأفحشه ما لو كان فيه إسقاط نبوته ورسالته؛ إذ لا يحتمل أن يكون [النبي] يقرب أعداءه ويدني مجلسهم منه، ويبعد الأولياء، هذا لا يفعله سفيه فضلا أن يفعله رسول الله المصطفى على جميع بريته، أو يخطر بباله شيء من ذلك، وكان فيه ما يجد الكفرة فيه مطعنا يقولون: يدعو الناس إلى التوحيد والإيمان به والاتباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعد مجلسهم [منه]، هذا لعمري مدفوع في عقل كل عاقل، ولكن إن كان فجائز أن يكون منهم طلب ذلك طلبوا منه أن يدني مجلسهم ويبعد أولئك؛ هذا يحتمل، وأما أن يهم أن يفعل ذلك أو خطر بباله شيء من ذلك فلا يحتمل.
وجائز أن يكون هذا من الله ابتداء تأديباً وتعليماً؛ يعلم رسوله صحبة أصحابه ومعاملته معهم؛ كقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ ، ونهاه أن يمد عينه إلى ما متع أولئك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية [طه: 131] ويخبره عن عظيم قدرهم عند الله.
وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي والحظر، بل العصمة تزيد في النهي والزجر، وأخبر أن ليس عليه من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من شيء، فإنما عليك البلاغ وعليهم الإجابة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ ﴾ .
يشبه أن يكونوا يجتمعون إلى رسول الله في كل غداة ومساء، فيسمعون منه، ثم يفترقون على ما عليه أمر الناس من الاجتماع في كل غداة ومساء عند الفقهاء وأهل العلم.
وجائز أن يكون ذكر الغداة والعشي كناية عن الليل كله وعن النهار جملة؛ كقوله: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ليس يريد بـ ﴿ وَٱلضُّحَىٰ ﴾ الضحوة خاصة ولكن النهار كله.
ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ ذكر الليل دل أنه كان الضحى كناية عن النهار جملة؛ فعلى ذلك الغداة والعشي يجوز أن يكون كناية عن الليل والنهار جملة، والله أعلم.
وجائز أن يكون أصحاب الحرف والمكاسب، لا يتفرغون للاجتماع إلى رسول الله والاستماع منه في عامة النهار، ولكن يجتمعون إليه ويستمعون منه بالغداة والعشي، فكان ذكر الغداة والعشي لذلك أو لما ذكرنا.
وجائز أن يكون المراد بذكر الغداة والعشي صلاة الغداة، وصلاة العشاء؛ يقول: لا تطرد من يشهد هاتين الصلاتين، وإنما [كان] يشهدهما أهل الإيمان، وأما أهل النفاق: فإنهم [كانوا] لا يشهدون هاتين الصلاتين، ويحتمل [غير] ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
[الظلم] على وجوه: ظلم كفر، وظلم شرك، وظلم يكون بدونه، وهو أن يمنع أحدا حقه أو أخذ منه حقا بغير حق؛ فهو كله ظلم.
والظلم - هاهنا والله أعلم -: يشبه أن يكون هو وضع الحكمة في غير أهلها؛ لأنه لو كان منه ما ذكر من [طرد أولئك وإدناء أولئك] لم يكن أهلا للحكمة، ويجوز أن يوصف واضع الحكمة في غير موضعها بالظلم؛ على ما روي في الخبر: "أن من وضع الحكمة في غير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها عن أهلها فقد ظلمهم" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ .
قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ لا يتكلم إلا على أمر سبق، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يقول لما قالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء الأعبد من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء، ونحن سادة القوم وأشرافهم؟!
فقال عند ذلك: ﴿ وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾ أي: كما فضلتكم على هؤلاء في أمر الدنيا فكذلك فضلتهم عليكم في أمر الدين، ويكونون هم المقربين إلى رسول الله والمدنين مجلسهم إليه، وأنتم أتباعهم في أمر الدين، وإن كانوا هم أتباعكم في أمر الدنيا؛ فكذلك امتحان بعضهم ببعض.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقال: كما كان له امتحان كل في نفسه ابتداء محنة؛ كقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ...
﴾ الآية [البقرة: 155].
فعلى ذلك له أن يمتحن بعضكم ببعض.
وأشد المحن أن يؤمر المتبوع ومن يرى لنفسه فضلا بالخضوع للتابع ومن هو دونه عنده، يشتد ذلك عليه ويتعذر؛ لما كانوا يرون هم لأنفسهم الفضل والمنزلة في أمر الدنيا، فظنوا أنهم كذلك يكونون في أمر الدين؛ وعلى ذلك يخرج امتحانه إبليس بالسجود لآدم لما رأى لنفسه فضلا عليه فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ ولم ير الخضوع لمن دونه عدلا وحكمة، فصار ما صار؛ فعلى ذلك هؤلاء لم يروا أولئك الضعفة أن يكونوا متبوعين عدلا وحكمة، وظنوا أنهم لما كانوا مفضلين في أمر الدنيا، وكان لهؤلاء إليهم حاجة - يكونون في أمر الدين كذلك، ويقولون: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ ونحوه من الكلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
قال بعضهم: هو موصول بالأول بقوله: ﴿ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يقول الكافر قول الكفر والمؤمن قول الإيمان.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ ﴾ أي: يقول الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ ليس بمفصول من قوله ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ ولكن موصول به ﴿ لِّيَقُولوۤاْ ﴾ يعني الكفرة ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ .
ثم يحتمل قوله ﴿ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ ﴾ بالحظ بالتقريب والإدناء في المجلس وجعلهم متبوعين من بيننا بعد ما كانوا أتباعاً لنا فقال عند ذلك ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ﴾ أي: عرف هؤلاء نعمة الله ، ووجهوا شكر نعمه إليه وأنتم وجهتم شكر نعمه إلى غيره بعد ما عرفتم أنه هو المنعم عليكم والمسدي إليكم.
<div class="verse-tafsir"
وخوِّف -أيها الرسول- بهذا القرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم يوم القيامة، ليس لهم ولي غير الله يجلب لهم النفع، ولا شفيع يكشف عنهم الضر، لعلهم يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهؤلاء هم الذين ينتفعون بالقرآن.
<div class="verse-tafsir" id="91.MZOYv"