الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٦٩ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 81 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٩ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) أي : إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك ، فقد برئوا من عهدتهم ، وتخلصوا من إثمهم .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير ، قوله : ( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) قال : ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ، أي : إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم .
وقال آخرون : بل معناه : وإن جلسوا معهم ، فليس عليهم من حسابهم من شيء .
وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية ، وهي قوله : ( إنكم إذا مثلهم ) [ النساء : 140 ] .
قاله مجاهد والسدي وابن جريج ، وغيرهم .
وعلى قولهم ، يكون قوله : ( ولكن ذكرى لعلهم يتقون ) أي : ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرا لهم عما هم فيه ; لعلهم يتقون ذلك ، ولا يعودون إليه .
القول في تأويل قوله : وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن اتقى الله فخافه، فأطاعه فيما أمره به، واجتنب ما نهاه عنه, فليس عليه بترك الإعراض عن هؤلاء الخائضين في آيات الله في حال خوضهم في آيات الله، شيء من تبعة فيما بينه وبين الله, إذا لم يكن تركه الإعراضَ عنهم رضًا بما هم فيه، وكان لله بحقوقه متقيًا, (1) ولا عليه من إثمهم بذلك حرج, ولكن ليعرضوا عنهم حينئذ ذكرى لأمر الله =" لعلهم يتقون "، يقول: ليتقوا.
* * * ومعنى " الذكرى "، الذكرُ.
و " الذكر " و " الذكرى " بمعنًى.
* * * وقد يجوز أن يكون " ذكرى " في موضع نصب ورفع: فأما النصب، فعلى ما وصفت من تأويل: ولكن ليعرضوا عنهم ذكرى.
وأما الرفع، فعلى تأويل: وما على الذين يتقون من حسابهم شيء بترك الإعراض, ولكن إعراضهم ذكرى لأمر الله لعلهم يتقون.
(2) * * * وقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالقيام عن المشركين إذا خاضوا في آيات الله, لأن قيامه عنهم كان مما يكرهونه, فقال الله له: إذا خاضوا في آيات الله فقم عنهم، ليتقوا الخوضَ فيها ويتركوا ذلك.
* ذكر من قال ذلك: 13396 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه, فإذا سمعوا استهزءوا, فنـزلت: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، الآية، قال: فجعل إذا استهزءوا قام، فحذروا وقالوا لا تستهزءوا فيقوم!
فذلك قوله: " لعلهم يتقون "، أن يخوضوا فيقوم، ونـزل: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، إن قعدوا معهم, ولكن لا تقعدوا.
ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة: وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ، [سورة النساء: 140] , فنسخ قولَه: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، الآية.
13397 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، يقول: من حساب الكفار من شيء =" ولكن ذكرى "، يقول: إذا ذكرت فقم =" لعلهم يتقون " مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم.
ثم نسخها الله بعد, فنهاهم أن يجلسوا معهم أبدًا، قال: وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا ، الآية .
13398 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء "، إن قعدوا, ولكن لا تقعد .
13399- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد , مثله .
13400 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن السدي, عن أبي مالك: " وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى "، قال: وما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك.
----------------- الهوامش : (1) هكذا في المخطوطة أيضا"بحقوقه متقيًا" ، وأرجح أن تكون: "بخوفه متقيًا" ، ولم أغيرها لأن الأخرى تكاد تكون جائزة.
(2) انظر معاني القرآن للفراء 1: 339.
قوله تعالى وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلهم يتقون قال ابن عباس : لما نزل لا تقعدوا مع المشركين وهو المراد بقوله : فأعرض عنهم قال المسلمون : لا يمكننا دخول المسجد والطواف ; فنزلت هذه الآية .
ولكن ذكرى أي فإن قعدوا يعني المؤمنين فليذكروهم .
لعلهم يتقون الله في ترك ما هم فيه .
ثم قيل : نسخ هذا [ ص: 16 ] بقوله : وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية .
وأشار بقوله : وقد نزل عليكم في الكتاب إلى قوله : وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا قال القشيري : والأظهر أن الآية ليست منسوخة .
والمعنى : ما عليكم شيء من حساب المشركين ، فعليكم بتذكيرهم وزجرهم فإن أبوا فحسابهم على الله .
وذكرى في موضع نصب على المصدر ، ويجوز أن تكون في موضع رفع ; أي ولكن الذي يفعلونه ذكرى ، أي ولكن عليهم ذكرى .
وقال الكسائي : المعنى ولكن هذه ذكرى .
هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي: ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى.
وفي هذا دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكِّرُ من الكلام، ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى.
وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود، كان تركه مقصودا.
( وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ) روي عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ) قال المسلمون : كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟
وفي رواية قال المسلمون : فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم ، فأنزل الله عز وجل : ( وما على الذين يتقون ) الخوض ، ( من حسابهم ) أي : من آثام الخائضين ( من شيء ولكن ذكرى ) أي : ذكروهم وعظوهم بالقرآن ، والذكر والذكرى واحد ، يريد ذكروهم ذكري ، فتكون في محل النصب ، ( لعلهم يتقون ) الخوض إذا وعظتموهم فرخص في مجالستهم على الوعظ لعله يمنعهم من ذلك الخوض ، وقيل : لعلهم يستحيون .
«وما على الذين يتقون» الله «من حسابهم» أي الخائضين «من» زائدة «شيء» إذا جالسوهم «ولكن عليهم «ذكرى» تذكرة لهم وموعظة «لعلهم يتقون» الخوض.
وما على المؤمنين الذين يخافون الله تعالى، فيطيعون أوامره، ويجتنبون نواهيه من حساب الله للخائضين المستهزئين بآيات الله من شيء، ولكن عليهم أن يعظوهم ليمسكوا عن ذلك الكلام الباطل، لعلهم يتقون الله تعالى.
ثم بين - سبحانه - أنه لا تبعة على المؤمنين ما داموا قد أعرضوا عن مجلس الخائضين فقال - تعالى - { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } .أى : وما على الذين يتقون الله شىء من حساب الخائضين على ما ارتكبوا من جرائم وآثام ما داموا قد أعرضوا عنهم ، ولكن عليهم أن يعرضوا عنهم ويذكروهم ويمنعوهم عما هم فيه من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير لعل أولئك الخائضين يجتنبون ذلك ، ويتقون الله فى أقوالهم وأفعالهم .وعليه يكون الضمير فى قوله : { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يعود على الخائضين .وقيل يجوز أن يكون الضمير فى قوله : { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } للذين اتقوا أى : عليهم أى يذكروا أولئك الخائضين ، لأن هذا التذكير يجعل المتقين يزدادون إيمانا على إيمانهم ، ويثبتون على تقواهم .روى البغوى عن ابن عباس قال : لما نزلت : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } .
.
إلخ قال المسلمون : كيف نقعد فى المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً؟
فأنزل الله - تعالى - { وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } يعنى إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعة ما يقولون ، وما عليكم نصيب من إثم ذلك الخوض .قال الجمل : قوله ( ولكن ذكرى ) فيه أربعة أوجه :أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر وقدره بعضهم أمراً ، أى : ولكن ذكروهم ذكرى ، وبعضهم قدره خبراً .
أى : ولكن يذكرونهم ذكرى .والثانى : أنه مبتدأ خبره محذوف : أى : ولكن عليكم ذكرى ، أى : تذكيرهم .والثالث : أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : هو ذكرى أى : النهى عن مجالستهم والامتناع منها ذكرى .والرابع : أنه عطف على موضع شىء المجرور بمن أى : ما على المتقين من حسابهم شىء ولكن عليهم ذكرى فيكون من عطف المفردات وأما على الأوجه السابقة فهو من عطف الجمل " .
قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم.
قال ومعنى الآية: ﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ ﴾ الشرك والكبائر والفواحش ﴿ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ من آثامهم ﴿ مّن شَيء ولكن ذكرى ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ ذِكْرَى ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب.
أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون.
والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول.
قوله تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أولئك الذين أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمُ شَرَابٌ مِنْ حَميمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانواْ يَكفُرُونَ ﴾ اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله: ﴿ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا ﴾ ومعنى ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده: ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم.
واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفاً بصفتين: الصفة الأولى: أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وفي تفسيره وجوه: الأول: المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤوا به.
الثاني: اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم.
الثالث: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله تعالى عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً.
والرابع: قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى.
ثم إن الناس أكثرهم من المشركين، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهواً ولعباً غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى.
والخامس: وهو الأقرب، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب.
فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو.
فالمراد من قوله: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه.
وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة.
والله أعلم.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا ﴾ وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعباً ولهواً لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا.
فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا.
إذا عرفت هذا، فقوله: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزناً ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟
قيل: وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته.
فقوله: ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور.
والدين أقرب المذكور، فوجب عود الضمير إليه.
أما قوله: ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ فقال صاحب الكشاف: أصل الإبسال المنع ومنه، هذا عليك بسل أي حرام محظور، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه، أو لأنه شديد البسور، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه، وإذا زاد قالوا بسل، والعابس منقبض الوجه.
إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا.
وقال الحسن ومجاهد: تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل.
وقال قتادة: تحبس في جهنم، وعن ابن عباس ﴿ تُبْسَلَ ﴾ تفضح و ﴿ أُبْسِلُواْ ﴾ فضحوا، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون.
ثم قال تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهَا ﴾ أي ليس للنفس ﴿ مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ أي وإن تفذ كل فداء، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها.
قال صاحب الكشاف: فاعل يؤخذ ليس هو قوله: ﴿ عَدْلٍ ﴾ لأن العدل هاهنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ فبمعنى المفدى به، فصح إسناده إليه.
فنقول: الأخذ بمعنى القبول وارد.
قال تعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ أي يقبلها.
وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ هاهنا على القبول، ويزول السؤال.
والله أعلم.
والمقصود من هذه الآية: بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور، ولا شفيع يشفع فيها، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع.
فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام، فليس لها ألبتة دافع من عذاب الله تعالى، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى.
ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين، فقال: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ وذلك هو النهاية في صفة الإيلام.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا ﴾ في الاستهزاء بها والطعن فيها؛ وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فلا تجالسهم وقم عنهم ﴿ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ فلا بأس أن تجالسهم حينئذ ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان ﴾ وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ ﴾ معهم ﴿ بَعْدَ الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي.
وقرئ: ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد.
ويجوز أن يراد: وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول ﴿ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى ﴾ بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم ﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء ﴾ وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم ﴿ ولكن ﴾ عليهم أن يذكروهم ﴿ ذكرى ﴾ إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم.
ويجوز أن يكون الضمير للذين يتقون، أي يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم ويزدادوها.
وروي: أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف، فرخص لهم.
فإن قلت: ما محل ﴿ ذكرى ﴾ ؟
قلت: يجوز أن يكون نصباً على: ولكن يذكرونهم ذكرى، أي تذكيراً.
ورفعاً على: ولكن عليهم ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ مِن شَيْء ﴾ ، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيد، لأنّ قوله: ﴿ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ يأبى ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وما يَلْزَمُ المُتَّقِينَ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمُ الَّذِينَ يُجالِسُونَهم.
﴿ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ شَيْءٌ مِمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ.
﴿ وَلَكِنْ ذِكْرى ﴾ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ذِكْرى ويَمْنَعُوهم عَنِ الخَوْضِ وغَيْرِهِ مِنَ القَبائِحِ ويُظْهِرُوا كَراهَتَها وهو يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِ والرَّفْعَ عَلى ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَحَلِّ مِن شَيْءٍ لِأنَّ مِن حِسابِهِمْ يَأْباهُ ولا عَلى شَيْءٍ لِذَلِكَ ولِأنَّ مِن لا تُزادُ في الإثْباتِ.
﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ يَجْتَنِبُونَ ذَلِكَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمُساءَتِهِمْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ والمَعْنى: لَعَلَّهم يَثْبُتُونَ عَلى تَقْواهم ولا تَنْثَلِمُ بِمُجالَسَتِهِمْ.
رُوِيَ: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَءُوا بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ونَطُوفَ، فَنَزَلَتْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم} من حساب هؤلاء الذين يخوضون في القرآن تكذيباً وستهزاء {مِّن شَيْءٍ} أي وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيء مما يحاسبون عليه من ذنوبهم {ولكن} عليهم أن يذكروهم {ذِكْرِى} إذا سمعوهم يخوضون بالقيام عنهم وإظهار الكراهة لهم وموعظتهم ومحل ذِكْرِى نصب أي ولكن يذكرونهم ذكرى أى تذكيرا أو رفع والتقدير ولكن عليهم ذكرى فذكرى مبتدأ والخبر محذوف {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم
﴿ وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ قالَ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى ﴾ إلَخْ قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولا نَطُوفَ بِالبَيْتِ فَنَزَلَتْ: أيْ وما يَلْزَمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ ﴿ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ مِمّا يُحاسَبُ الخائِضُونَ الظّالِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ (مِن شَيْءٍ) أيْ شَيْءٍ ما عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و(شَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وما تَمِيمِيَّةٌ أوِ اسْمٌ لَها وهي حِجازِيَّةٌ و(مِن حِسابِهِمْ) -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِنهُ لِأنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها أُعْرِبَ حالًا.
ولَيْسَتْ (مِن) بِمَعْنى الأجَلِ خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَهُ و ﴿ عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَرْفُوعٍ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ أوْ لِـ (ما) الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا أوْ مَنصُوبٌ وقَعَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ ﴿ ولَكِنْ ذِكْرى ﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ (ذِكْرى) عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ أيْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ النَّصْبَ والرَّفْعَ أيْضًا لَكِنْ قَدَّرَ في الأوَّلِ نُذَكِّرُهم ذِكْرى بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الثّانِي هَذِهِ ذِكْرى.
وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِأنَّ (مِن حِسابِهِمْ) يَأْباهُ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ولَكِنْ ذِكْرى مِن حِسابِهِمْ، وهو كَما تَرى واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُقَيَّدٍ اعْتِبارُ ذَلِكَ القَيْدِ في المَعْطُوفِ والعَلّامَةُ الثّانِي يَقُولُ: إنَّهُ إذا عُطِفَ مُفْرَدٌ عَلى مُفْرَدٍ لاسِيَّما بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ السّابِقَةُ في الذِّكْرى عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ في المَعْطُوفِ البَتَّةَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمالِ تَقُولُ: ما جاءَنِي يَوْمُ الجُمْعَةِ أوْ في الدّارِ أوْ راكِبًا أوْ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ رَجُلٌ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ المَرْأةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ وفي الدّارِ وبِصِفَةِ الرُّكُوبِ وتَكُونُ مِنَ القَوْمِ البَتَّةَ، ولَمْ يَجِئِ الِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ، ولا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ سِواهُ بِخِلافِ ما جاءَنِي رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ كَوْنُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، قالُوا: والسِّرُّ فِيهِ أنَّ تَقَدُّمَ القُيُودِ يَدُلُّ عَلى أنَّها أمْرٌ مُسَلَّمٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ وأنَّها قَيْدٌ لِلْعامِلِ مُنْسَحِبٌ عَلى جَمِيعِ مَعْمُولاتِهِ، وأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُفْرَدِ لِذَلِكَ، وأمّا في الجُمَلِ فالقَيْدُ إنْ جُعِلَ جُزْءًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ سَبَقَ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ المَعْطُوفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ عَلى ما في شَرْحِ المِفْتاحِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِهِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَنِي مِن تَمِيمٍ رَجُلٌ وامْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ وتَخْصِيصُ هَذِهِ القاعِدَةِ بِتَقَدُّمِ القَيْدِ وادِّعاءِ اطِّرادِها كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ، ومِنهم مَن عَمَّها كَما قالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ أهْلَ اللِّسانِ والأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ العَطْفَ لِلتَّشْرِيكِ في الظّاهِرِ فَإذا كانَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَيْدٌ فالظّاهِرُ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِذَلِكَ القَيْدِ إلّا أنْ تَجِيءَ قَرِينَةٌ صارِفَةٌ فَيُحالُ الأمْرُ عَلَيْها؛ فَإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الجُمْعَةِ وعَمْرًا، فالظّاهِرُ اشْتِراكُ زَيْدٍ وعَمْرٍو في الضَّرْبِ مُقَيَّدًا بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، وإذا قُلْتَ: وعَمْرًا يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يُشارِكْهُ في قَيْدِهِ.
والآيَةُ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ.
فالظّاهِرُ مُشارَكَتُهُ في قَيْدِهِ ويَكْفِي في المَنعِ.
وبَحَثَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ وغَيْرُهُ.
فَتَدَبَّرْ ومَن مَنَعَ العَطْفَ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِما تَقَدَّمَ مَنَعَ العَطْفَ عَلى (شَيْءٍ) لِذَلِكَ أيْضًا، ولِأنَّ (مِن) لا تُقَدَّرُ عامِلَةً بَعْدَ الإثْباتِ لِأنَّها إذا عَمِلَتْ كانَتْ في قُوَّةِ المَذْكُورَةِ المَزِيدَةِ وهي لا تُزادُ في الإثْباتِ في غَيْرِ الظُّرُوفِ أوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الجُمْهُورِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ 69 - أيْ يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ أيْ لَكِنْ يُذَكِّرُ المُتَّقُونَ الخائِضِينَ لِيَثْبُتَ المُتَّقُونَ عَلى تَقْواهم ولا يَأْثَمُوا بِتَرْكِ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لِيَزْدادُوا تَقْوًى بِذَلِكَ.
وهَذِهِ الآيَةُ -كَما أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ- مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى النّازِلِ في المَدِينَةِ: ﴿ وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ﴾ إلَخْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجَبائِيُّ.
وفي الطَّوْدِ الرّاسِخِ في المَنسُوخِ والنّاسِخِ أنْ لا نَسْخَ عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ في ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وما عَلى الَّذِينَ ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ولا نَسْخَ في الأخْبارِ، فافْهَمْ <div class="verse-tafsir"
وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ يعني: بالقرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني: القرآن قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يعني: بحفيظ ومسلط.
وهذا قبل الأمر بالقتال.
لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ المستقر: هو غاية ينتهي إليها.
يقال: لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال: معناه: سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ في ذلك الوقت.
قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعني: يستهزئون بالقرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني: قم من عندهم، واترك مجالستهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول: إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى، فتجلس معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يقول: قم إذا ذكرت، ودع القوم الظالمين.
يعني: المشركين.
قرأ ابن عامر: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بنصب النون، وتشديد السين.
وقرأ الباقون: بالتخفيف والجزم.
وهما لغتان: نسيته وأنسيته.
ثم قال: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: الشرك والاستهزاء مِنْ حِسابِهِمْ يعني: من آثامهم مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى يعني: ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الاستهزاء.
قال الكلبي: وذلك أن أصحاب رسول الله قالوا: يا رسول الله: لئن قلنا كلما استهزءوا بالقرآن، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام.
فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية.
قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً قال الضحاك: يعني: كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم، وقرطوها بالمقراط، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها.
فنزل وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وقال الكلبي: إِنَّ الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه، ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني: عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله، وحصناً للصدقة، وهي الجمعة والفطر والأضحى.
قال مقاتل: اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني: باطلاً ولهواً عنه.
ثم قال: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ يعني: عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تهلك نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: بما عملت ويقال: تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك.
وقال الأخفش: أن ترهن نفس بما عملت.
ويقال: تحبس.
وقال القتبي: أي تسلم للهلكة.
ويقال: تخذل ولا تنصر.
ثم قال: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ يعني: إذا وقع في العذاب، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب وَلا شَفِيعٌ يشفع لها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها يقول: لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني: لا يقبل منها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا يعني: أهلكوا.
ويقال: أسلموا بذنوبهم إلى النار لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: ماء حار قد انتهى حره وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في الدنيا.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
نَزَلَتْ فِي المؤمنينَ، قال الطَّبريُّ «١» وغيره: مُمْتَنِعٌ أن يكون النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تعوَّذ لأمَّته مِنْ هذه الأشياءِ الَّتي توعَّد بها الكُفَّار، وهَوَّنَ الثالثةَ لأنَّها بالمعنى هي التي دعا فيها، فمنع حسب حديثِ «المُوطَّإ» وغيره، ومِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ: لفظٌ عامٌّ للمنطبقِينَ علَىَ الإنسان، وقال السُّدِّيُّ، عن أبي مالِكٍ: مِنْ فَوْقِكُمْ: الرَّجْم، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
: الخَسْف «٢» وقاله سعيدُ بن جُبَيْر ومجاهد «٣» .
وقوله سبحانه: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً: معناه: يخلِّطكم فِرَقاً، والبأْسُ: القَتْل، وما أشبهه من المَكَارِهِ، وفي قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ: استرجاعٌ لهم، وإنْ كان لفظها لَفْظَ تعجيب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فمضمَّنها أنَّ هذه الآياتِ والدلائلَ إنما هي لاستصرافهم عن طريقِ غَيِّهم، والفِقْهُ: الفَهْمُ.
وقوله تعالى: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ، الضمير في بِهِ عائدٌ على القُرآن الذي فيه جاءَ تصريفُ الآياتِ قاله السُّدِّيُّ «٤» ، وهذا هو الظاهرُ، ويحتملُ أنْ يعود الضميرُ على الوَعِيدِ الذي تضمَّنَتْه الآيةُ، ونحا إليه الطبريُّ «٥» ، وقوله: قُلْ لَسْتُ/ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: معناه: لسْتُ بمدفوعٍ إلى أخْذكم بالإيمان والهدى، وهذا كان قَبْلَ نزول آياتِ الجهادِ والأمْرِ بالقتالِ، ثم نُسِخَ.
وقوله سبحانه: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ: أيْ: غايةٌ يعرف عندها صدقه من كذبه، وسَوْفَ تَعْلَمُونَ: تهديد محض ووعيد.
وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
: هذا خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمؤمنون داخلُونَ في الخطاب معه، هذا هو الصحيحُ لأنَّ علَّة النهْي، وهي سماعُ الخَوْض في آياتِ اللَّه، تَشْمَلُهُمْ وإيَّاه، فأُمِرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هو والمؤمنون أنْ ينابذُوا الكُفَّار بالقيام عنهم، إذا استهزءوا وخاضوا ليتأدَّبوا بذلك، ويدَعُوا الخَوْضَ والاستهزاءَ، قلْتُ: ويدلُّ على دخولِ المؤمنينَ مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الخطابِ- قولُهُ تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء: ١٤٠] .
انتهى.
والخَوْضُ: أصله في الماءِ، ثم يستعملُ بعدُ في غمرات الأشياء التي هي مجاهلُ تشبيهاً بغَمَرَات الماء.
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ: «إما» : شرط، وتلزمها النونُ الثقيلة في الأغلب، وقرأ ابن عامر «١» وحده: «يُنَسِّيَنَّكَ» - بتشديدِ السينِ، وفتحِ النونِ-، والمعنى واحدٌ إلا أن التشديد أكثر مبالغةً، والذِّكْرى والذِّكْر واحدٌ في المعنى، ووصْفُهم ب الظَّالِمِينَ متمكِّن لأنهم وضعوا الشيء في غير موضعه، وفَأَعْرِضْ في هذه الآية: بمعنى المفارقة على حقيقة الإعراض، وأكملِ وجوهه ويدُلُّ على ذلك: فَلا تَقْعُدْ.
وقوله سبحانه: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وروي أنه لما نزلَتْ: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء: ١٤٠] قال المؤمنون: إذا كنا لا نقْرَبُ المشركين، ولا نسمع أقوالهم، فلا يمكننا طَوَافٌ ولا قضاءُ عبادةٍ في الحرمِ، فنزلَتْ لذلك: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ...
الآية.
قال ع «٢» : فالإباحة في هذا هي في القَدْر الذي يحتاجُ إلَيْه من التصرُّف بَيْن المشركين في عبادةٍ ونحوها، وقيل: إن هذه الآية الأخيرةَ ليْسَتْ إباحة بوجه، وإنما معناها: لا تَقْعُدوا معهم، ولا تَقْرَبوهم حتى تسمعوا استهزاءهم وخوضهم، وليس نهيكم عن القعود لأنَّ عليكم شيئاً من حسابهم، وإنما هو ذكرى لكم، ويحتملُ المعنى: ولكنْ ذكرى لعلَّهم إذا جانبتموهم، يتقون بالإمساكِ عن الاستهزاءِ، ويحتمل المعنى: ولكن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَئِنْ كُنّا كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآَنِ، وَخاضُوا فِيهِ، فَمَنَعْناهم، لَمْ نَسْتَطِعْ أنَّ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ولا أنْ نَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: إنّا نَخافُ الإثْمَ إنْ لَمْ نَنْهَهم عَنِ الخَوْضِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَوْ قُمْنا عَنْهم إذا خاضُوا، فانًّا نَخْشى الإثْمَ في مُجالَسَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
هَذا عَنْ مُقاتِلٍ، والأوَّلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
والثّانِي: يَتَّقُونَ الخَوْضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن حِسابِهِمْ ﴾ يَعْنِي: حِسابُ الخائِضِينَ.
وفي حِسابِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرُهم وآَثامُهم.
والثّانِي: عُقُوبَةُ خَوْضِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرى ﴾ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْكم أنْ تَذْكُرُوهم.
وفِيما تُذَكِّرُونَهم بِهِ، قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَواعِظُ.
والثّانِي: قِيامُكم عَنْهم.
قالَ مُقاتِلٌ: إذا قُمْتُمْ عَنْهم، مَنَعَهم مِنَ الخَوْضِ الحَياءُ مِنكم، والرَّغْبَةُ في مُجالَسَتِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الِاسْتِهْزاءَ.
والثّانِي: يَتَّقُونَ الوَعِيدَ.
* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها اقْتَضَتْ جَوازَ مُجالَسَةِ الخائِضِينَ والِاقْتِصارَ عَلى تَذْكِيرِهِمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ﴾ والصَّحِيحُ أنَّها مَحْكَمَةٌ، لِأنَّها خَبَرٌ، وإنَّما دَلَّتْ عَلى أنَّ كُلَّ عَبْدٍ يَخْتَصُّ بِحِسابِ نَفْسِهِ، ولا يُلْزِمُهُ حِسابَ غَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِكْرى مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ لَفْظُ هَذا الخِطابِ مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ واخْتُلِفَ في مَعْناهُ؛ فَقِيلَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ مَعَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَهْيِ - وهي سَماعُ الخَوْضِ في آياتِ اللهِ تَعالى - تَشْمَلُهم وإيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقِيلَ: بَلِ المَعْنى أيْضًا أُرِيدَ بِهِ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ؛ لِأنَّ قِيامَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ؛ وفِراقَهُ لَهم عَلى مُغاضَبَةٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُؤْمِنُونَ عِنْدَهم كَذَلِكَ؛ فَأُمِرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُنابِذَهم بِالقِيامِ عنهم إذا اسْتَهْزَؤُوا وخاضُوا؛ لِيَتَأدَّبُوا بِذَلِكَ؛ ويَدَعُوا الخَوْضَ والِاسْتِهْزاءَ؛ وهَذا التَأْوِيلُ يَتَرَكَّبُ عَلى كَلامِ ابْنِ جَرِيرٍ - يَرْحَمُهُ اللهُ.
والخَوْضُ أصْلُهُ في الماءِ؛ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ بَعْدُ في غَمَراتِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَجاهِلُ؛ تَشْبِيهًا بِغَمَراتِ الماءِ.
"وَإمّا": شَرْطٌ؛ وتَلْزَمُها النُونُ الثَقِيلَةُ في الأغْلَبِ؛ وقَدْ لا تَلْزَمُ؛ كَما قالَ: إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُناوَأةٍ ∗∗∗................
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "يُنَسِّيَنَّكَ"؛ بِتَشْدِيدِ السِينِ؛ وفَتْحِ النُونِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ إلّا أنَّ التَشْدِيدَ أكْثَرُ مُبالَغَةً.
والذِكْرى؛ والذِكْرُ واحِدٌ في المَعْنى؛ وإنَّما هو تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ؛ ووَصْفُهم هُنا بِـ "اَلظّالِمِينَ"؛ مُتَمَكِّنٌ؛ لِأنَّهم وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ و"أعْرِضْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى المُفارَقَةِ؛ عَلى حَقِيقَةِ الإعْراضِ؛ وأكْمَلِ وُجُوهِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: "فَلا تَقْعُدْ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ"؛ هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ والضَمِيرُ في "حِسابِهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ يَخُوضُونَ"؛ ومَن قالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في قَوْلِهِ: "فَأعْرِضْ"؛ قالَ: إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ في هَذا القَصْدِ بِـ "اَلَّذِينَ يَتَّقُونَ"؛ والمَعْنى عِنْدَهم - عَلى ما رُوِيَ - أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا - لَمّا نَزَلَتْ: "فَلا تَقْعُدْ" - مَعَهُمْ: "إذا كُنّا لا نَقْرَبُ المُشْرِكِينَ؛ ولا نَسْمَعُ أقْوالَهُمْ؛ فَما يُمْكِنُنا طَوافٌ؛ ولا قَضاءُ عِبادَةٍ في الحَرَمِ"؛ فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالإباحَةُ في هَذا هي في القَدْرِ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَصَرُّفِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ؛ في عِبادَةٍ؛ ونَحْوِها؛ وقالَ بَعْضُ مَن يَقُولُ: "إنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - داخِلٌ فِي: ﴿ الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ؛ وإنَّ المُؤْمِنِينَ داخِلُونَ في الخِطابِ الأوَّلِ": إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الأخِيرَةَ لَيْسَتْ إباحَةً بِوَجْهٍ؛ وإنَّما مَعْناها: "لا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ؛ ولا تَقْرَبُوهُمْ؛ حَتّى لا تَسْمَعُوا اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وخَوْضَهُمْ؛ ولَيْسَ نَهْيُكم عَنِ القُعُودِ لِأنَّ عَلَيْكم شَيْئًا مِن حِسابِهِمْ؛ وإنَّما هو ذِكْرى لَكُمْ"؛ ويَحْتَمِلُ المَعْنى أنْ يَكُونَ لَهُمْ: "لَعَلَّهم إذا جانَبْتُمُوهم يَتَّقُونَ بِالإمْساكِ عَنِ الاسْتِهْزاءِ"؛ وأمّا مَن قالَ: "إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ هو مُجَرَّدٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِثِقَلِ مُفارَقَتِهِ مُغْضَبًا عَلى الكُفّارِ"؛ فَإنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ الثانِيَةِ: إنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ومَعْناها الإباحَةُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا تَقْعُدْ مَعَهم يا مُحَمَّدُ؛ وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِهِمْ؛ فَإنْ قَعَدُوا فَلْيُذَكِّرُوهم لَعَلَّهم يَتَّقُونَ اللهَ تَعالى في تَرْكِ ما هم فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أشارَ إلَيْهِ النَقّاشُ ؛ ولَمْ يُوَضِّحْهُ؛ وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ؛ وقالَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ هَذِهِ الإباحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُسِخَتْ بِآيَةِ "اَلنِّساءِ"؛ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا مَن قالَ أوَّلًا: "إنَّ الإباحَةَ كانَتْ بِحَسَبِ العِباداتِ"؛ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في "اَلنِّساءِ" ناسِخَةٌ لِذَلِكَ؛ إذْ هي مَدَنِيَّةٌ؛ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَقَدْ نَزَّلَ"؛ إلَيْها بِنَفْسِها؛ فَتَأمَّلْهُ؛ وإلّا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الناسِخُ غَيْرَها؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى هَذا القَوْلِ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: "ذَكِّرُوهم ذِكْرى"؛ ويُحْتَمَلُ: "وَلَكِنْ أعْرِضُوا مَتى أعْرَضْتُمْ في غَيْرِ وقْتِ العِبادَةِ ذِكْرى"؛ و"ذِكْرى"؛ عَلى كُلِّ قَوْلٍ؛ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِإضْمارِ فِعْلٍ؛ أو رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ.
ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَمْتَثِلَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المُلْحِدِينَ؛ وأهْلِ الجِدالِ والخَوْضِ فِيهِ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللهِ تَعالى ".
<div class="verse-tafsir"
لمَّا كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتْبع الله النهي السابق بالعفو عمَّا تتلقَّفه أسماع المؤمنين من ذلك عَفْواً، فتكون الآية عذراً لما يطرق أسماعَ المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين.
والمراد ب ﴿ الَّذين يتَّقون ﴾ المؤمنون، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أوّل المتَّقين، فالموصول كتعريف الجنس فيكون شاملاً لجميع المسلمين كما كان قوله ﴿ فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68] حكمه شاملاً لبقية المسلمين بحكم التبع.
وقال جمع من المفسّرين: كانت آية ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68] خاصّة بالنبي صلى الله عليه وسلم وجاء قوله تعالى: ﴿ وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء ﴾ رخصة لغير النبي من المسلمين في الحضور في تلك المجالس لأنّ المشركين كان يغضبهم قيام النبي من مجالسهم.
ونسب هذا إلى ابن عبَّاس، والسديّ، وابن جبير، فيكون عموم الموصول في قوله: ﴿ الذين يتَّقون ﴾ مخصوصاً بما اقتضته الآية التي قبلها.
وروى البغوي عن ابن عبَّاس قال: لمَّا نزلت ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68] قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبداً.
فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء ﴾ يعني إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعةُ ما يقولون في حال مجانبتكم إيَّاهم إذ ليس عليكم جرى ذلك وما عليهم أن يمنعوهم.
وقوله: ﴿ وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء ﴾ تقدّم تفسير نظيره آنفاً، وهو قوله: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ [الأنعام: 68].
ثمّ الحساب هنا مصدر مضاف إلى ضمير الذين يخوضون في الآيات.
فهذا المصدر بمنزلة الفعل المبني للمجهول فيحتمل أن يكون فاعله ﴿ الذين يتَّقون ﴾ على وزان ما تقدّم في قوله: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ [الأنعام: 52]، أي ما على الذين يتَّقون أن يحاسِبُوا الخائضين، أي أن يمنعوهم من الخوض إذ لم يكلّفهم الله بذلك لأنَّهم لا يستطيعون زجر المشركين، ويحتمل أن يكون فاعله الله تعالى كقوله: ﴿ ثمّ إنّ علينا حسابهم ﴾ [الغاشية: 26] أي ما على الذين يتَّقون تبعة حساب المشركين، أي ما عليهم نصيب من إثم ذلك الخوض إذا سمعوه.
وقوله: ﴿ ولكن ذكرى ﴾ عطفت الواو الاستدراكَ على النفي، أي ما عليهم شيء من حسابهم ولكن عليهم الذكرى.
والذكرى اسم مصدر ذكَّر بالتشديد بمعنى وعظ، كقوله تعالى: ﴿ تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب ﴾ [ق: 8]، أي عليهم إن سمعُوهم يستهزئون أن يعظُوهم ويُخوّفوهم غضب الله فيجوز أن يكون ﴿ ذكرى ﴾ منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله.
والتقدير: ولكن يُذكّرونهم ذكرى.
ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعاً على الابتداء، والتقدير: ولكن عليهم ذكرى.
وضمير ﴿ لعلَّهم يتَّقون ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ حسابهم ﴾ أي لعلّ الذين يخوضون في الآيات يتَّقون، أي يتركون الخوض.
وعلى هذا فالتقوى مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى ﴿ الذين يتَّقون ﴾ ، أي ولكن عليهم الذكرى لعلَّهم يتَّقون بتحصيل واجب النهي عن المنكر أو لعلَّهم يستمرّون على تقواهم.
وعن الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، أي قوله: ﴿ وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ [الأنعام: 68] تذكرة لك وليست مؤاخذة بالنسيان، إذ ليس على المتَّقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنّا ذكَّرناهم بالإعراض عنهم لعلَّهم يتَّقون سماعهم.
والجمهور على أنّ هذه الآية ليست بمنسوخة.
وعن ابن عبَّاس والسدّي أنَّها منسوخة بقوله تعالى في سورة [النساء: 140] ﴿ وقد نزّل عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتم آيات الله يُكْفَرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخُوضُوا في حديث غيره إنَّكم إذن مثلهم بناء على رأيهم أنّ قوله: وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء ﴾ أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلاّ على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68] كما تقدّم آنفاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ ﴾ وفِيما كَذَّبُوا بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: تَصْرِيفُ الآياتِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ وَهُوَ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي ما كَذَّبُوا بِهِ، والفَرْقُ بَيْنَ الحَقِّ والصَّوابِ أنَّ الحَقَّ قَدْ يُدْرَكُ بِغَيْرِ طَلَبٍ، والصَّوابُ لا يُدْرَكُ إلّا بِطَلَبٍ.
﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ لِأعْمالِكم لِأُجازِيَكم عَلَيْها، وإنَّما أنا مُنْذِرٌ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: لَسْتُ عَلَيْكم بِحَفِيظٍ أمْنَعُكم مِن أنْ تَكْفُرُوا، كَما يَمْنَعُ الوَكِيلُ عَلى الشَّيْءِ مِن إلْحاقِ الضَّرَرِ بِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ لَسْتُ آخُذُكم بِالإيمانِ اضْطِرارًا وإجْبارًا، كَما يَأْخُذُ الوَكِيلُ بِالشَّيْءِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنْ لِكُلِّ خَبَرٍ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن وعْدٍ أوْ وعِيدٍ مُسْتَقَرًّا في مُسْتَقْبَلِ الوَقْتِ أوْ ماضِيهِ أوْ حاضِرِهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكافِرِينَ في الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِما يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ مِن حِسابِ الكُفّارِ فِيما فَعَلُوهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ مَآثِمُ يُؤاخَذُونَ بِها، ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم بِاللَّهِ وآياتِهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
والثّانِي: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ مِنَ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ما عَلى الكُفّارِ في الحِسابِ مِنَ التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ لِأنَّ مُحاسَبَةَ المُتَّقِينَ ذِكْرى وتَخْفِيفٌ، ومُحاسَبَةُ الكُفّارِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا ذَلِكَ.
والثّالِثُ: وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيما فَعَلُوهُ مِن رَدٍّ وصَدِّ حِسابٍ، ولَكِنِ اعْدِلُوا إلى الذِّكْرى لَهم بِالقَوْلِ قَبْلَ الفِعْلِ، لَعَلَّهم يَتَّقُونَ إذا عَلِمُوا.
وَيَحْتَمِلُ هَذا التَّأْوِيلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَتَّقُونَ الِاسْتِهْزاءَ والتَّكْذِيبَ.
والثّانِي: يَتَّقُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ ونحو هذا في القرآن قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ﴾ قال: نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوصون في آيات الله يكذبون بها، فإن نسى فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: يستهزئون بها، نهى محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى، فإذا ذكر فليقم، وذلك قول الله: ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: الذين يكذبون بآياتنا يعني المشركين ﴿ وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد ما تذكر.
قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك ﴿ ولكن ذكرى لعلهم يتقون ﴾ ذكروهم ذلك وأخبروهم أنه يشق عليكم مساءتكم، ثم أنزل الله: ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ [ النساء: 140] الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزأوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال: أن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عي ابن جريج قال: كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه، فإذا سمعوا استهزأوا، فنزلت {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم.
...} الآية.
قال فجعلوا إذا استهزأوا قام فحذروا، وقالوا: لا تستهزأوا فيقوم، فذلك قوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ إن يخوضوا فيقوم، ونزل ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ أن تقعد معهم ولكن لا تعقد، ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ﴾ [ النساء: 140] إلى قوله: ﴿ إنكم إذاً مثلهم ﴾ [ النساء: 140] نسخ قوله: ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ الآية.
﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ﴾ قال: هم أهل الكتاب، نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه فيسخط الله عليه، فذكر ذلك لإِبراهيم النخعي فقال: صدق، أو ليس ذلك في كتاب الله ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزأوا، فقال المسلمون: لا يصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم، فأنزل الله في ذلك ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا...
﴾ الآية.
قال: نسختها هذه الآية التي في سورة النساء ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ﴾ [ النساء: 140] الآية.
ثم أنزل بعد ذلك ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .
وأخرج النحاس في ناسخة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ قال: هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله: ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ﴾ [ النساء: 140] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ﴾ إن قعدوا ولكن لا تقعد.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما هاجر المسلمون إلى المدينة جعل المنافقون يجالسونهم، فإذا سمعوا القرآن خاضوا واستهزأوا كفعل المشركين بمكة، فقال المسلمون: لا حرج علينا قد رخص الله لنا في مجالستهم، وما علينا من خوضهم فنزلت بالمدينة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال: أتى عمر بن عبد العزيز بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم، فضربه وقال: ﴿ لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ قال ابن عباس: (قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فرخص للمؤمنين في القعود معهم يذكرونهم ويفهمونهم، قال: ومعنى الآية ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك والكبائر والفواحش، ﴿ مِنْ حِسَابِهِمْ ﴾ : من آثامهم ﴿ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ يقول: ذكّرهم بالقرآن وبمحمد ، فرخص لهم في مجالستهم على ما أمروا به من المواعظ لهم) (١) وقال أبو إسحاق: (أي (٢) ﴿ مِنْ حِسَابِهِمْ ﴾ أي: من كفرهم ومخالفتهم أمر الله عز وجل ﴿ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ ، ولكن عليكم أن تذكروهم (٣) ﴿ ذِكْرَى ﴾ يجوز أن تكون في موضع رفع من وجهين أحدهما: ﴿ وَلَكِنْ ﴾ عليكم ﴿ ذِكْرَى ﴾ أي: أن تذكروهم، وجائز أن يكون ﴿ وَلَكِنْ ﴾ الذين (٤) ﴿ ذِكْرَى ﴾ ) وعلى هذا التأويل الذكرى يكون بمعنى الذكر، وعلى الوجه الأول (٥) ﴿ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي: ليرجى منهم التقوى) (٦) قال ابن عباس: (تعظونهم لعلهم يخافوني) (٧) وقال مقاتل: ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ (يقول: لعلهم إذا قمتم منعهم ذلك من الخوض والاستهزاء) (٨) ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ الخوض، ونحو هذا قال مجاهد في معنى هذه الآية فقال: ( ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ (إن قعدوا ولكن لا يقعدون) (٩) (١٠) ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ ترك القعود.
قال مقاتل (١١) (١٢) (١٣) ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾ الآية التي في النساء؛ لأن الله تعالى خوفهم فقال: إن قعدتم معهم ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾ وقال غيرهم: (ليست بمنسوخة، ولكن المعنى: ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ إذا قعدوا معهم بشرط التذكير والموعظة) (١٤) (١) "تنوير المقباس" 2/ 29، وذكره الثعلبي في "الكشف" 179 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 61 - 62، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 62، والرازي في "تفسيره" 13/ 26، والقرطبي 7/ 15.
(٢) لفظ: (أي) ساقط من (أ).
(٣) في (ش): (يذكروهم).
(٤) في (ش): (الذي)، وما في (أ) هو الموافق لما عند الزجاج في "معانيه" 2/ 261.
(٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 13/ 26.
(٦) "معاني القرآن" 2/ 261، وقال الفراء في"معانيه" 1/ 339: (قوله ﴿ وَلَكِنْ ذِكْرَى ﴾ في موضع نصب بفعل مضمر، ولكن نذكرهم ذكرى، أو رفع على قوله: ولكن هو ذكرى) ا.
هـ.
بتصرف، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 555، و"المشكل" لمكي 1/ 256، و"البيان" 1/ 325، و"التبيان" 1/ 339، و"الفريد" 2/ 167 - 168، و"الدر المصون" 4/ 676.
(٧) لم أقف عليه.
(٨) "تفسير مقاتل" 1/ 567.
(٩) "تفسير مجاهد" 1/ 217، وأخرجه الطبري 7/ 230 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 39.
(١٠) في (ش): (وهذا إن جعلا)، والصواب ما أثبته، والمراد: مجاهد ومقاتل.
(١١) "تفسير مقاتل" 1/ 567.
(١٢) أخرجه ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 325 بسند جيد عن أبي مالك وسعيد ابن جبير.
(١٣) أخرجه الطبري 7/ 230 بسند جيد عن ابن جريج، والسدي وأخرجه النحاس في "ناسخه" 2/ 319 بسند ضعيف عن الضحاك، وذكره ابن كثير 2/ 161 عن مجاهد، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 67، وأبي منصور البغدادي 102، وابن العربي 2/ 211، قالوا: (هذا صريح أمر، وليس بخبر، وهو مأمور أن يقوم عنهم إذا استهزؤوا بآيات الله، ثم أمر بقتلهم وإقامة الحد عليهم في ذلك، فهي منسوخة بأمره بالقتال).
وانظر: "الدر المنثور" 3/ 38.
(١٤) هذا هو الظاهر، واختيار النحاس في "ناسخه" 2/ 319، ومكي في "الإيضاح" ص 243، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 325، ومصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 1/ 440، قالوا: (الآية خبر ومحال نسخه، والمعنى فيه بين، أي: ما عليكم شيء من آثامهم إنما يلزمكم الإنذار والنهي عن المنكر، ولا يقعد معه راضيًا بقوله وفعله وإلا كان مثله) وانظر: ابن عطية 5/ 235، والقرطبي 7/ 15، وانظر: "مفهوم النسخ عند السلف" في ص 267.
﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ الذين يتقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفار والمستهزئين، والمعنى ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك؛ إذا كانوا لابد لهم ممن مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيات الله ﴾ [النساء: 39] الآية، وقيل: إنها لا تقتضي إباحة العقود ﴿ ولكن ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ فيه وجهان أحدهما أن المعنى ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكيراً لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار: أي يذكرونهم رجاء أن يتقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله.
الوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.
الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.
الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.
الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.
التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.
ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.
قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.
ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.
ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.
وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.
وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.
فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.
وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ .
وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.
وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.
﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.
وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه .
وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.
وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.
وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.
قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.
وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.
ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.
وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.
﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.
والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.
الثاني التضرع.
والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.
ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.
ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.
وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.
وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.
ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
عن رسول الله "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟
وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.
وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.
وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.
وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.
﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.
﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.
والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.
ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.
نعم كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال الفراء: هي الذكر.
قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.
ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .
قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.
ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.
وقال قتادة: تحبس في جهنم.
وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.
قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ ارتفع الفرق.
﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.
ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.
ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.
وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.
وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.
وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.
وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.
والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.
والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.
التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.
﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.
فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.
﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.
والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.
﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.
﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.
﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ .
يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ \[أن يكون\] أي: يكفرون بها ويستهزئون بها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ﴾ فيكون خوضهم في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها، ويكون قوله - -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تقعد معهم؛ كما قال: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .
يحتمل: النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ ﴾ .
ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم؛ كقوله - -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ ؛ [و] كقوله : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ﴾ وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر بالتبليغ.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا تقعد بعد ذكر الذكرى، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان، أي: لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .
قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله - -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ وكان النهي عن مجالستهم ليس للجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها [والكفر بها] هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسهم، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي يحملهم على سب الله.
﴿ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين.
[أحدهما]: نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ويستهزئون بالآيات ويكفرون بها، فنهى هؤلاء عن ذلك؛ ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم.
والثاني: أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم؛ ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم؛ لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها، لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون الخوض والاستهزاء، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي: وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير.
والثاني: اتخذوا اللعب واللهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو؛ لأن الدين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين.
ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب.
والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب.
والثالث: صار دينهم لعباً وعبثاً؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله - -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...
﴾ الآية [المؤمنون: 115] صير عدم الرجوع إليه عبثاً.
وقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ﴾ ، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا [لما بها] اغتروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غداً: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .
وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجناية والهلاك.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ : عن ابن عباس قال: أن تفضح نفس بما كسبت.
وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: حبسوا بما كسبوا.
وعن ابن عباس - -: ﴿ أُبْسِلُواْ ﴾ أي: فضحوا؛ على ما قال في ﴿ تُبْسَلَ ﴾ .
وعن الحسن: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ ، [أي]: تسلم وعن مجاهد كذلك.
قال أبو عوسجة: ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ ﴾ : أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم إلى أهل الجناية.
وقال القتبي: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ أي تسلم للهلكة.
وعن الكيساني: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : تجزي نفس بما كسبت.
وقال الفراء: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : ترهن.
وأصل الإبسال: هو الإسلام، [وتفسيره] ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ ؛ كما يكون بعضهم شفيعاً لبعض في الدنيا، وأعواناً لهم وأنصاراً في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ .
وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ﴾ ، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي.
وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ ، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالله، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت [نفس] كل الفداء لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك.
وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم.
فإن قيل: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي [ولا يبذل وما يمكَّن] من العمل؟
قيل: معناه - والله أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ .
قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا يكون لهم شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ .
قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك.
<div class="verse-tafsir"
وليس على الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من حساب هؤلاء الظالمين من شيء، وإنما عليهم أن يَنْهَوْهُم عما يرتكبونه من منكر، لعلهم يتقون الله، فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.wOX30"