الآية ٧٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٠ من سورة الأنعام

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًۭا وَلَهْوًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍۢ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 111 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا ) أي : دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلا فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم ; ولهذا قال : ( وذكر به ) أي : وذكر الناس بهذا القرآن ، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم يوم القيامة .

وقوله : ( أن تبسل نفس بما كسبت ) أي : لئلا تبسل .

قال الضحاك ، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والسدي : تبسل : تسلم .

وقال الوالبي ، عن ابن عباس : تفضح .

وقال قتادة : تحبس .

وقال مرة وابن زيد تؤاخذ .

وقال الكلبي : تجازى وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى ، وحاصلها الإسلام للهلكة ، والحبس عن الخير ، والارتهان عن درك المطلوب ، كما قال : ( كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] .

وقوله : ( ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع ) أي : لا قريب ولا أحد يشفع فيها ، كما قال : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] .

وقوله : ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) أي : ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها كما قال : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا [ ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ] ) [ آل عمران : 91 ] ، وهكذا قال ههنا : ( أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذرْ هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعبًا ولهوًا, (3) فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، (4) واللهوَ والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم, فأعرض عنهم, فإني لهم بالمرصاد, وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، ونسيانهم المعادَ إلى الله تعالى ذكره والمصيرَ إليه بعد الممات، كالذي:- 13401 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا " ، قال: كقوله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ، [سورة المدثر: 11] .

13402- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

* * * وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، [سورة التوبة:5 ].

وكذلك قال عدد من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 13403- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام بن يحيى, عن قتادة: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا "، ثم أنـزل في" سورة براءة ", فأمر بقتالهم.

13404- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال: قرأت على ابن أبي عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا "، ثم أنـزل الله تعالى ذكره " براءة ", وأمر بقتالهم فقال: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، [سورة التوبة: 5].

* * * وأما قوله: " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت "، فإنه يعني به: وذكّر، يا محمد، بهذا القرآن هؤلاء المولِّين عنك وعنه (5) =" أن تبسل نفس "، بمعنى: أن لا تبسل, كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [سورة النساء : 176] ، بمعنى: أن لا تضلوا (6) = وإنما معنى الكلام: وذكرهم به ليؤمنوا ويتبعوا ما جاءهم من عند الله من الحق, (7) فلا تُبْسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار= ولكن حذفت " لا "، لدلالة الكلام عليها.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " أن تبسل نفس " .

فقال بعضهم: معنى ذلك: أن تُسْلَم.

* ذكر من قال ذلك: 13405 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة قوله: " أن تبسل نفس بما كسبت "، قال: تُسلم .

13406 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الحسن: " أن تبسل نفس "، قال: أن تُسلم .

13407- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن, مثله .

13408 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: " أن تبسل "، قال: تسلم.

13409- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أن تبسل نفس "، قال: تسلم.

13410- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عنبسة, عن ليث, عن مجاهد: أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا ، أسلموا.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: تُحْبس.

* ذكر من قال ذلك: 13411- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " أن تبسل نفس "، قال: تؤخذ فتحبس .

13412- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله .

13413 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أن تبسل نفس بما كسبت "، أن تؤخذ نفس بما كسبت.

* * * وقال آخرون: معناه: تُفضَح.

* ذكر من قال ذلك: 13414 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت "، يقول: تفضح.

* * * وقال آخرون: معناه: أن تجزَى.

* ذكر من قال ذلك: 13415 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد قال، قال الكلبي: " أن تبسل "، أن تجزَى.

* * * وأصل " الإبسال " التحريم, يقال منه: " أبسلت المكان "، إذا حرّمته فلم يقرب، (8) ومنه قوله الشاعر: (9) بَكَـرَتْ تَلُـومُكَ بَعْـدَ وَهْنٍ فِي النَّدَى, بَسْــلٌ عَلَيْــكِ مَلامَتِـي وَعِتَـابِي (10) أي: حرام [عليك ملامتي وعتابي] .

ومنه قولهم: " أسد باسل ", (11) ويراد به: لا يقربه شيء, فكأنه قد حرَّم نفسه، ثم يجعل ذلك صفة لكل شديد يتحامى لشدته.

ويقال: " أعط الراقي بُسْلَتَه ", (12) يراد بذلك: أجرته," وشراب بَسِيل "، بمعنى متروك.

وكذلك " المبسَلُ بالجريرة ", وهو المرتهن بها, قيل له: " مُبْسَل "، لأنه محرَّم من كل شيء إلا مما رُهن فيه وأُسلم به، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابي: وَإبْسَــالِي بَنِــيَّ بِغَــيْرِ جُــرْمٍ بَعَوْنَــــاهُ وَلا بِـــدَمٍ مُـــرَاقِ (13) وقال الشنفرى: (14) هُنَــالِكَ لا أَرْجُــو حَيَـاةً تَسُـرُّنِي سَــمِيرَ اللَّيَــالِي مُبْسَـلا بِـالْجَرَائِرِ (15) قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا: وذكّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون في آياتنا وغيرهم ممن سلك سبيلهم من المشركين, كيلا تُبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها, وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله (16) =" ليس لها من دون الله "، يقول: ليس لها، حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها، أحدٌ ينصرها فينقذها من الله الذي جازاها بذنوبها جزاءها (17) =" ولا شفيع "، يشفع لها, لوسيلة له عنده.

(18) * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وإن تعدل النفس التي أبسلت بما كسبت, يعني: " وإن تعدل كل عدل "، يعني: كل فداء.

* * * يقال منه: " عَدَل يعدِل "، إذا فدى," عَدْلا "، ومنه قول الله تعالى ذكره: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ، [سورة المائدة: 95] ، وهو ما عادله من غير نوعه.

(19) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

* ذكر من قال ذلك: 13416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، قال: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها.

13417 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قُبل منها.

13418- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها "، قال: " وإن تعدل "، وإن تفتد، يكون له الدنيا وما فيها يفتدي بها =" لا يؤخذ منه "، عدلا عن نفسه, لا يقبل منه.

* * * وقد تأوّل ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى: وإن تُقسط كل قسط لا يقبل منها.

وقال: إنها التوبة في الحياة.

(20) وليس لما قال من ذلك معنى, وذلك أن كل تائب في الدنيا فإن الله تعالى ذكره يقبل توبته.

* * * القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم, هم " الذين أبسلوا بما كسبوا "، يقول: أسلموا لعذاب الله, فرهنوا به جزاءً بما كسبوا في الدنيا من الآثام والأوزار، (21) =" لهم شرابٌ من حميم ".

* * * و " الحميم " هو الحارّ، في كلام العرب, وإنما هو " محموم " صرف إلى " فعيل "، ومنه قيل للحمّام،" حمام " لإسخانه الجسم، ومنه قول مرقش: فِــي كُــلِّ مُمْسًـى لَهَـا مِقْطَـرَةٌ فِيهَـــا كِبَــاءٌ مُعَــدٌّ وَحَــمِيمْ (22) يعني بذلك ماء حارًّا، ومنه قول أبي ذويب الهذلي في صفة فرس: تَــأبَى بِدِرَّتِهَـا إذَا مَـا اسْـتُضْغِبَتْ إلا الْحَـــمِيمَ فَإنّـــهُ يَتَبَضَّـــعُ (23) يعني بالحميم: عرق الفرس.

* * * وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية شرابًا من حميم, لأن الحارّ من الماء لا يروي من عطش.

فأخبر أنهم إذا عطشوا في جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم, ولكن بما يزيدون به عطشًا على ما بهم من العطش =" وعذاب أليم "، يقول: ولهم أيضًا مع الشراب الحميم من الله العذابُ الأليم والهوان المقيم =" بما كانوا يكفرون "، يقول: بما كان من كفرهم في الدنيا بالله، وإنكارهم توحيده، وعبادتهم معه آلهة دونه.

* * * 13419 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا "، قال يقال: أسلموا.

13420 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أولئك الذين أبسلوا "، قال: فُضحوا.

13421 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا "، قال: أخذوا بما كسبوا.

-------------------- الهوامش : (3) انظر تفسير"ذر" فيما سلف 6: 22/7 : 424.

(4) انظر تفسير"اللعب" فيما سلف 10: 429 ، 432.

(5) انظر تفسير"التذكير" فيما سلف 6: 63 ، 64 ، 66 ، 211/10 : 130/11 : 357 (6) انظر ما سلف 9: 445 ، 446.

(7) في المطبوعة: "وذكر به" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(8) في المطبوعة: "فلم تقر به" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(9) هو ضمرة بن ضمرة النهثلي.

(10) نوادر أبي زيد: 2 ، الأمالي 2: 279 ، الشعر والشعراء: 250 ، الوحشيات رقم: 424 ، الأزمنة والأمكنة 1: 160 ، اللسان (بسل) وغيرها ، وبعد هذا البيت من أبيات حسان: قالها لامرأته إذ عاتبته على حلب إبله ونحرها لضيفه وأهله ، وتحبب إليه الشح ، وتنهاه عن بذل المال ، في القحط والجدب: أَأَصُرُّهَــا، وَبُنَــيُّ عَمِّـي سَـاغِبٌ فَكَفَــاكِ مــن إبَـةٍ عَـلَيَّ وَعَـابِ!

وَلَقَــدْ عَلِمْـتُ، فَـلاَ تَظُنِّـي غَـيْرَهُ أَنْ سَـوْفَ يَخلِجُـني سَـبيلُ صِحَـابِي أرَأيـتِ إنْ صَرَخَـتْ بِلَيْـلٍ هَــامَتي وَخَرَجْــتُ مِنْهَــا عَارِيًـا أثْـوَابِي هَـلْ تَخْمِشَـنْ إبِـلِي عَـلَيَّ وُجُوهَهَـا أمْ تَعْصِبَــنَّ رُؤُوسَــهَا بِسِـلاَبِ!!

"بكرت" ، عجلت في أول السحر."بعد وهن" ، أي بعد قومة من جوف الليل.

أرقها ما يبذل لبني عمه من ماله ، فلم تتأن به مطلع النهار حتى أخذت تلومه في وجه الصبح.

ثم أخذ يذكرها بالمروءة فيقول: "أأصرها" ، يعني النوق ، يشد عليها الصرار (وهو خيط يشد فوق الخلف) ، لئلا تحلب ، أو يرضعها ولدها ، يقول: لا أفعل ذلك ، وبني عمي جياع حتى ، أرويهم؛ و"السغب" الجوع ، فإن ذلك لؤم.

و"الإبة" الخزي يستحي منه ، و"العاب" ، العيب.

يقول: كفاك بهذا الفعل لؤمًا يخزي فاعله.

ثم احتج عليها بما يجد بنو عمه وضيفانه من اللوعة عليه إذا مات ، وأن الإبل لا تفعل ذلك.

فقال لها: إن الموت سبيل كل حي ، وأني سلك سبيل أصحابي الذين ذهبوا وخلفوني ، فإن هذه السبيل تخجلني (أي: تجذبني وتنتزعني) كما خلجتهم من قبل.

وقوله: "صرخت بليل هامتي" ، وهو من عقائد الجاهلية ، أبطله الله بالإسلام ، يزعمون أن روح القتيل تصير طائرًا كالبومة يزقو عند قبره ، يقول: اسقوني ، اسقوني!

وقوله: "عاريًا أثوابي" أي: عاريًا من أثوابي التي كنت أستمتع بلباسها في الدنيا.

ويروى: "باليًا أثوابي" ، ويعني عندئذ: أكفانه التي تبلى في التراب.

وقول"هل تخمش إبلي" ، أي: هل تلطم الإبل على وجوهها فيخمشها اللطم ويؤثر فيها ويجرحها ، كما يفعل بنو عمي وبنات عمي إذا مت.

و"السلاب": عصائب للرأس سود ، يلبسنها عند الحداد.

يقول: هذا حزن بنات عمي علي ، فهل تفعل الإبل فعلهن حتى آسى على نحرها وإهلاكها في إطعامهم وإروائهم في زمان الجدب وهم جياع؟

(11) كانت هذه العبارة في المطبوعة والمخطوطة: "أي حرام.

ومنه قولهم: وعتابي أسد آسد" ، وهو خطأ صرف.

استظهرت صوابه من سياق الشرح ، ومن معاني القرآن للفراء 1: 339 ، وزدت ما بين القوسين استظهارًا أيضًا.

(12) في المطبوعة: "بسيلته" ، وهو خطأ صرف ، صوابه في المخطوطة ، لم يحسن قراءتها.

وانظر معاني القرآن للفراء 1: 339.

(13) نوادر أبي زيد: 151 ، مجاز القرآن 1: 194 ، المعاني الكبير: 1114 ، واللسان (بسل) (بعا) ، يقول: فَلَــوْلا أَنَّنِــي رَحُــبَتْ ذِرَاعِـي بِإعْطَـــاءِ المَفَــارِقِ والحِقَــاقِ وَإنْسَــالِي بَنِــيَّ بِغَــيْرِ جُــرْمٍ بَعَوْنَـــاهً، وَلا بِـــدَمٍ مُـــرَاقِ لَقِيتُـــمْ مِــنْ تَــدَرُّئِكُمْ عَلَيْنَــا وَقَتْـــلِ سَــرَاتِنَا ذَاتَ العَــرَاقِي "المفارق" جمع"ناقة مفرق" ، فارقها ولدها.

و"الحقاق" جمع"حقة" (بكسر الحاء) ، وهي الناقة إذا استكملت السنة الثالثة ، ودخلت في الرابعة.

يقول: طابت نفسي ببذل ذلك من المال ، لكن أحقن الدماء ، وأبقي على الوشائج.

و"بعا الذنب يبعوه بعوا": اجترمه واكتسبه.

يقول لهم: وأسلمت إليكم بني في الفداء ، ولم نجرم جريمة ، ولم نرق دمًا ، فنحمل الحمالة في الذي اجترحناه.

و"تدرأ على فلان" أي: تطاول وتهجم.

و"السراة" أشراف القوم.

و"ذات العراقي" ، أي: ذات الدواهي المنكرة ، يقول: لولا ما فعلت إبقاء ، لفعلنا بكم الأفاعيل.

(14) وتروى لتأبط شرا.

(15) ديوانه (الطرائف): 36 ، وفيه المراجع ، ومجاز القرآن 1: 195 ، اللسان (بسل).

وقبله ، وهي أبيات مشهورة: لا تَقْــبُرُونِي، إنَّ قَــبْرِي مُحَــرَّمٌ عَلَيْكُــمْ، وَلِكـنْ أبْشِـرِي أمَّ عـامِرِ إذَا احْـتَمَلُوا رَأْسِي، وَفِي الرّأسِ أكْثَرِي، وَغُـودِرَ عِنْـدَ المُلْتَقَـى ثَـمَّ سَـائِري و"سمير الليالي": أبد الليالي ، ويروى"سجيس الليالي" ، وهو مثله.

(16) انظر تفسير"كسب" فيما سلف ص: 261 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(17) انظر تفسير"من دون" فيما سلف 11: 486 ، وفهارس اللغة (دون).

(18) انظر تفسير"شفيع" فيما سلف ص: 373: تعليق 4 ، والمراجع هناك.

(19) انظر تفسير"العدل" فيما سلف 2: 34 ، 35 ، 574/11: 43 ، 44.

(20) هو قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 195.

(21) انظر تفسير"أبسل" فيما سلف قريبًا = وتفسير"كسب" ص: 446 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(22) المفضليات: 505 ، واللسان (قطر) (حمم) ، وسيأتي في التفسير 11: 61 (بولاق).

من قصيدته في ابنة عجلان ، جارية صاحبته فاطمة بنت المنذر ، وكان لابنه عجلان قصر بكاظمة ، وكان لها حرس يجرون الثياب كل ليلة حول قصرها ، فلا يطؤه إلا بنت عجلان.

وكانت تأخذ كل عشية رجلا من أهل المال يبيت عندها ، فبات عندها المرقش ليلة ، وقال ذاك الشعر ، فوصفها بالنعمة والترف.

و"المقطرة": المجمرة ، يكون فيها القطر (بضم فسكون) ، وهو العود الذي يتبخر به.

و"الكباء": ضرب من العود.

يصف ما هي فيه من الترف ، بين تبخر بالعود الطيب ، وتنزه بالاستحمام بالماء الساخن ، من شدة عنايتها ببدنها.

(23) ديوانه 17؛ المفضليات 879 ، اللسان (حمم) (بصع) (بضع) ، وغيرها.

وهذا من الأبيات التي أخذت على أبي ذؤيب ، وأنه لا علم له بالخيل.

وقد اختلف في روايته.

روي: وإذا ما استغضبت" و"إذ اما استكرهت" ، ورواية الطبري مذكورة في اللسان في (بضع) وروي أيضًا"يتصبع" بالصاد.

أي يسيل قليلا قليلا.

و"تبضع العرق" بالضاد ، سال سيلا منقطعًا.

وانظر شرح هذا البيت في المراجع ، فإنه يطول ذكره هنا.

وأما رواية: "استضغبت" ، وهي التي هنا ، فقد فسرت بأنه: فزعت ، لأن"الضاغب" ، هو الذي يختبئ في الخمر ليفزع بمثل صوت الأسد.

و"الضغاب" و"الضغيب" صوت الأرنب والذئب إذا تضور.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون أي لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بوعظهم .

قال قتادة : هذا منسوخ ، نسخه فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ومعنى لعبا ولهوا أي استهزاء بالدين الذي دعوتهم إليه .

وقيل : استهزءوا بالدين الذي هم عليه فلم يعملوا به .

والاستهزاء ليس مسوغا في دين .

وقيل : لعبا ولهوا باطلا وفرحا ، وقد تقدم هذا .

وجاء اللعب مقدما في أربعة مواضع ، وقد نظمت .

إذا أتى لعب ولهو وكم من موضع هو في القرآن فحرف في الحديد وفي القتال وفي الأنعام منها موضعان وقيل : المراد بالدين هنا العيد .

قال الكلبي : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه لله تعالى ، وكل قوم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم اتخذوه صلاة وذكرا وحضورا بالصدقة ، مثل الجمعة والفطر والنحر .قوله تعالى وغرتهم الحياة الدنيا أي لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا .قوله تعالى وذكر به أي بالقرآن أو بالحساب .أن تبسل نفس بما كسبت أي [ ص: 17 ] ترتهن وتسلم للهلكة ; عن مجاهد وقتادة والحسن وعكرمة والسدي .

والإبسال : تسليم المرء للهلاك ; هذا هو المعروف في اللغة .

أبسلت ولدي أرهنته ; قال عوف بن الأحوص بن جعفر : وإبسالي بني بغير جرم بعوناه ولا بدم مراق " بعوناه " بالعين المهملة معناه جنيناه .

والبعو الجناية .

وكان حمل عن غني لبني قشير دم ابني السجيفة فقالوا : لا نرضى بك ; فرهنهم بنيه طلبا للصلح .

وأنشد النابغة الجعدي : ونحن رهنا بالأفاقة عامرا بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا الدرداء : كتيبة كانت لهم .ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع تقدم معناه .قوله تعالى : وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها الآية .العدل الفدية ، وقد تقدم في [ البقرة ] .

والحميم الماء الحار ; وفي التنزيل يصب من فوق رءوسهم الحميم الآية .

يطوفون بينها وبين حميم آن .

والآية منسوخة بآية القتال .

وقيل : ليست بمنسوخة ; لأن قوله : وذر الذين اتخذوا دينهم تهديد ; كقوله : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ومعناه لا تحزن عليهم ; فإنما عليك التبليغ والتذكير بإبسال النفوس .

فمن أبسل فقد أسلم وارتهن .

وقيل : أصله التحريم ، من قولهم : هذا بسل عليك أي حرام ; فكأنهم حرموا الجنة وحرمت عليهم الجنة .

قال الشاعر : أجارتكم بسل علينا محرم وجارتنا حل لكم وحليلها والإبسال : التحريم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

المقصود من العباد، أن يخلصوا لله الدين، بأن يعبدوه وحده لا شريك له، ويبذلوا مقدورهم في مرضاته ومحابه.

وذلك متضمن لإقبال القلب على الله وتوجهه إليه، وكون سعي العبد نافعا، وجدًّا، لا هزلا، وإخلاصا لوجه الله، لا رياء وسمعة، هذا هو الدين الحقيقي، الذي يقال له دين، فأما من زعم أنه على الحق، وأنه صاحب دين وتقوى، وقد اتخذ دينَه لعبا ولهوا.

بأن لَهَا قلبُه عن محبة الله ومعرفته، وأقبل على كل ما يضره، ولَهَا في باطله، ولعب فيه ببدنه، لأن العمل والسعي إذا كان لغير الله، فهو لعب، فهذا أَمَر الله تعالى أن يترك ويحذر، ولا يغتر به، وتنظر حاله، ويحذر من أفعاله، ولا يغتر بتعويقه عما يقرب إلى الله.

{ وَذَكِّرْ بِهِ } أي: ذكر بالقرآن، ما ينفع العباد، أمرا، وتفصيلا، وتحسينا له، بذكر ما فيه من أوصاف الحسن، وما يضر العباد نهيا عنه، وتفصيلا لأنواعه، وبيان ما فيه، من الأوصاف القبيحة الشنيعة، الداعية لتركه، وكل هذا لئلا تبسل نفس بما كسبت، أي: قبل اقتحام العبد للذنوب وتجرئه على علام الغيوب، واستمرارها على ذلك المرهوب، فذكرها، وعظها، لترتدع وتنزجر، وتكف عن فعلها.

وقوله { لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } أي: قبل [أن] تحيط بها ذنوبها، ثم لا ينفعها أحد من الخلق، لا قريب ولا صديق، ولا يتولاها من دون الله أحد، ولا يشفع لها شافع { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } أي: تفتدي بكل فداء، ولو بملء الأرض ذهبا { لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا } أي: لا يقبل ولا يفيد.

{ أُولَئِكَ } الموصوفون بما ذكر { الَّذِينَ أُبْسِلُوا } أي: أهلكوا وأيسوا من الخير، وذلك { بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ } أي: ماء حار قد انتهى حره، يشوي وجوههم، ويقطع أمعاءهم { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا ) يعني : الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عند ذكرها ، وقيل : إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم - أي : عيدهم - لعبا ولهوا ، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير وفعل الخير مثل الجمعة والفطر والنحر ، ( وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به ) أي : وعظ بالقرآن ، ( أن تبسل ) أي : لأن لا تبسل ، أي : لا تسلم ، ( نفس ) للهلاك ، ( بما كسبت ) قاله مجاهد وعكرمة والسدي ، وقال ابن عباس : تهلك ، وقال قتادة : أن تحبس ، وقال الضحاك : تحرق ، وقال ابن زيد : تؤخذ ، ومعناه : ذكرهم ليؤمنوا ، كيلا تهلك نفس بما كسبت ، قال الأخفش : تبسل تجازى ، وقيل : تفضح ، وقال الفراء : ترتهن ، وأصل الإبسال التحريم ، والبسل الحرام ، ثم جعل نعتا لكل شدة تتقى وتترك ، ( ليس لها ) أي لتلك النفس ، ( من دون الله ولي ) قريب ، ( ولا شفيع ) يشفع في الآخرة ، ( وإن تعدل كل عدل ) أي : تفد كل فداء ، ( لا يؤخذ منها ( أولئك الذين أبسلوا ) أسلموا للهلاك ، ( بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وذر» أترك «الذين اتخذوا دينهم» الذي كلفوه «لعبا ولهوا» باستهزائهم به «وغرتهم الحياة الدنيا» فلا تتعرض لهم وهذا قبل الأمر بالقتال «وذكِّر» عظ «به» بالقرآن الناس لـ «أن» لا «تُبسل نفس» تسلم إلى الهلاك «بما كسبت» عملت «ليس لها من دون الله» أي غيره «ولي» ناصر «ولا شفيع» يمنع عنها العذاب «وإن تعدل كل عدل» تفد كل فداء «لا يؤخذ منها» ما تفدي به «أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم» ماء بالغ نهاية الحرارة «وعذاب أليم» مؤلم «بما كانوا يكفرون» بكفرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واترك -أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين جعلوا دين الإسلام لعبًا ولهوًا؛ مستهزئين بآيات الله تعالى، وغرَّتهم الحياة الدنيا بزينتها، وذكّر بالقرآن هؤلاء المشركين وغيرهم؛ كي لا ترتهن نفس بذنوبها وكفرها بربها، ليس لها غير الله ناصر ينصرها، فينقذها من عذابه، ولا شافع يشفع لها عنده، وإن تَفْتَدِ بأي فداء لا يُقْبَل منها.

أولئك الذين ارتُهِنوا بذنوبهم، لهم في النار شراب شديد الحرارة وعذاب موجع؛ بسبب كفرهم بالله تعالى ورسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم وبدين الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينطلق فى تبليغ دعوته دون أن يشغل نفسه بسفاهة السفهاء ، وأن يذكر المعاندين بسوء مصيرهم فقال - تعالى - { وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا .

.

.

.

} .المعنى : واترك يا محمد هؤلاء الغافلين الذين اتخذوا دينهم الذى كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعبا ولهوا حيث سخروا من تعاليمه واستهزأوا بها ، وغرتهم الحياة الدنيا حيث اطمأنوا إليها ، واشتغلوا بذاتها وزعموا أنه لا حياة بعدها .ولم يقل - سبحانه - اتخذوا اللعب واللهو ديناً لأنهم لم يجعلوا كل ما هو من اللعب واللهو دينا لهم ، وإنما هم عمدوا إلى أن ينتحلوا ديناً فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسموها ديناً .قال الإمام الرازى ما ملخصه : ومعنى ( ذرهم ) : أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم فى نظرك وزناً ، وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه قال له بعده { وَذَكِّرْ بِهِ } وإنما المراد ترك معاشرتهم وملاطفهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم .

.

.

ومعنى اتخاذ دينهم لعبا ولهوا ، أنهم اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم ، أو أن الكفار كانوا يحكمون فى دين الله بمجرد التشهى والتمنى مثل تحريم السوائب والبحائر ، ولم يكونوا يحتاطون فى أمر الدين ، بل كانوا يكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله عنهم لذلك بأنهم اتخذوا دينهم لعبا ولهوا .

وأنهم اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا قال ابن عباس : جعل الله لكم قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله ، ثم إن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعبا ولهوا أما المسلمين فإنم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .

.

.

" .والضمير فى قوله { وَذَكِّرْ بِهِ } يعود إلى القرآن : وقد جاء مصرحا به فى قوله - تعالى - { فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ } وقوله { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } أى : وذكر بهذا القرآن أو بهذا الدين الناس مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك ، أو تحبس أو ترتهن أو تفتضحن أو تحرم الثواب بسبب كفرها واغترارها بالحياة الدنيا ، واتخاذها الدين لعبا ولهوا .ولفظ تبسل مأخوذ من البسل بمعنى المنع بالقهر أو التحريم أو الحبس ومنه أسد باسل لمنعه فريسته من الإفلات .

وشراب بسيل أى متروك وهذا الشىء بسيل عليك أى محرم عليك .ثم ين - سبحانه - أن هذه النفس المعرضة للحرمان ليس لها ما يدفع عنها السوء فقال : { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ } أى : ليس لهذه النفس من غير الله ناصر ينصرها ولا شفيع يدفع عنها ، ومهما قدمت من فداء فلن يقبل منها ، فالمراد بالعدل هنا الفداء فهو كقوله - تعالى - { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَباً وَلَوِ افتدى بِهِ } قال الإمام الرازى : والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة فلا ولى يتولى دفع ذلك المحذور عنها ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل منها ليحصل الخلاص بسبب قبولها ، حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع .فإذا كانت وجوه الخلاص هى الثلاثة فى الدنيا وثبت أنها لا تفيد فى الآخرة البتة وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذى هو الارتهان والاستسلام فليس لها البتة دافع من عذاب الله ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصى الله " .ثم ين - سبحانه - عاقبة أولئك الغافلين فقال : { أولئك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } .أى : أولئك الذين أسلموا للهلاك بسبب ما اكتسبوه فى الدنيا من أعمال قبيحة لهم شراب من حميم أى من ماء قد بلغ النهاية فى الحرارة يتجرجر فى بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم ، ولهم فوق ذلك عذاب مؤلم بنار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهمن وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم.

قال ومعنى الآية: ﴿ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ ﴾ الشرك والكبائر والفواحش ﴿ مِنْ حِسَابِهِم ﴾ من آثامهم ﴿ مّن شَيء ولكن ذكرى ﴾ قال الزجاج: قوله: ﴿ ذِكْرَى ﴾ يجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب.

أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون.

والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول.

قوله تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أولئك الذين أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمُ شَرَابٌ مِنْ حَميمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانواْ يَكفُرُونَ ﴾ اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله: ﴿ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا ﴾ ومعنى ﴿ ذَرْهُمْ ﴾ أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده: ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم.

واعلم أنه تعالى أمر الرسول بأن يترك من كان موصوفاً بصفتين: الصفة الأولى: أن يكون من صفتهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وفي تفسيره وجوه: الأول: المراد أنهم اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤوا به.

الثاني: اتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم.

الثالث: أن الكفار كانوا يحكمون في دين الله بمجرد التشهي والتمني، مثل تحريم السوائب والبحائر وما كانوا يحتاطون في أمر الدين البتة، ويكتفون فيه بمجرد التقليد فعبر الله تعالى عنهم أنهم اتخذوا دينهم لعباً ولهواً.

والرابع: قال ابن عباس جعل الله لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله تعالى.

ثم إن الناس أكثرهم من المشركين، وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لهواً ولعباً غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله تعالى.

والخامس: وهو الأقرب، أن المحقق في الدين هو الذي ينصر الدين لأجل أنه قام الدليل على أنه حق وصدق وصواب.

فأما الذين ينصرونه ليتوسلوا به إلى أخذ المناصب والرياسة وغلبة الخصم وجمع الأموال فهم نصروا الدين للدنيا، وقد حكم الله على الدنيا في سائر الآيات بأنها لعب ولهو.

فالمراد من قوله: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ هو الإشارة إلى من يتوسل بدينه إلى دنياه.

وإذا تأملت في حال أكثر الخلق وجدتهم موصوفين بهذه الصفة وداخلين تحت هذه الحالة.

والله أعلم.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا ﴾ وهذا يؤكد الوجه الخامس الذي ذكرناه كأنه تعالى يقول إنما اتخذوا دينهم لعباً ولهواً لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا.

فلأجل استيلاء حب الدنيا على قلوبهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا.

إذا عرفت هذا، فقوله: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ معناه أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تقم لهم في نظرك وزناً ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ بِهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

قيل: وذكر بالقرآن وقيل أنه تعالى قال: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته.

فقوله: ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور.

والدين أقرب المذكور، فوجب عود الضمير إليه.

أما قوله: ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ فقال صاحب الكشاف: أصل الإبسال المنع ومنه، هذا عليك بسل أي حرام محظور، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه، أو لأنه شديد البسور، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه، وإذا زاد قالوا بسل، والعابس منقبض الوجه.

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا.

وقال الحسن ومجاهد: تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل.

وقال قتادة: تحبس في جهنم، وعن ابن عباس ﴿ تُبْسَلَ ﴾ تفضح و ﴿ أُبْسِلُواْ ﴾ فضحوا، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون.

ثم قال تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهَا ﴾ أي ليس للنفس ﴿ مِن دُونِ الله وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ أي وإن تفذ كل فداء، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها.

قال صاحب الكشاف: فاعل يؤخذ ليس هو قوله: ﴿ عَدْلٍ ﴾ لأن العدل هاهنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ فبمعنى المفدى به، فصح إسناده إليه.

فنقول: الأخذ بمعنى القبول وارد.

قال تعالى: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ أي يقبلها.

وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ هاهنا على القبول، ويزول السؤال.

والله أعلم.

والمقصود من هذه الآية: بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور، ولا شفيع يشفع فيها، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع.

فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام، فليس لها ألبتة دافع من عذاب الله تعالى، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى.

ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين، فقال: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ وذلك هو النهاية في صفة الإيلام.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعباً ولهواً.

وذلك أن عبدة الأصنام وما كانوا عليه من تحريم البحائر والسوائب وغير ذلك، من باب اللعب واللهو واتباع هوى النفس والعمل بالشهوة، ومن جنس الهزل دون الجد.

أواتخذوا ما هو لعب ولهو من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم.

أواتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً، حيث سخروا به واستهزؤا.

وقيل: جعل الله لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله والناس كلهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، وغير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله.

ومعنى ﴿ ذرهم ﴾ أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم، ﴿ وَذَكّرْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ ﴾ مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها.

وأصل الإبسال المنع، لأن المسلم إليه يمنع المسلم، قال: وَإبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْم ** بَعَوْنَاهُ وَلاَ بِدَمٍ مُرَاقِ ومنه: هذا عليك بسل، أي حرام محظور.

والباسل: الشجاع لامتناعه من قرنه، أو لأنه شديد البسور.

يقال: بسر الرجل إذا اشتد عبوسه.

فإذا زاد قالوا: بسل.

والعابس: منقبض الوجه ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية.

لأن الفادي يعدل المفدي بمثله.

وكلّ عدل: نصب على المصدر.

وفاعل ﴿ يُؤْخَذْ ﴾ قوله: ﴿ مِنْهَآ ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل هاهنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ [البقرة: 48] فبمعنى المفديّ به، فصحّ إسناده إليه ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً.

قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ أيْ بَنَوْا أمْرَ دِينِهِمْ عَلى التَّشَهِّي وتَدَيَّنُوا بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِنَفْعٍ عاجِلًا وآجِلًا، كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، أوِ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي كُلِّفُوهُ لَعِبًا ولَهْوًا حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ، أوْ جَعَلُوا عِيدَهُمُ الَّذِي جَعَلَ مِيقاتَ عِبادَتِهِمْ زَمانَ لَهْوٍ ولَعِبٍ.

والمَعْنى أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ ومَن جَعَلَهُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ حَمَلَهُ عَلى الأمْرِ بِالكَفِّ عَنْها وتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ.

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ.

﴿ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ مَخافَةَ أنْ تُسَلَّمَ إلى الهَلاكِ وتَرْهَنَ بِسُوءِ عَمَلِها.

وأصْلُ الإبْسالِ والبَسْلِ المَنعُ ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تَفْلِتُ مِنهُ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ وهَذا بَسِلٌ عَلَيْكَ أيْ حَرامٌ.

﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ يَدْفَعُ عَنْها العَذابَ.

﴿ وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ والعَدْلُ الفِدْيَةُ لِأنَّها تُعادِلُ المَفْدِيَّ وها هُنا الفِداءُ وكُلُّ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ.

﴿ لا يُؤْخَذْ مِنها ﴾ الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى مِنها لا إلى ضَمِيرِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ فَإنَّهُ المُفْدى بِهِ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ﴾ أيْ سُلِّمُوا إلى العَذابِ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ.

﴿ لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ وتَفْصِيلٌ لِذَلِكَ، والمَعْنى هم بَيْنَ ماءٍ مَغْلِيٍّ يَتَجَرْجَرُ في بُطُونِهِمْ ونارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)

{وذر الذين اتخذوا دينهم} الذى كلفواه ودعوا إليه وهو دين الإسلام {لَعِباً وَلَهْواً} سخروا به واستهزءوا ومعنى ذَرْهُمْ أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم واللهو ما يشغل الإنسان من هوى أو طرب {وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ} وعظ بالقرآن {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها وأصل الإبسال المنع {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ} ينصرها بالقوة {وَلاَ شَفِيعٌ} يدفع عنها بالمسألة ولا وقف على كَسَبَتْ في الصحيح لأن قوله لَيْسَ لَهَا صفة لنفس والمعنى وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة ولياً وشفيعا يكسبها {وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} نصب على المصدر وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأن الفادي يعدل المفدي بمثله وفاعل {لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا} لا ضمير العدل لأن العدل هنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ وأما في قوله ولا يؤخذ منها عدل فبمعنى الفدى به فصح إسناده إليه {أولئك} إشارة إلى المتخذين من دينهم لعباً ولهواً وهو مبتدأ والخبر

{الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ} وقوله {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي ماء سخين حار خبر ثان لأولئك والتقدير أولئك المبسلون ثابت لهم شراب من حميم أو مستأنف {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يكفرون} بكفرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ ﴾ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ وكُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ وهو الإسْلامُ، ﴿ لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَأُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اتَّخَذُوا الدِّينَ الواجِبَ شَيْئًا مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوِ اتَّخَذُوا ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّينِ لِأهْلِ الأدْيانِ شَيْئًا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ.

وحاصِلُهُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّعِبَ واللَّهْوَ دِينًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالدِّينِ العِيدُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ كُلَّ حِينٍ مَعْهُودٍ بِالوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى كَعِيدِ المُسْلِمِينَ أوْ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَأعْيادِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ العادَةُ، والعِيدُ مُعْتادٌ كُلَّ عامٍ.

ونُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى سائِرِ الأقْوالِ: لا تُبالِ بِهَؤُلاءِ وامْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى عَلى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ و ﴿ ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ﴾ ، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالكَفِّ عَنْهم وتَرَكُ التَّعَرُّضِ لَهم.

والآيَةُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ.

ونَصَبَ ﴿ لَعِبًا ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذُوا) وهو اخْتِيارُ السَّفاقُسِيِّ، ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ و(دِينَهُمْ) ثانٍ، وفِيهِ إخْبارٌ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ (واتَّخَذَ) مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ سَرْدِ وُجُوهِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ: والخامِسُ وهو الأقْرَبُ أنَّ المُحِقَّ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا؛ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ.

فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ إلَخْ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ.

وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، اهـ ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ فَلا تَغْتَرَّ بِهِ وإنْ جَلَّ قائِلُهُ ﴿ وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ خَدَعَتْهم وأطْمَعَتْهم بِالباطِلِ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ وزَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها واسْتَهْزَأُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.

وجَعَلَ بَعْضُهم غَرَّ مِنَ الغَرِّ وهو مَلْءُ الفَمِ أيْ أشْبَعَتْهم لَذّاتُها حَتّى نَسُوا الآخِرَةَ.

وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ولَمّا التَقَيْنا بِالعَشِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ﴿ وذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ.

وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِحِسابِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنهُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ.

وعَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ هو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ لِئَلّا تُبْسَلَ أوْ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَبْسُلَ.

ومِنهم مَن جَعَلَهُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (ذَكِّرْ) ومَعْنى ﴿ تُبْسَلَ ﴾ تُحْبَسَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ: وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ وقَلْبِي مُبْسَلٌ عَلِقا وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ تُسَلَّمُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والفَرّاءُ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ تُفْضَحُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ هُنا بِمَعْنى تُحْرَمُ الثَّوابَ.وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الإبْسالَ والبَسْلَ في الأصْلِ المَنعُ، ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مُتَمَنِّعٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ، وجاءَ البَسْلُ بِمَعْنى الحَرامِ.

وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَرامَ عامٌّ لِما مُنِعَ مِنهُ بِحُكْمٍ أوْ قَهْرٍ؛ والبَسْلُ المَمْنُوعُ بِالقَهْرِ ويَكُونُ بَسَلْ بِمَعْنى أجَلْ ونَعَمْ، واسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْفُفْ، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ لِلْعُمُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ أيْ لِئَلّا تُحْبَسَ وتُرْهَنَ كُلُّ نَفْسٍ في الهَلاكِ أوْ في النّارِ أوْ تُسْلِمَ إلى ذَلِكَ أوْ تُفْضَحَ أوْ تُحْرَمَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِها السُّوءَ أوْ (ذَكِّرْ) بِحَبْسٍ أوْ حَبْسِ كُلِّ نَفْسٍ بِذَلِكَ، وحَمَلَ النَّكِرَةَ عَلى العُمُومِ مَعَ أنَّها في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وقِيلَ: أنَّها هُنا في النَّفْيِ مَعْنًى، وفِيما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَها ﴾ أيِ النَّفْسُ ﴿ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةِ (نَفْسٌ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (كَسَبَتْ) أوْ مِن (نَفْسٌ) فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٍ كافِرَةٍ أوْ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الحالِيَّةَ.

و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيٌّ)، وقِيلَ: خَبَرًا لِـ (لَيْسَ) و (لَها) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ و(مِن) جَعَلَها زائِدَةً لَمْ يُعَلِّقْها بِشَيْءٍ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَدْفَعَ عِقابَهُ سُبْحانَهُ عَنْها ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، ﴿ وإنْ تَعْدِلْ ﴾ أيْ إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ ﴿ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ أيْ كُلَّ فِداءٍ و(كُلَّ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ بِحَسْبِ ما يُضافُ إلَيْهِ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الكامِلِ كَقَوْلِكَ: هو رَجُلٌ كُلَّ رَجُلٍ أيْ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ عَدْلًا كُلَّ عَدْلٍ، ورُدَّ بِأنَّ كُلًّا بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُ التَّبَعِيَّةَ والإضافَةَ إلى مِثْلِ المَتْبُوعِ نَعْتًا لا تَوْكِيدًا كَما في التَّسْهِيلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤْخَذْ مِنها ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَسَيْرٍ مِنَ البَلَدِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ لِأنَّ العَدْلَ كَما عَلِمْتَ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِمَأْخُوذٍ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ فَإنَّهُ فِيهِ بِمَعْنى المُفْدى بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الإسْنادِ إلى ضَمِيرِهِ مُرادًا بِهِ الفِدْيَةُ عَلى الِاسْتِخْدامِ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي أيْضًا عَنِ القَوْلِ بِكَوْنِهِ راجِعًا إلى المَعْدُولِ بِهِ المَأْخُوذِ مِنَ السِّياقِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وإنْ تُقْسِطْ تِلْكَ النَّفْسُ كُلَّ قِسْطٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يُقْبَلْ مِنها لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وإنَّما تُقْبَلُ في الدُّنْيا ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿ الَّذِينَ أُبْسِلُوا ﴾ أيْ حُرِمُوا الثَّوابَ وسُلِّمُوا لِلْعَذابِ أوْ بِأحَدِ المَعانِي الباقِيَةِ لِلْإبْسالِ ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ.

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ في سُوءِ الحالِ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ إثْرَ تَحْذِيرِ أُولَئِكَ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا؟

فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ أيْ ماءٍ حارٍّ يَتَجَرْجَرُ ويَتَرَدَّدُ في بُطُونِهِمْ ويَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم ﴿ وعَذابٌ ألِيمٌ ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ العَذابِ ﴿ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ 70 - أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، ويُطْلَقُ الحَمِيمُ عَلى الماءِ البارِدِ فَهو ضِدٌّ كَما في القامُوسِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ لَهم شَرابٌ ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿ أُبْسِلُوا ﴾ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا لِاسْمِ الإشارَةِ ويَكُونُ الَّذِينَ نَعْتًا لَهُ أوْ بَدَلًا مِنهُ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا.

واخْتارَ كَما يُشِيرُ كَلامُهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٍ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ.

واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما أشَرْنا إلَيْهِ وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما كَسَبُوا ﴾ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في أسْبابِ العَذابِ والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ أوْ أُرِيدَ -كَما قِيلَ-: بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ يعني: بالقرآن وَهُوَ الْحَقُّ يعني: القرآن قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يعني: بحفيظ ومسلط.

وهذا قبل الأمر بالقتال.

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ المستقر: هو غاية ينتهي إليها.

يقال: لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال: معناه: سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ في ذلك الوقت.

قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعني: يستهزئون بالقرآن فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعني: قم من عندهم، واترك مجالستهم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي: حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ يقول: إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى، فتجلس معهم فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يقول: قم إذا ذكرت، ودع القوم الظالمين.

يعني: المشركين.

قرأ ابن عامر: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ بنصب النون، وتشديد السين.

وقرأ الباقون: بالتخفيف والجزم.

وهما لغتان: نسيته وأنسيته.

ثم قال: وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعني: الشرك والاستهزاء مِنْ حِسابِهِمْ يعني: من آثامهم مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى يعني: ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لكي يتقوا الاستهزاء.

قال الكلبي: وذلك أن أصحاب رسول الله  قالوا: يا رسول الله: لئن قلنا كلما استهزءوا بالقرآن، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام.

فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ الآية.

قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً قال الضحاك: يعني: كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم، وقرطوها بالمقراط، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها.

فنزل وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وقال الكلبي: إِنَّ الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه، ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني: عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله، وحصناً للصدقة، وهي الجمعة والفطر والأضحى.

قال مقاتل: اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني: باطلاً ولهواً عنه.

ثم قال: وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ يعني: عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ يعني: لكي لا تهلك نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: بما عملت ويقال: تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك.

وقال الأخفش: أن ترهن نفس بما عملت.

ويقال: تحبس.

وقال القتبي: أي تسلم للهلكة.

ويقال: تخذل ولا تنصر.

ثم قال: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ يعني: إذا وقع في العذاب، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب وَلا شَفِيعٌ يشفع لها وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْها يقول: لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني: لا يقبل منها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا يعني: أهلكوا.

ويقال: أسلموا بذنوبهم إلى النار لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ يعني: ماء حار قد انتهى حره وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ في الدنيا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «١» ، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢» اللَّهِ» ، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه» ، خَرَّجه أبو داود «٣» .

انتهى من «الكوكب الدري» ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)

وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «٤» ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «٥» [المدثر: ١١] ، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله

وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «١» .

انتهى من «الكوكب الدريِّ» .

وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «٢» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «٣» ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «٤» ، وقال ابن زيد «٥» : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «٦» : [الطويل]

هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ...

سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ «١»

وباقي الآية بيِّن.

وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «٢» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «٣» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.

قال ع «٤» : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ.

قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.

وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:

الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.

وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.

وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «١» ، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي» ، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] ، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...

[النور: ٢٢] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «٢» .

قال ع «٣» : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.

قال ع «٤» : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.

وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم» : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.

وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الكُفّارُ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى.

وَفِي اتِّخاذِهِمْ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اسْتِهْزاؤُهم بِآَياتِ اللَّهِ إذا سَمِعُوها.

والثّانِي: أنَّهم دانُوا بِما اشْتَهَوْا كَما يَلْهُونَ بِما يَشْتَهُونَ.

والثّالِثُ: أنَّهم يُحافِظُونَ عَلى دِينِهِمْ إذا اشْتَهَوْا، كَما يَلْهُونَ إذا اشْتَهَوْا.

قالَ الفَرّاءُ: ويُقالُ: إنَّهُ لَيْسَ مَن قَوْمٍ إلّا ولَهم عِيدٌ، فَهم يَلْهُونَ في أعْيادِهِمْ، إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  فَإنَّ أعْيادَهم صَلاةٌ وتَكْبِيرٌ وبِرٌّ وخَيْرٌ.

* فَصْلٌ وَلِعُلَماءِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا القَدْرِ مِنَ الآَيَةِ، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّهْدِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا  ﴾ فَعَلى هَذا، هو مُحْكَمٌ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ اقْتَضى المُسامَحَةَ لَهم والإعْراضَ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ؛ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ: عِظْ بِالقُرْآَنِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تُبْسَلَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِئَلّا تَبْسَلَ نَفْسٌ كَقَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَضِلُّوا  ﴾ .

والثّانِي: ذَكَّرَهم إبْسالَ المُبْسِلِينَ بِجِناياتِهِمْ لَعَلَّهم يَخافُونَ.

وَفِي مَعْنى "تُبْسَلَ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَسْلَمُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَسْلَمُ إلى الهَلَكَةِ.

قالَ الشّاعِرُ: وإبْسالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقٍ أيْ: بِغَيْرِ جُرْمٍ أجْرَمْناهُ؛ والبَعْوُ: الجِنايَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: تَسْلَمُ بِعَمَلِها غَيْرَ قادِرَةٍ عَلى التَّخَلُّصِ.

والمُسْتَبْسِلُ: المُسْتَسْلِمُ الَّذِي لا يَعْلَمُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ.

والثّانِي: تُفْضَحُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: تُدْفَعُ رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: تُهْلَكُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والخامِسُ: تُحْبَسُ وتُؤْخَذُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: تُجْزى، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والكِسائِيُّ.

والسّابِعُ: تُرْتَهَنُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَرْتَهَنُ وتَسْلَمُ؛ وأنْشَدَ: هُنالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ∗∗∗ سَمِيرَ اللَّيالِي مُبْسَلًا بِالجَرائِرِ سَمِيرُ اللَّيالِي: أبَدَ اللَّيالِي: فَأمّا الوَلِيُّ: فَهو النّاصِرُ الَّذِي يَمْنَعُها مِن عَذابِ اللَّهِ.

والعَدْلُ: الفِداءُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وإنْ تَفْتَدِ كُلَّ فِداءٍ لا يُقْبَلُ مِنها.

فَأمّا الحَمِيمُ، فَهو الماءُ الحارُّ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِنهُ سُمِّيَ الحَمّامُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا أمْرٌ بِالمُتارَكَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ قِلَّةِ أتْباعِ الإسْلامِ حِينَئِذٍ؛ قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ؛ وما جَرى مُجْراهُ بِالقِتالِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْآيَةُ إنَّما هي لِلتَّهْدِيدِ؛ والوَعِيدِ؛ فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا  ﴾ ؛ ولَيْسَ فِيها نَسْخٌ لِأنَّها مُتَضَمِّنَةٌ خَبَرًا؛ وهو التَهْدِيدُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ ؛ يُرِيدُ: "إذْ يَعْتَقِدُونَ أنْ لا بَعْثَ؛ فَهم يَتَصَرَّفُونَ بِشَهَواتِهِمْ تَصَرُّفَ اللاعِبِ اللاهِي".

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا ﴾ ؛ أيْ: خَدَعَتْهُمْ؛ مِن "اَلْغُرُورُ"؛ وهو الإطْماعُ بِما لا يُتَحَصَّلُ؛ فاغْتَرُّوا بِنِعَمِ اللهِ تَعالى ورِزْقِهِ؛ وإمْهالِهِ؛ وطَمَعُهم ذَلِكَ فِيما لا يُتَحَصَّلُ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ في "غَرَّتْهُمُ"؛ هُنا؛ وجْهٌ آخَرُ؛ مِن "اَلْغَرُورُ"؛ بِفَتْحِ الغَيْنِ؛ أيْ: "مَلَأْتُ أفْواهَهُمْ؛ وأشْبَعْتُهُمْ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمّا التَقَيْنا بِالحُلَيْبَةِ غَرَّنِي ∗∗∗ بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ومِنهُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ ولا يُتَّجَهُ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ "غَرَّ"؛ في كُلِّ مَوْضِعٍ.

وأضافَ الدِينَ إلَيْهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا اللَعِبَ واللهْوَ دِينًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "اِتَّخَذُوا دِينَهُمُ؛ الَّذِي كانَ يَنْبَغِي لَهُمْ؛ لَعِبًا ولَهْوًا"؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى الدِينِ؛ وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ.

وَ"أنْ تُبْسَلَ"؛ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ؛ أيْ: "لِئَلّا تُبْسَلَ؛ أو كَراهِيَةَ أنْ تُبْسَلَ؛ ومَعْناهُ: "تُسْلَمَ"؛ قالَ الحَسَنُ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وقالَ قَتادَةُ: "تُحْبَسَ؛ وتُرْتَهَنَ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "تُفْضَحَ"؛ وقالَ الكَلْبِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "تُجْزى"؛ وهَذِهِ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ بِالمَعْنى؛ ومِنهُ قَوْلُ الشَنْفَرى: هُنالِكَ لا أرْجُو حَياةً تَسُرُّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ سَمِيرَ اللَيالِي مُبْسَلًا بِالجَرائِرِ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِن "اَلْبَسْلُ"؛ أيْ مِن "اَلْحَرامُ"؛ كَما قالَ الشاعِرُ: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ في النَدى ∗∗∗ ∗∗∗ بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا بَعِيدٌ.

و"نَفْسٌ"؛ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "وَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ؛ والدِينِ؛ وادْعُ إلَيْهِ؛ لِئَلّا تُبْسَلَ نَفْسُ التارِكِ لِلْإيمانِ بِما كَسَبَتْ مِنَ الكُفْرِ؛ وآثَرَتْهُ مِن رَفْضِ الإسْلامِ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"مِن"؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً؛ و"دُونِ"؛ ظَرْفُ مَكانٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُقالُ بِاشْتِراكٍ؛ وهي - في هَذِهِ الآيَةِ - الدالَّةُ عَلى زَوالِ مَن أُضِيفَتْ إلَيْهِ مِن نازِلَةِ القَوْلِ؛ كَما في المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ".

والوَلِيُّ؛ والشَفِيعُ هُما طَرِيقا الحِمايَةِ والغَوْثِ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ ﴿ وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ ؛ أيْ: "وَإنْ تُعْطِ كُلَّ فِدْيَةٍ؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ فَتَجْعَلْها عَدْلًا لَها؛ لا يُقْبَلْ مِنها"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قائِلٍ: إنَّ المَعْنى: "وَإنْ تَعْدِلْ": مِن "اَلْعَدْلُ"؛ اَلْمُضادِّ لِلْجَوْرِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ؛ وضَعَّفَهُ بِالإجْماعِ عَلى أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ مَقْبُولَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَلْزَمُ هَذا الرَدُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا تُقْبَلُ فِيهِ تَوْبَةٌ؛ ولا عَمَلٌ؛ والقَوْلُ نَصٌّ لِأبِي عُبَيْدَةَ ؛ و"اَلْعِدْلُ"؛ في اللُغَةِ مُماثِلُ الشَيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وقِيلَ: "اَلْعِدْلُ"؛ بِالكَسْرِ: اَلْمِثْلُ؛ و"اَلْعَدْلُ"؛ بِالفَتْحِ: اَلْقِيمَةُ؛ و"أُولَئِكَ"؛ إشارَةٌ إلى الجِنْسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "تُبْسَلَ نَفْسٌ"؛ و"أُبْسِلُوا"؛ مَعْناهُ: أُسْلِمُوا بِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الكُفْرِ؛ والحَمِيمُ: اَلْماءُ الحارُّ؛ ومِنهُ "اَلْحَمّامُ"؛ و"اَلْحَمَّةُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ إلّا الحَمِيمَ فَإنَّهُ يَتَبَصَّعُ و"ألِيمٌ": "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مُفْعِلٌ"؛ أيْ: "مُؤْلِمٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ فأعرض عنهم ﴾ [الأنعام: 68] أو على جملة: ﴿ وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء ﴾ [الأنعام: 69].

وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه.

وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار.

و ﴿ ذرْ ﴾ فعل أمر.

قيل: لم يرد له ماض ولا مصدر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول.

فتصاريفه هذه مماتة في الاستعمال استغناء عنها بأمثالها من مادّة ترك تجنّباً للثقل واستعملوا مضارعه والأمر منه.

وجعله علماء التصريف مثالاً واوياً لأنَّهم وجدوه محذوف أحد الأصول، ووجدوه جارياً على نحو يَعِد ويَرث فجزموا بأنّ المحذوف منه الفاء وأنَّها واو.

وإنَّما حذفت في نحو ذَرْ ودَعْ مع أنَّها مفتوحة العين اتِّباعاً للاستعمال، وهو حذف تخفيف لا حذف دفع ثقل، بخلاف حذف يَعِد ويَرث.

ومعنى: (ذَر) اترك، أي لا تخالط.

وهو هنا مجاز في عدم الاهتمام بهم وقلَّة الاكتراث باستهزائهم كقوله تعالى: ﴿ ذَرْني ومن خلقتُ وحيداً ﴾ [المدثر: 11]، وقوله: ﴿ فذرني ومن يكذّب بهذا الحديث ﴾ ، وقول طرفة: فذَرْنِي وخُلْقي إنَّنِي لَك شاكر *** ولو حلّ بيتِي نَائِياً عند ضَرْغد أي لا تبال بهم ولا تهتمّ بضلالهم المستمرّ ولا تشغل قلبك بهم فالتذكير بالقرآن شامل لهم، أو لا تعبأ بهم وذكّرهم به، أي لا يصدّك سوء استجابتهم عن إعادة تذكيرهم.

والدّين في قوله: اتَّخذوا دينهم} يجوز أن يكون بمعنى الملَّة، أي مايتديَّنون به وينتحلونه ويتقرّبون به إلى الله، كقول النابغة: مجلّتهم ذات الإله ودينُهم *** قَويم فما يرجُون غيرَ العَوَاقِب أي اتَّخذُوه لعباً ولهواً، أي جعلوا الدين مجموع أمور هي من اللعب واللهو، أي العبث واللهو عند الأصنام في مواسمها، والمكاء والتصدية عند الكعبة على أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿ وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية ﴾ [الأنفال: 35].

وإنَّما لم يقل اتَّخذوا اللهو واللعب ديناً لمكان قوله: ﴿ اتَّخذوا ﴾ فإنَّهم لم يجعلوا كلّ ما هو من اللهو واللعب ديناً لهم بل عمدوا إلى أن ينتحلوا ديناً فجمعوا له أشياء من اللعب واللهو وسمّوها ديناً.

ويجوز أن يكون المراد من الدّين العادة، كقول المُثقّب العبدي: تَقول وقد دَرَأتُ لها وَظِينِي *** أهَذَا دينُه أبَداً ودينِي أي الذين دأبهم اللعب واللهو المعرضون عن الحقّ، وذلك في معاملتهم الرسول صلى الله عليه وسلم واللعب واللهو تقدّم تفسيرهما في قوله تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو ﴾ في هذه السورة [32].

والذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً فريق عُرفوا بحال هذه الصلة واختصّت بهم، فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في الآيات؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلَّهم بناء على تفسير الدين بالملَّة والنِّحلة فهم أعمّ من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق.

وهذا يناسب تفسير ذَرْ} بمعنى عدم الاكتراث بهم وبدينهم لقصد عدم اليأس من إيمانهم أو لزيادة التسجيل عليهم، أي وذكِّرْهم بالقرآن، ويجوز أن يكون المراد بهم فريقاً من المشركين سفهاء اتَّخذوا دأبهم اللعب واللهو، بناء على تفسير الدين بمعنى العادة فبينهم وبين الذين يخوضون العموم والخصوص الوجهي.

﴿ وغَرّتْهم ﴾ أي خدعتهم الحياة الدنيا وظنّوا أنّها لا حياة بعدها وأنّ نعيمها دائم لهم بطراً منهم.

وتقدّم تفسير الغرور عند قوله تعالى: ﴿ لا يغرّنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد ﴾ في سورة [آل عمران: 196].

وذكر الحياة هنا له موقع عظيم وهو أنّ همّهم من هذه الدنيا هو الحياة فيها لا ما يتكسب فيها من الخيرات التي تكون بها سعادة الحياة في الآخرة، أي غرّتهم الحياة الدنيا فأوهمتهم أن لا حياة بعدها وقالوا: ﴿ إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ﴾ [الأنعام: 29].

والضمير المجرور في ﴿ وذكِّر به ﴾ عائد إلى القرآن لأنّ التذكير هو التذكير بالله وبالبعث وبالنعيم والعذاب.

وذلك إنَّما يكون بالقرآن فيعلم السامع أنّ ضمير الغيبة يرجع إلى ما في ذهن المخاطب من المقام، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد ﴾ [ق: 45].

وحذف مفعول ﴿ ذكّر ﴾ لدلالة قوله: ﴿ وذرِ الذين اتَّخذُوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ أي وذكِّرْهم به.

وقوله: ﴿ أنْ تُبْسَل نفس ﴾ يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لِ ﴿ ذكّرْ ﴾ وهو الأظهر، أي ذكِّرْهم به إبسال نفس بما كسبت، فإنّ التذكير يتعدّى إلى مفعولين من باب أعطى لأنّ أصل فعله المجرّد يتعدّى إلى مفعول فهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعولين هما «هم» و ﴿ أن تبسل نفس ﴾ .

وخُصّ هذا المصدر من بين الأحداث المذكّر بها لما فيه من التهويل.

ويجوز أن يكون ﴿ أن تُبْسل ﴾ على تقدير لام الجرّ تعليلاً للتذكير، فهو كالمفعول لأجله فيتعيّن تقدير لا النافية بعد لام التعليل المحذوفة.

والتقدير: لِئلاّ تبسل نفس، كقوله تعالى: ﴿ يبيّن الله لكم أن تضلّوا ﴾ ، وقد تقدّم في آخر سورة [النساء: 176].

وجوّز فيه غير ذلك ولم أكن منه على ثلج.

ووقع لفظ (نفس) وهو نكرة في سياق الإثبات وقصد به العموم بقرينة مقام الموعظة، كقوله تعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْس ما قدّمَتْ وأخَّرَتْ ﴾ [الأنفطار: 5] أي كلّ نفس علمت نفس ما أحْضَرَتْ، أي كلّ نفس.

والإبسال: الإسلام إلى العذاب، وقيل: السجنُ والارتهان، وقد ورد في كلامهم بالمعنيين وهما صالحان هنا.

وأصله من البَسْل وهو المنع والحرام.

قال ضمرة النهشلي: بَكَرَتْ تَلُومُكَ بعد وَهْن في النَّدى *** بَسْل عليككِ مَلاَمَتِي وعِتَابِي وأمَّا الإبسال بمعنى الإسلام فقد جاء فيه قول عوف بن الأحوص الكلابي: وإبْسَالِي بَنِيّ بغير جُرْم *** بَعَوْنَاهُ ولا بِدَم مُرَاق ومعنى: ﴿ بما كسبت ﴾ بما جنت.

فهو كسب الشرّ بقرينة ﴿ تبسل ﴾ .

وجملة: ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ الخ في موضع الحال من ﴿ نفس ﴾ لعموم ﴿ نفس ﴾ ، أو في موضع الصفة نظراً لكون لفظه مفرداً.

والوليّ: الناصر.

والشفيع: الطالب للعفو عن الجاني لمكانة له عند من بيده العقاب.

وقد تقدّم الولي عند قوله تعالى: ﴿ قُلْ أغير الله أتَّخِذُ ولِيّاً ﴾ في هذه السورة [14]، والشفاعة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ في سورة [البقرة: 48].

وجملة: وإنْ تعدل كلّ عدل لا يؤخذ منها } عطف على جملة ﴿ ليس لها من دون الله وليّ ولا شفيع ﴾ .

و ﴿ تَعْدلْ ﴾ مضارع عَدَل إذا فدى شيئاً بشيء وقدّره به.

فالفداء يسمَّى العدل كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ في سورة [البقرة: 48].

وجيء في الشرط بإنْ} المفيدة عدم تحقّق حصول الشرط لأنّ هذا الشرط مفروض كما يفرض المحال.

والعدْل في قوله: ﴿ كلّ عدْل ﴾ مصدر عدل المتقدّم.

وهو مصدره القياسي فيكون ﴿ كلّ ﴾ منصوباً على المفعولية المطلقة كما في «الكشَّاف»، أي وإن تُعط كلّ عطاء للفداء لا يقبل عطاؤها، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به ل ﴿ تعدل ﴾ لأنّ فعل (عَدل) يتعدّى للعوض بالباء وإنَّما يتعدّى بنفسه للمعوّض وليس هو المقصود هنا.

فلذلك منع في «الكشَّاف» أن يكون ﴿ كلّ عدل ﴾ مفعولاً به، وهو تدقيق.

و ﴿ كُلّ ﴾ هنا مجاز في الكثرة إذ ليس للعدل، أي للفداء حصر حتّى يحاط به كلّه.

وقد تقدّم استعمال (كلّ) بمعنى الكثرة وهو مجاز شائع عند قوله تعالى: ﴿ ولئِن أتَيتَ الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية ﴾ في سورة [البقرة: 145].

وقوله: لا يؤخذ منها } أي لا يؤخذ منها ما تعدل به.

فقوله: ﴿ منها ﴾ هو نائب الفاعل ل ﴿ يؤخذ ﴾ .

وليس في ﴿ يؤخذ ﴾ ضمير العدل لأنَّك قد علمت أنّ العدل هنا بمعنى المصدر، فلا يسند إليه الأخذ كما في «الكشاف»، فقد نزّل فعل الأخذ منزلة اللازم ولم يقدّر له مفعول كأنَّه قيل: لا يؤخذ منها أخْذ.

والمعنى لا يؤخذ منها شيء.

وقد جمعت الآية جميع ما تعارف الناس التخلّص به من القهر والغلب، وهو الناصر والشفيع والفدية.

فهي كقوله تعالى: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ﴾ في سورة [البقرة: 48] وجملة: ﴿ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ الكلام يثير سؤال سائل يقول: فما حال الذين اتّخذوا دينهم لعباً ولهواً من حال النفوس التي تُبْسَل بما كسبت، فأجيب بأنّ أولئك هم الذين أبسلوا بما كسبوا، فتكون الإشارة إلى الموصول بما له من الصلة، والتعريف للجزأين أفادَ القصر، أي أولئك هم المبسَلُون لا غيرهم.

وهو قصر مبالغة لأنّ إبسالهم هو أشدّ إبسال يقع فيه الناس فجُعل ما عداه كالمعدوم.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى النفس في قوله: ﴿ أن تُبسل نفس ﴾ باعتبار دلالة النكرة على العموم، أي أنّ أولئك المبسَلون العادمون وليّاً وشفيعاً وقبولَ فديتهم هم الذين إبسلوا بما كسبوا، أي ذلك هو الإبسال الحقّ لا ما تعرفونه في جَرَائركم وحروبكم من الإبسال، كإبسال أبناء عوف بن الأحوص المتقدّم آنفاً في شعره، فهذا كقوله تعالى: ﴿ ذلك يوم التغابن ﴾ [التغابن: 9].

وجملة ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ بيان لمعنى الإبسال أو بدَل اشتمال من معنى الإبسال، فلذلك فصلت.

والحميم: الماء الشديد الحرارة، ومنه الحَمة بفتح الحاء العينُ الجارية بالماء الحارّ الذي يستشفى به من أوجاع الأعضاء والدمل.

وفي الحديث: «مَثَل العالم مثل الحَمَّة يأتيها البعداء ويتركها القرباء».

وخصّ الشراب من الحميم من بين بقية أنواع العذاب المذكور من بعد للإشارة إلى أنَّهم يعطشون فلا يشربون إلاّ ماء يزيدهم حرارة على حرارة العطش.

والباء في ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ للسببية، و(ما) مصدرية.

وزيد فعل (كان) ليدلّ على تمكّن الكفر منهم واستمرارهم عليه لأنّ فعل مادّة الكَوْن تدلّ على الوجود، فالإخبار به عن شيء مخبَر عنه بِغيره أو موصوف بغيره لا يفيد فائدة الأوصاف سوى أنَّه أفاد الوجود في الزمن الماضي، وذلك مستعمل في التمكّن.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِآياتِ اللَّهِ إذا سَمِعُوها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ قَوْمٌ لَهم عِيدٌ يَلْهُونَ فِيهِ إلّا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  ، فَإنَّ أعْيادَهم صَلاةٌ وتَكْبِيرٌ وبِرٌّ وخَيْرٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا بِالسَّلامَةِ فِيها، ونَيْلِ المَطْلُوبِ مِنها.

والثّانِي: مَعْناهُ وغَرَّتْهُمُ الدُّنْيا بِالحَياةِ والسَّلامَةِ مِنها، فَيَكُونُ الغُرُورُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِالحَياةِ، وعَلى الثّانِي بِالدُّنْيا.

﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ أنْ لا تُبْسَلَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا  ﴾ بِمَعْنى أنْ لا تَضِلُّوا.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تُبْسَلَ ﴾ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ تَسْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنْ تُحْبَسَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنْ تُفْضَحَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنْ تُؤْخَذَ بِما كَسَبَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنْ تُجْزى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والسّادِسُ: أنْ تُرْتَهَنَ، قالَهُ الفَرّاءُ، مِن قَوْلِهِمْ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ مُرْتَهَنَةٌ مَعَهُ لا تَفْلِتُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الكِلابِيِّ: وإبْسالِي بُنِيَ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقٍ وَقَوْلُهُ: بَعَوْناهُ أيْ جَنَيْناهُ، وأصْلُ الإبْسالِ التَّحْرِيمُ مِن قَوْلِهِمْ: شَرابٌ بَسْلٌ أيْ حَرامٌ، قالَ الشّاعِرُ بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ في النَّدى ∗∗∗ بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِي أيْ حَرامٌ عَلَيْكِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِدْيَةٍ مِن جِهَةِ المالِ والثَّرْوَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مِن جِهَةِ الإسْلامِ والتَّوْبَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

واخْتُلِفَ في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا  ﴾ ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ قال: مثل قوله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ [ المدثر: 11] .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله: ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ قال: ثم أنزل في سورة براءة فأمر بقتالهم، فقال: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] فنسختها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ قال: أكلاً وشرباً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن تبسل ﴾ قال: تفضح.

وفي قوله: ﴿ أبسلوا ﴾ قال: فضحوا.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ أن تبسل ﴾ قال: تسلم وفي قوله: ﴿ أبسلوا بما كسبوا ﴾ قال: أسلموا بجرائرهم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل أن تبسل نفس؟

قال: يعني أن تحبس نفسه بما كتبت في النار.

قال وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت زهيراً وهو يقول: وفارقتك برهن لا فكاك له ** يوم الوداع وقلبي مبسل علقاً وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال: تؤخذ فتحبس.

وفي قوله: ﴿ وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ﴾ قال: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يقبل منها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ قال: أخذوا بما كسبوا.

وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن حسين أنه سأل عن قوله: ﴿ أبسلوا ﴾ قال: اخذلوا أو أسلموا، أما سمعت قول الشاعر: فإن أقفرت منهم فأنهم بسل <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا ﴾ الآية، قال ابن عباس (١) (٢) وقال الفراء: (يقال: ليس من قوم إلا ولهم عيد فهم (٣) (٤) (٥) ﴿ دِينَهُمْ ﴾ : الذي شرع لهم، وعلى قول الفراء المراد بالدين: العيد؛ لأنه مما يتدين (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: (يريد: وَعِظْ بالقرآن (٧) ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ قال: يريد ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا) (٨) (٩) ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : ترتهن).

وقال الحسن (١٠) (١١) (١٢) (١٣) وقال أبو الهيثم (١٤) سَجِيسَ اللَّيَالِي مُبْسَلًا بِالجَرَائِرِ (١٥) (١٦) وإِبْسَالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ...

بَعَوْنَاهُ وَلَا بِدمٍ مُرَاقِ أي: إسلامي وتركي إياهم، وهذا الوجه اختيار الزجاج، قال: (معنى ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : تسلم بعملها غير قادرة على التخلص، والمستبسل المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص) (١٧) وقال قتادة: (أن تحبس) (١٨) ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ (١٩) (٢٠) وروى عن ابن عباس: ( ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : (تُفضح (وأُبسلو): أُفضحوا) (٢١) ومعنى الآية: وذكرهم (٢٢) ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بشيء البتة (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ قال ابن عباس (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال قتادة (٣١) (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ﴾ يقول: أسلموا للهلاك.

وقال العوفي: (أسلموا إلى خزنة جهنم) (٣٤) وقال ابن عباس (٣٥) ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ وهو الماء (٣٦) قال المفسرون (٣٧) ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ (٣٨) (٣٩) ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا ﴾ معناه: التهديد، كقوله: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا  ﴾ ).

(١) ذكر نحوه بدون نسبة البغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.

(٢) انظر: الطبري 7/ 231، والماوردي 2/ 129.

(٣) في (ش): (عيد فلهم)، وهو تحريف.

(٤) "معاني الفراء" 1/ 339.

(٥) ذكره السمرقندي 1/ 493، والقرطبي 7/ 16، وذكره الرازي 13/ 27 عن ابن عباس.

(٦) في (ش): (مما تدين به).

(٧) "تنوير المقباس" 2/ 30، وهو بلا نسبة في "الوسيط" 1/ 62، والبغوي 3/ 155، وابن الجوزي 3/ 64.

(٨) ذكره الرازي 13/ 28، وهو قول مقاتل 1/ 568، والأخفش كما ذكره السمرقندي 1/ 493.

(٩) "معاني الفراء" 1/ 339.

(١٠) أخرجه الطبري 7/ 231، من عدة طرق جيدة عن الحسن ومجاهد وعكرمة، وأخرجه الأزهري في "تهذيبه" 1/ 336 بسند جيد عن الحسن.

(١١) "تفسير مجاهد" 1/ 217 - 218.

(١٢) ذكره الثعلبي 179 أ، والماوردي 2/ 130، عن الحسن وعكرمة والسدي وغيرهم، وأخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318، بسند ضعيف عن ابن عباس، وقال بعده: (وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والسدي مثل ذلك) ا.

هـ.

وهو اختيار ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 1/ 164.

(١٣) "تهذيب اللغة" 1/ 336، وانظر: "العين" 7/ 263 (بسل).

(١٤) "تهذيب اللغة" 1/ 336، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وراد: (ويقال: جزيته بها).

(١٥) "ديوانه" ص 48، "مجاز القرآن" 1/ 195، و"الحماسة" لأبي تمام 1/ 188، و"إصلاح المنطق" ص 394، و"الشعر والشعراء" ص 31، و"الزاهر" 2/ 213، == والطبري 7/ 223، و"تهذيب اللغة" 1/ 336، والثعلبي 179 أ، و"اللسان" 1/ 285 (بسل)، وصدره: هُنَالِكَ لا أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي وسجيس: أي أبد الليالي وطولها، ومبسلا أي: مسلما ومرتهنا، أسلم إلى عدوه بما جنى عليهم، والجرائر: الجرائم والذنوب.

(١٦) الشاهد لعوف بن الأحوص الكلابي، شاعر جاهلي، في المراجع السابقة سوى الحماسة والشعر، وإصلاح المنطق، وهو في "النوادر" لأبي زيد ص 151، و"المعاني الكبير" 2/ 1114، و"الصحاح" 4/ 1634، و"المجمل" 1/ 125، و"مقاييس اللغة" 1/ 248، والماوردي 2/ 131، وبلا نسبة في "تفسير غريب القرآن" ص 1/ 165، و"معاني الزجاج" 2/ 261، و"الجمهرة" 1/ 339، و"معاني النحاس" 2/ 444، و"المخصص" 13/ 79، وبعوناه: أي جنيناه، والبعو: الجرم والجناية.

يقول: رهنت بني في العرب وأسلمتهم من غير جرم.

(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 261، وفيه أيضًا: أي: تسلم، وقيل: ترتهن، والمعنى واحد.

اهـ.

(١٨) أخرجه الطبري 7/ 232، وابن أبي حاتم 4/ 1318 من طرق جيدة بلفظ: (تؤخذ فتحبس).

(١٩) لفظ: (أن) ساقط من (ش).

(٢٠) "تهذيب اللغة" 12/ 439، و"اللسان" 12/ 54 (بسل).

(٢١) ذكره البخاري في "صحيحه" 8/ 286، كتاب: التفسير، تفسير سورة الأنعام، وأخرجه الطبري 7/ 332، وابن أبي حاتم 3/ 81 ب و82 أبسند جيد بلفظ: (تفضح - وفضحوا).

وقال ابن حجر في "الفتح" 8/ 287: (أفضحوا من الرباعي، وهي لغة، يقال: فضح وأفضح، وروى عنه: فضحوا) ا.

هـ.

ملخصًا.

وفي "مسائل نافع بن الأزرق" ص 114، قال: (تبسل تحبس) ا.

هـ وهذه الأقوال متقاربة، وأكثرهم على أنه بمعنى: تسلم وترتهن، ولعل تفسيره بتفضح تفسير باللازم؛ لأن من لازم أخذهم بالعذاب بما كسبوا أن يفضحوا.

وقال النحاس في "معانيه" 2/ 443: (تُسلم حسن، أي: تسلم بعملها لا تقدر على التخلص؛ لأنه يقال: استبسل فلان للموت، أي: رأى ما لا يقدر على دفعه) ا.

هـ.

ملخصًا.

وقال ابن كثير 2/ 162: (الأقوال متقاربة في المعنى، وحاصلها الإِسلام للهلكة والحبس عن الخير والارتهان عن درك المطلوب) اهـ.

وانظر: المراجع المذكورة في الحواشي، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 137، و"الوسيط" 1/ 62، و"الكشاف" 2/ 27، والبغوي 3/ 156، وابن عطية 5/ 238، وابن الجوزي 3/ 65، والقرطبي 7/ 16، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المنثور" 3/ 39، وفيها ذكر عامة الأقوال، وانظر: "الفتاوى" 13/ 343.

(٢٢) لفظ: (الواو): ساقط من (ش).

(٢٣) لم أقف على هذا القول بنصه.

وفي الطبري 7/ 233، قال: (ذكرهم كيلا تبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من إجرامها في عذاب الله) ا.

هـ.

ملخصًا.

وانظر: الرازي 13/ 28، و"البحر" 4/ 155، و"الدر المصون" 4/ 679.

(٢٤) أخرج الطبري 1/ 268 بسند جيد عنه قال: (العدل: البدل، والبدل: الفدية)، وانظر: ابن كثير 2/ 162، و"الدر المنثور" 1/ 166.

(٢٥) ذكره النحاس في "معانيه" 2/ 455، والماوردي 2/ 131، وابن كثير 2/ 162، وأخرج ابن أبي حاتم 4/ 1319، و"تحقيق الغماري" بسند جيد عن أبي العالية، قال: (العدل: الفداء).

قال ابن أبي حاتم: (وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع نحوه) اهـ.

(٢٦) أخرجه الطبري 7/ 233 بسند جيد عن السدي وابن زيد.

(٢٧) أخرجه ابن أبي حاتم 4/ 1318 بسند جيد، وذكره الماوردي 2/ 131، عن السدي وابن زيد.

(٢٨) لفظ: (الواو): ساقط من النسخ.

(٢٩) في (أ): (قال ابن عباس: قال): وهو تحريف.

(٣٠) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 62، وفي "تنوير المقباس" 2/ 30 نحوه.

(٣١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير 1/ 2/ 212، والطبري 7/ 233، 2/ 34، وابن أبي حاتم 4/ 1319، من عدة طرق جيدة.

(٣٢) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).

(٣٣) ذكره الماوردي 2/ 131.

(٣٤) ذكره الثعلبي 179 أ.

(٣٥) سبق تخريجه.

(٣٦) انظر: الطبري 7/ 234، والسمرقندي 1/ 493، وابن الجوزي 3/ 66.

(٣٧) هذا قول قتادة في "ناسخه" ص 42.

وأخرجه عبد الرزاق في التفسير، والطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317، والنحاس في "ناسخه" 2/ 321، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326 عنه من طرق جيدة، وذكره ابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، عن السدي، وهو قول ابن حزم في "ناسخه" ص 37، وابن سلامة ص 68، وأبي منصور البغدادي ص 102، وابن العربي 2/ 212.

(٣٨) في النسخ: (اقتلوا)، وهو تحريف.

(٣٩) "تفسير مجاهد" 1/ 218، وأخرجه الطبري 7/ 231، وابن أبي حاتم 4/ 1317 من طرق جيدة، وهذا هو الظاهر، وإن كان النسخ جائزًا، لكن أكثرهم على أنه غير منسوخ؛ لأنه تهديد ووعيد للكفار، وليس هو بمعنى الإلزام، والمعنى: ذرهم فإن الله معاقبهم، وهو اختيار النحاس في "ناسخه" 2/ 321، ومكي في "الإيضاح" ص 244، وابن الجوزي في "النواسخ" ص 326، ومصطفى زيد في "النسخ" 1/ 480، وانظر: الطبري 7/ 231، وابن عطية 5/ 227، والقرطبي 7/ 17، وانظر: مفهوم النسخ عند السلف ص 267.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ﴾ قيل إنها متاركة منسوخة بالسيف، وقيل: بل هي تهديد فلا متاركة ولا نسخ فيها ﴿ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي اتخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعباً ولهواً لأنهم سخروا منا واتخذوا الدين الذي يعتقدونه لعباً ولهواً؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ويلهون ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ الضمير عائد على الدين أو على القرآن ﴿ أَن تُبْسَلَ ﴾ قيل: معناه أن تحبس، وقيل: تفضح، وقيل: تهلك وهو في موضع مفعول من أجله أي ذكر به كراهة أن تبسل نفس ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ أي: وإن تعط كل فدية لا يؤخذ منها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.

الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.

الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.

الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.

الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.

التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.

ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون  ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.

وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.

قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.

ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.

ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.

وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.

وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.

فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.

وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله  كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها  ﴾ .

وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت  ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.

وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.

﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله  به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله  والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.

وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه  .

وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله  ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه  يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.

وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله  ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.

وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.

قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.

وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.

ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.

وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.

﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.

والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.

الثاني التضرع.

والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله  أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.

ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.

وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.

ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.

وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.

وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.

ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.

عن رسول الله  "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله  وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله  وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟

وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.

وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.

وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.

وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.

﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.

﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله  ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.

والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله  أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.

ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.

نعم كل ما أوجب على الرسول  فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.

قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.

وقال الفراء: هي الذكر.

قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.

قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.

قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.

ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.

ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم  ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله  .

قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.

ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.

وقال قتادة: تحبس في جهنم.

وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.

وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.

قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات  ﴾ ارتفع الفرق.

﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله  منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً  ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء  ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.

ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.

ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.

﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.

وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.

وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.

وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.

وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.

والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.

ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه  خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.

والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم  ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.

والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق  ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور  ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.

وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم  ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه  لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا  ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.

التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.

﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.

﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.

فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.

﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.

والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.

﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.

﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.

﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ .

يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ \[أن يكون\] أي: يكفرون بها ويستهزئون بها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا  ﴾ فيكون خوضهم في الآيات الكفر بها والاستهزاء بها، ويكون قوله -  -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ، أي: لا تقعد معهم؛ كما قال: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

يحتمل: النهي عن القعود معهم على ما ذكرنا من قوله: ﴿ فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ  ﴾ .

ويحتمل الإعراض: الصفح عنهم وترك المجازاة لمساويهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ  ﴾ ؛ [و] كقوله  : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً  ﴾ وفيه الأمر بالتبليغ فينهى عن القعود معهم والأمر بالتبليغ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ معناه - والله أعلم -: أن الشيطان إذا أنساك القعود معهم فلا تقعد بعد ذكر الذكرى، ومعنى النهي بعد ما أنساه الشيطان، أي: لا تكن بالمحل الذي يجد الشيطان إليك سبيلا في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ .

قيل فيه رخصه الجلوس معهم؛ وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ثم نسخ ذلك بقوله -  -: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  ﴾ وكان النهي عن مجالستهم ليس للجلوس نفسه، ولكن ما ذكرنا من خوضهم في آيات الله بالاستهزاء بها [والكفر بها] هو الذي كان يحملهم على ذلك، ليس ألا يجوز أن تجالسهم، وكذلك ما نهانا أن نسبهم ليس ألا يجوز لنا أن نسبهم، ولكن لما كان سبنا إياهم هو الذي يحملهم على سب الله.

﴿ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل النهي عن القعود معهم وجهين.

[أحدهما]: نهى هؤلاء عن القعود معهم لما كان أهل النفاق يجالسونهم، ويستهزئون بالآيات ويكفرون بها، فنهى هؤلاء عن ذلك؛ ليرتدع أهل النفاق عن مجالستهم.

والثاني: أنه نهى المؤمنين عن مجالستهم؛ ليمتنعوا عن صنيعهم حياء منهم؛ لأنهم لو امتنعوا عن مجالستهم فيمنعهم ذلك عن الاستهزاء بها والكفر بها، لما كانوا يرغبون في مجالسة المؤمنين، فيتذكرون عند قيامهم عنهم، فيتقون الخوض والاستهزاء، ولا يخافون أن يعرفوا في الناس بترك مجالستهم المؤمنين، فيحملهم ذلك على الكف عن الاستهزاء بالآيات وبرسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً ﴾ أي: وذر الذين اتخذوا لعبا ولهوا دينا؛ على التقديم والتأخير.

والثاني: اتخذوا اللعب واللهو دينهم؛ حتى لا يفارقوا اللعب واللهو؛ لأن الدين إنما يتخذ للأبد، فعلى ذلك اتخذ أولئك اللعب واللهو للأبد كالدين.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: اتخذوا دينهم عبادة ما لا ينفع ولا يضر، ولا يبصر ولا يسمع ولا يعلم، ومن عبد من هذا وصفه، واتخذ ذلك دينا - فهو عابث لاعب.

والثاني: اتخذوا دينهم ما هوته أنفسهم، ودعتهم الشياطين إليه، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه، وما دعته نفسه إليه - فهو عابث لاعب.

والثالث: صار دينهم لعباً وعبثاً؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ومن لم يقصد بدينه الذي دان به عاقبة فهو عابث مبطل؛ كقوله -  -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً...

﴾ الآية [المؤمنون: 115] صير عدم الرجوع إليه عبثاً.

وقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

أي: شغلهم ما اختاروا من الحياة الدنيا والميل إليها عن النظر في الآيات والبراهين والحجج.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ﴾ ، أي: اغتروا بالحياة الدنيا؛ أضاف التغرير إلى الحياة الدنيا [لما بها] اغتروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .

قيل: وذكر به قبل أن تبسل نفس بما كسبت، وإنما يذكرهم بهذا لئلا يقولوا غداً: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ .

وأصل الإبسال: الإهلاك، أو الإسلام للجناية والهلاك.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ : عن ابن عباس قال: أن تفضح نفس بما كسبت.

وقيل: تبسل: تؤخذ وتحبس؛ وهو قول قتادة؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: حبسوا بما كسبوا.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ أُبْسِلُواْ ﴾ أي: فضحوا؛ على ما قال في ﴿ تُبْسَلَ ﴾ .

وعن الحسن: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ ، [أي]: تسلم وعن مجاهد كذلك.

قال أبو عوسجة: ﴿ تُبْسَلَ نَفْسٌ ﴾ : أي: تسلم، وذلك أن الرجل يجني جناية، فيسلم إلى أهل الجناية.

وقال القتبي: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ أي تسلم للهلكة.

وعن الكيساني: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : تجزي نفس بما كسبت.

وقال الفراء: ﴿ تُبْسَلَ ﴾ : ترهن.

وأصل الإبسال: هو الإسلام، [وتفسيره] ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ﴾ ؛ كما يكون بعضهم شفيعاً لبعض في الدنيا، وأعواناً لهم وأنصاراً في دفع المضار والمظالم عنهم وجر المنافع إليهم، وأما في الآخرة: فإن كل نفس تسلم بما كسبت، لا شفيع لها ولا ولي؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

 ﴾ .

وكقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات تسلم كل نفس إلى كسبها لا شفيع لها ولا ولي.

وقوله: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ ، يحتمل بالقرآن والآيات ويحتمل ﴿ بِهِ ﴾ ، أي: بالله، أي: عظ به أن تهلك نفس بما كسبت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: العدل: الفداء؛ يقول: وإن فدت [نفس] كل الفداء لتتخلص مما حل بها، لم يؤخذ منها ولم يقبل منها ذلك.

وقال الحسن: العدل: كل عمل البر والخير، أي: وإن عملت كل عمل البر والخير من الفداء والتوبة، لم يقبل منها ذلك؛ يخبر أن الدار الآخرة ليست بدار العمل، ولا يقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا، وأخبر ألا يكون شفعاء يشفعون لهم، ولا أولياء ينصرونهم، ليس كالدنيا؛ لأن من أصابه في هذه الدنيا شيء، أو حل به عذاب أو غرامة - فإنما يدفع بإحدى هذه الخلال الثلاثة، إما بشفعاء يشفعونه، أو بأولياء ينصرونه، أو بالرشا، فأخبر أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا، فتدفع ما حل بهم، أو أولياء ينصرونهم في دفع ذلك عنهم، أو شفعاء يشفعونهم.

فإن قيل: ما معنى ذكر العدل والفداء، وليس عنده ما يفدي [ولا يبذل وما يمكَّن] من العمل؟

قيل: معناه - والله أعلم - أي: لو مكن لهم من الفداء ما يفدون في دفع ذلك عن أنفسهم، ومكن لهم من العمل ما لو عملوا، لم يقبل ذلك منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ ﴾ .

قد ذكرنا الاختلاف في الإبسال، وأصله: الإسلام يسلمون لما اكتسبوا لا يكون لهم شفعاء ولا أولياء، ولا يقبل منهم الرشا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴾ .

قيل: الحميم: هو ماء حار قد انتهى حره يغلي ما في البطن إذا وصل إليه، فيشبه أن يكون لهم من الشراب ما ذكر؛ لما تناولوا في الدنيا من الشراب المحرم، فكان لهم في الآخرة الحميم مكان ذلك، والعذاب الأليم؛ لما أعطوا أنفسهم في الدنيا من الشهوات واللذات جزاء ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ودع -أيها الرسول- هؤلاء المشركين الذين صيَّرُوا دينهم لعبًا وَلَهْوًا يسخرون منه ويستهزئون به، وخدعتهم الحياة الدنيا بما فيها من متع زائلة، وَعِظْ -أيها النبي- الناس بالقرآن حتى لا تُسْلَمَ نفس إلى الهلاك بسبب ما كسبته من سيئات، ليس لها من دون الله حليف تستنصر به، ولا وسيط يمنع عنها عذاب الله يوم القيامة، وإذا افتدت من عذاب الله بأي فداء لا يقبل منها، أولئك الذين أُسْلِمُوا إلى هلاك أنفسهم بسبب ما ارتكبوه من المعاصي لهم يوم القيامة شراب متناهي الحرارة، وعذاب موجع بسبب كفرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Pkjv"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر