الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٢ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٢ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : يوم القيامة .
القول في تأويل قوله : وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأمرنا أنْ أقيموا الصلاة.
* * * وإنما قيل: " وأن أقيموا الصلاة "، فعطف ب " أن " على " اللام " من لِنُسْلِمَ ، لأن قوله: لِنُسْلِمَ معناه: أن نسلم, فردّ قوله: " وأن أقيموا " على معنى: لِنُسْلِمَ , إذ كانت " اللام " التي في قوله: لِنُسْلِمَ , لامًا لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال, وكانت " أن " من الحروف التي تدل على الاستقبال دلالة " اللام " التي في لِنُسْلِمَ , فعطف بها عليها، لاتفاق معنيهما فيما ذكرت.
ف " أن " في موضع نصب بالردّ على اللام.
(31) * * * وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إما أن يكون ذلك،" أمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة ", يقول: أمرنا كي نسلم, كما قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (32) [سورة يونس: 104] ، أي: إنما أمرت بذلك.
(33) ثم قال: " وأن أقيموا الصلاة واتقوه "، أي: أمرنا أن أقيموا الصلاة = أو يكون أوصل الفعل باللام, والمعنى: أمرت أن أكون, كما أوصل الفعل باللام في قوله: هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف: 154].
* * * فتأويل الكلام: وأمرنا بإقامة الصلاة, وذلك أداؤها بحدودها التي فرضت علينا (34) =" واتقوه "، يقول: واتقوا رب العالمين الذي أمرنا أن نسلم له, فخافوه واحذروا سَخطه، بأداء الصلاة المفروضة عليكم، والإذعان له بالطاعة، وإخلاص العبادة له =" وهو الذي إليه تحشرون "، يقول: وربكم رب العالمين، هو الذي إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة, (35) فيجازي كلَّ عامل منكم بعمله, وتوفي كل نفس ما كسبت.
--------------------- الهوامش : (31) انظر معاني القرآن للفراء 1: 339.
(32) في المطبوعة والمخطوطة: "وأمرت لأن أكون من المؤمنين" ، وهذه ليست آية في كتاب الله ، بل الآية هي التي ذكرت ، وهي حق الاستدلال في هذا الموضع.
(33) في المطبوعة والمخطوطة: "إنما أمرت لذلك" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت.
(34) انظر تفسير"إقامة الصلاة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) (صلا).
(35) انظر تفسير"الحشر" فيما سلف ص: 373 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
وأن أقيموا الصلاة واتقوه اللام لام كي ، أي أمرنا كي نسلم وبأن أقيموا الصلاة ; لأن حروف الإضافة يعطف بعضها على بعض .
قال الفراء : المعنى أمرنا بأن نسلم ; لأن العرب تقول : أمرتك لتذهب ، وبأن تذهب بمعنى .
قال النحاس : سمعت أبا الحسن بن كيسان يقول هي لام الخفض ، واللامات كلها ثلاث : لام خفض ولام أمر ولام توكيد ، لا يخرج شيء عنها .
والإسلام الإخلاص .وأن أقيموا الصلاة واتقوه وإقامة الصلاة الإتيان بها والدوام عليها .
ويجوز أن يكون وأن أقيموا الصلاة عطفا على المعنى ، أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا الصلاة ; لأن معنى ائتنا أن ائتنا .
{ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ } أي: وأمرنا أن نقيم الصلاة بأركانها وشروطها وسننها ومكملاتها.
{ وَاتَّقُوهُ } بفعل ما أمر به، واجتناب ما عنه نهى.
{ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي: تُجْمَعون ليوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها.
( وأن أقيموا الصلاة واتقوه ) أي : وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى ، ( وهو الذي إليه تحشرون ) أي : تجمعون في الموقف للحساب .
«وأن» أي بأن «أقيموا الصلاة واتقوه» تعالى «وهو الذي إليه تحشرون» تجمعون يوم القيامة للحساب.
وكذلك أُمرنا بأن نقيم الصلاة كاملة، وأن نخشاه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وهو -جل وعلا- الذي إليه تُحْشَرُ جميع الخلائق يوم القيامة.
وقوله { وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه } معطوف على محل { لِنُسْلِمَ } كأنه قيل أمرنا لنسلم وأمرنا أيضاً بإقامة الصلاة والاتقاء .وفى تخصيص الصلاة بالذكر من بين أنواع الشرائع وعطفها على الأمر بالإسلام ، وقرنها بالأمر بالتقوى دليل على تفخيم أمرها وعظمة شأنها .وقوله { وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } جملة مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر من الأمور الثلاثة ، أى : هو الذى تعودون إليه يوم القيامة للحساب لا إلى غيره .
اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: ﴿ قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ فقال: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله ﴾ أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، ونرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقدنا الله منه وهدانا للإسلام؟
ويقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل أنه رجع إلى خلف، ورجع على عقبيه ورجع القهقرى، والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقى وتكامل حصل له العلم.
قال تعالى: ﴿ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة ﴾ فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى فكأنه رجع إلى أول مرة، فلهذا السبب يقال: فلان رد على عقبيه.
وأما قوله: ﴿ كالذى استهوته الشياطين فِي الأرض ﴾ فاعلم أنه تعالى وصف هذا الإنسان بثلاثة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ استهوته الشياطين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ استهواه ﴾ بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء، لأن الجمع يصلح أن يذكر على معنى الجمع، ويصلح أن يؤنث على معنى الجماعة.
المسألة الثانية: اختلفوا في اشتقاق ﴿ استهوته ﴾ على قولين: القول الأول: أنه مشتق من الهوى في الأرض، وهو النزول من الموضع العالي إلى الوهدة السافلة العميقة في قعر الأرض، فشبه الله تعالى حال هذا الضال به وهو قوله: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء ﴾ ولا شك أن حال هذا الإنسان عند هويه من المكان العالي إلى الوهدة العميقة المظلمة يكون في غاية الاضطراب والضعف والدهشة.
والقول الثاني: أنه مشتق من اتباع الهوى والميل، فإن من كان كذلك فإنه ربما بلغ النهاية في الحيرة، والقول الأول أولى، لأنه أكمل في الدلالة على الدهشة والضعف.
الصفة الثانية: قوله: ﴿ حَيْرَانَ ﴾ قال الأصمعي: يقال حار يحار حيرة وحيراً، وزاد الفراء حيراناً وحيرورة، ومعنى الحيرة هي التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه.
ومنه يقال: الماء يتحير في الغيم أي يتردد، وتحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
واعلم أن هذا المثل في غاية الحسن، وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه، لأن الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والتحير، وأيضاً فعند نزوله لا يعرف أنه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقل، فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال علمت أنك لا تجد مثالاً للمتحير المتردد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا المثال.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى ائتنا ﴾ قالوا: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كان يدعو أباه إلى الكفر وأبوه كان يدعوه إلى الإيمان ويأمره بأن يرجع من طريق الجهالة إلى الهداية ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان.
وقيل: المراد أن لذلك الكافر الضال أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى وهذا بعيد.
والقول الصحيح هو الأول.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ يعني هو الهدى الكامل النافع الشريف كما إذا قلت علم زيد هو العلم وملك عمرو هو الملك كان معناه ما ذكرناه من تقرير أمر الكمال والشرف.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ دخل فيه جميع أقسام المأمورات والاحتراز عن كل المنهيات، وتقرير الكلام أن كل ما تعلق أمر الله به، فإما أن يكون من باب الأفعال، وإما أن يكون من باب التروك.
أما القسم الأول: فإما أن يكون من باب أعمال القلوب وإما أن يكون من باب أفعال الجوارح، ورئيس أعمال القلوب الإيمان بالله والإسلام له، ورئيس أعمال الجوارح الصلاة، وأما الذي يكون من باب التروك فهو التقوى وهو عبارة عن الاتقاء عن كل ما لا ينبغي، والله سبحانه لما بين أولاً أن الهدى النافع هو هدى الله، أردف ذلك الكلام الكلي بذكر أشرف أقسامه على الترتيب وهو الإسلام الذي هو رئيس الطاعات الروحانية، والصلاة التي هي رئيسة الطاعات الجسمانية، والتقوى التي هي رئيسة لباب التروك والاحتراز عن كل ما لا ينبغي، ثم بين منافع هذه الأعمال فقال: ﴿ وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ يعني أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر والبعث والقيامة.
فإن قيل: كيف حسن عطف قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة ﴾ على قوله: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ ؟
قلنا: ذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: أن يكون التقدير، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة.
فإن قيل: هب أن المراد ما ذكرتم، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل؟
قلنا: وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين، فيقال له: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين، ويقال له: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ﴾ ؟
قلت: على موضع ﴿ لِنُسْلِمَ ﴾ كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا ويجوز أن يكون التقدير وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا: أي للإسلام ولإقامة الصلاة ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ مبتدأ.
ويوم يقول: خبره مقدّماً عليه، وانتصابه بمعنى الاستقراء، كقولك: يوم الجمعة القتال.
واليوم بمعنى الحين.
والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائماً بالحق والحكمة، وحين يقول لشيء من الأشياء ﴿ كُن ﴾ فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي لا يكون شيئاً من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب.
و ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ ﴾ ظرف لقوله: ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ كقوله: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ ؟
[غافر: 16] ويجوز أن يكون ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ فاعل يكون، على معنى: وحين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحق ﴿ كُن ﴾ فيكون قوله الحق.
وانتصاب اليوم لمحذوف دلّ عليه قوله ﴿ بالحق ﴾ كأنه قيل: وحين يكوّن ويقدّر يقوم بالحق ﴿ عالم الغيب ﴾ هو عالم الغيب، وارتفاعه على المدح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى لِنُسْلِمَ أيْ لِلْإسْلامِ ولِإقامَةِ الصَّلاةِ، أوْ عَلى مَوْقِعِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وَأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ.
رُوِيَ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأوْثانِ، فَنَزَلَتْ.
وَعَلى هَذا كانَ أمْرُ الرَّسُولِ بِهَذا القَوْلِ إجابَةً عَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وإظْهارًا لِلِاتِّحادِ الَّذِي كانَ بَيْنَهُما.
﴿ وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)
{وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة} والتقدير وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا أي للإسلام ولإقامة الصلاة {واتقوه وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يوم القيامة
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ ﴾ أيِ الرَّبَّ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ وهو عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، وقَدْ صَرَّحَ بِدُخُولِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى الأمْرِ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، وجَوَّزَ أنْ يُعْطَفَ ﴿ أنْ أقِيمُوا ﴾ عَلى مَوْضِعِ لِنُسْلِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ الأمْرِ المُقَدَّرِ أيْ أُمِرْنا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: إنَّ هُدى اللَّهِ إلَخْ أيْ قُلْ لَهم إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: عَلى ائْتِنا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ولِأنْ نُقِيمَ إلّا أنَّهُ عُدِّلَ لِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكافِرَ ما دامَ كافِرًا كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَخُوطِبَ بِما خُوطِبَ بِهِ الغَيْبُ، وإذا أسْلَمَ ودَخَلَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ فَخُوطِبَ بِما يُخاطِبُ بِهِ الحاضِرُونَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ 72 - جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ <div class="verse-tafsir"
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وأمرنا بالهدى وبالعمل: يعني: أقيموا الصلاة وَاتَّقُوهُ يعني: وحّدوه.
ويقال: أطيعوه ويقال: هذا عطف على قوله: ولَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى وإلى إقامة الصلاة.
ويقال: معناه: أمرنا بالإسلام، وبإقامة الصلاة وَاتَّقُوهُ يعني: وحّدوه.
وقيل: أطيعوه.
ثم خوّفهم فقال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: للحق والعبرة وَيَوْمَ يَقُولُ اليوم صار نصباً، لأن معناه: واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا.
ويقال: معناه واذكروا يوم يقول: كُنْ فَيَكُونُ يعني: يوم البعث يقول: انتشروا فانتشروا كلهم كقوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعني: القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7] .
ثم قال قَوْلُهُ الْحَقُّ قَوْلُهُ رفع بالابتداء، وخبره الْحَقُّ يعني: قوله الصدق أنه كائن.
قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بالنصب على معنى الخير، وكذا في كل القرآن، إلا في موضعين: هاهنا، وفي آل عمران.
وقرأ الباقون: بالرفع على معنى الخبر.
وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يوم صار نصباً لنزع الخافض.
ومعناه: وله الملك في يوم ينفخ في الصور وهذا كقوله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] وكقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ويقال: هذا مبين لقوله الأول، ومعناه: يوم يقول له كُنْ فَيَكُونُ.
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وروي عن أبي عبيدة أنه قال: معناه: يوم يَنْفُخ الأرواح في الصور.
يعني: في الأجسام.
وهذا خلاف أقاويل جميع المفسرين لأنهم كلهم قالوا: هو نفخ إسرافيل في الصور.
وروي عن رسول الله أنه قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ وصاحب الصور قد التقمه» وفي خبر آخر «وَصَاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ الْتَقَمَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ» .
ثم قال: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الغيب ما غاب عن العباد والشهادة ما علم العباد به، ويقال السر والعلانية.
ويقال عالِمُ بما يكون وبما قد كان.
ويقال: عالِمُ بأمر الآخرة وبأمر الدنيا وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يعني: الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال الخلق وبأمر البعث.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «١» ، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢» اللَّهِ» ، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه» ، خَرَّجه أبو داود «٣» .
انتهى من «الكوكب الدري» ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «٤» ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «٥» [المدثر: ١١] ، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله
وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «١» .
انتهى من «الكوكب الدريِّ» .
وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «٢» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «٣» ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «٤» ، وقال ابن زيد «٥» : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «٦» : [الطويل]
هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ...
سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ «١»
وباقي الآية بيِّن.
وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «٢» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «٣» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.
قال ع «٤» : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ.
قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:
الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.
وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.
وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «١» ، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي» ، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] ، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...
[النور: ٢٢] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «٢» .
قال ع «٣» : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.
قال ع «٤» : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم» : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.
وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: أنَعْبُدُ ما لا يَضُرُّنا إنْ لَمْ نَعْبُدْهُ، ولا يَنْفَعُنا إنْ عَبَدْناهُ، وهي الأصْنامُ.
﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ أيْ: نَرْجِعُ إلى الكُفْرِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ إلى الإسْلامِ، فَنَكُونُ ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ: "اسْتَهْواهُ الشَّياطِينُ" عَلى قِياسِ قِراءَتِهِ: ( تُوَفّاهُ رُسُلُنا ) .
وفي مَعْنى "اسْتِهْوائِها" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها هَوَتْ بِهِ وذَهَبَتْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تُشَبِّهُ لَهُ الشَّياطِينُ، فَيُتْبِعُها حَتّى تَهْوِيَ بِهِ في الأرْضِ، فَتُضِلَّهُ.
والثّانِي: زَيَّنَتْ لَهُ هَواهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قالَ: و"حَيْرانَ" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيِ: اسْتَهْوَتْهُ في حالِ حِيرَتِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: قالَ المُشْرِكُونَ لَلْمُسْلِمِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا، واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ، فَقالَ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهِ ﴾ فَنَكُونُ كَرَجُلٍ كانَ مَعَ قَوْمٍ عَلى طَرِيقِ، فَضْلٌ، فَخَيَّرَتْهُ الشَّياطِينُ، وأصْحابُهُ عَلى الطَّرِيقِ يَدْعُونَهُ: يا فُلانُ هَلُمَّ إلَيْنا، فَإنّا عَلى الطَّرِيقِ، فَيَأْبى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، دَعاهُ أبُوهُ وأُمُّهُ إلى الإسْلامِ فَأبى.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِأصْحابِهِ: أبَواهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن دَعا إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وزَجَرَ عَنْ إجابَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ، لِأنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى، لا هُدى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ أمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ: وأمَرْتُكَ لَتَفْعَلَ، وأمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ، فَمَن قالَ: "بِأنَّ" فالباءُ؛ لِلْإلْصاقِ.
والمَعْنى: وقَعَ الأمْرُ بِهَذا الفِعْلِ، ومَن قالَ: "أنْ تَفْعَلَ" فَعَلى خَذْفِ الباءِ؛ ومَن قالَ: "لِتَفْعَلَ" فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ.
قالَ: وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ وجْهانِ.
أحَدُهُما: أمَرَنا لِأنْ نُسْلِمَ، ولِأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".
﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...".
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ مَعْناها: "واذْكُرِ الإعادَةَ يَوْمَ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِلْأجْسادِ: "كُنْ"؛ [فَتَكُونُ] مُعادَةً"؛ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ هُنا؛ ثُمَّ يَبْدَأ بِإخْبارِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الحَقُّ؛ الَّذِي كانَ في الدُنْيا؛ إخْبارًا بِالإعادَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَكُونَ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ أو عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَـ "قَوْلُهُ"؛ فاعِلٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: قَوْلُهُ: "يَوْمَ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ"؛ فالتَقْدِيرُ - هُنا؛ عَلى هَذا القَوْلِ -: "واتَّقُوا العِقابَ؛ أوِ الأهْوالَ؛ والشَدائِدَ يَوْمَ..."؛ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خَلَقَ السَماواتِ"؛ ﴾ والتَقْدِيرُ - عَلى هَذا -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ؛ والمُعاداتِ إلى الحَشْرِ يَوْمَ..."؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ هَذِهِ الأفْعالَ - لا تَقْدِيرَكَ: "اُذْكُرْ"؛ ولا "اِتَّقُوا"؛ ولا "خَلَقَ" - في "يَوْمَ"؛ لِأنَّ أسْماءَ الزَمانِ إذا بُنِيَتْ مَعَ الأفْعالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ إلّا عَلى الظَرْفِ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَعَلَّقَ "وَيَوْمَ"؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَهُ؛ وقَدْ أطْلَقَ قَوْمٌ أنَّ العامِلَ: "اُذْكُرْ"؛ أو "خَلَقَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "يَقُولُ"؛ مَعْنى المُضِيِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يَوْمَ يَقُولُ..."؛ بِمَعْنى: "قالَ لَها: كُنْ"؛ فَـ "وَيَوْمَ"؛ ظَرْفٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "اَلْحَقُّ"؛ إذْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ ويَجِيءُ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَجِيءُ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ في "كُنْ"؛ ويُبْتَدَأ بِـ ﴿ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ ؛ وتَكُونَ "فَيَكُونُ"؛ تامَّةً؛ بِمَعْنى "يَظْهَرُ"؛ و"اَلْحَقُّ"؛ صِفَةً لِلْقَوْلِ؛ و"قَوْلُهُ"؛ فاعِلًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: "قُولُهُ"؛ بِضَمِّ القافِ.
و"لَهُ المُلْكُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ ﴾ : "وَيَوْمَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الأُولى؛ عَلى أنَّ "يَقُولُ"؛ مُسْتَقْبَلٌ؛ لا عَلى تَقْدِيرِ مُضِيِّهِ؛ وقِيلَ: بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَ "اَلْمُلْكُ"؛ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ أو بِتَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ أو: "مُسْتَقِرٌّ يَوْمَ..."؛ و"فِي الصُورِ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ "صُورَةٌ"؛ فالمَعْنى: "يَوْمَ تُعادُ العَوالِمُ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: هو الصُورُ؛ القَرْنُ الَّذِي قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - [عنهُ] أنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ؛ ثُمَّ لِلْبَعْثِ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ إسْرافِيلَ قَدِ التَقَمَ الصُورَ؛ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْظُرُ مَتى يُؤْمَرُ؛ فَيَنْفُخُ".» وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي الصُوَرِ"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ؛ وحَكاهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ عن عِياضٍ.
"عالِمُ"؛ رُفِعَ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ؛ وقِيلَ: نَعْتٌ لِـ "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "عالِمِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَلى النَعْتِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "وَلَهُ"؛ أو عَلى البَدَلِ مِنهُ؛ مِن قَوْلِهِ "لَهُ المُلْكُ"؛ وقَدْ رُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقِيلَ: اِرْتَفَعَ "عالِمُ"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَنْفُخُ فِيهِ عالِمُ"؛ عَلى ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ وآخَرُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ اَلتَّقْدِيرُ: يَبْكِيهِ ضارِعٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ الَّذِي يُشْبِهُ "لِيُبْكَ يَزِيدُ"؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ونَظِيرُها مِنَ القُرْآنِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ ورَفْعِ الشُرَكاءِ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ الوارِثِ ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ نَنْفُخُ في الصُورِ"؛ بِنُونِ العَظَمَةِ.
و"اَلْغَيْبِ والشَهادَةِ"؛ مَعْناهُ: ما غابَ عَنّا؛ وما حَضَرَ؛ وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً.
وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر.
وهي ﴿ إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ فجيء بتعريف الجزأيْن، وضمير الفصل، وحرف التوكيد، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد، وضمير الفصل تأكيد، و(إنّ) تأكيد، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى.
وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى، وهو الدين المُوصى به، وهو هنا الإسلام، بقرينة قوله ﴿ بعد إذْ هدانا الله ﴾ .
وقد وصف الإسلام بأنَّه ﴿ هُدى الله ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ في سورة [البقرة: 120]، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم.
وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل، بخلاف ما في سورة البقرة.
وجملة: وأمِرْنا لِنُسْلِم } عطف على المقول.
وهذا مقابل قوله ﴿ قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ [الأنعام: 56]، وقوله ﴿ قل أندعو من دون الله ﴾ الآية.
واللام في ﴿ لِنُسْلِم ﴾ أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد.
وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة.
وسمَّاها بعضهم لام أنْ بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجَّاج: العرب تقول: أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل.
فالباء للإلصاق، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع (أنْ).
وأمَّا أمرتك لتفعل، فاللام للتعليل، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر.
يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل.
وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: زائدة، وعلى كلّ تقدير ف (أنْ) مضرة بعدها، أي لأجل أن نُسْلِمَ.
والمعنى: وأمرنا بالإسلام، أي أمرنا أن أسلموا.
وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى: ﴿ يريد الله ليُبيّن لكم ﴾ في سورة [النساء: 26].
واللام في قوله: لربّ العالمين } متعلِّقة ب ﴿ نسلم ﴾ لأنَّه معنى تخلّص له، قال: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ .
وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى: ﴿ إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين ﴾ في سورة [البقرة: 131].
وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته.
وقوله: وأن أقيموا الصلاة } إنْ جُعلت (أنْ) فيه مصدرية على قول سيبويه، إذ يسوّغ دخول (أنْ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً، فقول المعربين: إنَّه يتجرّد عن الأمرية، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات.
وهو إمّا عطف على ﴿ لنسلم ﴾ بتقدير حرف جرّ محذوف قبل (أنْ) وهو الباء.
وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام، وإمّا عطف على معنى ﴿ لنسلم ﴾ لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم، كما تقدّم عن الزجّاج.
فالتقدير: أمرنا بأن نسلم، ثم عطف عليه ﴿ وأن أقيموا ﴾ أي وأمرنا بأن أقيموا، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي، كقوله تعالى: ﴿ لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ ﴾ [المنافقون: 10] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ.
وإن جُعلت (أنْ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل.
فيقدّر قوله: ﴿ أمرنا لنسلم ﴾ بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ ، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك.
وأظهر من هذا أن تكون (أنْ) تفسيرية.
وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه، وهو ﴿ وأمرنا ﴾ ، فإنّ ﴿ أمرنا ﴾ فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع (أنْ) التفسيرية.
وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3).
و ﴿ اتَّقوه ﴾ عطف على ﴿ أقيموا ﴾ ويجري فيه ما قُرّر في قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ .
والضمير المنصوب عائد إلى ﴿ ربّ العالمين ﴾ وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين: أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه.
ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله: اتَّقون، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى: ﴿ قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ ، كما في حكاية قول عيسى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117].
وجَمع قوله: ﴿ واتَّقوه ﴾ جميعَ أمور الدين، وتخصيصُ إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام.
وجملة: ﴿ وهو الذي إليه تُحشرون ﴾ إمّا عطف على جملة ﴿ اتَّقُوه ﴾ عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله: ﴿ قل إنّ هدى الله ﴾ ، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون، أو عطف على ﴿ قل ﴾ فيكون من غير المقول.
وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضاً على إقامة الصلاة والتقوى.
واشتملت جملة ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ على عدّة مؤكّدات وهي: صيغة الحصر بتعريف الجزأين، وتقديم معمول ﴿ تحشرون ﴾ المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنَّما أنكروا وقوع الحشر، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنَّه لا يكون إلاّ إلى الله، تعريضاً بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً.
وجملة: ﴿ وهو الذي خلق السماوات ﴾ عطف على ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة.
فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون ﴾ [النحل: 17].
والباء من قوله: ﴿ بالحقّ ﴾ للملابسة، والمجرور متعلّق ب ﴿ خلَق ﴾ أو في موضع الحال من الضمير.
والحقّ في الأصل مصدر (حقّ) إذا ثبت، ثم صار اسماً للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل.
والحقّ ضدّ الباطل.
فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقاً شائعاً على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب، ويرادف الحكمة والحقيقة، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ.
والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿ ما خلقناهما إلاّ بالحقّ ﴾ [الدخان: 39] بعد قوله: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] وكقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ [آل عمران: 191].
فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصاناً من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له، فعُقّب بقوله: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ .
وجملة: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحقّ لأفعاله تعالى فبُينت ملابسة الحقّ لأمره تعالى الدّال عليه ﴿ يقول ﴾ .
والمراد ب ﴿ يومَ يقول كن ﴾ يوم البعث، لقوله بعده: ﴿ يوم يُنفخ في الصور ﴾ .
وقد أشكل نظم قوله: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ ، وذهب فيه المفسّرون طرائق.
والوجه أنّ قوله ﴿ ويوم يقول كن فيكون ﴾ ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به، والمبتدأ هو ﴿ قوله ﴾ ويكون ﴿ الحق ﴾ صفة للمتبدأ.
وأصل التركيب: وقوله الحقّ يومَ يقول: كن فيكون.
ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم.
ووصف القول بأنَّه الحقّ للردّ على المشركين أيضاً.
وهذا القول هو عين المقول لِفعل ﴿ يقول كن ﴾ ، وحُذف المقول له ﴿ كن ﴾ لظهوره من المقام، أي يقول لغير الموجود الكائن: كُن.
وقوله: ﴿ فيكون ﴾ اعتراض، أي يقول لمّا أراد تكوينه (كن) فيوجد المقولُ له ﴿ كُن ﴾ عقِب أمر التكوين.
والمعنى أنَّه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحقّ، وأنّه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حقّ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحقّ.
ويتضمَّن أنّه قول مستقبل، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول، ولذلك أتي بكلمة ﴿ يوم ﴾ للإشارة إلى أنَّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن.
وفي قوله: ﴿ قولُه الحقّ ﴾ صيغة قصر للمبالغة، أي هو الحقّ الكامل لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحقّ فهي معرّضة للخطأ وما كان فيها غيرَ معرض للخطأ فهو من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة، فذلك اعتداد بأنَّه راجع إلى فضل الله.
ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «قولك الحقّ ووعدك الحقّ».
والمراد بالقول كلّ ما يدلّ على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر، وهو يوم يقول كن، من أمرِ تكوين، أو أمر ثواب، أو عقاب، أو خبر بما اكتسبه الناس من صالح الأعمال وأضدادها، فكلّ ذلك من قول الله في ذلك اليوم وهو حقّ.
وخصّ من بين الأقوال أمرُ التكوين لما اقتضاه التقديم من تخصيصه بالذكر كما علمت.
وللمفسّرين في إعراب هذه الآية وإقامة المعنى من ذلك مسالك أخرى غير جارية على السبل الواضحة.
وقوله ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور ﴾ جملة مستقلّة وانتظامها كانتظام جملة ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ إلاّ أنّ في تقديم المسند إليه على المسند قصر المسند إليه على المسند، أي المُلك مقصور على الكَون له لا لغيْره لردّ ما عسى أن يطمع فيه المشركون من مشاركة أصنامهم يومئذٍ في التصرفّ والقضاء.
والمقصود من هذا الظرف تهويل ذلك اليوم.
والنفخ في الصور مَثَل ضُرب للأمر التكويني بحياة الأموات الذي يعُمّ سائر الأموات، فيحيون به ويحضرون للحشر كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودَقّ الطبول.
والصّور: البُوق.
وورد في الحديث: «أن المَلَك الموكَّل بنفخ الصور هو إسرافيل، ولا يَعلم كنه هذا النفخ إلاّ الله تعالى» ويومُ النَّفخ في الصّور هو يومَ يقُول: كن فيكون، ولكنَّه عبَّر عنه هنا ب ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ لإفادة هذا الحال العجيب، ولأنّ اليوم لمّا جعل ظرفاً للقول عُرّفَ بالإضافة إلى جملة ﴿ يقول كن فيكون ﴾ .
ولمَّا جعل اليوم ظرفاً للمُلك ناسب أن يعرّف اليوم بما هو من شعار المُلك والجند.
وقد انتصب ﴿ يوم ينفخ ﴾ على الظرفية، والعامل فيه للاستقرار الذي في قوله ﴿ وله الملك ﴾ .
ويجوز أن يجعل بدلاً من ﴿ يومَ يقول كُن فيكون ﴾ .
ويجعل ﴿ وله الملك ﴾ عطفاً على ﴿ قوله الحقّ ﴾ على أنّ الجميع جملة واحدة.
وعن ابن عبّاس: الصور هنا جمع صُورة، أي ينفخ في صُوَر الموجودات.
ولما انتهى المقصود من الإخبار عن شؤون من شأن الله تعالى أتبع بصفات تشير إلى المحاسبة على كلّ جليل ودقيق ظاهر وباطن بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .
وجاء أسلوب الكلام على طريقة حذف المخبَر عنه في مقام تَقَدُّم صفاته.
فحذْف المسند إليه في مثله تبع لطريقة الاستعمال في تعقيب الأخبار بخبر أعظم منها يجعل فيه المخبر عنه مسنداً إليه ويلتزم حذفه.
وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ مقامُ إبراهيم ﴾ في سورة [آل عمران: 97]، فلذلك قال هنا عالم الغيب } فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله: ﴿ وهو الحَكِيم الخبير ﴾ .
والغيب: ما هو غائب.
وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في سورة [البقرة: 3]، وعند قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ في هذه السورة [59].
والشهادة: ضدّ الغيب، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصّلون إلى علمها يقال: شَهِد، بمعنى حضر، وضدّه غَاب، ولا تخرج الموجودات عن الاتّصاف بهذين الوصفين، فكأنَّه قيل: العالم بأحوال جميع الموجودات.
والتعريف في الغيب والشهادة} للاستغراق، أي عالم كلّ غيب وكلّ شهادة.
وقوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ عطف على قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ .
وصفة ﴿ الحكيم ﴾ تجمع إتقان الصنع فتدلّ على عظم القدرة مع تعلّق العلم بالمصنوعات.
وصفة ﴿ الخبير ﴾ تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيّها.
فكانت الصفتان كالفذلكة لقوله: ﴿ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحقّ ﴾ ولقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، وفي دُعائِها في هَذا المَوْضِعِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُها.
والثّانِي: طَلَبُ النَّجاحِ مِنها.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ ولا يَضُرُّنا؟
ودُعاؤُها لِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ ضارٌّ؟
قِيلَ: مَعْناهُ ما لا يَمْلِكُ لَنا ضَرًّا ولا نَفْعًا.
﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ بِالإسْلامِ.
﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُها إلى قَصْدِها واتِّباعِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تَقْصِدُهم وتَتْبَعُهم.
والثّانِي: أنَّها أمْرُها بِالهَوى.
وَحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وامْرَأتِهِ حِينَ دَعَوا ابْنَهُما عَبْدَ الرَّحْمَنِ إلى الإسْلامِ والهُدى أنْ يَأْتِيَهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ في الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ بِهِ السَّماواتِ والأرْضَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحِكْمَةُ.
والثّانِي: الإحْسانُ إلى العِبادِ.
والثّالِثُ: نَفْسُ خُلُقِها فَإنَّهُ حَقٌّ.
والرّابِعُ: يَعْنِي بِكَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ لِيَوْمِ القِيامَةِ: كُنْ فَيَكُونُ، لا يُثَنِّي إلَيْهِ القَوْلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُ لِلسَّماواتِ كُونِي صُورًا يُنْفَخُ فِيهِ لِقِيامِ السّاعَةِ، فَتَكُونُ صُورًا مِثْلَ القُرْآنِ، وتُبَدَّلُ سَماءً أُخْرى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةَ الأُولى لِلْفَناءِ، والثّانِيَةَ لِلْإنْشاءِ عَلامَةً لِلِانْتِهاءِ والِابْتِداءِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ .
والثّانِي: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ تُنْفَخُ فِيها رُوحُها فَتَحْيا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والغَيْبُ ما يَغِيبُ عَنْكم، والشَّهادَةُ ما تُشاهِدُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْخِ الصُّورِ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ المُتَوَلِّي لِلنَّفْخَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال: ما من أهل بيت يكون لهم مواقيت يعلمون الصلاة إلا بورك فيهم كما بورك في إبراهيم وآل إبراهيم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ قال الفراء: ( ﴿ وَأَنْ ﴾ مردودة على اللام التي في قوله ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ ﴾ ، والعرب تقول: أمرتك لتذهب وأن تفعل كذا، فإن في وضع نصب بالرد على الأمر) (١) وقال الزجاج (٢) ﴿ أَنْ ﴾ نصب؛ لأن الباء لما سقطت أفضى الفعل) (٣) (١) "معاني الفراء" 1/ 339، وهو قول الطبري في "تفسيره" 7/ 238، وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 278.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 263.
والنص فيه قال: (فيه وجهان أحدهما: أن تكون أمرنا لأن نسلم ولأن نقيم الصلاة، ويجوز أن يكون محمولًا على المعنى لأن المعنى: أمرنا بالإِسلام وبإقامة الصلاة، وموضع أن نصب لأن الباء لما سقطت أفضى الفعل فنصب، وفيه وجه آخر: يجوز أن يكون محمولًا على قوله ﴿ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ﴾ ، ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ أي: يدعونه أن أقيموا الصلاة) ا.
هـ.
وقد ذكر هذه الأوجه النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 556، ومكي في "المشكل" 1/ 256، والعكبري في "التبيان" 1/ 340.
(٣) وهذا قول ابن الأنباري في "البيان" 1/ 326، وانظر: تفسير ابن عطية 5/ 246 - 247، و"الفريد" 2/ 171، و"البحر" 4/ 159، و"الدر المصون" 4/ 687.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ﴾ عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدم عليه والعامل فيه معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقول لشي كن: فيكون ذلك الشيء ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ ظرف لقوله: كقوله: ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ ﴾ [غافر: 66]؛ وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليد ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ خبر ابتداء مضمر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.
الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.
الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.
الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.
التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.
ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.
قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.
ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.
ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.
وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.
وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.
فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.
وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ .
وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.
وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.
﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.
وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه .
وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.
وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.
وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.
قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.
وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.
ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.
وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.
﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.
والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.
الثاني التضرع.
والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.
ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.
ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.
وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.
وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.
ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
عن رسول الله "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟
وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.
وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.
وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.
وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.
﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.
﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.
والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.
ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.
نعم كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال الفراء: هي الذكر.
قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.
ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .
قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.
ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.
وقال قتادة: تحبس في جهنم.
وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.
قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ ارتفع الفرق.
﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.
ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.
ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.
وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.
وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.
وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.
وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.
والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.
والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.
التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.
﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.
فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.
﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.
والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.
﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.
﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.
﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله أو المؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: ﴿ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ، بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا.
أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها: إما طمعاً بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان [والأصنام] عن عبادة الله، أو تخويفاً منهم لهم، فقال: قل يا محمد أندعو من دون الله ما لا يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟!
وعن ابن عباس - -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله، ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ : في الكفر والشرك.
﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ ﴾ .
يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين [واستهوته] في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد هو الذي يدعوهم إلى الطريق وهو الهدى.
ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هؤلاء كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق [به]، فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ﴾ أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا [الآية] على ما ذكرنا.
قال قتادة: هذه خصومة علمها الله محمدا [يخاصم بها] أهل الشرك؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك.
قال ابن عباس - -: ﴿ ٱسْتَهْوَتْهُ ﴾ : أضلته.
قال أبو عوسجة: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، وقيل: أضلته.
وقوله: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ .
أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قيل: بيان الله هو البيان.
وقيل: إن دين الله هو الهدى وهو الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قيل: هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وقل لهم: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ كقوله : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ .
قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوهاً: قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء.
وقيل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن لهما خالقاً ومدبراً، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ .
قد ذكرنا أن قوله: ﴿ كُن ﴾ هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، لا أَنْ كَانَ مِنَ اللهِ كافٌ أو نونٌ، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم بـ "كن" مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة.
والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة، وكقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون.
والثالث: يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: هو أهون عليه عندكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
يحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر.
ويحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ \[أي\]: ملك ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّور ﴾ : قال بعضهم: النفخ: هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما تدخل بالنفخ ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ .
وقال بعضهم: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ لأن الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جرياناً ونفاذاً من الريح.
وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قال بعضهم: في صور الخلق، وقال بعضهم: الصور قرن ينفخ [فيه] إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ .
أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض.
﴿ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، ما يشهد بعضهم بعضاً.
أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه.
﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، و [الحكيم] هو واضع الشيء موضعه.
﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ بكل شيء.
<div class="verse-tafsir"
وقد أَمَرنا بإقامة الصلاة على الوجه الأكمل، وأَمَرنا بتقوى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فهو وحده الذي يُجْمَع العباد إليه يوم القيامة ليجازيهم على أعمالهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.R7zAJ"