الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ٧٣ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 141 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٣ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ) أي : بالعدل ، فهو خالقهما ومالكهما ، والمدبر لهما ولمن فيهما .
وقوله : ( ويوم يقول كن فيكون ) يعني : يوم القيامة ، الذي يقول الله : ( كن ) فيكون عن أمره كلمح البصر ، أو هو أقرب .
( ويوم ) منصوب إما على العطف على قوله : ( واتقوه ) وتقديره : واتقوا يوم يقول كن فيكون ، وإما على قوله : ( خلق السماوات والأرض ) أي : وخلق يوم يقول كن فيكون .
فذكر بدء الخلق وإعادته ، وهذا مناسب .
وإما على إضمار فعل تقديره : واذكر يوم يقول كن فيكون .
وقوله : ( قوله الحق وله الملك ) جملتان محلهما الجر ، على أنهما صفتان لرب العالمين .
وقوله : ( يوم ينفخ في الصور ) يحتمل أن يكون بدلا من قوله : ( ويوم يقول كن فيكون ) ( يوم ينفخ في الصور ) ويحتمل أن يكون ظرفا لقوله : ( وله الملك يوم ينفخ في الصور ) كقوله ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) [ غافر : 16 ] ، وكقوله ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) [ الفرقان : 26 ] ، وما أشبه ذلك .
واختلف المفسرون في قوله : ( يوم ينفخ في الصور ) فقال بعضهم : المراد بالصور هاهنا جمع " صورة " أي : يوم ينفخ فيها فتحيا .
قال ابن جرير : كما يقال سور - لسور البلد هو جمع سورة .
والصحيح أن المراد بالصور : " القرن " الذي ينفخ فيه إسرافيل - عليه السلام - ، قال ابن جرير : والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ، ينتظر متى يؤمر فينفخ " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا سليمان التيمي ، عن أسلم العجلي ، عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال : قال أعرابي : يا رسول الله ، ما الصور؟
قال : " قرن ينفخ فيه .
وقد روينا حديث الصور بطوله ، من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني ، في كتابه " الطوالات " قال : حدثنا أحمد بن الحسن المصري الأيلي ، حدثنا أبو عاصم النبيل ، حدثنا إسماعيل بن رافع ، عن محمد بن زياد ، عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة ، - رضي الله عنه - قال : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في طائفة من أصحابه ، فقال : " إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض ، خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه ، شاخصا بصره إلى العرش ، ينتظر متى يؤمر " .
قلت : يا رسول الله ، وما الصور؟
قال " القرن " .
قلت : كيف هو؟
قال : " عظيم ، والذي بعثني بالحق ، إن عظم دارة فيه كعرض السموات والأرض .
ينفخ فيه ثلاث نفخات : النفخة الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين .
يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى ، فيقول .
انفخ ، فينفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السموات [ وأهل ] الأرض إلا من شاء الله .
ويأمره فيديمها ويطيلها ولا يفتر ، وهي كقول الله : ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ) ، فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب ، فتكون سرابا " .
ثم ترتج الأرض بأهلها رجة فتكون كالسفينة المرمية في البحر ، تضربها الأمواج ، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق بالعرش ، ترجرجه الرياح ، وهي التي يقول ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة ) [ النازعات : 6 - 8 ] ، فيميد الناس على ظهرها ، وتذهل المراضع ، وتضع الحوامل ، وتشيب الولدان ، وتطير الشياطين هاربة من الفزع ، حتى تأتي الأقطار ، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها ، فترجع ، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم ، ينادي بعضهم بعضا ، وهو الذي يقول الله تعالى : ( يوم التناد ) [ غافر : 32 ] .
فبينما هم على ذلك ، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر ، فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله ، وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ، ثم نظروا إلى السماء ، فإذا هي كالمهل ، ثم انشقت فانتشرت نجومها ، وانخسف شمسها وقمرها .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك " قال أبو هريرة : يا رسول الله ، من استثنى الله ، عز وجل ، حين يقول : ( ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) [ النمل : 87 ] ، قال : " أولئك الشهداء ، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء ، وهم أحياء عند الله يرزقون ، وقاهم الله فزع ذلك اليوم ، وآمنهم منه ، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه " ، قال : وهو الذي يقول الله ، عز وجل : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ) [ الحج : 1 ، 2 ] فيكونون في ذلك العذاب ما شاء الله ، إلا أنه يطول .
ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق ، فينفخ نفخة الصعق ، فيصعق أهل السموات [ وأهل ] الأرض إلا من شاء الله ، فإذا هم قد خمدوا ، وجاء ملك الموت إلى الجبار ، عز وجل ، فيقول : يا رب ، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت .
فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي - : فمن بقي؟
فيقول : يا رب ، بقيت أنت الحي الذي لا تموت ، وبقيت حملة العرش ، وبقي جبريل وميكائيل وبقيت أنا .
فيقول الله ، عز وجل : ليمت جبريل وميكائيل .
فينطق الله العرش فيقول : يا رب ، يموت جبريل وميكائيل !!
فيقول : اسكت ، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي ، فيموتان .
ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار [ عز وجل ] فيقول يا رب ، قد مات جبريل وميكائيل .
فيقول الله [ عز وجل ] - وهو أعلم بمن بقي - : فمن تبقى؟
فيقول : بقيت أنت الحي الذي لا تموت ، وبقيت حملة عرشك ، وبقيت أنا .
فيقول الله ، [ عز وجل ] ليمت حملة عرشي .
فيموتوا ، ويأمر الله العرش .
فيقبض الصور منإسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول : يا رب ، قد مات حملة عرشك .
فيقول الله - وهو أعلم بمن بقي - : : فمن بقي؟
فيقول : يا رب ، بقيت أنت الحي الذي لا تموت ، وبقيت أنا .
فيقول الله [ عز وجل ] أنت خلق من خلقي ، خلقتك لما رأيت ، فمت .
فيموت .
فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد [ الصمد ] الذي لم يلد ولم يولد ، كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض طي السجل للكتب ثم دحاهما ثم يلقفهما ثلاث مرات ، ثم يقول : أنا الجبار ، أنا الجبار ، أنا الجبار ثلاثا .
ثم هتف بصوته : ( لمن الملك اليوم ) ثلاث مرات ، فلا يجيبه أحد ، ثم يقول لنفسه : ( لله الواحد القهار ) [ غافر : 16 ] ، يقول الله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) [ إبراهيم : 48 ] ، فيبسطهما ويسطحهما ، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي ( لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) [ طه : 107 ] .
ثم يزجر الله الخلق زجرة ، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة مثل ما كانوا فيها من الأولى ، من كان في بطنها كان في بطنها ، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ، ثم ينزل الله [ عز وجل ] عليهم ماء من تحت العرش ، ثم يأمر الله السماء أن تمطر ، فتمطر أربعين يوما ، حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعا ، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت كنبات الطراثيث - أو : كنبات البقل - حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت ، قال الله ، عز وجل : ليحيا حملة عرشي ، فيحيون .
ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور ، فيضعه على فيه ، ثم يقول : ليحيا جبريل وميكائيل فيحيان ، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها تتوهج أرواح المسلمين نورا ، وأرواح الكافرين ظلمة ، فيقبضها جميعا ثم يلقيها في الصور .
ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث ، فينفخ نفخة البعث ، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض ، فيقول [ الله ] وعزتي وجلالي ، ليرجعن كل روح إلى جسده ، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد ، فتدخل في الخياشيم ، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ، ثم تنشق الأرض عنكم وأنا أول من تنشق الأرض عنه ، فتخرجون سراعا إلى ربكم تنسلون ( مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر ) [ القمر : 8 ] حفاة عراة [ غلفا ] غرلا فتقفون موقفا واحدا مقداره سبعون عاما ، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم ، فتبكون حتى تنقطع الدموع ، ثم تدمعون دما وتعرقون حتى يلجمكم العرق ، أو يبلغ الأذقان ، وتقولون من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا؟
فتقولون من أحق بذلك من أبيكم آدم خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وكلمه قبلا؟
فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه فيأبى ، ويقول : ما أنا بصاحب ذلك .
فيستقرءون الأنبياء نبيا نبيا ، كلما جاءوا نبيا ، أبى عليهم " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " حتى يأتوني ، فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدا " قال أبو هريرة : يا رسول الله ، وما الفحص؟
قال : " قدام العرش حتى يبعث الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي ، ويرفعني ، فيقول لي : يا محمد فأقول : نعم يا رب .
فيقول الله ، عز وجل : ما شأنك؟
وهو أعلم ، فأقول : يا رب ، وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك ، فاقض بينهم .
قال [ الله ] قد شفعتك ، أنا آتيكم أقضي بينكم " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فأرجع فأقف مع الناس ، فبينما نحن وقوف ، إذ سمعنا حسا من السماء شديدا ، فهالنا فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض ، أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مصافهم ، وقلنا لهم : أفيكم ربنا؟
قالوا : لا وهو آت .
ثم ينزل [ من ] أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ، وبمثلي من فيها من الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض ، أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مصافهم ، وقلنا لهم : أفيكم ربنا؟
فيقولون : لا وهو آت .
ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف ، حتى ينزل الجبار ، عز وجل ، في ظلل من الغمام والملائكة ، فيحمل عرشه يومئذ ثمانية - وهم اليوم أربعة - أقدامهم في تخوم الأرض السفلى والأرض والسموات إلى حجزتهم والعرش على مناكبهم ، لهم زجل في تسبيحهم ، يقولون : سبحان ذي العرش والجبروت ، سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت ، سبوح قدوس قدوس قدوس ، سبحان ربنا الأعلى ، رب الملائكة والروح ، سبحان ربنا الأعلى ، الذي يميت الخلائق ولا يموت ، فيضع الله كرسيه حيث يشاء من أرضه ، ثم يهتف بصوته يا معشر الجن والإنس ، إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا ، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم ، فأنصتوا إلي ، فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .
ثم يأمر الله جهنم ، فيخرج منها عنق [ مظلم ] ساطع ، ثم يقول : ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون ) - أو : بها تكذبون - شك أبو عاصم - ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ) [ يس : 60 - 64 ] فيميز الله الناس وتجثو الأمم .
يقول الله تعالى : ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) [ الجاثية : 28 ] فيقضي الله ، عز وجل ، بين خلقه ، إلا الثقلين الجن والإنس ، فيقضي بين الوحش والبهائم ، حتى إنه ليقضي للجماء من ذات القرن ، فإذا فرغ من ذلك ، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى قال الله [ لها ] كوني ترابا .
فعند ذلك يقول الكافر : ( يا ليتني كنت ترابا ) [ النبأ : 40 ] ثم يقضي الله [ عز وجل ] بين العباد ، فكان أول ما يقضي فيه الدماء ، ويأتي كل قتيل في سبيل الله ، عز وجل ، ويأمر الله [ عز وجل ] كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أوداجه يقول : يا رب ، فيم قتلني هذا؟
فيقول - وهو أعلم - : فيم قتلتهم؟
فيقول : قتلتهم لتكون العزة لك .
فيقول الله له : صدقت .
فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس ، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة .
ويأتي كل من قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه ، فيقول : يا رب ، [ فيم ] قتلني هذا؟
فيقول - وهو أعلم - : لم قتلتهم؟
فيقول : يا رب ، قتلتهم لتكون العزة لك ولي .
فيقول : تعست .
ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل بها ، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها ، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه ، وإن شاء رحمه .
ثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها [ الله ] للمظلوم من الظالم ، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه أن يخلص اللبن من الماء .
فإذا فرغ الله من ذلك ، ناد مناد يسمع الخلائق كلهم : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله .
فلا يبقى أحد عبد من دون الله إلا مثلت له آلهته بين يديه ، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير ، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم .
ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى ، ثم قادتهم آلهتهم إلى النار ، وهو الذي يقول [ تعالى ] ( لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) [ الأنبياء : 99 ] .
فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون ، جاءهم الله فيما شاء من هيئته ، فقال : يا أيها الناس ، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون .
فيقولون : والله ما لنا إله إلا الله ، وما كنا نعبد غيره ، فينصرف عنهم ، وهو الله الذي يأتيهم فيمكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم يأتيهم فيقول : يا أيها الناس ، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون .
فيقولون : والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره ، فيكشف لهم عن ساقه ، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم ، فيخرون سجدا على وجوههم ، ويخر كل منافق على قفاه ، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر .
ثم يأذن الله لهم فيرفعون ، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة - أو : كحد السيف - عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان ، دون جسر دحض مزلة ، فيمرون كطرف العين ، أو كلمح البرق ، أو كمر الريح ، أو كجياد الخيل ، أو كجياد الركاب ، أو كجياد الرجال .
فناج سالم ، وناج مخدوش ، ومكردس على وجهه في جهنم .
فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة ، قالوا : من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟
فيقولون : من أحق بذلك من أبيكم آدم - عليه السلام - ، خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وكلمه قبلا؟
فيأتون آدم فيطلبون ذلك إليه ، فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله .
فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه ، فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ويقول عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا .
فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه ، فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ويقول : عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا ، وكلمه وأنزل عليه التوراة .
فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه ، فيذكر ذنبا ويقول : لست بصاحب ذلك ، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم .
فيؤتى عيسى ابن مريم ، فيطلب ذلك إليه ، فيقول : ما أنا بصاحبكم ، ولكن عليكم بمحمد " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فيأتوني - ولي عند ربي ثلاث شفاعات [ وعدنهن ] - فأنطلق فآتي الجنة ، فآخذ بحلقة الباب ، فأستفتح فيفتح لي ، فأحيى ويرحب بي .
فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا ، فيأذن الله لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ، ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع ، وسل تعطه .
فإذا رفعت رأسي يقول الله - وهو أعلم - : ما شأنك؟
فأقول : يا رب ، وعدتني الشفاعة ، فشفعني في أهل الجنة فيدخلون الجنة ، فيقول الله : قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة " .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " والذي نفسي بيده ، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم ، فيدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة ، سبعين مما ينشئ الله ، عز وجل ، وثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله ، لعبادتهما الله في الدنيا .
فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة ، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ ، عليها سبعون زوجا من سندس وإستبرق ، ثم إنه يضع يده بين كتفيها ، ثم ينظر إلى يده من صدرها ، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها ، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت ، كبدها له مرآة ، وكبده لها مرآة .
فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ، ما يفتر ذكره ، وما تشتكي قبلها .
فبينا هو كذلك إذ نودي : إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل ، إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن لك أزواجا غيرها .
فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة ، كلما أتى واحدة [ له ] قالت : له والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ، ولا في الجنة شيء أحب إلي منك .
وإذا وقع أهل النار في النار ، وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم ، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك ، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه ، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه ، ومنهم من تأخذه إلى حقويه ، ومنهم من تأخذ جسده كله ، إلا وجهه حرم الله صورته عليها " .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فأقول يا رب ، من وقع في النار من أمتي .
فيقول : أخرجوا من عرفتم ، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد .
ثم يأذن الله في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع ، فيقول الله : أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة الدينار إيمانا .
فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ، ثم يشفع الله فيقول : أخرجوا من [ وجدتم ] في قلبه إيمانا ثلثي دينار .
ثم يقول : ثلث دينار .
ثم يقول : ربع دينار .
ثم يقول : قيراطا .
ثم يقول : حبة من خردل .
فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرا قط ، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع ، حتى إن إبليس ليتطاول مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له ، ثم يقول : بقيت وأنا أرحم الراحمين .
فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره ، كأنهم حمم ، فيلقون على نهر يقال له : نهر الحيوان ، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ما يلقى الشمس منها أخيضر ، وما يلي الظل منها أصيفر ، فينبتون كنبات الطراثيث ، حتى يكونوا أمثال الذر ، مكتوب في رقابهم : " الجهنميون عتقاء الرحمن " ، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ، ما عملوا خيرا لله قط ، فيمكثون في الجنة ما شاء الله ، وذلك الكتاب في رقابهم ، ثم يقولون : ربنا امح عنا هذا الكتاب ، فيمحوه الله ، عز وجل ، عنهم " .
هذا حديث [ مشهور ] وهو غريب جدا ، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة .
تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة ، وقد اختلف فيه ، فمنهم من وثقه ، ومنهم من ضعفه ، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس ، ومنهم من قال فيه : هو متروك .
وقال ابن عدي : أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء .
قلت : وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة ، قد أفردتها في جزء على حدة .
وأما سياقه ، فغريب جدا ، ويقال : إنه جمعه من أحاديث كثيرة ، وجعله سياقا واحدا ، فأنكر عليه بسبب ذلك .
وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول : إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث ، فالله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد, الداعيك إلى عبادة الأوثان: " أمرنا لنسلم لرب العالمين، الذي خلق السماوات والأرض بالحق, لا من لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر ".
* * * واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " بالحق ".
فقال بعضهم: معنى ذلك، وهو الذي خلق السماوات والأرض حقًّا وصوابًا, لا باطلا وخطأ, كما قال تعالى ذكره: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا [سورة ص: 27] .
قالوا: وأدخلت فيه " الباء " و " الألف واللام ", كما تفعل العرب في نظائر ذلك فتقول: " فلان يقول بالحق ", بمعنى: أنه يقول الحق.
قالوا: ولا شيء في" قوله بالحق " غير إصابته الصواب فيه = لا أنّ" الحق " معنى غير " القول " , وإنما هو صفةٌ للقول، إذا كان بها القول، كان القائل موصوفًا بالقول بالحق، وبقول الحق.
قالوا: فكذلك خلق السماوات والأرض، حكمة من حكم الله, فالله موصوف بالحكمة في خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه = لا أنّ ذلك حقٌّ سوى خَلْقِهما خَلَقَهما به.
(36) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، [سورة فصلت: 11] .
قالوا: فالحق، في هذا الموضع معنيّ به: كلامه.
واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله: " ويوم يقول كن فيكون قوله الحق "،" الحق " هو قوله وكلامه.
(37) قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة.
(38) قالوا: فإذْ كان ذلك كذلك, وجب أن يكون كلام الله الذي خلق به الخلق غيرَ مخلوق.
* * * وأما قوله: " ويوم يقول كن فيكون "، فإن أهل العربية اختلفوا في العامل في" يوم يقول "، وفي معنى ذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: " اليوم " مضاف إلى " يقول كن فيكون ".
(39) قال: وهو نصب، وليس له خبر ظاهر, والله أعلم, وهو على ما فسرت لك = كأنه يعني بذلك أن نصبه على: واذكر يوم يقول كن فيكون.
قال: وكذلك: " يوم ينفخ في الصور "، قال: وقال بعضهم: يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة.
(40) * * * وقال بعضهم: " يقول كن فيكون " للصور خاصة (41) = فمعنى الكلام على تأويلهم: يوم يقول للصور كن فيكون، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة = فيكون " القول " حينئذ مرفوعًا ب " الحق " و " الحق " ب " القول " ، وقوله: " يوم يقول كن فيكون "، و " يوم ينفخ في الصور "، صلة " الحق ".
* * * وقال آخرون: بل قوله: " كن فيكون "، معنيٌّ به كل ما كان الله مُعِيده في الآخرة بعد إفنائه، ومنشئه بعد إعدامه = فالكلام على مذهب هؤلاء، متناهٍ عند قوله: " كن فيكون "، وقوله: " قوله الحق "، خبر مبتدأ = وتأويله: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق, ويوم يقول للأشياء كن فيكون خلقهما بالحق بعد فنائهما.
ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقَه أنه معيدهما بعد فنائهما عن أنه حق فقال: قوله هذا، الحقّ الذي لا شك فيه.
وأخبر أن له الملك يوم ينفخ في الصور = ف يوم ينفخ في الصور "، يكون على هذا التأويل من صلة " الملك ".
وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله: " يوم ينفخ في الصور " من صلة " الحق ".
* * * وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فني: " كن "، فيكون قوله الحق, فجعل " القول " مرفوعًا بقوله " ويوم يقول كن فيكون "، وجعل قوله: " كن فيكون "، للقول محلا وقوله: " يوم ينفخ في الصور "، من صلة " الحق " = كأنه وجه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ في الصور.
وإن جعل على هذا التأويل " يوم ينفخ في الصور " بيانًا عن اليوم الأول, كان وجهًا صحيحًا.
ولو جعل قوله: " قوله الحق "، مرفوعًا بقوله: " يوم ينفخ في الصور "، وقوله: " يوم ينفخ في الصور "، محلا وقوله: " ويوم يقول كن فيكون " من صلته، كان جائزًا.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرَ أنه المنفرد بخلق السماوات والأرض دون كل ما سواه, معرِّفًا من أشرك به من خلقه جهلَه في عبادة الأوثان والأصنام، وخطأ ما هم عليه مقيمون من عبادة ما لا يضر ولا ينفع، ولا يقدر على اجتلاب نفع إلى نفسه، ولا دفع ضر عنها = ومحتجًّا عليهم في إنكارهم البعثَ بعد الممات والثوابَ والعقاب، بقدرته على ابتداع ذلك ابتداءً, وأن الذي ابتدع ذلك غير متعذر عليه إفناؤه ثم إعادته بعد إفنائه, فقال: " وهو الذي خلق "، أيها العادلون بربهم من لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء =" السماوات والأرض بالحق ", حجة على خلقه, ليعرفوا بها صانعها، وليستدلُّوا بها على عظيم قدرته وسلطانه, فيخلصوا له العبادة =" ويوم يقول كن فيكون "، يقول: ويوم يقول حين تبدل الأرض غير الأرض والسماوات كذلك: " كن فيكون ", كما شاء تعالى ذكره, فتكون الأرض غير الأرض = ويكون [الكلام] عند قوله: " كن فيكون " متناهيًا.
(42) وإذا كان كذلك معناه، وجب أن يكون في الكلام محذوفٌ يدلّ عليه الظاهر, ويكون معنى الكلام: ويوم يقول كذلك: " كن فيكون " تبدل [السماوات والأرض] غير السماوات والأرض.
(43) ويدلّ على ذلك قوله: " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق "، ثم ابتدأ الخبر عن القول فقال: " قوله الحق "، بمعنى وعدُه هذا الذي وَعدَ تعالى ذكره، من تبديله السماوات والأرض غير الأرض والسماوات, الحقُّ الذي لا شك فيه =" وله الملك يوم ينفخ في الصور "، فيكون قوله: " يوم ينفخ في الصور "، من صلة " الملك " = ويكون معنى الكلام: ولله الملك يومئذ، لأن النفخة الثانية في الصور حال تبديل الله السماوات والأرض غيرهما.
وجائز أن يكون " القول " أعنى: " قوله الحق "، = مرفوعًا بقوله: " ويوم يقول كن فيكون ", ويكون قوله: " كن فيكون " محلا للقول مرافعًا، فيكون تأويل الكلام: وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق, ويوم يبدلها غير السماوات والأرض، فيقول لذلك: " كن فيكون "،" قوله الحق ".
* * * وأما قوله: " وله الملك يوم ينفخ في الصور "، فإنه خُصّ بالخبر عن ملكه يومئذ, وإن كان الملك له خالصًا في كل وقت في الدنيا والآخرة، لأنه عنى تعالى ذكره أنه لا منازع له فيه يومئذ ولا مدّعي له, وأنه المنفرد به دون كل من كان ينازعه فيه في الدنيا من الجبابرة، فأذعن جميعهم يومئذ له به, وعلموا أنهم كانوا من دعواهم في الدنيا في باطل.
* * * واختلف في معنى " الصور " في هذا الموضع.
فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه نفختان: إحداهما لفناء من كان حيًّا على الأرض, والثانية لنشر كل مَيْتٍ.
واعتلوا لقولهم ذلك بقوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر : 68] ، وبالخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذ سئل عن الصور: هو قرن يُنفخ فيه.
(44) * * * وقال آخرون: " الصور " في هذا الموضع جمع " صورة "، ينفخ فيها روحها فتحيا, كقولهم: (45) " سور " لسور المدينة, وهو جمع " سورة ", كما قال جرير: سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعَ (46) * * * والعرب تقول: " نفخ في الصور " و " نفخ الصور "، ومن قولهم: " نفخ الصور " (47) قول الشاعر: (48) لَـوْلا ابْـنُ جَـعْدَةَ لَـمْ تُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ وَلا خُرَاسَـانَ حَـتَّى يُنْفَـخَ الصُّـورُ (49) قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أنه قال: " إن إسرافيلَ قد التقم الصور وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ "، (50) وأنه قال: " الصور قرن ينفخ فيه ".
(51) * * * وذكر عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة "، يعني: أن عالم الغيب والشهادة، هو الذي ينفخ في الصور.
13432 - حدثني به المثنى قال، حدثنا عبدالله بن صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " عالم الغيب والشهادة "، يعني: أنّ عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور .
* * * = فكأن ابن عباس تأوّل في ذلك أن قوله: " عالم الغيب والشهادة "، اسم الفاعل الذي لم يسمَّ في قوله: " يوم ينفخ في الصور "، وأن معنى الكلام: يوم ينفخ الله في الصور، عالم الغيب والشهادة.
كما تقول العرب: " أُكلَ طعامك، عبدُ الله ", فتظهر اسم الآكل بعد أن قد جرى الخبر بما لم يسم آكله.
وذلك وإن كان وجهًا غير مدفوع, فإن أحسن من ذلك أن يكون قوله: " عالم الغيب والشهادة "، مرفوعًا على أنه نعت ل " الذي"، في قوله: " وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق " .
* * * وروي عنه أيضًا أنه كان يقول: " الصور " في هذا الموضع، النفخة الأولى.
13433 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة "، يعني بالصور: النفخة الأولى, ألم تسمع أنه يقول: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى يعني الثانية فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر: 68].
* * * ويعني بقوله: " عالم الغيب والشهادة " ، عالم ما تعاينون: أيها الناس, فتشاهدونه, (52) وما يغيب عن حواسكم وأبصاركم فلا تحسونه ولا تبصرونه (53) =" وهو الحكيم "، في تدبيره وتصريفه خلقه من حال الوجود إلى العدم, ثم من حال العدم والفناء إلى الوجود, ثم في مجازاتهم بما يجازيهم به من ثواب أو عقاب (54) =" الخبير "، بكل ما يعملونه ويكسبونه من حسن وسيئ, حافظ ذلك عليهم ليحازيهم على كل ذلك.
(55) يقول تعالى ذكره: فاحذروا، أيها العادلون بربكم، عقابَه, فإنه عليم بكل ما تأتون وتذرون, وهو لكم من وراء الجزاء على ما تعملون.
* * * --------------- الهوامش : (36) في المطبوعة: "سوى خلقهما به" ، أساء وحذف وبدل وأفسد الكلام ، ثم ضبط"سوى" فعلا بتشديد الواو ، وجعل"خلقهما به" مصدرًا منصوبًا بالفعل.
وهو فساد وخطل.
والصواب ما في المخطوطة: "سوى" (بكسر السين) بمعنى"غير" و"خلقهما" الأولى مصدر مضاف مجرور ، و"خلقهما به" فعل ماض.
وهذا حق المعنى وصوابه.
وهذا من عبث الناشرين والمصححين ، يستعيذ المرء من مثله ، فإنه ناقض للأمانة أولا ، ولمعاني العقل والفقه بعد ذلك.
(37) هذه العبارة فيها في المخطوطة سقط وتكرار ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب.
(38) كانت هذه العبارة في المطبوعة: "كما خلق به الأشياء غير المخلوقة" ، وهو كلام ساقط جدًا ، فاسد المعنى بل هو غاية في فساد المعنى.
والذي في المخطوطة: "مما خلق به الأشياء بغير الأشياء المخلوقة" ، وهي محرفة ، صواب قراءتها ما أثبت ، يدل على ذلك الجملة الآتية.
ويعني أن الذي خلق به الأشياء - هو غير الأشياء المخلوقة ، وإذا كان غيرها ، فهو غير مخلوق.
(39) في المخطوطة: "مضاف إلى كن فيكون" ، والصواب ما في المطبوعة.
(40) هذه الجملة الأخيرة لم أعرف لها هنا موقعًا ، ولكني تركتها على حالها.
وهي منقطعة عما بعدها بلا شك ، فإن الذي يليها هو مقالة الفراء من الكوفيين.
وأخشى أن يكون سقط من الكلام شيء.
(41) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 340.
(42) في المطبوعة: "فتكون الأرض غير الأرض عند قوله: كن فيكون ، متناهيًا" ، وهي كلام سقيم ، أسقط من المخطوطة: "ويكون" ، هي ثابتة فيها ، ولكن أسقط الناسخ ما وضعته بين القوسين ، وبذلك استقامت العبارة.
وهذا بين من السياق.
(43) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وفي المخطوطة: "تبدله" مكان"تبدل" والصواب ما في المطبوعة.
والناسخ في هذا الموضع قد أسقط الكلام وأفسده.
(44) رواه أحمد في مسند عبد الله بن عمرو رقم: 6507 ، وانظر تعليق أخي السيد أحمد عليه.
ورواه أبو داود في سننه 4: 326 ، رقم: 326 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، والترمذي في باب"ما جاء في الصور" ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه الحاكم في المستدرك 4: 560 ، وقال: "حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.
و"القرن" ، البوق يتخذ من القرون ، ينفخ فيه.
(45) في المطبوعة والمخطوطة: "لقولهم" ، والصواب بالكاف كما أثبته.
(46) مضى تخريجه وتمامه فيما سلف 2: 17 ، 242.
(47) انظر تفسير"نفخ" فيما سلف 6: 426 ، 427.
(48) لم أعرف قائله.
(49) معاني القرآن للفراء 1: 340 ، نسب قريش: 345 ، المعرب للجواليقي: 267 اللسان (صور).
و"ابن جعدة" ، هو: "عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي" ، وكان أبوه"جعدة بن هبيرة" على خراسان ، ولاه علي بن أبي طالب.
و"القهندز" (بضم القاف والهاء وسكون النون ، وضم الدال).
من لغة أهل خراسان ، يعنون بها: الحصن أو القلعة.
(50) رواه الترمذي في باب"ما جاء في الصور" ، وفي أول تفسير سورة الزمر وذكره ابن كثير في تفسيره 3: 337 ، ثم قال: "رواه مسلم في صحيحه" ، ولم أستطع أن أعرف مكانه في صحيح مسلم.
(51) انظر التعليق السالف ص: 462 ، تعليق: 1 (52) انظر تفسير"الشهادة" فيما سلف من فهارس اللغة (شهد).
(53) انظر تفسير"الغيب" فيما سلف ص: 402 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(54) انظر تفسير"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (حكم).
(55) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).
قوله تعالى وهو الذي إليه تحشرون ابتداء وخبر .وكذا وهو الذي خلق السماوات والأرض أي فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام .ومعنى بالحق أي بكلمة الحق .
يعني قوله كن .قوله تعالى ويوم يقول كن فيكون أي واذكر يوم يقول كن .
أو اتقوا يوم يقول كن .
أو قدر يوم يقول كن .
وقيل : هو عطف على الهاء في قوله : واتقوه قال الفراء : كن فيكون يقال : إنه للصور خاصة ; أي ويوم يقول للصور كن فيكون .
وقيل : المعنى فيكون جميع ما أراد من موت الناس وحياتهم وعلى هذين التأويلين يكون قوله الحق وله الملك ابتداء وخبرا .
وقيل : إن قوله تعالى : " قوله " رفع ب " يكون " أي فيكون ما يأمر به .
والحق من نعته .
ويكون التمام على هذا فيكون قوله الحق .
وقرأ ابن عامر " فيكون " بالنصب ، وهو إشارة إلى سرعة الحساب والبعث .
وقد تقدم في [ البقرة ] القول فيه مستوفى .قوله تعالى يوم ينفخ في الصور أي وله الملك يوم ينفخ في الصور .
أو وله الحق يوم ينفخ في الصور .
وقيل : هو بدل من يوم يقول .
والصور قرن من نور ينفخ فيه ، النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء .
وليس جمع صورة كما زعم بعضهم ; أي ينفخ في صور الموتى [ ص: 20 ] على ما نبينه .
روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو .
.
.
ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا ، قال : وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله ، قال : فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وذكر الحديث .
وكذا في التنزيل ثم نفخ فيه أخرى ولم يقل فيها ; فعلم أنه ليس جمع الصورة .
والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل عليه السلام .
قال أبو الهيثم : من أنكر أن يكون الصور قرنا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط ، وطلب لها تأويلات .
قال ابن فارس : الصور الذي في الحديث كالقرن ينفخ فيه ، والصور جمع صورة .
وقال الجوهري : الصور القرن .
قال الراجز : لقد نطحناهم غداة الجمعين نطحا شديدا لا كنطح الصورين ومنه قوله : ويوم ينفخ في الصور .
قال الكلبي : لا أدري ما هو الصور .
ويقال : هو جمع صورة مثل بسرة وبسر ; أي ينفخ في صور الموتى والأرواح .
وقرأ الحسن " يوم ينفخ في الصور " و " الصور " بكسر الصاد لغة في الصور جمع صورة والجمع صوار ، وصيار - بالياء - لغة فيه .
وقال عمرو بن عبيد : قرأ عياض يوم ينفخ في الصور فهذا يعني به الخلق .
والله أعلم .
قلت : وممن قال إن المراد بالصور في هذه الآية جمع صورة أبو عبيدة .
وهذا وإن كان محتملا فهو مردود بما ذكرناه من الكتاب والسنة .
وأيضا لا ينفخ في الصور للبعث مرتين ; بل ينفخ فيه مرة واحدة ; فإسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور الذي هو القرن والله عز وجل يحيي الصور .
وفي التنزيل فنفخنا فيه من روحنا .قوله تعالى عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير برفع عالم صفة ل " الذي " ; أي وهو الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب .
ويجوز أن يرتفع على إضمار المبتدأ .
وقد روي عن بعضهم أنه قرأ " ينفخ " فيجوز أن يكون الفاعل عالم الغيب ; لأنه إذا كان النفخ فيه بأمر [ ص: 21 ] الله عز وجل كان منسوبا إلى الله تعالى .
ويجوز أن يكون ارتفع عالم حملا على المعنى ; كما أنشد سيبويه : ليبك يزيد ضارع لخصومة وقرأ الحسن والأعمش " عالم " بالخفض على البدل من الهاء التي في له .
{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ } ليأمر العباد وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم، { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ } الذي لا مرية فيه ولا مثنوية، ولا يقول شيئا عبثا { وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } أي: يوم القيامة، خصه بالذكر -مع أنه مالك كل شيء- لأنه تنقطع فيه الأملاك، فلا يبقى ملك إلا الله الواحد القهار.
{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } الذي له الحكمة التامة، والنعمة السابغة، والإحسان العظيم، والعلم المحيط بالسرائر والبواطن والخفايا، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
( وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ) قيل : الباء بمعنى اللام ، أي : إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته ، ( ويوم يقول كن فيكون ) قيل : هو راجع إلى خلق السموات والأرض والخلق بمعنى : القضاء والتقدير ، أي كل شيء قضاه وقدره قال له : كن ، فيكون .
وقيل : يرجع إلى القيامة ، يدل على سرعة أمر البعث والساعة ، كأنه قال : ويوم يقول للخلق : موتوا فيموتون ، وقوموا فيقومون ، ( قوله الحق ) أي : الصدق الواقع لا محالة ، يريد أن ما وعده حق كائن ، ( وله الملك يوم ينفخ في الصور ) يعني : ملك الملوك يومئذ زائل ، كقوله : " مالك يوم الدين " ، وكما قال : " والأمر يومئذ لله " ، والأمر له في كل وقت ، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله ، والصور : قرن ينفخ فيه ، قال مجاهد : كهيئة البوق ، وقيل : هو بلغة أهل اليمن ، وقال أبو عبيدة : الصور هو الصور وهو جمع الصورة ، وهو قول الحسن : والأول أصح .
والدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله [ بن أبي توبة أنا أبو طاهر المحاربي أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا أبو عبد الله ] بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أسلم عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما الصور؟
قال : " قرن ينفخ فيه " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه ، وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر " ؟
فقالوا : يا رسول الله وما تأمرنا؟
قال : " قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .
وقال أبو العلاء عن عطية : متى يؤمر بالنفخ فينفخ .
( عالم الغيب والشهادة ) يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه ، لا يغيب عن علمه شيء ، ( وهو الحكيم الخبير ) .
«وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق» أي محقا «و» اذكر «يوم يقول» للشيء «كن فيكون» هو يوم القيامة يقول للخلق قوموا «قولُه الحق» الصدق الواقع لا محالة «وله الملك يوم ينفخ في الصور» القرن النفخة الثانية من إسرافيل لا ملك فيه لغيره (لمن الملك اليوم؟
لله) «عالُم الغيب والشهادة» ما غاب وما شوهد «وهو الحكيم» في خلقه «الخبير» بباطن الأشياء كظاهرها.
والله سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض بالحق، واذكر -أيها الرسول- يوم القيامة إذ يقول الله: "كن"، فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، قوله هو الحق الكامل، وله الملك سبحانه وحده، يوم ينفخ المَلَك في "القرن" النفخة الثانية التي تكون بها عودة الأرواح إلى الأجسام.
وهو سبحانه الذي يعلم ما غاب عن حواسكم -أيها الناس - وما تشاهدونه، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها، الخبير بأمور خلقه.
والله تعالى هو الذي يختص بهذه الأمور وغيرها بدءًا ونهاية، نشأة ومصيرًا، وهو وحده الذي يجب على العباد الانقياد لشرعه، والتسليم لحكمه، والتطلع لرضوانه ومغفرته.
وقوله { وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق } معطوف على قوله { وَهُوَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .قال الآلوسى : " ولعله أريد بخلقهما خلق ما فيهما - أيضاً - وعدم التصريح بذلك لظهور اشتمالها على جميع المعلومات والسفليات .وقوله " بالحق " متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل " خلق " أى : قائما بالحق ، وجوز أن يكون صفة لمصدر الفعل المؤكد أى : خلقا متلبسا بالحق " .والحق فى الأصل مصدر حق إذا ثبت ، ثم صار اسما للأمر الثابت الذى لا ينكر ، وهو ضد الباطل .وقوله { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } أى : وقضاؤه المعروف بالحقيقة كائن ، حين يقول - سبحانه - لشىء من الأشياء " كن فيكون " ذلك الشىء يحدث .و { وَيَوْمَ } خبر مقدم ، و { قَوْلُهُ } مبتدأ مؤخر ، و { الحق } صفته .والجملة الكريمة بيان لقدرته - تعالى - على حشر المخلوقات بكون مراده لا يتخلف عن أمره ، وإن قوله هو النافذ وأمره هو الواقع قال - تعالى - { إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وفى قوله { قَوْلُهُ الحق } صيغة قصر للمبالغة أى : هو الحق الكامل ، لأن أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحق فهى معرضة للخطأ وما كان فيها غير معرض للخطأ فهو من وحى الله أو من نعمته بالعقل والإصابة للحق .وقوله { وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور } أى : أن الملك لله تعالى وحده فى ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواه .قال أبو السعود : " وتقييد اختصاص الملك له - تعالى - بذلك اليوم مع عموم الاختصاص لجميع الأوقات لغاية ظهور ذلك بانقطاع العلائق المجازية الكائنة فى الدنيا المصححة للمالكية المجازية فى الجملة ، فهو كقوله - تعالى - { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } وقوله { الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } المراد " بالصور " القرن الذى ينفخ فيه الملك نفخة الصعق والموت ، ونفخة البعث والنشور والله أعلم بحقيقته .وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : إن أعرابياً سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال : " قرن ينفخ فيه " رواه أبو داود والترمذى والحاكم عنه أيضاً .وقيل المراد بالصور هنا جمع صورة والمراد بها الأبدان أى : يوم ينفخ فى صور الموجودات فتعود إلى الحياة .ثم ختمت الآية بما يدل على سعة علم الله - تعالى - وعظم إتقانه فى صنعه فقال - تعالى - : { عَالِمُ الغيب والشهادة وَهُوَ الحكيم الخبير } .الغيب : ما غاب عن الناس فلم يدركوه ، الشهادة : ضد الغيب وهى الأمور التى يشاهدها الناس ويتوصلون إلى عملها .وصفة { الحكيم } تجمع إتقان الصنع فدل على عظم القدرة مع تعلق العلم بالمصنوعات .
وصفى { الخبير } تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيها .أى : فهو - سبحانه - وحده العالم بأحوال جميع الموجودات ما غاب منها وما هو مشاهد ، وهو ذو الحكمة فى جميع أفعاله والعالم بالأمور الجلية والخفية .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام، ذكر هاهنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية، وذكر فيها أنواعاً كثيرة من الدلائل.
أولها: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض بالحق ﴾ أما كونه خالقاً للسموات والأرض، فقد شرحنا في قوله: ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض ﴾ وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ﴾ وفيه قولان.
القول الأول: وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق، فكان ذلك التصرف حسناً على الإطلاق وحقاً على الإطلاق.
والقول الثاني: وهو قول المعتزلة أن معنى كونه حقاً أنه واقع على وفق مصالح المكلفين مطابق لمنافعهم.
قال القاضي: ويدخل في هذه الآية أنه خلق المكلف أولاً حتى يمكنه الانتفاع بخلق السموات والأرض، ولحكماء الإسلام في هذا الباب طريقة أخرى، وهي أنه يقال: أودع في هذه الأجرام العظيمة قوى وخواص يصدر بسببها عنها آثار وحركات مطابقة لمصالح هذا العالم ومنافعه.
وثانيها: قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ﴾ في تأويل هذه الآية قولان.
الأول: التقدير وهو الذي خلق السموات والأرض وخلق يوم يقول كن فيكون، والمراد من هذا اليوم يوم القيامة، والمعنى أنه تعالى هو الخالق للدنيا ولكل ما فيها من الأفلاك والطبائع والعناصر والخالق ليوم القيامة والبعث ولرد الأرواح إلى الأجساد على سبيل كن فيكون.
والوجه الثاني: في التأويل أن نقول قوله: ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ظرف دال على الخبر، والتقدير: قوله: ﴿ الحق ﴾ واقع ﴿ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ كقولك يوم الجمعة القتال، ومعناه القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد من كون قوله حقاً في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث.
وثالثها: قوله: ﴿ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ فقوله: ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ يفيد الحصر، والمعنى: أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى، فالمراد بالكلام الثاني تقريراً لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض.
فإن قال قائل: قول الله حق في كل وقت، وقدرته كاملة في كل وقت، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين؟
قلنا: لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر، فكان الأمر كما قال سبحانه: ﴿ والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ فلهذا السبب حسن هذا التخصيص.
ورابعها: قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ تقديره، وهو عالم الغيب والشهادة.
واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين: أحدهما: كونه قادراً على كل الممكنات، والثاني: كونه عالماً بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادراً على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضاً منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي.
والمؤمن بالكافر، والصديق بالزنديق، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة.
أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود، فقوله: ﴿ وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ يدل على كمال القدرة، وقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقاً، وأن يكون حكمه صدقاً، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل.
ثم قال: ﴿ وَهُوَ الحكيم الخبير ﴾ والمراد من كونه حكيماً أن يكون مصيباً في أفعاله، ومن كونه خبيراً، كونه عالماً بحقائقها من غير اشتباه ومن غير التباس.
والله أعلم.
المسألة الثانية: قد ذكرنا في كثير من هذا الكتاب أنه ليس المراد بقوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ خطاباً وأمراً لأن ذلك الأمر إن كان للمعدوم فهو محال، وإن كان للموجود فهو أمر بأن يصير الموجود موجوداً وهو محال، بل المراد منه التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات وإيجاد الموجودات.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور ﴾ ولا شبهة أن المراد منه يوم الحشر، ولاشبهة عند أهل الإسلام أن الله سبحانه خلق قرناً ينفخ فيه ملك من الملائكة وذلك القرن يسمى بالصور على ما ذكر الله تعالى هذا المعنى في مواضع من الكتاب الكريم ولكنهم اختلفوا في المراد بالصور في هذه الآية على قولين: القول الأول: أن المراد منه ذلك القرن الذي ينفخ فيه وصفته مذكورة في سائر السور.
والقول الثاني: إن الصور جمع صورة والنفخ في الصور عبارة عن النفخ في صور الموتى، وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
قال الواحدي رحمه الله: أخبرني أبو الفضل العروضي عن الأزهري عن المنذري عن أبي الهيثم: أنه قال ادعى قوم أن الصور جمع الصورة كما أن الصوف جمع الصوفة والثوم جمع الثومة، وروي ذلك عن أبي عبيدة قال أبو الهيثم، وهذا خطأ فاحش لأن الله تعالى قال: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور ﴾ فمن قرأ ونفخ في الصور، وقرأ ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ فقد افترى الكذب، وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبار وغرائب، ولم يكن له معرفة بالنحو، قال الفراء: كل جمع على لفظ الواحد المذكر سبق جمعه واحده، فواحده بزيادة هاء فيه، وذلك مثل الصوف والوبر والشعر والقطن والعشب فكل واحد من هذه الأسماء اسم لجميع جنسه، وإذا أفردت واحدته زيدت فيها هاء لأن جمع هذا الباب سبق واحده، ولو أن الصوفة كانت سابقة للصوف لقالوا صوفة وصوف وبسرة وبسر كما قالوا غرفة وغرف، وزلفة وزلف، وأما الصور القرن فهو واحد لا يجوز أن يقال واحدته صورة وإنما تجمع صورة الإنسان صوراً لأن واحدته سبقت جمعه، قال الأزهري: قد أحسن أبو الهيثم في هذا الكلام، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وأقول: ومما يقوي هذا الوجه أنه لو كان المراد نفخ الروح في تلك الصور لأضاف تعالى ذلك النفخ إلى نفسه لأن نفخ الأرواح في الصور يضيفه الله إلى نفسه، كما قال: ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى ﴾ وقال: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ﴾ وقال: ﴿ ثُمَّ أنشأناه خلقاً آخر ﴾ وأما نفح الصور بمعنى النفخ في القرن، فإنه تعالى يضيفه لا إلى نفسه كما قال: ﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور ﴾ وقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض...
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ فهذا تمام القول في هذا البحث، والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ﴾ ؟
قلت: على موضع ﴿ لِنُسْلِمَ ﴾ كأنه قيل: وأمرنا أن نسلم، وأن أقيموا ويجوز أن يكون التقدير وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا: أي للإسلام ولإقامة الصلاة ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ مبتدأ.
ويوم يقول: خبره مقدّماً عليه، وانتصابه بمعنى الاستقراء، كقولك: يوم الجمعة القتال.
واليوم بمعنى الحين.
والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائماً بالحق والحكمة، وحين يقول لشيء من الأشياء ﴿ كُن ﴾ فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي لا يكون شيئاً من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب.
و ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ ﴾ ظرف لقوله: ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ كقوله: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم ﴾ ؟
[غافر: 16] ويجوز أن يكون ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ فاعل يكون، على معنى: وحين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحق ﴿ كُن ﴾ فيكون قوله الحق.
وانتصاب اليوم لمحذوف دلّ عليه قوله ﴿ بالحق ﴾ كأنه قيل: وحين يكوّن ويقدّر يقوم بالحق ﴿ عالم الغيب ﴾ هو عالم الغيب، وارتفاعه على المدح.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ قائِمًا بِالحَقِّ والحِكْمَةِ.
﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ قُدِّمَ فِيها الخَبَرُ أيْ قَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، والمَعْنى أنَّهُ الخالِقُ لِلسَّماواتِ والأرَضِينَ، وقَوْلُهُ الحَقُّ نافِذٌ في الكائِناتِ.
وقِيلَ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى السَّمَواتِ أوِ الهاءِ في واتَّقُوهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ.
وقَوْلُهُ الحَقُّ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ فاعِلٌ يَكُونُ عَلى مَعْنى وحِينَ يَقُولُ لِقَوْلِهِ الحَقَّ أيْ لِقَضائِهِ كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ بِهِ حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها أوْ حِينَ تَقُومُ القِيامَةُ فَيَكُونُ التَّكْوِينُ حَشْرَ الأمْواتِ وإحْياءَها.
﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ هو عالِمُ الغَيْبِ.
﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِلْآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بالحق} بالحكمة أو محقاً {وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ} على الخبر دون الجواب {قوله الحق} مبتدأ ويوم يقول خبره مقدما كما تقول يوم الجمعة قولك الصدق أي قولك الصدق كان يوم الجمعة واليوم بمعنى الحين والمعنى أنه خلق السموات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشئ من الأشياء كن فيكون ذلك الشئ قوله الحق والحكمة أى لا يكون شيء من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب {وَلَهُ الملك} مبتدأ وخبر {يَوْمَ يُنفَخُ} ظرف لقوله وَلَهُ الملك {فِي الصور} هو القرن بلغة اليمن أو جمع صورة {عالم الغيب} هُوَ عَالِمُ الغيب {والشهادة} أي السر والعلانية {وَهُوَ الحكيم} في الإفناء والإحياء {الخبير} بالحساب والجزاء
﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ أيْ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ العَظِيمَيْنِ ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِخَلْقِهِما خَلْقُ ما فِيهِما أيْضًا وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِما عَلى جَمِيعِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (خَلَقَ) أيْ قائِمًا بِالحَقِّ، ومَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ كَما قِيلَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ أيْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، ﴿ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ والَواوُ لِلِاسْتِئْنافِ (واليَوْمَ) بِمَعْنى الحِينِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وقَوْلُهُ مُبْتَدَأٌ و (الحَقُّ) صِفَتُهُ، والمُرادُ بِالقَوْلِ المَعْنى المَصْدَرِيِّ أيِ القَضاءُ الصَّوابُ الجارِي عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ فَلِذا صَحَّ الإخْبارُ عَنْهُ بِظَرْفِ الزَّمانِ أيْ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ المَعْرُوفُ بِالحَقِّيَّةِ كائِنٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحانَهُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ كُنْ فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ بِعُمُومِ الوَقْتِ كَما قِيلَ، ونَفى السَّعْدُ كَوْنَهُ لِلْحَصْرِ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ وجَعَلَ التَّقْدِيمَ لِكَوْنِهِ الِاسْتِعْمالَ الشّائِعَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَعْرُوفَ الشّائِعَ تَقْدِيمُ الخَبَرِ الظَّرْفِيِّ إذا كانَ المُبْتَدَأُ نَكِرَةً غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، أمّا إذا كانَ مَعْرِفَةً فَلَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ، وقِيلَ إنَّ ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(يَوْمَ) ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والواوُ بِحَسَبِ المَعْنى داخِلَةٌ عَلَيْها، والتَّقْدِيمُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ مَدارُ الحَقِّيَّةِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المَقُولِ لَهُ لِلثِّقَةِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ، والمُرادُ بِالقَوْلِ كَلِمَةُ (كُنْ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا، والمَعْنى وأمْرُهُ سُبْحانَهُ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ خُلُقَهُ مِنَ الأشْياءِ حِينَ تُعَلِّقُهُ بِهِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ مِن أفْرادِ الأحْيانِ (الحَقُّ) أيِ المَشْهُودُ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ و(يَوْمَ) إمّا مَعْطُوفٌ عَلى السَّمَواتِ فَهو مَفْعُولٌ لِـ (خَلَقَ) مِثْلُهُ، والمُرادُ بِهِ يَوْمَ الحَشْرِ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَ السَّمَواتِ والأرْضَ وما فِيهِما وأوْجَدَ يَوْمَ الحَشْرِ والمَعادِ، وإمّا عَلى الهاءِ في (اتَّقُوهُ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُهُ أيْضًا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيِ اتَّقُوا اللَّهَ تَعالى واتَّقُوا هَوْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ وعِقابَهُ وفَزَعَهُ.
وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (بِالحَقِّ) أيْ يَقُومُ بِالحَقِّ يَوْمَ إلَخْ وهو إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ كَما قالَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (بِالحَقِّ) وهو ظَرْفٌ لِخَلَقَ أيْ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِعِظَمِها حِينَ قالَ كُنْ فَكانَ.
والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي إحْضارٌ لِلْأمْرِ البَدِيعِ.
وفِيهِ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى صِحَّةِ عَطْفِ الظَّرْفِ عَلى الحالِ بِناءً عَلى أنَّ الحالَ ظَرْفٌ في المَعْنى وهو تَكَلُّفٌ.
و ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أوْ فاعِلٌ يَكُونُ عَلى مَعْنًى، وحِينَ يَقُولُ لَقَوْلِهِ الحَقَّ أيْ لَقَضائِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
والمُرادُ بِهِ حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها أوْ حِينَ يَقُومُ القِيامَةُ فَيَكُونُ التَّكْوِينُ إحْياءَ الأمْواتِ لِلْحَشْرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ ﴿ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ أيِ اسْتَقَرَّ المُلْكُ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ صُورَةً ومَعْنًى بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ في الجُمْلَةِ فَلا يَدَّعِيهِ غَيْرُهُ بِوَجْهِ.
والصُّوَرُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ.
وقَدْ فُصِّلَتْ أحْوالُهُ في كُتُبِ السَّنَةِ.
وصاحِبُهُ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَشْهُورِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أنَّ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالصُّوَرِ يَنْتَظِرانِ مَتّى يُؤْمَرانِ فَيَنْفُخانِ».
وقَرَأ قَتادَةُ (فِي الصُّوَرِ) جَمْعُ صُورَةٍ والمُرادُ بِها الأبْدانُ الَّتِي تَقُومُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيها لِرَبِّ العالَمِينَ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ كُلَّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ 73 - بِجَمِيعِ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ.
والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ وفِيهِ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّبٌ هُنا * * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ أعْلَمُ أنَّ بَعْضَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم ذَكَرُوا أنَّ لِلْغَيْبِ مَراتِبَ أُولاها: غَيْبُ الغُيُوبِ وهو عِلْمُ اللَّهِ تَعالى المُسَمّى بِالعِنايَةِ الأُولى، وثانِيَتُها: غَيْبُ عالَمِ الأرْواحِ وهو انْتِقاشُ صُورَةِ كُلِّ ما وُجِدَ وسَيُوجَدُ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ في العالَمِ الأوَّلِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو رُوحُ العالَمِ المُسَمّى بِأُمِّ الكِتابِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ وهو القَضاءُ السّابِقُ، وثالِثَتُها: غَيْبُ عالَمِ القُلُوبِ وهو ذَلِكَ الِانْتِقاشُ بِعَيْنِهِ مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا عِلْمِيًّا كُلِّيًّا وجُزْئِيًا في عالَمِ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي هي قَلْبُ العالَمِ المُسَمّى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ، ورابِعَتُها: غَيْبُ عالَمِ الخَيالِ وهو انْتِقاشُ الكائِناتِ بِأسْرِها في النُّفُوسِ الجُزْئِيَّةِ الفَلَكِيَّةِ مُنْطَبِعَةً في أجْرامِها مُعَيَّنَةً مُشَخَّصَةً مُقارِنَةً لِأوْقاتِها عَلى ما يَقَعُ بِعَيْنِهِ.
وذَلِكَ العالَمُ هو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا إذْ هو أقْرَبُ مَراتِبِ الغُيُوبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ ولَوْحِ القَدْرِ الإلَهِيِّ الَّذِي هو تَفْصِيلُ قَضائِهِ سُبْحانَهُ، وذَكَرُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو العِنايَةُ الأوْلى عِبارَةٌ عَنْ إحاطَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّ حُضُورًا، فالخَزائِنُ المُشْتَمِلَةُ عَلى جَمِيعِ الغُيُوبِ حاضِرَةٌ لِذاتِهِ ولَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ زائِدٌ ولا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ.
وكَذا أبْوابُ تِلْكَ الخَزائِنِ مُغْلَقَةٌ مَفاتِيحُها بِيَدِهِ تَعالى لا يَطَّلِعُ عَلى ما فِيها أحَدٌ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ يَفْتَحُ مِنها ما شاءَ لِما يَشاءُهُ هَذا وقَدْ يُقالُ: حَقَّقَ كَثِيرٌ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ أنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ وماهِيَّتَها ثابِتَةٌ في الأزَلِ وهي في ثُبُوتِها غَيْرُ مَجْعُولَةٍ وإنَّما المَجْعُولُ الصُّوَرُ الوُجُودِيَّةُ وهي لا تَتَبَدَّلُ ولا تَتَغَيَّرُ ولا تَتَّصِفُ بِالهَلاكِ أصْلًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ ﴾ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى الشَّيْءِ، وتَفْسِيرُ الوَجْهِ بِالحَقِيقَةِ وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى بِها حُضُورِيٌّ وهي كالمَرايا لِصُوَرِها الحادِثَةِ فَتَكُونُ تِلْكَ الصُّوَرُ مَشْهُودَةً لِلَّهِ تَعالى أزَلًا مَعَ عَدَمِها في نَفْسِها ذِهْنًا وخارِجًا، وقَدْ بَيَّنُوا انْطِواءَ العِلْمِ بِها في العِلْمِ بِالذّاتِ بِجَمِيعِ اعْتِباراتِهِ الَّتِي مِنها كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مَبْدَأً لِإفاضَةِ وجُوداتِها عَلَيْها بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَفاتِحَ بِمَعْنى الخَزائِنِ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الماهِيّاتِ الأزَلِيَّةِ الَّتِي هي كالمَرايا لِما غابَ عَنّا مِنَ الصُّوَرِ وتِلْكَ حاضِرَةٌ عِنْدَهُ تَعالى أزَلًا ولا يَعْلَمُها عِلْمًا حُضُورِيًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى صُورَةٍ ظِلِّيَّةٍ إلّا هو جَلَّ وعَلا، وهَذا ظاهِرٌ لِمَن أخَذَتِ العِنايَةُ بِيَدِهِ ﴿ ويَعْلَمُ ما في البَرِّ ﴾ أيْ بَرِّ النُّفُوسِ مِن ألْوانِ الشَّهَواتِ ومَراتِبِها ﴿ والبَحْرِ ﴾ أيْ بَحْرِ القُلُوبِ مِن لَآلِئِ الحِكَمِ ومَرْجانِ العِرْفانِ ﴿ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ ﴾ مِن أوْراقِ أشْجارِ اللُّطْفِ والقَهْرِ في مَهْيَعِ النَّفْسِ وخَصْمِ القَلْبِ ﴿ إلا يَعْلَمُها ﴾ في سائِرِ أحْوالِها ﴿ ولا حَبَّةٍ ﴾ مِن بَذْرِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ فِي ظُلُماتِ الأرْضِ ﴾ وهو عالَمُ الطَّبائِعِ والأشْباحِ ﴿ ولا رَطْبٍ ﴾ مِنَ الإلْهاماتِ الَّتِي تَرِدُ عَلى القَلْبِ بِلُطْفٍ مِن غَيْرِ انْزِعاجٍ ﴿ ولا يابِسٍ ﴾ مِنَ الوَساوِسِ والخَطَراتِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنها النَّفْسُ حِينَ تَرُدُّ عَلَيْها ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ وهو عِلْمُهُ سُبْحانَهُ الجامِعُ، وبَعْضُهم لَمْ يُؤَوِّلْ شَيْئًا مِنَ المَذْكُوراتِ وفَسَّرَ الكِتابَ بِسَماءِ الدُّنْيا لِتَعَيُّنِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ فِيها، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ الكِتابَ إشارَةٌ إلى ماهِيّاتِ الأشْياءِ وهي المُسَمّاةُ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، ومَعْنى كَوْنِها فِيها ما أشَرْنا إلَيْهِ أنَّ تِلْكَ الأعْيانَ كالمَرايا لِهَذِهِ المَوْجُوداتِ الخارِجِيَّةِ ﴿ وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ﴾ أيْ يُنِيمُكُمْ، وقِيلَ: يَتَوَفّاكم بِطَيَرانِ أرْواحِكم في المَلَكُوتِ وسَيْرِها في رِياضِ حَضَراتِ اللّاهُوتِ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وهو الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَيْكم إلى حَيْثُ يَكادُ تَزْهَقُ أرْواحُكم في لَيْلِ القَهْرِ وتَجَلِّي الجَلالِ ﴿ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ ﴾ أيْ كَسَبْتُمْ بِالنَّهارِ مِنَ الأعْمالِ مُطْلَقًا، وقِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ المُؤْلِمَةِ لَها كالطّاعاتِ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ويَعْلَمُ ما كَسَبْتُمُوهُ بِنَهارِ التَّجَلِّي الجَمالِيِّ مِنَ الأُنْسِ أوْ شَوارِدِ العِرْفانِ ﴿ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ ﴾ أيْ فِيما جَرَحْتُمْ مِن صُوَرِ أعْمالِكم ومَكاسِبِكُمُ الحَسَنَةِ والقَبِيحَةِ، وقِيلَ: الحَسَنَةِ، وقِيلَ فِيما كَسَبْتُمُوهُ في نَهارِ التَّجَلِّي، وأوَّلُ الأقْوالِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ أوْلى ﴿ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ﴾ أيْ مُعَيَّنٌ عِنْدَهُ (ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ) في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ (فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) بِإظْهارِ صُوَرِ أعْمالِكم عَلَيْكم وجَزائِكم بِها، ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ لِأنَّهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ حَتّى عَنْ قَيْدِ الِإطْلاقِ ولَهُ الظُّهُورُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ولا تُقَيِّدُهُ المَظاهِرُ ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ ﴿ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً ﴾ وهي القُوى الَّتِي يَنْطَبِعُ فِيها الخَيْرُ والشَّرُّ ويَصِيرُ هَيْئَةً أوْ مَلَكَةً ويَظْهَرُ عِنْدَ انْسِلاخِ الرُّوحِ ويَتَمَثَّلُ بِصُورَةٍ مُناسِبَةٍ أوِ القُوى السَّماوِيَّةُ الَّتِي تَنْتَقِشُ فِيها الصُّوَرُ الجُزْئِيَّةُ ولا تُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ﴿ حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ ، قِيلَ: هم نَفْسُ أُولَئِكَ الحَفَظَةِ وقَدْ أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمُ القُدْرَةَ عَلى التَّوَفِّي ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ ﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ ﴿ مَوْلاهُمُ ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي سائِرَ أحْوالِهِمْ إذْ لا وُجُودَ لَها إلّا بِهِ ﴿ الحَقِّ ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ باطِلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ الإشارَةِ أنَّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِرُجُوعِ العَبْدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وخُرُوجِهِ مِن سِجْنِ الدُّنْيا وأيْدِي الكاتِبِينَ، واصِفًا نَفْسَهُ لَهُ بِأنَّهُ مَوْلاهُ الحَقُّ المُشْعِرُ بِأنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ مَوْلًى حَقًّا، ولا شَكَّ أنَّهُ لا أعَزَّ لِلْعَبْدِ مِن أنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلى مَوْلاهُ ﴿ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ ﴾ إذْ ظُهُورُ الأعْمالِ بِالصُّوَرِ المُناسِبَةِ آنَ مُفارَقَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ ﴾ وهي الغَواشِي النَّفْسانِيَّةُ والبَحْرُ وهي حُجُبُ صِفاتِ القَلْبِ ﴿ تَدْعُونَهُ ﴾ إلى كَشْفِها ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ في نُفُوسِكم ﴿ وخُفْيَةً ﴾ في أسْرارِكم ﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ ﴾ الغَواشِي والحُجُبِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ بِالِاسْتِقامَةِ والتَّمْكِينِ ﴿ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ﴾ بِأنْوارِ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ ﴿ ومِن كُلِّ كَرْبٍ ﴾ سِوى ذَلِكَ بِأنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِالفَناءِ ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ ﴾ بَعْدَ عِلْمِكم بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ﴿ تُشْرِكُونَ ﴾ بِهِ أنْفُسَكم وأهْواءَكم فَتَعْبُدُونَها ﴿ قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ ﴾ بِأنْ يَحْجِبَكم عَنِ النَّظَرِ في المَلَكُوتِ أوْ بِأنْ يَقْهَرَكم بِاحْتِجابِكم بِالمَعْقُولاتِ والحُجُبِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ ﴾ بِأنْ لا يُسَهِّلَ عَلَيْكُمُ القِيامَ عَلى بابِ الرُّبُوبِيَّةِ بِنَعْتِ الخِدْمَةِ وطَلَبِ الوَصْلَةِ أوْ بِأنْ يَحْجِبَكم بِالحُجُبِ الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ﴾ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ قُوَّةٍ مِنَ القُوى تُقابِلُ الفِرْقَةَ الأُخْرى أوْ يَجْعَلَ أنْفُسَكم مُخْتَلِفَةَ العَقائِدِ كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى دِينِ دَجّالٍ ﴿ ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ ﴾ بِالمُنازَعاتِ والمُجادَلاتِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاخْتِلافُ ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ ﴾ أيْ ما يُنَبَّأُ عَنْهُ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ أيْ مَحَلُّ وُقُوعٍ واسْتِقْرارٍ ﴿ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ حِينَ يَكْشِفُ عَنْكم حُجُبَ أبْدانِكم ﴿ وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا ﴾ بِإظْهارِ صِفاتِ نُفُوسِهِمْ وإثْباتِ العِلْمِ والقُدْرَةِ لَها ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ لِأنَّهم مَحْجُوبُونَ مُشْرِكُونَ ﴿ وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ وهُمُ المُتَجَرِّدُونَ عَنْ صِفاتِهِمْ ﴿ مِن حِسابِهِمْ ﴾ أيْ مِن حِسابِ هَؤُلاءِ المَحْجُوبِينَ ﴿ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى ﴾ أيْ فَلْيُذَكِّرُوهم بِالزَّجْرِ والرَّدْعِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الخَوْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ المُتَجَرِّدِينَ لا يَحْتَجِبُونَ بِواسِطَةِ مُخالَطَةِ المَحْجُوبِينَ ولَكِنْ ذَكَّرْناهم لَعَلَّهم يَزِيدُونَ في التَّقْوى ﴿ وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا ﴾ أيِ اتْرُكِ الَّذِينَ عادَتُهُمُ اللَّعِبُ واللَّهْوُ إلَخْ فَإنَّهم قَدْ حُجِبُوا بِما رَسَخَ فِيهِمْ مِن سَماعِ الإنْذارِ وتَأْثِيرِهِ فِيهِمْ ﴿ وذَكِّرْ بِهِ ﴾ أيْ بِالقُرْءانِ كَراهَةَ ﴿ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ ﴾ أيْ تُحْجَبَ بِكَسْبِها بِأنْ يَصِيرَ لَها مَلَكَةٌ أيْ ذَكِّرْ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ اللَّعِبَ واللَّهْوَ لِئَلّا يَكُونَ دِينُهُ ذَلِكَ، وأمّا مَن وصَلَ إلى ذَلِكَ الحَدِّ فَلا يَنْفَعُهُ التَّذْكِيرُ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ ﴾ وهو شِدَّةُ الشَّوْقِ إلى الكَمالِ ﴿ وعَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وهو الحِرْمانُ عَنْهُ بِسَبَبِ الِاحْتِجابِ بِما كَسَبُوا ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ أيْ أنَعْبُدُ مَن لَيْسَ لَهُ قُدْرَةً عَلى شَيْءٍ أصْلًا إذْ لا وُجُودَ لَهُ حَقِيقَةً ﴿ ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا ﴾ بِالشِّرْكِ ﴿ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ إلى التَّوْحِيدِ الحَقِيقِيِّ ﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ ﴾ مِنَ الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ في الأرْضِ أيْ أرْضِ الطَّبِيعَةِ ومَهامِهِ النَّفْسِ ﴿ حَيْرانَ ﴾ لا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ ﴿ لَهُ أصْحابٌ ﴾ مِنَ الفِكْرِ والقُوى النَّظَرِيَّةِ ﴿ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ﴾ الحَقِيقِيِّ يَقُولُونَ ﴿ ائْتِنا ﴾ فَإنَّ الطَّرِيقَ الحَقَّ عِنْدَنا وهو لا يَسْمَعُ ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ ﴾ وهو طَرِيقُ التَّوْحِيدِ ﴿ هُوَ الهُدى ﴾ وغَيْرُهُ غَيْرُهُ ﴿ وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ بِمَحْوِ صِفاتِنا ﴿ وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ الحَقِيقِيَّةَ وهو الحُضُورُ القَلْبِيُّ قالَ ابْنُ عَطاءَ: إقامَةُ الصَّلاةِ حِفْظُها مَعَ اللَّهِ تَعالى بِالأسْرارِ ﴿ واتَّقُوهُ ﴾ أيِ اجْعَلُوهُ سُبْحانَهُ وِقايَةً بِالتَّخَلُّصِ عَنْ وُجُودِكم ﴿ وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ بِالفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ ﴿ وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ﴾ أيْ سَمَواتِ الأرْواحِ ﴿ والأرْضَ ﴾ أيْ أرْضَ الجِسْمِ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ قائِمًا بِالعَدْلِ الَّذِي هو مُقْتَضى ذاتِهِ ﴿ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ وهو وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ القَدِيمَةِ بِالظُّهُورِ في التَّعَيُّناتِ ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ لِاقْتِضائِهِ ما اقْتَضاهُ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ ولَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، ﴿ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ وهو وقْتُ إفاضَةِ الأرْواحِ عَلى صُوَرِ المَكْنُوناتِ الَّتِي هي مَيِّتَةٌ بِأنْفُسِها بَلْ لا وُجُودَ لَها ولا حَياةَ.
﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ أيْ حَقائِقِ عالَمِ الأرْواحِ ويُقالُ لَهُ المَلَكُوتُ ﴿ والشَّهادَةِ ﴾ أيْ صُوَرِ عالَمِ الأشْباحِ ويُقالُ لَهُ المُلْكُ ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ ﴾ الَّذِي أفاضَ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ بِأحْوالِها ومِقْدارِ قابِلِيّاتِها لا حَكِيمَ غَيْرُهُ ولا خَبِيرَ سِواهُ <div class="verse-tafsir"
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: وأمرنا بالهدى وبالعمل: يعني: أقيموا الصلاة وَاتَّقُوهُ يعني: وحّدوه.
ويقال: أطيعوه ويقال: هذا عطف على قوله: ولَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى وإلى إقامة الصلاة.
ويقال: معناه: أمرنا بالإسلام، وبإقامة الصلاة وَاتَّقُوهُ يعني: وحّدوه.
وقيل: أطيعوه.
ثم خوّفهم فقال: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يعني: للحق والعبرة وَيَوْمَ يَقُولُ اليوم صار نصباً، لأن معناه: واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا.
ويقال: معناه واذكروا يوم يقول: كُنْ فَيَكُونُ يعني: يوم البعث يقول: انتشروا فانتشروا كلهم كقوله تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ يعني: القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [القمر: 7] .
ثم قال قَوْلُهُ الْحَقُّ قَوْلُهُ رفع بالابتداء، وخبره الْحَقُّ يعني: قوله الصدق أنه كائن.
قرأ ابن عامر فَيَكُونُ بالنصب على معنى الخير، وكذا في كل القرآن، إلا في موضعين: هاهنا، وفي آل عمران.
وقرأ الباقون: بالرفع على معنى الخبر.
وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يوم صار نصباً لنزع الخافض.
ومعناه: وله الملك في يوم ينفخ في الصور وهذا كقوله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: 16] وكقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] ويقال: هذا مبين لقوله الأول، ومعناه: يوم يقول له كُنْ فَيَكُونُ.
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وروي عن أبي عبيدة أنه قال: معناه: يوم يَنْفُخ الأرواح في الصور.
يعني: في الأجسام.
وهذا خلاف أقاويل جميع المفسرين لأنهم كلهم قالوا: هو نفخ إسرافيل في الصور.
وروي عن رسول الله أنه قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ وصاحب الصور قد التقمه» وفي خبر آخر «وَصَاحِبُ الصُّوَرِ قَدِ الْتَقَمَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ فِيهِ» .
ثم قال: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الغيب ما غاب عن العباد والشهادة ما علم العباد به، ويقال السر والعلانية.
ويقال عالِمُ بما يكون وبما قد كان.
ويقال: عالِمُ بأمر الآخرة وبأمر الدنيا وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يعني: الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بأفعال الخلق وبأمر البعث.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
ذكِّروهم ذكرى، وينبغي للمؤمن أنْ يمتثل حكم هذه الآية مع المُلْحِدِين، وأهْلِ الجدلِ والخَوْضِ فيه، وحكى الطبريُّ «١» ، عن أبي جعفر أنه قال: «لاَ تُجَالِسُوا أَهْلَ الخُصُومَاتِ فإنَّهُمْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ «٢» اللَّهِ» ، وفي الحديث، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كَانَ مَازِحاً، وبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقه» ، خَرَّجه أبو داود «٣» .
انتهى من «الكوكب الدري» ، وقد ذكرنا هذا الحديثَ من غير طريقِ أبي داود بلفظ أوضَحَ من هذا.
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
وقوله سبحانه: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً: هذا أمر بالمتاركة، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ، قال قتادة: ثم نُسِخَ ذلك، وما جرى مجراه بالقتَالِ «٤» ، وقال مجاهد: الآيةُ إنما هي للتهديدِ والوعيدِ، فهي كقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً «٥» [المدثر: ١١] ، وليس فيها نَسْخٌ لأنها متضمنة خبراً، وهو التهديدُ، وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا، أيْ: خدعتهم من الغُرُور، وهو الأطماعُ بما لا يتحصَّل فاغتروا بنعم/ الله
وإمهاله، وطَمَعُهُمْ ذلك فيما لم يتحصَّل من رحمته، واعلم أنَّ أعقلَ العقلاء مؤمنٌ مقبِلٌ على آخرته قد جَعَلَ الموْتَ نُصْبَ عينيه، ولم يغترَّ بزخارف الدنيا كما اغتر بها الحمقى، بل جعل همَّهُ واحداً هَمَّ المعادِ وما هو صائرٌ إليه وقد روى البَزَّار في مسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا وَاحِداً هَمَّ المَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ هُمُومُ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تعالى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ» «١» .
انتهى من «الكوكب الدريِّ» .
وقوله سبحانه: وَذَكِّرْ بِهِ: أي بالقرآن، وقيل: الضمير في بِهِ عائد على الدّين، وأَنْ تُبْسَلَ في موضع المفعولِ له، أي: لَئِلاَّ تُبْسَلَ، ومعناه: تُسْلَمَ قاله الحسن وعكرمة «٢» وقال قتادةُ: تُحْبَسَ وتُرْهَنْ «٣» ، وقال ابن عبَّاس: تُفْضَح «٤» ، وقال ابن زيد «٥» : تجزى، وهذه كلُّها متقاربةُ المعنى ومنه قول الشّنفرى «٦» : [الطويل]
هُنَالِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةً تَسُرُّنِي ...
سَمِيرَ اللَّيَالِي مُبْسَلاً بِالْجَرَائِرِ «١»
وباقي الآية بيِّن.
وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ، أي: وإن تعط كلَّ فدية، وإنْ عظُمت، فتجعلها عِدْلاً لها، لا يُقْبَل منها، وقال أبو عُبَيْدة: وَإِنْ «٢» تَعْدِلْ، هو من العَدْلِ المضادِّ للجور وردَّه الطبريُّ «٣» بالإجماع على أنَّ توبة الكافر مقبولةً.
قال ع «٤» : ولا يلزم هذا الردُّ، لأنَّ الأمر إنما هو يوم القيامة، ولا تقبلُ فيه توبة، ولا عملٌ.
قلْتُ: وأجلى من هذا أنْ يحمل كلامُ أبي عُبَيْدة على معنى أنَّه لا يقبلُ منها عدلُها لاختلال شَرْطه، وهو الإيمان، وأُبْسِلُوا: معناه: أُسْلِمُوا بما اجترحوه من الكُفْر، والحميمُ: الماءُ الحارُّ ومنه: الحَمَّام، والحَمَّة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا، المعنى: قل في احتجاجك: أنطيع رأيكم في أنْ ندعو من دون اللَّه، والدعاءُ: يعم العبادة وغيرها لأن مَنْ جعل شيئاً موضعَ دعائه، فإياه يَعْبُدُ، وعليه يتوكّل، وما لاَ يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا: يعني:
الأصنام، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا: تشبيهٌ بمَشْيِ القهقرى، وهي المِشْية الدنيَّة فاستعمل المَثَل بها فيمَنْ رجَعَ مِنْ خيرٍ إلى شَرٍّ.
وقوله سبحانه: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الكلام حذفٌ، تقديره: ردًّا كَرَدِّ الذي، واسْتَهْوَتْهُ: بمعنى: استدعت هواه وأمالته، وهَدانَا: بمعنى: أرشَدَنَا، فسياقُ هذا المثل كأنه قال: أيَصْلُحُ أن نكون بعد الهدى نعبد الأصنام فيكون ذلك منَّا ارتدادا على العَقِبِ فنكون كَرَجُلٍ على طريق واضحٍ، فاستهوته عنه الشياطينُ، فخرج عنه إلى دعوتهم، فبقي حائرا.
وقوله: لَهُ أَصْحابٌ: يريد: له أصحابٌ على الطريق الذي خَرَجَ منه، فيشبَّه بالأصحاب على هذا المؤمنون الذين يَدْعُونَ مَن ارتد إلى الرجوع إلى الهدى، وهذا تأويلُ مجاهد وابن عباس «١» ، وائْتِنا: من الإتيان، بمعنى المجيء، وقول من قال: إن المراد بالذي في هذه الآية: عبدُ الرحمنِ بْنُ أبي بَكْرٍ: وبالأصحاب: أبواه- قول ضعيفٌ يردُّه قول عائشة في الصحيحِ: «مَا نَزَلَ فِينَا مِنَ القُرآنِ شَيْءٌ إلاَّ بَرَاءَتِي» ، قلتُ: تريد وقصَّة الغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ [التوبة: ٤٠] ، وقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ...
[النور: ٢٢] إذ نزلَتْ في شأن أبي بكر، وشأن مِسْطَحٍ «٢» .
قال ع «٣» : حدثني أبي (رضي الله عنه) قال: سمعْتُ الفقيه الإمام أبا عبد اللَّه المعروفَ بالنحْويِّ المجاوِرِ بمكَّة، يقول: مَنْ نازع أحداً من المُلْحِدِينَ، فإنما ينبغي أن يردَّ عليه بالقرآن والحديث فيكونُ كَمَنْ يدعو إلى الهدى بقوله: ائْتِنا، ومَنْ ينازعهم بالجَدَل، ويحلِّق عليهم به، فكأنه بَعُدَ من الطريق الواضح أكْثَرَ، ليردَّ هذا الزائغَ/، فهو يخافُ علَيْه أنْ يضلَّ.
قال ع «٤» : وهذال انتزاعٌ حسنٌ جدًّا، وباقي الآية بيِّن.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، أي: لم يخلقْها باطلاً لغير معنًى، بل لمعانٍ مفيدةٍ، وحقائقَ بيِّنة.
وقوله سبحانه: وَيَوْمَ يَقُولُ «يوم» : نصب على الظرْفِ، وتقديرُ الكلامِ: واذكر الخَلْق والإعادة يَوْمَ، وتحتمل الآية مع هذا أنْ يكون معناها، واذكر الإعادة يَوْمَ يقولُ اللَّه للأجساد: كوني معادةً.
وقوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، الجمهورُ أنَّ الصُّورَ هو القَرْن الذي قال فيه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: خَلَقَهُما لَلْحَقِّ.
والثّانِي: خَلَقَهُما حَقًّا.
والثّالِثُ: خَلَقَهُما بِكَلامِهِ وهو الحَقُّ.
والرّابِعُ: خَلَقَهُما بِالحِكْمَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى مَعْنًى: واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ، لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ فالمَعْنى: واذْكُرْ هَذا وهَذا.
وفي الَّذِي يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ما يَكُونُ في القِيامَةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الصُّوَرُ، وما ذُكِرَ مِن أمْرِ الصُّوَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَهُما الزَّجّاجُ.
قالَ وخَصَّ ذَلِكَ اليَوْمَ بِسُرْعَةِ إيجادِ الشَّيْءِ، لَيَدُلَّ عَلى سُرْعَةِ أمْرِ البَعْثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ أيِ: الصِّدْقُ الكائِنُ لا مَحالَةَ ﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ ورَوى إسْحاقُ بْنُ يُوسُفَ الأزْرَقُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "نَنْفُخُ" بِنُونَيْنِ.
ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ المُلُوكَ يَوْمَئِذٍ لا مَلِكَ لَهم، فَهو المُنْفَرِدُ بِالمُلْكِ وحْدَهُ، كَما قالَ: ﴿ والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
وفي "الصُّوَرِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَرَنَ يَنْفُخُ فِيهِ؛ «رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ العاصِ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الصُّوَرِ، فَقالَ: "هُوَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ" .» وقالَ مُجاهِدٌ: الصُّوَرُ كَهَيْأةِ البُوقِ.
وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّ الصُّوَرَ: القَرْنُ، في لُغَةِ قَوْمٍ مِن أهْلِ اليَمَنِ، وأنْشَدَ: نَحْنُ نَطَحْناهم غَداةَ الجَمْعَيْنِ بِالضّابِحاتِ في غُبارِ النَّقْعَيْنِ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصَّوْرَيْنِ وَأنْشَدَ الفَرّاءُ: لَوْلا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يَفْتَحْ قُهُنْدُزُكم ∗∗∗ ولا خُراسانَ حَتّى يُنْفَخَ الصُّورُ وَهَذا اخْتِيارُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ؛ يُقالُ: صُورَةٌ وصُوَرٌ، بِمَنزِلَةِ سُورَةٍ وسُورٍ، كَسُورَةِ البِناءِ؛ والمُرادُ نَفْخُ الأرْواحِ في صُورَةِ النّاسِ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وكَذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو "المُتَوَكِّلِ في الصُّورِ" بِفَتْحِ الواوِ.
قالَ ثَعْلَبُ: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ الصُّورُ: القَرْنُ، لِأنَّهُ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ ؛ثُمَّ قالَ: ﴿ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ ؛ ولَوْ كانَ الصُّورُ، كانَ: ثُمَّ نَفَخَ فِيها، أوْ فِيهِنَّ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ؛ وظاهِرُ القُرْآَنِ يَشْهَدُ أنَّهُ يُنْفَخُ في الصُّورِ مَرَّتَيْنِ.
وقَدْ رَوى أهْلُ التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثَ نَفَخاتٍ؛ الأُولى: نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والثّالِثَةُ: نَفْخَةُ القِيامَةِ لِرَبِّ العالَمِينَ" .» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ النَّفْخَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآَيَةِ هي الأُولى يَعْنِي: نَفْخَةُ الصَّعْقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ وهو ما غابَ عَنِ العِبادِ مِمّا لَمْ يُعايِنُوهُ، "والشَّهادَةُ" وهو ما شاهَدُوهُ ورَأوْهُ.
وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي بِذَلِكَ السِّرَّ والعَلانِيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأنْ أقِيمُوا الصَلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ يُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ بِتَأْوِيلِ "وَإقامَةَ"؛ فَهو عُطِفَ عَلى المَفْعُولِ المُقَدَّرِ في "وَأُمِرْنا"؛ وقِيلَ: بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِنُسْلِمَ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ؛ وأنْ أقِيمُوا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ واللَفْظُ يُمانِعُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: "لِأنْ نُسْلِمَ"؛ مُعْرَبٌ؛ وقَوْلَهُ: "أنْ أقِيمُوا"؛ مَبْنِيٌّ؛ وعَطْفُ المَبْنِيِّ عَلى المُعْرَبِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي التَشْرِيكَ في العامِلِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ في "أنْ"؛ وحْدَها؛ وذَلِكَ قَلِقٌ؛ وإنَّما يُتَخَرَّجُ عَلى أنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: "وَأنْ أقِيمُوا"؛ بِمَعْنى: "لِنُقِيمَ"؛ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن جَزالَةِ اللَفْظِ؛ فَجازَ العَطْفُ عَلى أنْ يُلْغى حُكْمُ اللَفْظِ؛ ويُعَوَّلَ عَلى المَعْنى؛ ويُشْبِهُ هَذا مِن جِهَةِ ما حَكاهُ يُونُسُ عَنِ العَرَبِ: "اُدْخُلُوا الأوَّلُ فالأوَّلُ"؛ بِرَفْعِ لَفْظِ "اَلْأوَّلُ"؛ فَإنَّما هو بِأنْ يُقَدَّرَ "اُدْخُلُوا"؛ بِمَعْنى: "لِيَدْخُلِ الأوَّلُ"؛ وإلّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إلّا: "اُدْخُلُوا الأوَّلَ فالأوَّلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ وقالَ الزَجّاجُ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "وَأنْ أقِيمُوا"؛ مَعْطُوفًا عَلى "اِئْتِنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِيهِ بُعْدٌ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ" عائِدٌ عَلى "لِرَبِّ العالَمِينَ"؛ و"وَهُوَ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ وهو لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ التَنْبِيهَ؛ والتَخْوِيفَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "خَلَقَ": اِبْتَدَعَ؛ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ و"بِالحَقِّ"؛ أيْ: "لَمْ يَخْلُقْها باطِلًا؛ بِغَيْرِ مَعْنًى؛ بَلْ لِمَعانٍ مُفِيدَةٍ؛ ولِحَقائِقَ بَيِّنَةٍ؛ مِنها ما يُحِسُّهُ البَشَرُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصانِعِ؛ ونُزُولِ الأرْزاقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "بِأنْ حَقٌّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ"؛ وقِيلَ: "بِالحَقِّ"؛ مَعْناهُ: "بِكَلامِهِ في قَوْلِهِ لِلْمَخْلُوقاتِ "كُنْ"؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا ﴾ ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَحْرِيرُ القَوْلِ أنَّ المَخْلُوقاتِ إنَّما إيجادُها بِالقُدْرَةِ؛ لا بِالكَلامِ؛ واقْتِرانُ "كُنْ"؛ بِحالَةِ إيجادِ المَخْلُوقِ فائِدَتُهُ إظْهارُ العِزَّةِ؛ والعَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الأوامِرِ؛ وإعْلانُ القَصْدِ؛ ومِثالُ ذَلِكَ في الشاهِدِ أنْ يَضْرِبَ إنْسانٌ شَيْئًا؛ فَيَكْسِرَهُ؛ ويَقُولَ في حالِ الكَسْرِ؛ بِلِسانِهِ: "اِنْكَسِرْ"؛ فَإنَّ ذَلِكَ إنْفاذُ عَزْمٍ؛ وإظْهارُ قَصْدٍ؛ ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى؛ لا تَشْبِيهَ؛ ولا حَرْفَ؛ ولا صَوْتَ؛ ولا تَغَيُّرَ؛ أمْرُهُ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ - عَلى هَذا القَوْلِ -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ؛ والأرْضَ؛ بِقَوْلِهِ: "كُنْ"؛ اَلْمُقْتَرِنَةِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ إيجادُ المَخْلُوقِ بَعْدَ عَدَمِهِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "اَلْحَقِّ".
﴿ "وَيَوْمَ يَقُولُ"؛ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَعْمُولِ فِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرِ الخَلْقَ؛ والإعادَةَ؛ يَوْمَ...".
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ - مَعَ هَذا - أنْ يَكُونَ مَعْناها: "واذْكُرِ الإعادَةَ يَوْمَ يَقُولُ اللهُ تَعالى لِلْأجْسادِ: "كُنْ"؛ [فَتَكُونُ] مُعادَةً"؛ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ هُنا؛ ثُمَّ يَبْدَأ بِإخْبارِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الحَقُّ؛ الَّذِي كانَ في الدُنْيا؛ إخْبارًا بِالإعادَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَكُونَ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ أو عَلى الِاحْتِمالِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَـ "قَوْلُهُ"؛ فاعِلٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: قَوْلُهُ: "يَوْمَ"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ مِن قَوْلِهِ: "واتَّقُوهُ"؛ فالتَقْدِيرُ - هُنا؛ عَلى هَذا القَوْلِ -: "واتَّقُوا العِقابَ؛ أوِ الأهْوالَ؛ والشَدائِدَ يَوْمَ..."؛ وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خَلَقَ السَماواتِ"؛ ﴾ والتَقْدِيرُ - عَلى هَذا -: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ؛ والمُعاداتِ إلى الحَشْرِ يَوْمَ..."؛ ولا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ هَذِهِ الأفْعالَ - لا تَقْدِيرَكَ: "اُذْكُرْ"؛ ولا "اِتَّقُوا"؛ ولا "خَلَقَ" - في "يَوْمَ"؛ لِأنَّ أسْماءَ الزَمانِ إذا بُنِيَتْ مَعَ الأفْعالِ؛ لا يَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ إلّا عَلى الظَرْفِ؛ ولا يَجُوزَ أنْ يَتَعَلَّقَ "وَيَوْمَ"؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ ﴾ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما تَقَدَّمَهُ؛ وقَدْ أطْلَقَ قَوْمٌ أنَّ العامِلَ: "اُذْكُرْ"؛ أو "خَلَقَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "يَقُولُ"؛ مَعْنى المُضِيِّ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ يَوْمَ يَقُولُ..."؛ بِمَعْنى: "قالَ لَها: كُنْ"؛ فَـ "وَيَوْمَ"؛ ظَرْفٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "اَلْحَقُّ"؛ إذْ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ ويَجِيءُ تَمامُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ"؛ ويَجِيءُ "قَوْلُهُ الحَقُّ"؛ اِبْتِداءً؛ وخَبَرًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ في "كُنْ"؛ ويُبْتَدَأ بِـ ﴿ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴾ ؛ وتَكُونَ "فَيَكُونُ"؛ تامَّةً؛ بِمَعْنى "يَظْهَرُ"؛ و"اَلْحَقُّ"؛ صِفَةً لِلْقَوْلِ؛ و"قَوْلُهُ"؛ فاعِلًا.
وقَرَأ الحَسَنُ: "قُولُهُ"؛ بِضَمِّ القافِ.
و"لَهُ المُلْكُ"؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ و ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ ﴾ : "وَيَوْمَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الأُولى؛ عَلى أنَّ "يَقُولُ"؛ مُسْتَقْبَلٌ؛ لا عَلى تَقْدِيرِ مُضِيِّهِ؛ وقِيلَ: بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِما تَضَمَّنَ "اَلْمُلْكُ"؛ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ أو بِتَقْدِيرِ: "ثابِتٌ"؛ أو: "مُسْتَقِرٌّ يَوْمَ..."؛ و"فِي الصُورِ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو جَمْعُ "صُورَةٌ"؛ فالمَعْنى: "يَوْمَ تُعادُ العَوالِمُ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: هو الصُورُ؛ القَرْنُ الَّذِي قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - [عنهُ] أنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ لِلصَّعْقِ؛ ثُمَّ لِلْبَعْثِ؛ ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ بِقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ إسْرافِيلَ قَدِ التَقَمَ الصُورَ؛ وحَنى جَبْهَتَهُ يَنْظُرُ مَتى يُؤْمَرُ؛ فَيَنْفُخُ".» وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي الصُوَرِ"؛ بِفَتْحِ الواوِ؛ وهَذِهِ تُؤَيِّدُ التَأْوِيلَ الأوَّلَ؛ وحَكاهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ عن عِياضٍ.
"عالِمُ"؛ رُفِعَ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ؛ وقِيلَ: نَعْتٌ لِـ "اَلَّذِي"؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "عالِمِ"؛ بِالخَفْضِ؛ عَلى النَعْتِ لِلضَّمِيرِ الَّذِي في "وَلَهُ"؛ أو عَلى البَدَلِ مِنهُ؛ مِن قَوْلِهِ "لَهُ المُلْكُ"؛ وقَدْ رُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقِيلَ: اِرْتَفَعَ "عالِمُ"؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِن لَفْظِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَنْفُخُ فِيهِ عالِمُ"؛ عَلى ما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ وآخَرُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ اَلتَّقْدِيرُ: يَبْكِيهِ ضارِعٌ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا التَأْوِيلَ الَّذِي يُشْبِهُ "لِيُبْكَ يَزِيدُ"؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ ونَظِيرُها مِنَ القُرْآنِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ ورَفْعِ الشُرَكاءِ؛ ورُوِيَ عن عَبْدِ الوارِثِ ؛ عن أبِي عَمْرٍو: "يَوْمَ نَنْفُخُ في الصُورِ"؛ بِنُونِ العَظَمَةِ.
و"اَلْغَيْبِ والشَهادَةِ"؛ مَعْناهُ: ما غابَ عَنّا؛ وما حَضَرَ؛ وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ مستأنفة استئنافَ تكرير لِما أمِر أن يقوله للمشركين حين يدعون المسلمين إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقد روي أنَّهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم اعْبُد آلهتنا زمناً ونعبُدُ إلهك زمناً.
وكانوا في خلال ذلك يزعمون أنّ دينهم هدى فلذلك خوطبوا بصيغة القصر.
وهي ﴿ إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ فجيء بتعريف الجزأيْن، وضمير الفصل، وحرف التوكيد، فاجتمع في الجملة أربعة مؤكّدات، لأنّ القصر بمنزلة مؤكِّدَيْن إذ ليس القصر إلاّ تأكيداً على تأكيد، وضمير الفصل تأكيد، و(إنّ) تأكيد، فكانت مقتضَى حال المشركين المنكرين أنّ الإسلام هدى.
وتعريف المسند إليه بالإضافة للدلالة على الهدى الوارد من عند الله تعالى، وهو الدين المُوصى به، وهو هنا الإسلام، بقرينة قوله ﴿ بعد إذْ هدانا الله ﴾ .
وقد وصف الإسلام بأنَّه ﴿ هُدى الله ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتَّى تتّبع ملَّتهم قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ في سورة [البقرة: 120]، أي القرآن هو الهدى لا كُتُبُهم.
وتعريف المسند بلام الجنس للدلالة على قصر جنس الهدى على دين الإسلام، كما هو الغالب في تعريف المسند بلام الجنس، وهو قصر إضافي لأنّ السياق لردّ دعوة المشركين إيَّاهم الرجوع إلى دينهم المتضمِّنة اعتقادهم أنَّه هدى، فالقصر للقلب إذ ليسوا على شيء من الهدى، فلا يكون قصر الهدى على هدى القرآن بمعنى الهدى الكامل، بخلاف ما في سورة البقرة.
وجملة: وأمِرْنا لِنُسْلِم } عطف على المقول.
وهذا مقابل قوله ﴿ قل إنِّي نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ [الأنعام: 56]، وقوله ﴿ قل أندعو من دون الله ﴾ الآية.
واللام في ﴿ لِنُسْلِم ﴾ أصلها للتعليل وتنوسي منها معنى التعليل فصارت لمجرّد التأكيد.
وهي اللام التي يكثر ورودها بعد مادّة الأمر ومادّة الإرادة.
وسمَّاها بعضهم لام أنْ بفتح الهمزة وسكون النون قال الزجَّاج: العرب تقول: أمَرْتُك بأنْ تفعل وأمرتُك أن تفعل وأمرتك لِتَفعل.
فالباء للإلصاق، وإذا حذفوها فهي مقدّرة مع (أنْ).
وأمَّا أمرتك لتفعل، فاللام للتعليل، فقد أخبر بالعلَّة التي لها وقَع الأمر.
يعني وأغنت العلَّة عن ذكر المعلّل.
وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: زائدة، وعلى كلّ تقدير ف (أنْ) مضرة بعدها، أي لأجل أن نُسْلِمَ.
والمعنى: وأمرنا بالإسلام، أي أمرنا أن أسلموا.
وتقدّم الكلام على هذه اللام عند قوله تعالى: ﴿ يريد الله ليُبيّن لكم ﴾ في سورة [النساء: 26].
واللام في قوله: لربّ العالمين } متعلِّقة ب ﴿ نسلم ﴾ لأنَّه معنى تخلّص له، قال: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ﴾ .
وقد تقدّم القول في معنى الإسلام عند قوله تعالى: ﴿ إذ قال له ربّه أسْلِم قال أسلمت لربّ العالمين ﴾ في سورة [البقرة: 131].
وفي ذكر اسم الله تعالى بوصف الربوبية لجميع الخلق دون اسمه العَلَم إشارة إلى تعليل الأمر وأحقِّيّته.
وقوله: وأن أقيموا الصلاة } إنْ جُعلت (أنْ) فيه مصدرية على قول سيبويه، إذ يسوّغ دخول (أنْ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً، فقول المعربين: إنَّه يتجرّد عن الأمرية، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات.
وهو إمّا عطف على ﴿ لنسلم ﴾ بتقدير حرف جرّ محذوف قبل (أنْ) وهو الباء.
وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام، وإمّا عطف على معنى ﴿ لنسلم ﴾ لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم، كما تقدّم عن الزجّاج.
فالتقدير: أمرنا بأن نسلم، ثم عطف عليه ﴿ وأن أقيموا ﴾ أي وأمرنا بأن أقيموا، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي، كقوله تعالى: ﴿ لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ ﴾ [المنافقون: 10] إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ.
وإن جُعلت (أنْ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل.
فيقدّر قوله: ﴿ أمرنا لنسلم ﴾ بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ ، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك.
وأظهر من هذا أن تكون (أنْ) تفسيرية.
وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه، وهو ﴿ وأمرنا ﴾ ، فإنّ ﴿ أمرنا ﴾ فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع (أنْ) التفسيرية.
وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة (3).
و ﴿ اتَّقوه ﴾ عطف على ﴿ أقيموا ﴾ ويجري فيه ما قُرّر في قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ .
والضمير المنصوب عائد إلى ﴿ ربّ العالمين ﴾ وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين: أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه.
ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله: اتَّقون، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى: ﴿ قل إنّ هدى الله هو الهدى ﴾ ، كما في حكاية قول عيسى: ﴿ ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم ﴾ [المائدة: 117].
وجَمع قوله: ﴿ واتَّقوه ﴾ جميعَ أمور الدين، وتخصيصُ إقامة الصلاة بالذكر للاهتمام.
وجملة: ﴿ وهو الذي إليه تُحشرون ﴾ إمّا عطف على جملة ﴿ اتَّقُوه ﴾ عطف الخبر على الإنشاء فتكون من جملة المقول المأمور به بقوله: ﴿ قل إنّ هدى الله ﴾ ، أي وقل لهم وهو الذي إليه تحشرون، أو عطف على ﴿ قل ﴾ فيكون من غير المقول.
وفي هذا إثبات للحشر على منكريه وتذكير به للمؤمنين به تحريضاً على إقامة الصلاة والتقوى.
واشتملت جملة ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ على عدّة مؤكّدات وهي: صيغة الحصر بتعريف الجزأين، وتقديم معمول ﴿ تحشرون ﴾ المفيد للتقوّي لأنّ المقصود تحقيق وقوع الحشر على من أنكره من المشركين وتحقيق الوعد والوعيد للمؤمنين، والحصر هنا حقيقي إذ هم لم ينكروا كون الحشر إلى الله وإنَّما أنكروا وقوع الحشر، فسلك في إثباته طريق الكناية بقصره على الله تعالى المستلزم وقوعه وأنَّه لا يكون إلاّ إلى الله، تعريضاً بأنّ آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً.
وجملة: ﴿ وهو الذي خلق السماوات ﴾ عطف على ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ، والقصر حقيقي إذ ليس ثم ردّ اعتقاد لأنّ المشركين يعترفون بأنّ الله هو الخالق للأشياء التي في السماء والأرض كما قدّمناه في أول السورة.
فالمقصود الاستدلال بالقصر على أنَّه هو المستحقّ للعبادة لأنّ الخلائق عبيده كقوله تعالى: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكّرون ﴾ [النحل: 17].
والباء من قوله: ﴿ بالحقّ ﴾ للملابسة، والمجرور متعلّق ب ﴿ خلَق ﴾ أو في موضع الحال من الضمير.
والحقّ في الأصل مصدر (حقّ) إذا ثبت، ثم صار اسماً للأمر الثاتب الذي لا يُنكر من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل مثل فلان عَدْل.
والحقّ ضدّ الباطل.
فالباطل اسم لضدّ ما يسمَّى به الحقّ فيطلق الحقّ إطلاقاً شائعاً على الفعل أو القول الذي هو عَدل وإعطاء المستحقّ ما يستحقّه، وهو حينئذٍ مرادف العدل ويقابله الباطل فيرادفُ الجَور والظلم، ويطلق الحق على الفعل أو القول السديد الصالح البالغ حدّ الإتقان والصواب، ويرادف الحكمة والحقيقة، ويقابله الباطل فيرادف العبث واللعبَ.
والحقّ في هذه الآية بالمعنى الثاني، كما في قوله تعالى: ﴿ ما خلقناهما إلاّ بالحقّ ﴾ [الدخان: 39] بعد قوله: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] وكقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ [آل عمران: 191].
فالله تعالى أخرج السماوات والأرض وما فيهنّ من العَدم إلى الوجود لِحكم عظيمة وأودع في جميع المخلوقات قُوى وخصائص تصدر بسببها الآثار المخلوقة هي لها ورتَّبها على نُظم عجيبة تحفظ أنواعها وتُبرز ما خُلقت لأجله، وأعظمها خَلق الإنسان وخَلْق العقل فيه والعلم، وفي هذا تمهيد لإثبات الجزاء إذ لو أهملت أعمال المكلّفين لكان ذلك نقصاناً من الحقّ الذي خُلقت السماوات والأرض ملابِسة له، فعُقّب بقوله: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ .
وجملة: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ معطوفة على التي قبلها لمناسبة ملابسة الحقّ لأفعاله تعالى فبُينت ملابسة الحقّ لأمره تعالى الدّال عليه ﴿ يقول ﴾ .
والمراد ب ﴿ يومَ يقول كن ﴾ يوم البعث، لقوله بعده: ﴿ يوم يُنفخ في الصور ﴾ .
وقد أشكل نظم قوله: ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ ، وذهب فيه المفسّرون طرائق.
والوجه أنّ قوله ﴿ ويوم يقول كن فيكون ﴾ ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به، والمبتدأ هو ﴿ قوله ﴾ ويكون ﴿ الحق ﴾ صفة للمتبدأ.
وأصل التركيب: وقوله الحقّ يومَ يقول: كن فيكون.
ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم.
ووصف القول بأنَّه الحقّ للردّ على المشركين أيضاً.
وهذا القول هو عين المقول لِفعل ﴿ يقول كن ﴾ ، وحُذف المقول له ﴿ كن ﴾ لظهوره من المقام، أي يقول لغير الموجود الكائن: كُن.
وقوله: ﴿ فيكون ﴾ اعتراض، أي يقول لمّا أراد تكوينه (كن) فيوجد المقولُ له ﴿ كُن ﴾ عقِب أمر التكوين.
والمعنى أنَّه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحقّ، وأنّه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حقّ، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحقّ.
ويتضمَّن أنّه قول مستقبل، وهو الخلق الثاني المقابل للخلق الأول، ولذلك أتي بكلمة ﴿ يوم ﴾ للإشارة إلى أنَّه تكوين خاصّ مقدّر له يوم معيّن.
وفي قوله: ﴿ قولُه الحقّ ﴾ صيغة قصر للمبالغة، أي هو الحقّ الكامل لأنّ أقوال غيره وإن كان فيها كثير من الحقّ فهي معرّضة للخطأ وما كان فيها غيرَ معرض للخطأ فهو من وحي الله أو من نعمته بالعقل والإصابة، فذلك اعتداد بأنَّه راجع إلى فضل الله.
ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: «قولك الحقّ ووعدك الحقّ».
والمراد بالقول كلّ ما يدلّ على مراد الله تعالى وقضائه في يوم الحشر، وهو يوم يقول كن، من أمرِ تكوين، أو أمر ثواب، أو عقاب، أو خبر بما اكتسبه الناس من صالح الأعمال وأضدادها، فكلّ ذلك من قول الله في ذلك اليوم وهو حقّ.
وخصّ من بين الأقوال أمرُ التكوين لما اقتضاه التقديم من تخصيصه بالذكر كما علمت.
وللمفسّرين في إعراب هذه الآية وإقامة المعنى من ذلك مسالك أخرى غير جارية على السبل الواضحة.
وقوله ﴿ وله الملك يوم ينفخ في الصور ﴾ جملة مستقلّة وانتظامها كانتظام جملة ﴿ ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ ﴾ إلاّ أنّ في تقديم المسند إليه على المسند قصر المسند إليه على المسند، أي المُلك مقصور على الكَون له لا لغيْره لردّ ما عسى أن يطمع فيه المشركون من مشاركة أصنامهم يومئذٍ في التصرفّ والقضاء.
والمقصود من هذا الظرف تهويل ذلك اليوم.
والنفخ في الصور مَثَل ضُرب للأمر التكويني بحياة الأموات الذي يعُمّ سائر الأموات، فيحيون به ويحضرون للحشر كما يحضر الجيش بنفخ الأبواق ودَقّ الطبول.
والصّور: البُوق.
وورد في الحديث: «أن المَلَك الموكَّل بنفخ الصور هو إسرافيل، ولا يَعلم كنه هذا النفخ إلاّ الله تعالى» ويومُ النَّفخ في الصّور هو يومَ يقُول: كن فيكون، ولكنَّه عبَّر عنه هنا ب ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ لإفادة هذا الحال العجيب، ولأنّ اليوم لمّا جعل ظرفاً للقول عُرّفَ بالإضافة إلى جملة ﴿ يقول كن فيكون ﴾ .
ولمَّا جعل اليوم ظرفاً للمُلك ناسب أن يعرّف اليوم بما هو من شعار المُلك والجند.
وقد انتصب ﴿ يوم ينفخ ﴾ على الظرفية، والعامل فيه للاستقرار الذي في قوله ﴿ وله الملك ﴾ .
ويجوز أن يجعل بدلاً من ﴿ يومَ يقول كُن فيكون ﴾ .
ويجعل ﴿ وله الملك ﴾ عطفاً على ﴿ قوله الحقّ ﴾ على أنّ الجميع جملة واحدة.
وعن ابن عبّاس: الصور هنا جمع صُورة، أي ينفخ في صُوَر الموجودات.
ولما انتهى المقصود من الإخبار عن شؤون من شأن الله تعالى أتبع بصفات تشير إلى المحاسبة على كلّ جليل ودقيق ظاهر وباطن بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .
وجاء أسلوب الكلام على طريقة حذف المخبَر عنه في مقام تَقَدُّم صفاته.
فحذْف المسند إليه في مثله تبع لطريقة الاستعمال في تعقيب الأخبار بخبر أعظم منها يجعل فيه المخبر عنه مسنداً إليه ويلتزم حذفه.
وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ مقامُ إبراهيم ﴾ في سورة [آل عمران: 97]، فلذلك قال هنا عالم الغيب } فحذف المسند إليه ثم لم يحذف المسند إليه في قوله: ﴿ وهو الحَكِيم الخبير ﴾ .
والغيب: ما هو غائب.
وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ في سورة [البقرة: 3]، وعند قوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ في هذه السورة [59].
والشهادة: ضدّ الغيب، وهي الأمور التي يشاهدها الناس ويتوصّلون إلى علمها يقال: شَهِد، بمعنى حضر، وضدّه غَاب، ولا تخرج الموجودات عن الاتّصاف بهذين الوصفين، فكأنَّه قيل: العالم بأحوال جميع الموجودات.
والتعريف في الغيب والشهادة} للاستغراق، أي عالم كلّ غيب وكلّ شهادة.
وقوله: ﴿ وهو الحكيم الخبير ﴾ عطف على قوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ .
وصفة ﴿ الحكيم ﴾ تجمع إتقان الصنع فتدلّ على عظم القدرة مع تعلّق العلم بالمصنوعات.
وصفة ﴿ الخبير ﴾ تجمع العلم بالمعلومات ظاهرها وخفيّها.
فكانت الصفتان كالفذلكة لقوله: ﴿ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحقّ ﴾ ولقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ﴾ يَعْنِي الأصْنامَ، وفي دُعائِها في هَذا المَوْضِعِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: عِبادَتُها.
والثّانِي: طَلَبُ النَّجاحِ مِنها.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ ولا يَضُرُّنا؟
ودُعاؤُها لِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ ضارٌّ؟
قِيلَ: مَعْناهُ ما لا يَمْلِكُ لَنا ضَرًّا ولا نَفْعًا.
﴿ وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ ﴾ بِالإسْلامِ.
﴿ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْعاؤُها إلى قَصْدِها واتِّباعِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ أيْ تَقْصِدُهم وتَتْبَعُهم.
والثّانِي: أنَّها أمْرُها بِالهَوى.
وَحَكى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وامْرَأتِهِ حِينَ دَعَوا ابْنَهُما عَبْدَ الرَّحْمَنِ إلى الإسْلامِ والهُدى أنْ يَأْتِيَهُما.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ في الحَقِّ الَّذِي خَلَقَ بِهِ السَّماواتِ والأرْضَ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحِكْمَةُ.
والثّانِي: الإحْسانُ إلى العِبادِ.
والثّالِثُ: نَفْسُ خُلُقِها فَإنَّهُ حَقٌّ.
والرّابِعُ: يَعْنِي بِكَلِمَةِ الحَقِّ.
﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَقُولَ لِيَوْمِ القِيامَةِ: كُنْ فَيَكُونُ، لا يُثَنِّي إلَيْهِ القَوْلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُ لِلسَّماواتِ كُونِي صُورًا يُنْفَخُ فِيهِ لِقِيامِ السّاعَةِ، فَتَكُونُ صُورًا مِثْلَ القُرْآنِ، وتُبَدَّلُ سَماءً أُخْرى، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةَ الأُولى لِلْفَناءِ، والثّانِيَةَ لِلْإنْشاءِ عَلامَةً لِلِانْتِهاءِ والِابْتِداءِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ .
والثّانِي: أنَّ الصُّورَ جَمْعُ صُورَةٍ تُنْفَخُ فِيها رُوحُها فَتَحْيا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والغَيْبُ ما يَغِيبُ عَنْكم، والشَّهادَةُ ما تُشاهِدُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى نَفْخِ الصُّورِ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ المُتَوَلِّي لِلنَّفْخَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: «سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور؟
فقال» هو قرن ينفخ فيه «» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن أهل منى اجتمعوا على أن يقلوا القرن من الأرض ما أقلوه» .
وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال: الصور كهيئة القرن ينفخ فيه.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الصور كهيئة البوق.
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم عن أبي سيعد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال صاحبا القرن ممسكين بالصور ينتظران متى يؤمران» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يَرْتَد إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دريان» .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر؟
قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال: كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن، وحنى الجبهة، وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ؟
قالوا: فما نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه، وحنى جبهته، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ؟
قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟
قال: حسبنا الله ونعم الوكيل» .
وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صباح إلا وملكان يناديان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان، وملكان يناديان: با باغي الخير هلم، ويقول الآخر: يا باغي الشر أقصر، وملكان يناديان يقول أحدهما: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال» .
وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «النافخان في السماء الثانية رأس أحداهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب، وينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا» .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في العظمة بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال: «كنت عند عائشة وعندها كعب الحبر، فذكر إسرافيل فقالت عائشة: أخبرني عن إسرافيل؟
فقال كعب: عندكم العلم...
!
قالت: أجل فأخبرني؟
قال: له أربعة أجنحة، جناحان في الهواء، وجناح قد تسربل به، وجناح على كاهله، والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محنى ظهره، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور.
فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقب واحد، وفي وسط الصور كوّة كاستدارة السماء والأرض، وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوّة، ثم قال له الرب تعالى: قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة والصيحة، فدخل إسرافيل في مقدم العرش فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى، ولم يطرف منذ خلقه الله ينتظر متى يؤمر به.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال: إن ملك الصور وكل به أن إحدى قدميه لفي الأرض السابعة، وهو جاث على ركبتيه شاخص بصره إلى إسرافيل، ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ قال: يعني النفخة الأولى، ألم تسمع أنه يقول ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى ﴾ [ الزمر: 68] يعني الثانية ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [ الزمر: 68] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة أنه قرأ ﴿ يوم ينفخ في الصور ﴾ أي في الخلق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ يعني أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: السر والعلانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: الشهادة ما قد رأيتم من خلقه، والغيب ما غاب عنكم مما لم تروه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بكمال قدرته وشمول علمه وإتقان صنعه (١) (٢) ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ في سورة يونس [5].
وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ ذكر الزجاج في نصب ﴿ يَوْمَ ﴾ أوجهًا: (أحدها: أن يكون منسوقًا على الهاء في قوله: ﴿ وَاتَّقُوهُ ﴾ في الآية الأولى، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي ﴾ والثاني (٣) ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ﴾ والمعنى: اذكر ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، واذكر ﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴾ ، والوجه الثالث: أن يكون معطوفًا على ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ ، والمعنى: وخلق ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ، ويكون هذا إخبارًا عن وقوعه وكونه؛ لأن ما أنبأ الله تعالى بكونه فهو واقع لا محالة، فجاز أن يقال: المعنى وخلق يوم يقول.
وإن لم يأت يوم القيامة) (٤) قال ابن عباس: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ (يريد: يوم القيامة) (٥) ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ ﴾ ينتصب بإضمار: وقدر أو قضى، والكلام دل على هذا، فيكون ذلك المقدّر معطوفًا على خلق (٦) واختلفوا في أن الخطاب في قوله ﴿ كُنْ ﴾ لماذا، فقال الفراء (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الزجاج وحده: (وقيل: إن قوله: ﴿ كُنْ ﴾ فيه إضمار جميع ما يخلق في ذلك الوقت المعنى: و (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ ﴾ رفع بالابتداء.
وقال معًا (١٦) ﴿ الْحَقُّ ﴾ والمعنى: أنه يأمر فيقع أمره، فيرتفع ﴿ قَوْلُهُ ﴾ باسم كان و ﴿ الْحَقُّ ﴾ نعته).
قال الزجاج: (وهذا كما تقول: قد قلت فكان قولك، ليس المعنى: فكان الكلام إنما المعنى أنه كان ما دل عليه القول) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ يجوز أن يكون نصب ﴿ يَوْمَ ﴾ على (١٨) ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ ﴾ كما قال: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ﴾ ويجوز أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ بدلاً من (١٩) ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله الحق؛ المعنى: وقوله الحق يوم ينفخ في الصور.
فإن قال قائل: لله الملك في كل يوم وقوله الحق في كل وقت، فلم خص ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ ؟
والجواب: أنه اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع لأحد ولا ضر، فكان كما قال الله تعالى: ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) ﴾ والأمر في كل وقت لله عز وجل؛ ذكر هذا كله أبو إسحاق (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال أبو عبيدة: (الصور جمع سورة مثل سورة البناء وسور) (٢٣) وأخبرني أبو الفضل العروضي قراءة وسعيد بن العباس القرشي كتابة قالا: أنبأنا الأزهري قال: عن أبي الهيثم أنه قال: اعترض قوم فأنكروا (٢٤) (٢٥) ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾ فمن قرأها (٢٦) ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ﴾ وقرأ (٢٧) ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ فقد افترى الكذب وبدل كتاب الله، وكان أبو عبيدة صاحب أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو.
قال الفراء (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال الأزهري: (قد احتج أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غير ما ذهب إليه، وهو قول أهل السنة والجماعة، والدليل على صحة ما قال أن الله تعالى إذا بعث الأموات ينشئهم كيف شاء، ومن ادعى أنه يصورهم ثم ينفخ فيهم فعليه البيان) (٣١) وقد ذكرنا من كلام أبي الهيثم مثل ما ذكرها هنا في جمع السور في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ ﴾ ، واحتج أهل التفسير (٣٢) ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى ﴾ ولم يقل: فيها، وأيضًا فإنه لا ينفخ في الصور للبعث مرتين إنما ينفخ مرة واحدة، وبما ورد في الأخبار من ذكر النفخ في القرن كقوله : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه" (٣٣) (٣٤) (٣٥) لَوْلَا ابْنُ جَعْدَةَ لَمْ يُفْتَحْ قُهُنْدُزُكُمْ ...
وَلاَ خُرَاسَانُ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ) (٣٦) (١) في (ش): (صنعته).
(٢) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 247.
(٣) وفيه ذكر أنه الأجود.
(٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 263، و"معاني الأخفش" 2/ 278، وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، ومكي في "المشكل" 1/ 256.
(٥) "تنوير المقباس" 2/ 32.
(٦) انظر: "البيان" 1/ 326، و"التبيان" 1/ 340، و"الفريد" 2/ 172، و"الدر المصون" 4/ 690، وقال البغوي في "تفسيره" 3/ 157: (قيل: هو راجع إلى خلق السموات والأرض، والخلق بمعنى: القضاء والتقدير، أي: كل شيء قضاه وقدره قال له: كن فيكون) اهـ.
(٧) "معاني الفراء" 1/ 340 وفيه: (يقال: إنه خطاب للصور خاصة) ا.
هـ (٨) "معاني الزجاج" 2/ 263.
(٩) في (أ): (نقول) بالنون بدل الياء.
(١٠) يريد الخلاف في معناه كما سيأتي.
(١١) لفظ: (الواو): ساقط من (أ).
(١٢) في (أ) (نقول).
(١٣) في (ش): (فيكون).
(١٤) "معاني القرآن" 2/ 263 - 264، وذكره النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، ومكي في "المشكل" 1/ 256.
(١٥) هذا قول النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، قال: (وعلى هذين الجوابين ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ ﴾ ابتداء وخبر) اهـ.
(١٦) انظر: "معاني الفراء" 1/ 340.
(١٧) "معاني الزجاج" 2/ 264، وخلاصة ما ذكره الواحدي رحمه الله تعالى: (أن كان تامة، وفي فاعلها أوجه: الأول: ضمير جميع ما يخلق الله تعالى.
والثاني: ضمير الصور، وعلى هذا يكون ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ ﴾ مبتدأ، وخبر، أو ﴿ قَوْلُهُ ﴾ : مبتدأ، و ﴿ الْحَقُّ ﴾ : نعته، والخبر: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ ﴾ ، أو: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ ﴾ .
والوجه الثالث: الفاعل، هو: ﴿ قَولُهُ ﴾ ، و ﴿ الْحَقُّ ﴾ صفته، والواحدي عبر عن ذلك بقوله (يرتفع باسم كان).
وانظر: "التبيان" 340، و"الفريد" 1/ 173، و"الدر المصون" 4/ 691.
(١٨) أي ظرف لقوله ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ ﴾ أي: وله الملك في ذلك اليوم.
قال الهمداني في "الفريد" 1/ 173: (وهو المختار للقرب ولسلامته من الاعتراض) اهـ.
(١٩) في (أ): (عن) بدل (من).
(٢٠) "معاني القرآن" 2/ 264، ولم يذكر الوجه الثاني، وهو كونه بدلاً.
وقد ذكر الأوجه الثلاثة النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 557، وانظر: " المشكل" 1/ 257، و"التبيان" 1/ 341، و"الدر المصون" 4/ 692.
(٢١) "معاني الفراء" 1/ 340، وفيه: (ويقال: هو جمع للصور ينفخ في الصور في الموتى.
والله أعلم بصواب ذلك) اهـ.
(٢٢) "معاني القرآن" 2/ 264، وقال بعده: (والصور جمع سورة، أهل اللغة على هذا) اهـ وانظر: "العين" 7/ 149، و"الجمهرة" 2/ 745، و"الصحاح" 2/ 716، و"المجمل" 2/ 545، و"مقاييس اللغة" 3/ 320، و"المفردات" ص 498، و"عمدة الحفاظ" ص 303، و"التاج" 7/ 110، وأكثرهم قال: (الصور بالضم: القَرْن، ويقال: هو جمع صُورَة، والصِّوَر بالكسر لغة في الصُّوَر جمع صُورة).
(٢٣) "مجاز القرآن" 1/ 196 (416)، 2/ 162 - 163، وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" 5/ 192 في "كتاب التفسير، تفسير سورة الأنعام"، وحكاه البغوي في "تفسيره" 3/ 157 عن قتادة، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 69؛ عن الحسن، وانظر: "الزاهر" 1/ 416.
(٢٤) في (أ): (وأنكروا).
(٢٥) جاء عند القرطبي 7/ 20 عن أبي الهيثم قال: (من أنكر أن يكون الصور قرنًا فهو كمن ينكر العرش والميزان والصراط وطلب لها تأويلات) اهـ، وهذا الكلام عن أبي الهيثم فيه مبالغة ونظر، خاصة وأن إمام الحفاظ قد ارتضاه في "صحيحه".
قال السمين في "الدر" 4/ 694: (ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم) اهـ.
(٢٦) يعني بفتح الواو، وهي قراءة الحسن، ومعاذ القارئ، وأبي مجلز وأبي المتوكل، وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض، وقراءة الجمهور بسكونها.
انظر: "معاني النحاس" 2/ 448، و"مختصر الشواذ" ص 38، و"زاد المسير" 3/ 69.
(٢٧) يعني بسكون الواو: صُورَكم.
(٢٨) انظر: "المذكر والمؤنث" للفراء ص 69، 101، و"المذكر والمؤنث" لابن التستري ص 52، و"الإغفال" لأبي علي الفارسي ص 1113.
(٢٩) في (ش): (واحد) ، وهو تحريف.
(٣٠) "تهذيب اللغة" 2/ 1960، و"اللسان" 4/ 2524 - 2525 (صور)، وذكره عن الواحدي الرازي في "تفسيره" 13/ 33.
(٣١) "تهذيب اللغة" 2/ 1960، وهذا القول هو الظاهر عند أكثر أهل العلم.
وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 243 - 244: (أهل اللغة على أن الصّور جمع صورة، وقيل: إنه قرن، ومذهب أهل العربية غير فاسد؛ لأنه جائز أن يُنفخ في القرن ثم يمتد النفخ بإرجاع تلك الأرواح إلى الصور فتحيا بإذن الله) ا.
هـ.
بتصرف.
وانظر: "تفسير الطبري" 7/ 239 وما بعدها، و"معاني النحاس" 2/ 447، وابن عطية 5/ 249، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 60، والقرطبي 7/ 20، وابن كثير 2/ 163، وكلهم رجح أنه قرن، وحكى السمرقندي 1/ 494، إجماع المفسرين عليه.
(٣٢) انظر: "الإغفال" ص 1113.
(٣٣) الحديث روي من طرق يقوي بعضها بعض عن جماعة من الصحابة عن == النبي ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة 6/ 77 (2958)، وأحمد 1/ 326 ، 3/ 73، 4/ 374، والترمذي (2431) كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور، (3243)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، والنسائي في "التفسير" 1/ 340، والحاكم 4/ 559، وقال الترمذي: (حديث حسن)، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 42: (وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني في "الأوسط" وأبي نعيم في "الحلية" والبيهقي في "البعث".)، وأخرج أبو داود (4742)، كتاب: السنة، باب: في ذكر البعث والصور، والترمذي (2430)، كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الصور) (3244)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، وأحمد 10/ 9، 11/ 58، والدارمي 3/ 1844 (2840)، والحاكم 2/ 436، 506، 4/ 560، والنسائي في "التفسير" 2/ 244 من طرق جيدة عن عبد الله بن عمرو، أن أعرابيًّا سأل النبي عن الصور؟
فقال: "قرن ينفخ فيه"، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه أحمد شاكر في "حاشية المسند"، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 42، وزاد نسته إلى ابن المبارك في "الزهد" وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث"، وهذا الحديث يُعَدُّ نصًّا في أن الصور قرن.
(٣٤) في (أ): (والعرب تقول والعرب)، وهو تحريف.
(٣٥) لم أقف على قائله، وهو في "تفسير الطبري" 7/ 241، و"الزاهر" 1/ 416، و"المعرب" للجواليقي ص 512، و"الأنساب" للسمعاني 4/ 566، و"الدر المصون" 4/ 694.
وقهندز: بالضم، وقيل: بالفتح: كلمة أعجمية معربة تعني القلعة أو الحصن.
انظر: "معجم البلدان" 4/ 419، و"التاج" 8/ 133، وابن جعدة هو عبد الله بن جعدة بن هبيرة المخزومي، انظر: "حاشية الطبري".
(٣٦) "معاني الفراء" 1/ 340.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ﴾ عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا ﴿ قَوْلُهُ الحق ﴾ مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدم عليه والعامل فيه معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقول لشي كن: فيكون ذلك الشيء ﴿ وَلَهُ الملك ﴾ ظرف لقوله: كقوله: ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ ﴾ [غافر: 66]؛ وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليد ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ خبر ابتداء مضمر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ توفته ﴾ و ﴿ استهوته ﴾ ممالة: حمزة الباقون: بتاء التأنيث ﴿ قل من ينجيكم ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وعباس.
الباقون: بالتشديد ﴿ وخفية ﴾ بالكسر حيث كان: أبو بكر وحماد.
الباقون: بالضم ﴿ أنجانا ﴾ ممالة: حمزة وعلي وخلف ﴿ أنجانا ﴾ بدون الإمالة: عاصم.
الباقون ﴿ أنجيتنا ﴾ ﴿ قل الله ينجيكم ﴾ بالتشديد: يزيد وحمزة وخلف وعاصم وهشام.
الباقون: بالتخفيف ﴿ بعضٍ انظر ﴾ وأشباه ذلك بكسر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن شنبوذ عن أهل مكة، وابن ذكوان ﴿ ينسينك ﴾ بالتشديد: ابن عامر.
الوقوف: ﴿ حفظة ﴾ ط ﴿ لا يفرطون ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ الحاسبين ﴾ ه ﴿ وخفية ﴾ ط لاحتمال الإضمار أي يقولون لئن أنجيتنا، وتعلق "لئن" بمعنى القول في ﴿ تدعونه ﴾ أصح ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ تشركون ﴾ ه ﴿ بأس بعض ﴾ ط ﴿ يفقهون ﴾ ه ﴿ وهو الحق ﴾ ط ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ مستقر ﴾ ط للإبتداء بــ"سوف" على التهديد مع شدة اتصال المعنى ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ ولا شفيع ﴾ ط للشرط مع العطف ﴿ بما كسبوا ﴾ لا لانقطاع النظم مع اتصال المعنى، أو لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ وقوله ﴿ لهم شراب ﴾ خبر ﴿ الهدى ائتنا ﴾ ج ﴿ هو الهدى ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ لا لأن التقدير وأمرنا بأن أقيموا الصلاة ﴿ واتقوه ﴾ ط ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ في الصور ﴾ ط ﴿ والشهادة ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه.
التفسير: من الدلائل الدالة على كمال قدرته وحكمته قوله ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ والمراد منه الفوقية بالقدرة والتسخير كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان أي أنه أعلى وأنفذ منه، ولا ريب أن الممكنات بأسرها تحت تصرف الواجب ينقلها من حيز العدم إلى حالة الوجود وبالعكس، ويتصرف فيها كيف يشاء، علويات كن أو سفليات، ذوات أو صفات، نفوساً أو أبداناً، أخلاطاً وأركاناً.
ومن جملة قهره إرسال الحفظة - وهي جمع حافظ - على عبيده بضبط أعمالهم من الطاعات والمعاصي والمباحات لأنهم مطلعون على أقوال بني آدم لقوله ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ وعلى أفعالهم بقوله ﴿ يعلمون ما تفعلون ﴾ وأما صفات القلوب كالجهل والعلم فليس في الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها.
وعن ابن عباس أن مع كل إنسان ملكين: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار: انتظر لعله يتوب عنها فإن لم يتوب عنها فإن لم يتب كتب عليه.
قالت العلماء: من فوائد هذه الكتبة أن المكلف إذا علم أن الملائكة الموكلين عليه يكتبون أعماله في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك زجراً له عن القبائح.
ومنها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة فإن وزن الأعمال غير ممكن.
ومنها التعبد فعلى الملكلف أن يؤمن بكل ما ورد به الشرع وإن لم يعرف وجه الحكمة في بعض ذلك.
وقال بعض الحكماء: الحفظة النفوس والقوى الجسمانية التي تحفظ الأركان مع طبائعها المتضادة على امتزاجها.
وقال بعض القدماء: منهم النفوس البشرية والأرواح السفلية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها، فبعضها خيرة وبعضها شريرة، وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والخساسة، ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب المشفق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظتها ومنامها على سبيل الرؤيا تارة، وعلى سبيل الإلهامات أخرى.
فالأرواح الخيرة لها مبادٍ من عالم الأفلاك وكذا الأرواح الشريرة وتلك المبادىء في مصطلحهم تسمى بالطباع التام لأن تلك الأرواح في تلك الطبائع والأخلاق تامة كلها وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته، لأصحاب الطلسمات والعزائم في هذا الباب كلام كثير.
وقيل: إن النفوس المفارقة تميل إلى ما يناسبها ويساويها في الطبيعة والماهية من النفوس المتعلقة بالأبدان فتحفظها وتعينها ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ أي وقته أو أماراته ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي بإذننا وتفويضنا فالمتوفى بالحقيقة هو الله كما قال الله ﴿ يتوفى الأنفس حين موتها ﴾ .
وهؤلاء الرسل أتباع ملك الموت في قوله ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهل هم الحفظة بأعيانهم أم غيرهم فيه قولان: أشهرهما الثاني لكون ملائكة الروح والريحان وهم الريحانيون غير ملائكة الكرب والأحزان وهم الكروبيون.
وعن مجاهد: جعلت الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين.
﴿ وهم لا يفرطون ﴾ لا يقصرون فيما أمرهم الله به وفيه مدح لهم بالعصمة ﴿ ثم ردوا إلى الله ﴾ أي إلى حكمه وجزائه ﴿ مولاهم الحق ﴾ صفتان والضمير في ﴿ ردوا ﴾ إما للملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أولئك الملائكة، أو إلى البشر أي أنهم بعد موتهم يردون إلى الله والمعنى أنهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب، فإذا ماتوا انتقلوا إلى تصرف المولى الحق.
وفيه إشعار بأن الإنسان شيء آخر وراء هذا الهيكل المحسوس فإن هذا الهيكل يبقى ميتاً والإنسان مردود إليه .
وفي لفظ الرد إشارة إلى أن الروح كان موجوداً قبل البدن وقد تعلق به زماناً ثم ردّ إلى موضعه الأصلي وهو عالم الأرواح بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ ألا له الحكم ﴾ كقوله: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ حساباً قيل: إنه يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدة فلا يشغله كلام عن كلام.
وقيل: يحاسب كل إنسان واحد من الملائكة بإذن الله تعالى لأنه لو حاسب الكفار بذاته لتكلم معهم وهو محال لقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ وقال الحكيم: معنى سرعة المحاسبة ظهور الملكات في الهيآت على النفس في آن قطع التعلق، قليلة كانت أو كثيرة، حميدة أو ذميمة، وبعد تعارض البعض بالبعض يبقى ما هو أغلب وبحسب ذلك يكون الثواب أو ضده.
وذلك أنه لا يحصل للإنسان لحظة ولا لمحة ولا حركة ولا سكون إلا ويظهر منها في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو ضدها قل أو كثر وهو المراد بكتبة الأعمال.
قال الجبائي - ههنا: لو كان كلامه قديماً لوجب أن يكون متكلماً بالمحاسبة الآن وقبل خلقه وذلك محال لأن المحاسبة تقتضي حكاية عمل تقدم.
وعورض بالعلم فإنه كان قبل العالم عالماً بأنه سيوجد وبعد وجوده صار عالماً بأنه وجد ولا يلزم منه تغير العلم.
ثم عدّد لطفه وإحسانه بقوله ﴿ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ مجازاً عن مخاوفهما وأهوالهما يقال ليوم الكربة: يوم مظلم وذو كواكب كأنه أظلم عليه وجه الخلاص، ويحتمل أن تكون الظلمات بالحقيقة.
وظلمات البر ظلمة الليل وظلمة السحاب، وظلمات البحر هما مع ظلمة الماء.
﴿ تدعونه ﴾ في موضع الحال ﴿ تضرعاً وخفية ﴾ مفعول لأجلهما أو تمييز أو مصدر خاص.
والمراد أن الإنسان عند حصول هذه الشدائد يأتي بأمور: أحدها الدعاء.
الثاني التضرع.
والثالث: الإخلاص بالقلب وهو المعني بقوله ﴿ وخفية ﴾ ورابعها: التزام الشكر هو المراد من قوله ﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الظلم والشدة ﴿ لنكونن من الشاكرين ﴾ فبين الله أنه إذا شهدت الفطرة السليمة في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ولا معول إلا عليه وجب أن يبقى هذا الإخلاص عند كل الأحوال والأوقات.
ثم بين أنه ينجيهم من تلك المخاوف ومن سائر موجبات الحزن والكرب، ثم إن ذلك الإنسان يقدم على الشرك الجلي وهو عبادة الأوثان أو الخفي وهو اتباع الهوى.
وبالجملة فعادة أكثر الخلق ذلك إذا شاهدوا الخوف أخلصوا، وإذا انتقلوا إلى الأمن والرفاهية أشركوا.
ثم ذكر نوعاً آخر من دلائل التوحيد مقروناً بنوع من التخويف فقال ﴿ قل هو القادر ﴾ واللام للعهد أو للجنس فيفيد أنه هو الذي عرفتموه قادر، وهو الكامل القدرة ﴿ على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ كالمطر أو الحجارة مثل ما أمطر على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ كما أغرق فرعون وخسف بقارون.
وقيل: من قبل أكابركم وسلاطينكم أو من جهة سفلتكم وعبيدكم.
وقيل: هو حبس المطر والنبات ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ هي جمع شيعة أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام.
ومعنى خلطهم أن يوقع القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال.
عن رسول الله "سألت الله أن لا يبعث على أمتي عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطاني ذلك وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف" قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ دلالة على أن الأهواء المختلفة والآراء الفاسدة والبدع كلها من الله وفي قوله ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ إشارة إلى أن أن المعاصي وأنواع الظلم مستندة إلى الله وقالت المعتزلة: الآية لا تدل إلا على أنه تعالى قادر على القبيح والنزاع في أنه هل يفعل ذلك أم لا؟
وأجيب بأن الآية دلت على أن القدرة على هذه الأمور تختص به، وهذه الأمور واقعة فيكون هو فاعلها بالضرورة ﴿ انظر كيف نصرف الآيات ﴾ نقرر الدلائل الواضحات.
وقد قال مثل ذلك فيما قبل فالتقدير: انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون فلا نعرض عنهم بل نكررها ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ ﴿ وكذب به ﴾ أي بالعذاب المذكور في الآية السابقة ﴿ قومك ﴾ يعني قريشاً ومن دان بدينهم ﴿ وهو الحق ﴾ أي لا بد أن ينزل بهم.
وقيل: أي بالقرآن وهو الحق لأنه كتاب منزل من عند الله.
وقيل: أي بتصريف الآيات لأنهم كذبوا كون هذه الأشياء دلالات.
﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ أي بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الدلائل إنما أنا منذر.
﴿ لكل نبأ لكل ﴾ خبره يخبره الله ﴿ مستقر ﴾ أي استقرار أو موضع استقرار.
والمراد بالنبأ المنبأ به لأن النبأ قد حصل، والمقصود أن لعذاب الله أو لاستيلاء المسلمين على الكفار بالقتل والأسر والقهر وقتاً ومكاناً يحصل فيه من غير خلف ولا تأخير ﴿ وسوف تعلمون ﴾ فيه من التهديد ما فيه.
ثم بين أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مجالستهم فقال ﴿ وإذا رأيت ﴾ أيها السامع ﴿ الذين يخوضون في آياتنا ﴾ والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللغو والعبث، ويقرب منه قول المفسرين إنه في الآية الشروع في آيات الله على سبيل الطعن والاستهزاء وكانت قريش في أنديتهم يفعلون ذلك ﴿ فأعرض عنهم ﴾ بالقيام عنهم لقوله بعد ذلك ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ وقيل: المطلوب إظهار الإنكار وكل طريق أفاد هذا الغرض وإن كان غير القيام عن مجلسهم فإنه يجوز المصير إليه، هذا عند عدم الخوف، أما مع الخوف فهذا الفرض ساقط والتقية واجبة.
نعم كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه، سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر وإلا لم يبق الاعتماد على التكاليف التي يبلغها ﴿ وإما ينسينك الشيطان ﴾ أي يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم ﴿ فلا تقعد بعد الذكرى ﴾ بعد أن تذكر النهي ﴿ مع القوم الظالمين ﴾ أي معهم فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال الفراء: هي الذكر.
قال في الكشاف بناء على مذهبه: يجوز أن يراد وإن كان الشيطان ينسيك قبل النهي قبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول فلا تقعد بعد الذكرى، بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم.
قال الجبائي: إذا كان عدم العلم بالشيء يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، فعدم القدرة على الشيء أولى بأن يوجب سقوط التكليف، وهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق لا يقع، ويدل على أن الاستطاعة حاصلة قبل الفعل لأنها لو لم تحصل إلا مع الفعل لم يكن الكافر قادراً على الإيمان فوجب أن لا يتوجه عليه الأمر بالإيمان.
قال ابن عباس: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزلت الرخصة أن يقعدوا معهم ويذكروهم ويفهموهم بقوله ﴿ وما على الذين يتقون ﴾ أي الشرك والكبائر والفواحش ﴿ من حسابهم ﴾ من ذنوبهم التي يحاسبون عليها ﴿ من شيء ولكن ذكرى ﴾ أي ولكن يذكرونهم تذكيراً، أو ولكن عليهم أن يذكروهم، أو ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى.
ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل ﴿ من شيء ﴾ كقول القائل: ما في الدار من أحد ولكن زيد لأن قوله ﴿ من حسابهم ﴾ يأبى ذلك فإن الذكرى ليس من حساب المشركين.
ثم أكد الإعراض عنهم بقوله ﴿ وذر الذين ﴾ والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم والمبالاة بهم لا ترك إنذارهم وتخويفهم كقوله ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ وصفهم بوصفين الأوّل أنهم ﴿ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ وفيه وجوه: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام لعباً ولهواً حيث سخروا به واستهزؤا، أو أتخذوا ما هو لعب ولهو يعني عبادة الأوثان وغيرها ديناً لهم، أو المراد ما كانوا يحكمون به بمجرد التقليد والهوى كتحريم البحائر والسوائب، أو المراد أن المشركين وأهل الكتاب اتخذوا أعيادهم لعباً ولهواً لا كالمسلمين حيث اتخذوا عيدهم كما شرعه الله .
قال ابن عباس: أو هو إشارة إلى من جعل دين الإسلام وسيلة إلى المناصب والرياسات والغلبة والجلال لا لأنه حق وصدق في نفسه.
ويؤكد هذا الوجه الوصف الثاني وهو قوله ﴿ وغرتهم الحياة الدنيا ﴾ كأنهم أعرضوا عن حقيقة الدين واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوسلوا بها إلى حطام الدنيا ﴿ وذكر به ﴾ أي بالقرآن أو بالدين القويم مخافة ﴿ أن تبسل نفس ﴾ قال الحسن ومجاهد: أن تسلم إلى الهلاك والعذاب وترتهن بسوء فعلها وأصله المنع فالمسلم إليه وهو العذاب يمنع المسلم ومنه الباسل الشجاع لامتناعه من قرنه.
وقال قتادة: تحبس في جهنم.
وعن ابن عباس: تفتضح ﴿ ليس لها ﴾ أي النفس ﴿ من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل ﴾ إن تفد كل فداء لأن الفادي يعدل المفدى بمثله ﴿ لا يؤخذ منها ﴾ قال في الكشاف: فاعل ﴿ يؤخذ ﴾ قوله ﴿ منها ﴾ لا ضمير العدل لأن العدل ههنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ.
وأما في قوله ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ فبمعنى المفدى به فصح إسناده.
قلت: إن فسر الأخذ بالقبول كما في قوله ﴿ ويأخذ الصدقات ﴾ ارتفع الفرق.
﴿ أولئك ﴾ المتخذون ﴿ هم الذين أبسلوا بما كسبوا ﴾ ثم بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين بقوله ﴿ لهم شراب من حميم ﴾ ثم رد على عبدة الأصنام بقوله ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ النافع الضار ﴿ ما لا ينفعنا ولا يضرنا ﴾ أي لا يقدر على النفع والضر ﴿ ونرد ﴾ داخل في الاستفهام أي أنرجع إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام، فإن الردة عود إلى الحالة الأولى التي كان الإنسان عليها من الجهل كقوله ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ ﴿ كالذي استهوته ﴾ محله النصب على الحال من الضمير في ﴿ نرد ﴾ أي أننكص على العقبين مشبهين من استهوته وهو استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها كأن معناه طلبت هويه أي سقوطه من الموضع العالي إلى الوهدة العميقة كقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ﴾ وقيل: اشتقاقه من اتباع الهوى و ﴿ حيران ﴾ حال أخرى لكن من الضمير في ﴿ استهوته ﴾ وكذا الجملة بعده.
ومعنى الحيرة التردد في الأمر بحيث لا يهتدي إلى مخرجه منه.
ومنه تحيرت الروضة بالماء إذا امتلأت فتردد فيها الماء.
﴿ له ﴾ أي لهذا المستهوي ﴿ أصحاب ﴾ رفقة ﴿ يدعونه إلى الهدى ﴾ أي إن يهدوه الطريق المستوي فيكون مصدراً.
وسمي الطريق المستقيم بالهدى يقولون له ﴿ ائتنا ﴾ أو الدعاء في معنى القول وهذا بناء على ما تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن والغيلان تستهوي الإنسان وتستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان، والمسلمون يدعونه إلى الحق وقد اعتسف المهمة تابعاً للجن غير ملتفت اليهم.
وقيل: إن لذلك الكافر أصحاباً يدعونه إلى ذلك الضلال ويسمونه بأنه هو الهدى.
وروي أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فإنه كان يدعو أباه إلى عبادة الأوثان ﴿ قل إن هدى الله ﴾ وهو الإسلام ﴿ هو ﴾ الذي يحق أن يسمى هدى وما وراءه غي وضلال ﴿ وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا ﴾ قال الزجاج: لا بد من تأويل ليستقيم العطف فالتقدير: وأمرنا لنسلم ولنقيم، أو أمرنا أن أسلموا وأن أقيموا: قيل: والسر في العدول عن الظاهر أن المكلف كالغائب ما لم يسلم فإذا أسلم صار كالحاضر.
وتقرير الآية أن متعلق الأمر إما أن يكون من باب الأفعال أو من باب التروك.
والأول إما أن يكون من أفعال القلوب أو من أفعال الجوارح، ورئيس أفعال القلوب الإيمان بالله والإسلام وهو قوله ﴿ لنسلم ﴾ ورئيس أعمال الجوارح الصلاة وهو قوله ﴿ وأن أقيموا ﴾ ثم أشار إلى جوامع التروك بقوله ﴿ واتقوه ﴾ ثم قال ﴿ وهو الذي إليه تحشرون ﴾ ليعلم أن منافع هذه الأعمال إنما تظهر في يوم الحشر.
ثم دل على وجود الحاشر بقوله ﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض ﴾ قائما أو ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ بالحكم اللطيفة والغايات الصحيحة والأغراض المطابقة، وذلك أنه أودع في هذه الأجرام قوى وخواص وآثاراً تتضمن مصالح الأبدان ومباهج نوع الإنسان وهكذا خلق ﴿ يوم يقول كن فيكون قوله الحق ﴾ فقوله فاعل ﴿ يكون ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول ﴿ خلق ﴾ والمعنى أنه خلق العالم من الأفلاك والطبائع والعناصر والمواليد، وخلق يوم القيامة لرد الأرواح إلى الأجساد بطريق "كن فيكون" وعلى هذا يجوز أن يكون قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ وخبراً مستأنفاً، أو قوله ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ يوم يقول ﴾ ظرف دال على الخبر مثل "يوم الجمعة القتال" أي القتال واقع يوم الجمعة.
والمراد أن قضاءه في ذلك اليوم حق وصدق خالٍ عن الجور والعبث ﴿ ويوم ينفخ ﴾ ظرف لقوله ﴿ وله الملك ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ والمقصود أنه لا ملك في ذلك اليوم إلا له من غير دافع ولا منازع.
والصور باتفاق أكثر أهل الإسلام قرن ينفخ فيه ملك من الملائكة كما جاء في مواضع من القرآن ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ ففزع ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل صوف وصوفة.
وخطأه الأئمة فقالوا: كل جمع على لفظ الواحد سبق جمعه واحده فواحده بزيادة هاء فيه كالصوف، أما إذا سبق الواحد الجمع فليس كذلك كغرفة وغرف ولهذا يجمع صورة الإنسان على صور بالفتح كقوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ ومن أسكن فقد أخطأ، ومما يدل على أن الصور هو القرن لا جمع صورة الإنسان أنه لم يضف النفخ إلى نفسه كما قال ﴿ ونفخت فيه من روحي ﴾ ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] ثم لما بين كمال قدرته بقوله وله الملك ذكر كمال علمه بقوله ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات ﴿ وهو الحكيم ﴾ المصيب في أقواله وأفعاله ﴿ الخبير ﴾ النافذ علمه في بواطن الحقائق من غير اشتباه والتباس، فإن أمر البعث لا يتم إلا بقدرة كاملة وعلم تام كيلا يشتبه المطيع والعاصي والصديق والزنديق.
التأويل: ﴿ وهو القاهر ﴾ بوصف الجلال للأولياء، قهار بوصف الجبروت للأعداء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ من صفات قهره حتى لو أرادت نفسه الخروج عن قيد مجاهدتها قهرتها سطوات العتاب فردتها إلى بذل الجهد، وإن أراد قلبه فرجة عن مطالبات العزة قهرته صدمات الهيبة فردته إلى توديع البهجة، ولو أراد روحه استرواحاً من الحرقات قهرته بوارق التجلي فردته إلى بذل المهجة ﴿ حتى إذا جاء أحدكم الموت ﴾ يعني الفناء عن أوصاف الوجود ﴿ توفته ﴾ رسل صفات قهرنا وهم لا يقصرون في إفناء الأوصاف ﴿ ثم ردوا ﴾ إلى البقاء بالله ﴿ قل الله ينجيكم من ظلمات ﴾ بر الأجسام وبحر الأرواح فإن عالم الأرواح بالنسبة إلى عالم الألوهية ظلمانية.
﴿ تدعونه تضرعا ﴾ بالجسم ﴿ وخفية ﴾ بالروح ﴿ ومن كل كرب ﴾ آفة وفتنة ﴿ ثم أنتم تشركون ﴾ حين يتجلى لكم نور من أنوار صفاته، فبعضكم يقول: أنا الحق وبعضكم يقول: سبحاني ما أعظم شأني ﴿ عذاباً من فوقكم ﴾ بسدل حجاب العزة والغيرة بينه وبينكم ﴿ أو من تحت أرجلكم ﴾ حجاباً من أوصاف بشريتكم باستيلاء الهوى عليكم ﴿ أو يلبسكم شيعاً ﴾ بجعل الخلق فيكم فرقاً.
فمن قائل هم الصديقون، ومن قائل هم الزنديقون ﴿ ويذيق بعضكم بأس بعض ﴾ بالقتل والصلب وقطع الأطراف ﴿ انظر كيف نصرف ﴾ آيات المصارف للسائرين إلى الله ﴿ لعلهم يفقهون ﴾ لشرائط السير ولا يفقهون في مقام دون الفناء عن كلية الوجود بالبقاء بشهود المعبود ﴿ وكذب ﴾ بهذا المقام ﴿ قومك ﴾ المنكرون ﴿ وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ﴾ لا أسلك طريق هذا المقام بوكالتكم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى كما قال ﴿ لكل نبأ مستقر ﴾ أي لكل سائر وواقف مستقر من درجات القرب أو دركات البعد ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون ﴾ في أحوال الرجال ولا حظ لهم منها ﴿ فأعرض عنهم ﴾ ولا تجالسهم ﴿ حتى يخوضوا في حديث ﴾ غير تلك الطامات التي هي ريح في شبح.
﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً ﴾ لأن همهم من لبس الخرقة والتزيي بزي الطالبين إنما هو الدنيا وقبول الحق ﴿ أن تبسل نفس ﴾ أي كراهة أن يبطل استعدادها بالكلية ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ بمقامات الرجال من الوصول والوصال ﴿ قل أندعوا من دون الله ﴾ أنطلب غير الله الذي هو النافع الضار.
والنفع الحقيقي هو الفوز بالوصول إليه، والضر الحقيقي هو الانقطاع عنه.
﴿ ونرد على أعقابنا ﴾ إلى مقام الإثنينية التي كنا فيها بعد أن هدانا الله إلى الوحدة كالذي أضلته شياطين الجن والإنس في أرض البشرية باتباع الهوى ﴿ حيران ﴾ من إغوائهم.
﴿ وأمرنا لنسلم ﴾ بترك الوجود كالكرة في ميدان القدرة مستسلماً لصولجان القضاء ﴿ وأن أقيموا الصلاة ﴾ بمحافظة الأسرار عن الأغيار والاتقاء به عن غيره ليحشر إليه لا إلى الجنة أو النار كما قال: ألا من طلبني وجدني.
﴿ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق ﴾ أي لإظهار صفاته، فجعل المخلوقات مرآة لجماله وجلاله وإذا أراد أن يرى عبداً من عباده تلك الصفات يقول له: كن رائياً فيكون، ولن يصير رائياً بمجرد سعيه لأن قوله في حق الإنسان كن رائياً هو الحق وله ملك الإراءة وملك الرؤية، ينفخ الإراءة في صور القلب ﴿ وهو الحكيم ﴾ فيما اختص الإنسان بإراءة الآيات ﴿ الخبير ﴾ بمن يخصه من بين الناس بالإراءة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل: أن يكون أولئك الكفرة دعوا رسول الله أو المؤمنين إلى عبادة الأصنام التي كانوا يعبدونها، فقال عند ذلك: ﴿ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ، بعدما عبدنا الله الذي يملك نفعنا وضرنا.
أو كان أهل الكفر يدعون أهل الإسلام إلى عبادة الأوثان التي كانوا يعبدونها: إما طمعاً بشيء يبذلونه؛ ليرجعوا إلى عبادة الأوثان [والأصنام] عن عبادة الله، أو تخويفاً منهم لهم، فقال: قل يا محمد أندعو من دون الله ما لا يملك نفعنا إن عبدناه، ولا يملك ضرنا إن تركنا عبادته، بعدما عبدنا الذي يملك نفعنا إن عبدناه، ويملك ضرنا إن تركنا عبادته؟!
وعن ابن عباس - -: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ : هذا مثل ضربه الله للأصنام التي عبدوها دون الله، ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله وإلى عبادته؛ كمثل رجل ضل به الطريق؛ فبينما هو ضال إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق وله أصحاب يدعونه يا فلان هلم إلى الطريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ : في الكفر والشرك.
﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ ﴾ .
يقول: مثلهم إن كفروا بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين [واستهوته] في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا؛ فإنا على الطريق، قال: فلم يأتهم؛ فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد هو الذي يدعوهم إلى الطريق وهو الهدى.
ويحتمل أن يكون المثل الذي ضربه من وجه آخر، وهو أن مثل هؤلاء كمثل من كان في بعض المفاوز والبراري، فضل الطريق [به]، فذهب به الغيلان حتى أوقعوه في الهلكة؛ وهو الذي تقدم ذكره.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ﴾ أنه ما من أحد: من مشرك ومؤمن، إلا وله أصحاب يدعونه: أما المؤمن: فله أصحاب من الملائكة يدعونه إلى الهدى، والكافر: له شياطين يدعونه إلى الشرك؛ هذا أشبه أن يحمل عليه، لكن أهل التأويل حملوا [الآية] على ما ذكرنا.
قال قتادة: هذه خصومة علمها الله محمدا [يخاصم بها] أهل الشرك؛ لأن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك.
قال ابن عباس - -: ﴿ ٱسْتَهْوَتْهُ ﴾ : أضلته.
قال أبو عوسجة: أي: ذهبت به، استهوته وأهوته واحد، أي: دعته إلى الهلكة، وقيل: أضلته.
وقوله: ﴿ وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ .
أي: نرجع عن الإيمان إلى الشرك، ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قيل: بيان الله هو البيان.
وقيل: إن دين الله هو الهدى وهو الدين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قيل: هذا صلة قوله: ﴿ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا ﴾ ﴿ وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقال بعضهم: ليس على الصلة، ولكن على الابتداء: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وقل لهم: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلق السماوات والأرض بالحق لم يخلقهما باطلا؛ كقوله : ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ .
قيل: لم يخلقهما باطلا، ولكن خلقهما بالحق، وهو يحتمل وجوهاً: قيل: خلقهما للعاقبة؛ لأن كل أمر لا عاقبة له فهو باطل ليس بحق، فإنما خلق السماوات والأرض وما بينهما للعاقبة وذلك لأمر عظيم؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقيل: قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما ليمتحن فيهما ولمحنة سكانهما، لم يخلقهما لغير شيء.
وقيل: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي: خلقهما بالحكمة من نظر فيهما وتدبر؛ للدلالة على أن لهما خالقاً ومدبراً، والدلالة على أن مدبرهما ومنشئهما واحد، فإذا كان كذلك كان خلقهما بالحق بالحكمة والعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُن فَيَكُونُ ﴾ .
قد ذكرنا أن قوله: ﴿ كُن ﴾ هو أوجز كلام في لسان العرب يعبر به فيفهم منه، لا أَنْ كَانَ مِنَ اللهِ كافٌ أو نونٌ، لكنه ذكر - والله أعلم - ليعلموا أن ليس على الله في الإحياء والإنشاء بعد الموت مؤنة؛ كما لم يكن على الخلق في التكلم بـ "كن" مؤنة، ولا يصعب عليهم ذلك؛ فعلى ذلك ليس على الله في البعث بعد الموت مؤنة ولا صعوبة.
والثاني: ذكر هذا لسرعة نفاذ البعث؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أخبر أن خلقهم وبعثهم ليس إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة، وكقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ يخبر لسرعة نفاذ الساعة وبعثهم، وذلك أن الرجل قد يلمح البصر وهو لا يشعر به؛ فعلى ذلك القيامة قد تقوم وهم لا يشعرون.
والثالث: يذكر هذا - والله أعلم - أن البعث بعد الموت والإحياء إعادة، وإعادة الشيء عندكم أهون من ابتداء إنشائه؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: هو أهون عليه عندكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ .
يحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: البعث بعد الموت حق على ما أخبر.
ويحتمل: ﴿ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، أي: ذلك القول منه حق يكون كما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ \[أي\]: ملك ذلك اليوم؛ كقوله: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - لما لا ينازعه أحد في ملك ذلك اليوم، وقد نازعه الجبابرة في الملك في الدنيا، وإن لم يكن لهم ملك ولا ألوهية.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ ، أي: ملك جميع الملوك له في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّور ﴾ : قال بعضهم: النفخ: هو الروح، والروح من الريح، والروح إنما تدخل بالنفخ ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ .
وقال بعضهم: لا يكون هناك في الحقيقة نفخ، ولكن يذكر لسرعة نفاذ الساعة؛ لأن الرجل قد يتنفس وهو لا يشعر به، فذكر هذا لسرعة نفاذ الساعة؛ لأنه ليس شيء أسرع جرياناً ونفاذاً من الريح.
وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قال بعضهم: في صور الخلق، وقال بعضهم: الصور قرن ينفخ [فيه] إسرافيل فلا ندري كيف هو، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى أن فيه ما ذكرنا من سرعة نفاذ البعث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ .
أي: يعلم ما يغيب الخلق بعضهم من بعض.
﴿ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، ما يشهد بعضهم بعضاً.
أو يحتمل عالم الغيب، أي: يعلم ما يكون إذا كان كيف كان، أو يعلم وقت كونه، والشهادة: ما كان وشوهد؛ يخبر أنه لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه.
﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : في خلق السماوات والأرض، وخلق ما فيهما، والحكيم: في بعثهم، و [الحكيم] هو واضع الشيء موضعه.
﴿ ٱلْخَبِيرُ ﴾ بكل شيء.
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه وتعالى الذي خلق السماوات والأرض بالحق، يوم يقول الله للشيء: كن فيكون، حين يقول يوم القيامة: قوموا فيقومون، قوله الصدق الذي سيقع لا محالة، وله سبحانه وتعالى وحده الملك يوم القيامة حين يَنْفُخُ إسرافيل في القَرْن النفخة الثانية، عالم ما غاب وعالم ما شوهد وهو الحكيم في خلقه وتدبيره، الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، فبواطن الأمور عنده كظواهرها.
من فوائد الآيات الداعية إلى الله تعالى ليس مسؤولًا عن محاسبة أحد، بل هو مسؤول عن التبليغ والتذكير.
الوعظ من أعظم وسائل إيقاظ الغافلين والمستكبرين.
من دلائل التوحيد: أن من لا يملك نفعًا ولا ضرًّا ولا تصرفًا، هو بالضرورة لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.n9y7Z"