الآية ١ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ١ من سورة التحريم

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل نزلت في شأن مارية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها فنزل قوله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" الآية قال أبو عبدالرحمن النسائي أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد حدثنا أبي حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله عز وجل "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" إلى آخر الآية.

وقال ابن جرير حدثني ابن عبدالرحيم البرقي حدثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه فقالت أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي؟

فجعلها عليه حراما قالت أي رسول الله كيف يحرم عليك الحلال؟

فحلف لها بالله لا يصيبها فأنزل الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" قال زيد بن أسلم فقوله أنت علي حرام لغو وهكذا روى عبدالرحمن بن زيد عن أبيه وقال ابن جرير أيضا حدثنا يونس ثنا ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: قال لها "أنت علي حرام والله لا أطؤك" وقال سفيان الثوري بن علية عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق قال آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرم فعوتب في التحريم وأمر بالكفارة فى اليمين رواه ابن جرير وكذا روي عن قتادة وغيره عن الشعبي نفسه وكذا قال غير واحد من السلف منهم الضحاك والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وروى العوفي عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان؟

قال عائشة وحفصة وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم مارية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في نوبتها فوجدت حفصة فقالت يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال "ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها" قالت بلى فحرمها وقال لها "لا تذكري ذلك لأحد" فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه فأنزل الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك" الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه وأصاب جاريته وقال الهيثم بن كليب في مسنده ثنا أبو قلابة عبدالملك بن محمد الرقاشي ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة "لا تخبري أحدا وإن أم إبراهيم علي حرام" فقالت أتحرم ما أحل الله لك؟

قال "فوالله لا أقربها" قال فلم يقربها حتى أخبرت عائشة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها النبيّ المحرّم على نفسه ما أحلّ الله له، يبتغي بذلك مرضاة أزواجه، لم تحرّم على نفسك الحلال الذي أحله الله لك، تلتمس بتحريمك ذلك مرضاة أزواجك.

واختلف أهل العلم في الحلال الذي كان الله جلّ ثناؤه أحله لرسوله، فحرّمه على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه، فقال بعضهم: كان ذلك مارية مملوكته القبطية، حرمها على نفسه بيمين أنه لا يقربها طلبًا بذلك رضا حفصة بنت عمر زوجته، لأنها كانت غارت بأن خلا بها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في يومها وفي حجرتها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عبد الرحيم البرقي، قال: ثني ابن أَبي مريم، قال: ثنا أَبو غسان، قال: ثني زيد بن أسلم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أصاب أمَّ إبراهيم في بيت بعض نسائه؛ قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي، فجعلها عليه حراما؛ فقالت: يا رسول الله كيف تحرّم عليك الحلال؟

، فحلف لها بالله ألا يصيبها، فأنـزل الله عزّ وجل ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) قال زيد: فقوله أنت عليّ حرام لغو.

حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال: قال مسروق إن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرّم جاريته، وآلى منها، فجعل الحلال حرامًا، وقال في اليمين: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ .

حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا سفيان، عن داود، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال: آلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وحرّم، فعوتب في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، قال لها: أنت عليّ حرام، ووالله لا أطؤك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) قال: كان الشعبي يقول: حرّمها عليه، وحلف لا يقربها، فعوتب في التحريم، وجاءت الكفارة في اليمين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة وعامر الشعبيّ، أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرم جاريته.

قال الشعبيّ: حلف بيمين مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجعل له كفارة اليمين.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) قال: إنه وَجَدَتِ امرأة من نساء رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مع جاريته في بيتها، فقالت: يا رسول الله أنى كان هذا الأمر، وكنت أهونهنّ عليك؟

فقال لها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اسكُتِي لا تَذْكُرِي هَذَا لأحدٍ، هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ قَرُبْتُهَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا "، فقالت: يا رسول الله وكيف تحرّم عليك ما أحلّ الله لك حين تقول: هي عليّ حرام أبدًا؟

فقال: والله لا آتيها أَبدًا فقال الله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ...

الآية، قد غفرت هذا لك، وقولك والله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) كانت لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فتاة، فغشيها، فبصُرت به حفصة، وكان اليومُ يوم عائشة، وكانتا متظاهرتين، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اكْتُمي عَلَيَّ وَلا تَذْكُرِي لِعَائِشَةَ مَا رَأَيْتِ"، فذكرت حفصة لعائشة، فغضبت عائشة، فلم تزل بنبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى حلف أن لا يقربها أبدًا، فأنـزل الله هذه الآية، وأمره أن يكفر يمينه، ويأتي جاريته.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عامر، في قول الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) في جارية أتاها، فأطلعت عليه حفصة، فقال: هي عليّ حرام، فاكتمي ذلك، ولا تخبري به أحدًا فذكرت ذلك.

وقال آخرون: بل حرم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاريته، فجعل الله عزّ وجلّ تحريمه إياها بمنـزلة اليمين، فأوجب فيها من الكفارة مثل ما أوجب في اليمين إذا حنث فيها صاحبها.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ أمر الله النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم والمؤمنين إذا حرموا شيئًا مما أحلّ الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وليس يدخل ذلك في طلاق.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ...

إلى قوله: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين وكانتا زوجتي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فذهبت حفصة إلى أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى جاريته، فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتهما في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سُؤْتَنِي، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " واللهِ لأرْضِيَنَّكِ فَإنّي مُسِرّ إلَيْكِ سِرًا فَاحْفَظِيهِ"؛ قالت: ما هو؟

قال: " إنّي أُشْهِدُك أنَّ سُرِّيَّتَي هَذِهِ عَلَىَّ حَرَامٌ رِضًا لَكِ"، كانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأسرّت إليها أن أبشري إن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد حرّم عليه فتاته، فلما أخبرت بسرّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أظهر الله عزّ وجلّ النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأنـزل الله على رسوله لما تظاهرتا عليه ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) ...

إلى قوله: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا هشام الدستوائي، قال: كتب إليّ يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جُبير، أن ابن عباس كان يقول: في الحرام يمين تكفرها.

وقال ابن عباس: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ يعني أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرّم جاريته، فقال الله جلّ ثناؤه: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ...

إلى قوله: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: أنبأنا أَبو عثمان أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم دخل بيت حفصة، فإذا هي ليست ثَمَّ، فجاءته فتاته، وألقى عليها سترًا، فجاءت حفصة فقعدت على الباب حتى قضى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حاجته، فقالت: والله لقد سوتني، جامعتها في بيتي، أو كما قالت؛ قال: وحرّمها النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، أو كما قال.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) ...

الآية، قال: كان حرم فتاته القبطية أمَّ ولده إبراهيم يقال لها مارية في يوم حفصة، وأسرّ ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة، وكانتا تظاهران على نساء النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فأحلّ الله له ما حرَّم على نفسه، فأُمر أن يكفر عن يمينه، وعوتب في ذلك، فقال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قال قتادة: وكان الحسن يقول حرّمها عليه، فجعل الله فيها كفارة يمين.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور عن معمر، عن قتادة، أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرّمها يعني جاريته، فكانت يمينًا.

حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عـن عبيد الله بـن عبد الله، عن ابن عباس، قال: " قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان؟

قال: عائشة، وحفصة.

وكان بدء الحديث في شأن أمِّ إبراهيم القبطية، أصابها النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في بيت حفصة في يومها، فوجدته حفصة، فقالت: يا نبيّ الله لقد جئت إليّ شيئًا ما جئتَ إلى أحد من أزواجك بمثله في يومي وفي دوري، وعلى فراشى، قال: " ألا تَرْضينَ أَنْ أُحَرّمهَا فَلا أَقْرَبَهَا؟

" قالت: بلى، فحرّمها، وقال: " لا تَذْكُرِي ذَلِكَ لأحَدٍ"، فذكرته لعائشة، فأظهره الله عزّ وجلّ عليه، فأنـزل الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) ...

الآيات كلها، فبلغنا أن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كفر يمينه، وأصاب جاريته ".

وقال آخرون: كان ذلك شرابًا يشربه، كان يعجبه ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أَبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد، قال: نـزلت هذه الآية في شراب ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أَبو قَطن البغدادي عمرو بن الهيثم، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الله بن شدّاد مثله.

قال: ثنا أَبو قطن، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن ابن أَبي مليكة، قال: نـزلت في شراب.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرّمه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على نفسه شيئًا كان الله قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون كان شرابًا من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك، غير أنه أيّ ذلك كان، فإنه كان تحريم شيء كان له حلالا فعاتبه الله على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبين له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه.

فإن قائل قائل: وما برهانك على أنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان حلف مع تحريمه ما حرم، فقد علمت قول من قال: لم يكن من النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في ذلك غير التحريم، وأن التحريم هو اليمين؟

قيل: البرهان على ذلك واضح، وهو أنه لا يعقل في لغة عربية ولا عجمية أن قول القائل لجاريته، أو لطعام أو شراب، هذا عليّ حرام يمين، فإذا كان ذلك غير معقول، فمعلوم أن اليمين غير قول القائل للشيء الحلال له: هو عليّ حرام.

وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا، وفسد ما خالفه.

وبعد، فجائز أن يكون تحريم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ما حرم على نفسه من الحلال الذي كان الله تعالى ذكره، أحله له بيمين، فيكون قوله: ( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ) معنا: لم تحلف على الشيء الذي قد أحله الله أن لا تقربه، فتحرّمه على نفسك باليمين.

وإنما قلنا: إن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حرم ذلك، وحلف مع تحريمه، كما حدثني الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة قالت: آلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وحرم، فأُمِر في الإيلاء بكفارة، وقيل له في التحريم ( لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) .

وقوله: ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول تعالى ذكره: والله غفور يا محمد لذنوب التائبين من عباده من ذنوبهم، وقد غفر لك تحريمك على نفسك ما أحله الله لك، رحيم بعباده أن يعاقبهم على ما قد تابوا منه من الذنوب بعد التوبة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة التحريممدنية في قول الجميعوهي اثنتا عشرة آية .

وتسمى سورة " النبي " .بسم الله الرحمن الرحيمياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيمقوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا ، قالت فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل : إني أجد منك ريح مغافير !

أكلت مغافير ؟

فدخل على إحداهما فقالت له ذلك .

فقال : " بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له " .

فنزل : لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله إن تتوبا : ( لعائشة وحفصة ) ، وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا لقوله : " بل شربت عسلا " .

وعنها أيضا قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل ، فكان إذا صلى العصر دار على [ ص: 165 ] نسائه فيدنو منهن ، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عن ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل ، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة .

فقلت : أما والله لنحتالن له ، فذكرت ذلك لسودة وقلت : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟

فإنه سيقول لك : لا .

فقولي له : ما هذه الريح ؟

- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح - فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل .

فقولي له : جرست نحله العرفط .

وسأقول ذلك له ، وقوليه أنت يا صفية .

فلما دخل على سودة - قالت : تقول سودة : والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي ، وإنه لعلى الباب ، فرقا منك .

فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : يا رسول الله ، أكلت مغافير ؟

قال : " لا " .

قالت : فما هذه الريح ؟

قال : " سقتنيحفصة شربة عسل " .

قال : جرست نحله العرفط .

فلما دخل علي قلت له مثل ذلك .

ثم دخل على صفية فقالت بمثل ذلك .

فلما دخل على حفصة قالت : يا رسول الله ، ألا أسقيك منه .

قال : لا حاجة لي به .

قالت : تقول سودة : سبحان الله !

والله لقد حرمناه .

قالت : قلت لها اسكتي .

ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة .

وفي الأولى زينب .

وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة .

وقد قيل : إنما هي أم سلمة ، رواه أسباط عن السدي .

وقاله عطاء بن أبي مسلم .

ابن العربي : وهذا كله جهل أو تصور بغير علم .

فقال باقي نسائه حسدا وغيرة لمن شرب ذلك عندها : إنا لنجد منك ريح المغافير .

والمغافير : بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة ، فيها حلاوة .

واحدها مغفور ، وجرست : أكلت .

والعرفط : نبت له ريح كريح الخمر .

وكان عليه السلام يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها ، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك .

فهذا قول .

وقول آخر : أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه ، قاله ابن عباس وعكرمة .

والمرأة أم شريك .

وقول ثالث : إن التي حرم مارية القبطية ، وكان قد أهداها له المقوقس ملك الإسكندرية .

قال ابن إسحاق : هي من كورة أنصنا من بلد يقال له حفن فواقعها في بيت حفصة .

روى الدارقطني عن ابن عباس عن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة ، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له : تدخلها بيتي !

ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك .

فقال لها : " لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها " .

قالت حفصة : وكيف تحرم عليك وهي جاريتك ؟

فحلف [ ص: 166 ] لها ألا يقربها .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تذكريه لأحد " .

فذكرته لعائشة ، فآلى لا يدخل على نسائه شهرا ، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة ، فأنزل الله عز وجل لم تحرم ما أحل الله لك الآية .الثانية : أصح هذه الأقوال أولها .

وأضعفها أوسطها .

قال ابن العربي : أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته ، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريما لها ، لأن من رد ما وهب له لم يحرم عليه ، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل .

وأما من روى أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى ، لكنه لم يدون في الصحيح .

وروي مرسلا .

وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال : " أنت علي حرام ، والله لا آتينك " .

فأنزل الله عز وجل في ذلك : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك وروى مثله ابن القاسم عنه .

وروى أشهب عن مالك قال : راجعت عمر امرأة من الأنصار في شيء فاقشعر من ذلك وقال : ما كان النساء هكذا !

قالت : بلى ، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه .

فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة فقال لها : أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قالت : نعم ، ولو أعلم أنك تكره ما فعلت .

فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه قال : رغم أنف حفصة .

وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه ، فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك .

ونزلت الآية في الجميع .الثالثة : قوله تعالى : " لم تحرم " إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا .

ولا يحرم قول الرجل : " هذا علي حرام " شيئا حاشا الزوجة .

وقال أبو حنيفة : إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس ، وكانت يمينا توجب الكفارة .

وقال زفر : هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون .

وعول المخالف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة .

وقد قال الله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فسماه يمينا .

ودليلنا قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ، وقوله تعالى : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون [ ص: 167 ] فذم الله المحرم للحلال ولم يوجب عليه كفارة .

قال الزجاج : ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله .

ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه .

فمن قال لزوجته أو أمته : أنت علي حرام ; ولم ينو طلاقا ولا ظهارا فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين .

ولو خاطب بهذا اللفظ جمعا من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة .

ولو حرم على نفسه طعاما أو شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك .

وتجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة .الرابعة : واختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته : " أنت علي حرام " على ثمانية عشر قولا : أحدها : لا شيء عليه .

وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأصبغ .

وهو عندهم كتحريم الماء والطعام ; قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم والزوجة من الطيبات ومما أحل الله .

وقال تعالى : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام .

وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه ، ولا أن يصير بتحريمه حراما .

ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله هو علي حرام .

وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله : والله لا أقربها بعد اليوم فقيل له : لم تحرم ما أحل الله لك ; أي لم تمتنع منه بسبب اليمين .

يعني أقدم عليه وكفر .وثانيها : أنها يمين يكفرها ; قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي ; وهو مقتضى الآية .

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : إذا حرم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها .

وقال ابن عباس : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ; يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته فقال الله تعالى : لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فكفر عن يمينه وصير الحرام يمينا .

خرجه الدارقطني .وثالثها : أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين ; قاله ابن مسعود وابن عباس أيضا في إحدى روايتيه ، والشافعي في أحد قوليه ، وفي هذا القول نظر .

والآية ترده على ما يأتي .ورابعها : هي ظهار ; ففيها كفارة الظهار ، قاله عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق .[ ص: 168 ] وخامسها : أنه إن نوى الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه كان ظهارا .

وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين .

وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين ، قاله الشافعي .وسادسها : أنها طلقة رجعية ، قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون .

وسابعها : أنها طلقة بائنة ، قاله حماد بن أبي سليمان وزيد بن ثابت .

ورواه ابن خويز منداد عن مالك .وثامنها : أنها ثلاث تطليقات ، قاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضا وأبو هريرة .وتاسعها : هي في المدخول بها ثلاث ، وينوي في غير المدخول بها ، قاله الحسن وعلي بن زيد والحكم .

وهو مشهور مذهب مالك .وعاشرها : هي ثلاث ; ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل ; قاله عبد الملك في المبسوط ، وبه قال ابن أبي ليلى .وحادي عشرها : هي في التي لم يدخل بها واحدة ، وفي التي دخل بها ثلاث ; قاله أبو مصعب ومحمد بن عبد الحكم .وثاني عشرها : أنه إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى .

فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثا .

فإن نوى ثنتين فواحدة .

فإن لم ينو شيئا كانت يمينا وكان الرجل موليا من امرأته ; قاله أبو حنيفة وأصحابه .

وبمثله قال زفر ; إلا أنه قال : إذا نوى اثنتين ألزمناه .وثالث عشرها : أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقا ; قاله ابن القاسم .ورابع عشرها : قال يحيى بن عمر : يكون طلاقا ; فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار .وخامس عشرها : إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده .

وإن نوى واحدة فهي رجعية .

وهو قول الشافعي رضي الله عنه .

وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين .وسادس عشرها : إن نوى ثلاثا فثلاثا ، وإن واحدة فواحدة .

وإن نوى يمينا فهي يمين .

وإن لم ينو شيئا فلا شيء عليه .

وهو قول سفيان .

وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور ; إلا أنهما قالا : إن لم ينو شيئا فهي واحدة .[ ص: 169 ] وسابع عشرها : له نيته ولا يكون أقل من واحدة ; قاله ابن شهاب .

وإن لم ينو شيئا لم يكن شيء ; قاله ابن العربي .

ورأيت لسعيد بن جبير وهو :الثامن عشر : أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارا .

ولست أعلم لها وجها ، ولا يبعد في المقالات عندي .قلت : قد ذكره الدارقطني في سننه عن ابن عباس فقال : حدثنا الحسين بن إسماعيل قال : حدثنا محمد بن منصور قال : حدثنا روح قال : حدثنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما .

فقال : كذبت !

ليست عليك بحرام ; ثم تلا : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك عليك أغلظ الكفارات : عتق رقبة .

وقد قال جماعة من أهل التفسير : إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة ، وعاد إلى مارية صلى الله عليه وسلم ; قاله زيد بن أسلم وغيره .الخامسة : قال علماؤنا : سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة ، فتجاذبها العلماء لذلك .

فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال : لا حكم ، فلا يلزم بها شيء .

وأما من قال إنها يمين ; فقال : سماها الله يمينا .

وأما من قال : تجب فيها كفارة وليست بيمين ; فبناه على أحد أمرين : أحدهما أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها وإن لم تكن يمينا .

والثاني أن معنى اليمين عنده التحريم ، فوقعت الكفارة على المعنى .

وأما من قال : إنها طلقة رجعية ; فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه ، والرجعية محرمة الوطء كذلك ; فيحمل اللفظ عليه .

وهذا يلزم مالكا ، لقوله : إن الرجعية محرمة الوطء .

وكذلك وجه من قال : إنها ثلاث ، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث .

وأما من قال : إنه ظهار ، فلأنه أقل درجات التحريم ، فإنه تحريم لا يرفع النكاح .

وأما من قال : إنه طلقة بائنة ، فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة ، وأن الطلاق البائن يحرمها .

وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقا ، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة .

ابن العربي : وهذا لا يصح ، لأنه جمع بين المتضادين ، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاق في معنى لفظ واحد ، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصح اجتماعه في الدليل .[ ص: 170 ] وأما من قال : إنه ينوى في التي لم يدخل بها ، فلأن الواحدة تبينها وتحرمها شرعا إجماعا .

وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته : إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع ، فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه .

وأما من قال : إنه ثلاث فيهما ، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم ، فإنه لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها .

ومن الواجب أن يكون المعنى مثله وهو التحريم .

والله أعلم .وهذا كله في الزوجة .

وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك ، إلا أنه ينوي به العتق عند مالك .

وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين .

ابن العربي : والصحيح أنها طلقة واحدة ، لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة إلا أن يعدده .

كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر ، مثل أن يقول : أنت علي حرام إلا بعد زوج ، فهذا نص على المراد .قلت : أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته ; ذكره الثعلبي .

وعلى هذا فكأنه قال : لا يحرم عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين ، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضا .

فكأنه قال : لم يحرم عليك ما حرمته ، ولكن ضممت إلى التحريم يمينا فكفر عن اليمين .

وهذا صحيح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم حلف ، كما ذكره الدارقطني .

وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت جحش عسلا ويمكث عندها ، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل : أكلت مغافير ؟

إني لأجد منك ريح مغافير !

قال : " لا ، ولكن شربت عسلا ولن أعود له ، وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا " .

يبتغي مرضات أزواجه .

فيعني بقوله : ولن أعود له على جهة التحريم .

وبقوله : حلفت ؛ أي بالله ، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك ، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك يعني العسل المحرم بقوله : لن أعود له .

تبتغي مرضات أزواجك أي تفعل ذلك طلبا لرضاهن .

والله غفور رحيم غفور لما أوجب المعاتبة ، رحيم برفع المؤاخذة .

وقد قيل : إن ذلك كان ذنبا من الصغائر .

والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى ، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا عتاب من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، حين حرم على نفسه سريته \"مارية\" أو شرب العسل، مراعاة لخاطر بعض زوجاته، في قصة معروفة، فأنزل الله [تعالى] هذه الآيات { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ } أي: يا أيها الذي أنعم الله عليه بالنبوة والوحي والرسالة { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } من الطيبات، التي أنعم الله بها عليك وعلى أمتك.

{ تَبْتَغِيَ } بذلك التحريم { مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } هذا تصريح بأن الله قد غفر لرسوله، ورفع عنه اللوم، ورحمه، وصار ذلك التحريم الصادر منه، سببًا لشرع حكم عام لجميع الأمة، فقال تعالى حاكما حكما عاما في جميع الأيمان:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية ( ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم ) وسبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبيد الله بن إسماعيل ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب الحلواء [ ويحب ] العسل وكان إذا صلى العصر جاز على نسائه فيدنو منهن ، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس ، فسألت عن ذلك فقيل لي : أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها شربة ، فقلت : أما والله لنحتالن له فذكرت ذلك لسودة ، وقلت : إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له : يا رسول الله أكلت مغافير ؟

فإنه سيقول : لا فقولي له : ما هذه الريح وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتد عليه أن يوجد منه الريح ، فإنه سيقول : سقتني حفصة شربة عسل ، فقولي له : جرست نحله العرفط ، وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية ، فلما دخل على سودة ، تقول سودة : والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أباديه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب ، فرقا منك فلما دنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله أكلت مغافير ؟

قال : لا ، قلت : فما بال هذه الريح !

قال : سقتني حفصة شربة عسل ، قالت : جرست نحله العرفط ، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك ، ودخل على صفية فقالت له مثل ذلك ، فلما دخل على حفصة قالت له : يا رسول الله ألا أسقيك منه قال : لا حاجة لي به تقول سودة : سبحان الله لقد حرمناه ، قالت : قلت لها : اسكتي أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا الحسن بن محمد الصباح ، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال : زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فلتقل إني أجد منك ريح مغافير ، أكلت مغافير ؟

فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : لا بأس شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له ، فنزلت : ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك إلى قوله : إن تتوبا إلى الله لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) لقوله : بل شربت عسلا وبهذا الإسناد قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عطاء بإسناده وقال : قال : لا ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له ، وقد حلفت ، لا تخبري بذلك أحدا ، يبتغي بذلك مرضاة أزواجه .

وقال المفسرون : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زيارة أبيها فأذن لها ، فلما خرجت أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة ، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقا فجلست عند الباب فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووجهه يقطر عرقا ، وحفصة تبكي فقال : ما يبكيك ؟

فقالت : إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أمتك بيتي ، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي ، أما رأيت لي حرمة وحقا ؟

ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أليست هي جاريتي أحلها الله لي ؟

اسكتي فهي حرام علي ألتمس بذاك رضاك ، فلا تخبري بهذا امرأة منهن .

فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت : ألا أبشرك إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرم عليه أمته مارية ، وإن الله قد أراحنا منها وأخبرت عائشة بما رأت ، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله - صلى الله عليه وسلم - حتى حلف أن لا يقربها فأنزل الله - عز وجل - " ياأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " يعني العسل ومارية " تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم " وأمره أن يكفر يمينه ويراجع أمته ، فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك» من أمَتِكَ مارية القبطية لما واقعها في بيت حفصة وكانت غائبة فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى فراشها حيث قلت: هي حرام عليَّ «تبتغي» بتحريمها «مرضات أزواجك» أي رضاهن «والله غفور رحيم» غفر لك هذا التحريم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها النبي لِمَ تمنع نفسك عن الحلال الذي أحله الله لك، تبتغي إرضاء زوجاتك؟

والله غفور لك، رحيم بك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قد افتتح سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - : ( ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ .

.

.

.

ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ) .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير؟

- والمغافير : صمغ حلو له رائحة كريهة - إنى أجد منك ريح مغافير .فدخل على إحداهما فقالت له ذلك ، فقال : بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه ، وقد حلفت ، فلا تخبرى بذلك أحدا ، فنزلت هذه الآيات " .وفى رواية أن التى شرب عندها العسل : حفصة بنت عمر ، وأن القائلة له ذلك : سودة بنت زمعة ، وصفية بنت حيى .قالوا : والاشتباه فى الاسم لا يضر ، بعد ثبوت أصل القصة .وأخرج النسائى والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما ، فأنزل الله - تعالى - ( ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ .

.

.

الآيات .

.

.

) .وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصاب أم إبراهيم مارية ، فى بيت بعض نسائه - وفى رواية فى بيت حفصة فقالت : يا رسول الله فى بيتى وعلى فراشى؟

فجعلها أى مارية - عليه حراما ، وحلف بهذا .

.

.

فأنزل الله هذه الآيات .قال القرطبى ما ملخصه : " وأصح هذه الأقوال أولها .

.

.

والصحيح أن التحريم كان فى العسل ، وأنه شربه عند زينب ، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه ، فجرى ما جرى فحلف أن لا يشربه وأسر ذلك ، ونزلت الآية فى الجميع " .وقال الإمام ابن كثير - بعد أن ساق عددا من الروايات فى هذا الشأن : والصحيح أن ذلك كان فى تحريمه - صلى الله عليه وسلم - للعسل .وقال الآلوسى : قال النووى فى شرح مسلم : الصحيح أن الآية فى قصة العسل ، لا فى قصة مارية المروية فى غير الصحيحين ، ولم تأت قصة مارية من طريق صحيح .والصواب أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش .وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ) .وفى توجيه النداء إليه - صلى الله عليه وسلم - تنبيه إلى أن ما سيذكر بعد النداء ، شىء مهم ، بالنسبة له ولسائر المسلمين .والاستفهام فى قوله - تعالى - ( لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ .

.

) للنفى المصحوب بالعتاب منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - .وجملة ( تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ) حال من فاعل ( تُحَرِّمُ ) ، والعتاب واقع على مضمون هذه الجملة والتى قبلها ، وهى قوله ( لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ) .والمعنى : يا أيها الرسول الكريم ، لماذا حرمت على نفسك ما أحله الله - تعالى - لك من شراب أو غيره؟

أفعلت ذلك من أجل إرضاء أزواجك؟إنه لا ينبغى لك أن تفعل ذلك ، لأن ما أباحه الله - تعالى - لك ، لا يصح أن تحرمه على نفسك أو أن تمتنع عن تعاطيه ، فتشق على نفسك من أجل إرضاء غيرك .قال بعض العلماء : " ناداه بلفظ " النبى " إشعارا بأنه الذى نُبئَ بأسرار التحليل والتحريم الإلهى ، والمراد بتحريمه ما أُحِل له ، امتناعه منه ، وحظره إياه على نفسه .وهذا المقدار مباح ، ليس فى ارتكابه جناح ، وإنما قيل له ( لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ) رفقا به ، وشفقة عليه ، وتنويها لقدره ولمنصبه - صلى الله عليه وسلم - أن يراعى مرضاة أزواجه بما يشق عليه ، جريا على ما ألف من لطف الله - تعالى - به ، ورفعه عن أن يحرج بسبب أحد من البشر الذين هم أتباعه .

.

.

" .وقوله - سبحانه - : ( والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من وقع هذا اللوم ، ومن أثر هذا العتاب ، وإرشاد له - صلى الله عليه وسلم - بأن ما فعله داخل تحت مغفرة الله - تعالى - ورحمته .أى : والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة وقد غفر لك - بفضله وكرمه ما فعلته بسبب بعض أزواجك ، وجعلك على رأس من تظلهم رحمته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما التعلق بما قبلها، فذلك لاشتراكهما في الأحكام المخصوصة بالنساء، واشتراك الخطاب بالطلاق في أول تلك السورة مع الخطاب بالتحريم في أول هذه السورة لما كان الطلاق في الأكثر من الصور أو في الكل كما هو مذهب البعض مشتملاً على تحريم ما أحل الله، وأما الأول بالآخر، فلأن المذكور في آخر تلك السورة، يدل على عظمة حضرة الله تعالى، كما أنه يدل على كمال قدرته وكمال علمه، لما كان خلق السموات والأرض وما فيهما من الغرائب والعجائب مفتقراً إليهما وعظمة الحضرة مما ينافي القدرة على تحريم ما أحل الله، ولهذا قال تعالى: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ واختلفوا في الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه، قال في الكشاف: روي أنه عليه الصلاة والسلام خلا بمارية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: «اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي»، فأخبرت به عائشة، وكانتا متصادقتين، وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه، ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية، وروي أن عمر قال لها لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام، وقال: راجعها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة، وروي أنه ما طلقها وإنما نوه بطلاقها، وروي أنه عليه الصلاة والسلام شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش فتواطأت عائشة وحفصة، فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل فحرم العسل، فمعناه: لم تحرم ما أحل الله لك من ملك اليمين أو من العسل، والأول قول الحسن ومجاهد وقتادة والشعبي ومسروق ورواية ثابت عن أنس قال مسروق: حرم النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله تعالى هذه الآية فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها، فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم.

وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام، وإنما يكفر اليمين، فذلك قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله ﴾ الآية قال صاحب النظم قوله: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ ﴾ استفهام بمعنى الإنكار والإنكار من الله تعالى نهي، وتحريم الحلال مكروه، والحلال لا يحرم إلا بتحريم الله تعالى وقوله تعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أزواجك ﴾ و ﴿ تَبْتَغِي ﴾ حال خرجت مخرج المضارع والمعنى: لم تحرم مبتغياً مرضات أزواجك قال في الكشاف: ﴿ تَبْتَغِي ﴾ ، إما تفسير لتحرم، أو حال أو استئناف، وهذا زلة منه، لأنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ قد غفر لك ما تقدم من الزلة، ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ قد رحمك لم يؤاخذك به، ثم في الآية مباحث: البحث الأول: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ يوهم أن هذا الخطاب بطريق العتاب وخطاب الوصف، وهو النبي ينافي ذلك لما فيه من التشريف والتعظيم فكيف هو نقول: الظاهر أن هذا الخطاب ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه على أن ما صدر منه لم يكن كما ينبغي.

البحث الثاني: تحريم ما أحل الله تعالى غير ممكن، لما أن الإحلال ترجيح جانب الحل والتحريم ترجيح جانب الحرمة، ولا مجال للاجتماع بين الترجيحين فكيف يقال: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله ﴾ ؟

نقول: المراد من هذا التحريم هو الامتناع عن الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حراماً بعدما أحل الله تعالى فالنبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الانتفاع معها مع اعتقاده بكونه حلالاً ومن اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحله الله تعالى بعينه فقد كفر فكيف يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا.

البحث الثالث: إذا قيل: ما حكم تحريم الحلال؟

نقول: اختلفت الأئمة فيه فأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه فإذا حرم طعاماً فقد حلف على أكله أو أمة فعلى وطئها أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية وإن نوى الظهار فظهار، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى اثنتين، وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، فإن قال: نويت الكذب دين فيما بينه وبين ربه ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى ولا يراه الشافعي يميناً، ولكن سبباً (في الكفارة) في النساء وحدهن، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده، وأما اختلاف الصحابة فيه فكما هو في الكشاف، فلا حاجة بنا إلى ذكر ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليّ، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتيّ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه؛ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية» وروى: أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة.

وروي: «أنه شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل، فحرّم العسل» ، فمعناه ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ من ملك اليمين أو العسل.

و ﴿ تَبْتَغِى ﴾ إما تفسير لتحرم.

أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ قد غفر لك ما زللت فيه ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ قد رحمك فلم يؤاخذك به ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها.

ومنه: حلا أبيت اللعن، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها؛ وذلك أن يقول: (إن شاء الله) عقيبها، حتى لا يحنث.

والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» وقول ذي الرمّة: قَلِيلاً كَتَحْلِيلِ الأُلِيِّ فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟

قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه؛ فإذا حرّم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية؛ وإن نوى الظهار فظهار؛ وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديِّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء.

وإن قال: كل حلال عليّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً.

ولكن سبباً في الكفارة في النساء وحده وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم: أنّ الحرام يمين وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن زيد: واحدة بائنة.

وعن عثمان: ظهار.

وكان مسروق لا يراه شيئاً ويقول: ما أبالي أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجاً بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ [النحل: 116] وقوله تعالى: ﴿ لا تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87] وما لم يحرمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليّ، وإن امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ أي لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وحرّمنا عليه المراضع ﴾ [القصص: 12] أي؛ منعناه منها.

وظاهر قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ أنه كانت منه يمين.

فإن قلت: هل كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك؟

قلت: عن الحسن: أنه لم يُكَفِّر؛ لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية ﴿ والله مولاكم ﴾ سيدكم ومتولي أموركم ﴿ وَهُوَ العليم ﴾ بما يصلحكم فيشرعه لكم ﴿ الحكيم ﴾ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة.

وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلا بِمارِيَةَ في نَوْبَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أوْ حَفْصَةَ، فاطَّلَعَتْ عَلى ذَلِكَ حَفْصَةُ فَعاتَبَتْهُ فِيهِ فَحَرَّمَ مارِيَةَ فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ: «شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَواطَأتْ عائِشَةُ سَوْدَةَ وصَفِيَّةَ فَقُلْنَ لَهُ إنّا نَشْتَمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ.» ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ تَفْسِيرٌ لِ تُحَرِّمُ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الدّاعِي إلَيْهِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لَكَ هَذِهِ الزَّلَّةَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ رَحِمَكَ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ وعاتَبَكَ مُحاماةً عَلى عِصْمَتِكَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حِلُّ ما عَقَّدْتَهُ بِالكَفّارَةِ، أوِ الِاسْتِثْناءِ فِيها بِالمَشِيئَةِ حَتّى لا تَحْنَثَ مِن قَوْلِهِمْ: حَلَّلَ في يَمِينِهِ إذا اسْتَثْنى فِيها، واحْتَجَّ بِها مَن رَأى التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا أوْ تَحْرِيمَ المَرْأةِ يَمِينًا، وهو ضَعِيفٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ كَفّارَةِ اليَمِينِ فِيهِ كَوْنُهُ يَمِينًا مَعَ احْتِمالِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى بِلَفْظِ اليَمِينِ كَما قِيلَ ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ مُتَوَلِّي أمْرِكم ﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِما يُصْلِحُكُمُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُتْقِنُ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)

{قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم} قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة أو شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول إن شاء الله عقيبها حتى لا يحنث وتحريم الحلال يمين عندنا وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين {والله مولاكم} سيدكم ومتولي أموركم وقيل مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لم من نصائحكم أنفسكم {وَهُوَ العليم} بما يصلحكم فيشرعه لكم {الحكيم} فيما أحل وحرم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ ويُقالُ لَها: سُورَةُ المُتَحَرِّمِ وسُورَةُ لِمَ تُحَرِّمُ وسُورَةُ النَّبِيِّ  ، وعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - سُورَةُ النِّساءِ - والمَشْهُورُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المَدَنِيَّ مِنها إلى رَأْسِ العَشْرِ، والباقِي مَكِّيٌّ، وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ، وهي مُتَوَخِّيَةٌ مَعَ الَّتِي قَبْلَها في الِافْتِتاحِ بِخِطابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتِلْكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى طَلاقِ النِّساءِ، وهَذِهِ عَلى تَحْرِيمِ الإماءِ، وبَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ ما لا يَخْفى، ولَمّا كانَتْ تِلْكَ في خِصامِ نِساءِ الأُمَّةِ ذَكَرَ في هَذِهِ خُصُومَةَ نِساءِ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إعْظامًا لِمَنصِبِهِنَّ أنْ يُذْكَرْنَ مَعَ سائِرِ النِّسْوَةِ فَأُفْرِدْنَ بِسُورَةٍ خاصَّةٍ ولِذا خُتِمَتْ بِذِكْرِ زَوْجَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الجَنَّةِ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ رَوى البُخارِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عِنْدَها عَسَلًا فَتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ إنَّ أيَّتَنا دَخَلَ عَلَيْها النَّبِيُّ  فَلْتَقُلْ إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغافِيرَ أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟

فَدَخَلَ عَلى إحْداهُما فَقالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: لا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ولَنْ أعُودَ»» وفي رِوايَةٍ ««وقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِي بِذَلِكَ أحَدًا»» فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ إلَخْ، وفي رِوايَةٍ ««قالَتْ سَوْدَةُ: أكَلْتَ مَغافِيرَ ؟

قالَ: لا قالَتْ: فَما هَذِهِ الرِّيحُ الَّتِي أجِدُ مِنكَ ؟

قالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقالَتْ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ»» فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ، وفي حَدِيثٍ رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ شَرِبَ العَسَلَ في بَيْتِ حَفْصَةَ، والقائِلَةُ سَوْدَةُ وصَفِيَّةُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ قالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَرِبَ مِن شَرابٍ عِنْدَ سَوْدَةَ مِنَ العَسَلِ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» فَنَزَلَتْ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يَطَؤُها فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عائِشَةُ وحَفْصَةُ حَتّى جَعَلَها عَلى نَفْسِهِ حَرامًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ إلَخْ،» ويُوافِقُهُ ما أخْرَجَهُ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ الآيَةَ في سَرِيَّتِهِ.

والمَشْهُورُ أنَّها مارِيَةٌ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وطِئَها في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِها فَوَجَدَتْ وعاتَبَتْهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أقْرَبُها ؟

قالَتْ: بَلى فَحَرَّمَها، وفي رِوايَةٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ في بَيْتِ حَفْصَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ، وفي الكَشّافِ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَلا بِمارِيَةَ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ وقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي فَأخْبَرَتْ عائِشَةَ وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ» .

وبِالجُمْلَةِ الأخْبارُ مُتَعارِضَةٌ، وقَدْ سَمِعْتَ ما قِيلَ فِيها لَكِنْ قالَ الخَفاجِيُّ: قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّحِيحُ أنَّ الآيَةَ في قِصَّةِ العَسَلِ لا في قِصَّةِ مارِيَةَ المَرْوِيَّةِ في غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ، ولَمْ تَأْتِ قِصَّةُ مارِيَةَ في طَرِيقٍ صَحِيحٍ ثُمَّ قالَ الخَفاجِيُّ نَقْلًا عَنْهُ أيْضًا: الصَّوابُ أنَّ شُرْبَ العَسَلِ كانَ عِنْدَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وقالَ الطَّيِّبِيُّ فِيما نَقَلْناهُ عَنِ الكَشّافِ: ما وجَدْتُهُ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والمَغافِيرُ: بِفَتْحِ المِيمِ والغَيْنِ المُعْجَمَةِ وبِياءٍ بَعْدَ الفاءِ - عَلى ما صَوَّبَهُ القاضِي عِياضٌ - جَمْعُ مُغْفُورٍ بِضَمِّ المِيمِ شَيْءٌ لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ يُنْضِحُهُ العُرْفُطُ وهو شَجَرٌ أوْ نَباتٌ لَهُ ورَقٌ عَرِيضٌ، وعَنِ المُطَّلِعِ أنَّ العُرْفُطَ هو الصَّمْغُ، والمُغْفُورُ شَوْكٌ لَهُ نَوْرٌ يَأْكُلُ مِنهُ النَّحْلُ يَظْهَرُ العُرْفُطُ عَلَيْهِ، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ الطَّيِّبَ جِدًّا ويَكْرَهُ الرّائِحَةَ الكَرِيهَةَ لِلَطافَةِ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ولِأنَّ المَلَكَ يَأْتِيهِ وهو يَكْرَهُها فَشَقَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قِيلَ فَجَرى ما جَرى، وفي نِدائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بِيا أيُّها النَّبِيُّ - في مُفْتَتَحِ العِتابِ مِن حُسْنِ التَّلَطُّفِ بِهِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ  ﴾ والمُرادُ بِالتَّحْرِيمِ الِامْتِناعُ.

وبِما أحَلَّ اللَّهُ العَسَلُ عَلى ما صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ وطْءُ سَرِيَّتِهِ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ - بِما - عَلى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ ظاهِرٌ.

وفَسَّرَ بَعْضُهم ما بِمارِيَةَ والتَّعْبِيرُ عَنْها - بِما - عَلى ما هو الشّائِعُ في التَّعْبِيرِ بِها عَنْ مِلْكِ اليَمِينِ، والنُّكْتَةُ فِيهِ لا تَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ تُحَرِّمُ ﴾ ، واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ فَيَكُونُ هو مَحَلَّ العِتابِ عَلى ما قِيلَ، وكَأنَّ وجْهَهُ أنَّ الكَلامَ الَّذِي فِيهِ قَيْدٌ المَقْصُودُ فِيهِ القَيْدُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا، أوْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ عَلى نَحْوِ «أضْعافًا مُضاعَفَةً» عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ في نَفْسِهِ مَحَلُّ عَتْبٍ والباعِثُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ كَما في الكَشْفِ، أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ، وهو الأوْلى، ووَجْهُهُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هو مُعاتَبَةٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَكُنْ عَنْ باعِثٍ مَرَضِيٍّ فاتَّجَهَ أنْ يُسْألَ ما يُنْكَرُ مِنهُ وقَدْ فَعَلَهُ غَيْرِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ  ﴾ فَقِيلَ: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ ومِثْلُكَ مِن أجَلِّ أنْ تَطْلُبَ مَرْضاتَهُنَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا - لِتُحَرِّمَ - بِجَعْلِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِنَّ عَيْنَ التَّحْرِيمِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ، وفِيهِ مِن تَفْخِيمِ الأمْرِ ما فِيهِ، والإضافَةُ في ﴿ أزْواجِكَ ﴾ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِهِ السّامِي الكَرِيمِ يُعَدُّ كالذَّنْبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، وأنَّ عِتابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْسَ إلّا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقَدْ زَلَّ الزَّمَخْشَرِيُّ ها هُنا كَعادَتِهِ فَزَعَمَ أنَّ ما وقَعَ مِن تَحْرِيمِ الحَلالِ المَحْظُورِ لَكِنَّهُ غُفِرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ شَنَّ ابْنُ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ الغارَةَ في التَّشْنِيعِ عَلَيْهِ فَقالَ ما حاصِلُهُ: إنَّ ما أطْلَقَهُ في حَقِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَقَوُّلٌ وافْتِراءٌ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهُ بَراءٌ، وذَلِكَ أنَّ تَحْرِيمَ الحَلالِ عَلى وجْهَيْنِ: الأوَّلُ اعْتِقادُ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ وهو كاعْتِقادِ ثُبُوتِ حُكْمِ التَّحْلِيلِ في الحَرامِ مَحْظُورٌ يُوجِبُ الكُفْرَ فَلا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ المَعْصُومِ أصْلًا، والثّانِي الِامْتِناعُ مِنَ الحَلالِ مُطْلَقًا أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ مَعَ اعْتِقادِ حِلِّهِ وهَذا مُباحٌ صِرْفٌ وحَلالٌ مَحْضٌ، ولَوْ كانَ تَرْكُ المُباحِ والِامْتِناعُ مِنهُ غَيْرَ مُباحٍ لاسْتَحالَتْ حَقِيقَةُ الحَلالِ، وما وقَعَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ مِن هَذا النَّوْعِ وإنَّما عاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ رِفْقًا بِهِ وتَنْوِيهًا بِقَدْرِهِ وإجْلالًا لِمَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُراعِيَ مَرْضاةَ أزْواجِهِ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ جَرْيًا عَلى ما أُلِفَ مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، وتَأوَّلَ بَعْضُهم كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ، وفِيهِ ما يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: نِسْبَةُ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ، والمُرادُ لِمَ تَكُونُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ ما أحَلَّ لَكَ بِحَلِفِكَ عَلى تَرْكِهِ وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وفي وُقُوعِ الحَلِفِ خِلافٌ، ومَن قالَ بِهِ احْتَجَّ بِبَعْضِ الأخْبارِ، وبِظاهِرِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وذلك أن النبيّ  خلا في يوم لعائشة-  ا- مع جاريته مارية القبطية، فوقعت حفصة على ذلك، فقال لها رسول الله  : «لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ» وحرم مارية على نفسه، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فطلق النبيّ  حفصة، فأمر الله تعالى رسوله بكفارة اليمين، لتحريم جاريته على نفسه، وأمره بأن يراجع حفصة، فقال له جبريل: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، ونزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يعني: مارية تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ يعني: تطلب رضا زوجتك عائشة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ فيما حرم على نفسه.

ويقال: غفور لذنب حفصة.

رَحِيمٌ حيث لم يعاقبها.

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: بيَّن الله لكم كفارة أيمانكم.

ويقال: أوجب الله عليكم كفارة أيمانكم.

وفي الآية وجه آخر روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة-  ا- وعن أبيها قالت: كان رسول الله  يحب الحلو والعسل، وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فيدنو منهن فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عائشة عن ذلك، فقيل لها: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت لرسول الله  منه.

فقالت: أما والله لنحتالن.

فذكرت ذلك لسودة، وقالت: إذا دخل فإنه سيدنو منك، فقولي له: أكلت المغافير؟

فإنه سيقول لك: لا.

فقولي له: ما هذه الريح؟

وكان رسول الله  يشتد عليه إذا وجد منه الريح، فإنه سيقول لك: حفصة سقتني شربة عسل.

فقولي له: جرست نحلة العُرْفُط يعني: أن تلك النحلة أكلت العرفط، وهو نبات به رائحة منكرة.

وسأقول له ذلك، وقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل رسول الله  على سودة، قالت سودة: لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا مني، قلت: أكلت المغافير؟

قال: لا، قالت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحلة العرفط.

فلما دخل على صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟

قال: لا حاجة لي به.

وروى ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله  شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة، فقالت له: إني أجد منك ريحاً.

ثم دخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً.

قال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.

ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: أوجب عليكم كفارة أيمانكم.

وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ يعني: ناصركم وحافظكم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية.

الْحَكِيمُ حكم بكفارة اليمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:

اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:

صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...

الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ حَفْصَةً ذَهَبَتْ إلى أبِيها تَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ  إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ [الَّذِي] يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً.

فَلَمّا دَخَلَتْ حَفْصَةُ قالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ.

واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي، فَقالَ النَّبِيُّ  : "واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، وإنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ" قالَتْ: وما هُوَ؟

قالَ "إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ رِضًى لَكِ"، وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  ، فانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لَها: أبْشِرِي، إنَّ النَّبِيَّ  قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى، وقالَ فِيهِ: «فَقالَتْ حَفْصَةُ: كَيْفَ تُحَرِّمُها عَلَيْكَ، وهي جارِيَتُكَ؟!

فَحَلَفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها، فَقالَ لَها: "لا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ" فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وقالَ الضَّحّاكُ: «قالَ لَها: "لا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ"، فَذَكَرَتْهُ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، ولَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا انْصَرَفَ مِن صَلاةِ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، واحْتَبَسَ عِنْدَها، فَسَألَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: أهَدَتْ لَها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقُلْتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنكِ إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرَ، فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ وسَأقُولُ ذَلِكَ، وقَوْلِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْقِيكَ مِنهُ؟

قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ، قالَتْ: تَقُولُ: سَوْدَةُ سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ حَرَمْناهُ قُلْتُ لَها: اسْكُتِي،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .

وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ سَوْدَةُ، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: إنِّي لَأجِدُ مِنكَ رِيحًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ، فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: " إنِّي أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ، واللَّهِ لا أشْرَبُهُ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ أنْ تَقُولا لَهُ ذَلِكَ القَوْلَ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَغافِيرُ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ فِيهِ حَلاوَةٌ.

وخَرَجَ النّاسُ يَتَمَغْفَرُونَ: إذا خَرَجُوا يَجْتَنُونَهُ.

ويُقالُ: المَغاثِيرُ بِالثّاءِ، مِثْلُ جَدَثٍ، وجَدَفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَغافِيرُ: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، فَخَرَجَ في المُرادِ بِالَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جارِيَتُهُ.

والثّانِي: العَسَلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ أيْ: تَطْلُبُ رِضاهُنَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ التَّحْرِيمَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم ﴿ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارَةَ أيْمانِكُمْ، وذَلِكَ البَيانُ في [المائِدَةِ: ٨٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: وأصْلُ "تَحِلَّةٍ" تَحْلِلَةٌ عَلى وزْنِ تَفْعِلَةٍ، فَأُدْغِمَتْ، والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ أيْمانِكم بِالكَفّارَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، فَأعْتَقَ رَقَبَةً.

واخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ مارِيَّةَ عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: حَرَّمَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ يَعْنِي: حَفْصَةَ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وَفِي هَذا السِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَها: " إنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ، سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ "، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ لَها: " أبُوكِ، وأبُو عائِشَةَ، والِيا النّاسِ مِن بَعْدِي، فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا "، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أسَرَّ إلَيْها أنَّ أبا بَكْرٍ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ "وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  غَضَبًا شَدِيدًا، لِأنَّهُ اسْتَكْتَمَ حَفْصَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاها، فَأخْبَرَها بِبَعْضِ ما قالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وفي الَّذِي عَرَّفَها إيّاهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَدَّثَها ما حَدَّثَتْها عائِشَةُ مِن شَأْنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وسَكَتَ عَمّا أخْبَرَتْ عائِشَةَ مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ، لِأنَّهُ لَمْ يُبالِ ما أظْهَرَتْ مِن ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي عَرَّفَ: تَحْرِيمُ مارِيَّةَ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ: ذِكْرُ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قالَ: ومَعْنى "عَرَّفَ بَعْضَهُ" عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، "عَرَفَ" بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ عَرَفَ كُلَّ ما أسَرَّهُ، غَيْرَ أنَّ المَعْنى جارٍ عَلى بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ ، أيْ: يَعْلَمْهُ ويُجازِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ أيْ: يَرَ جَزاءَهُ.

فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ  طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُراجِعَها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لَمْ يُطَلِّقْها، وإنَّما هَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لا تُطَلِّقْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ.

وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "عُرّافُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِألِفٍ "بَعْضِهِ" بِالخَفْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَ حَفْصَةَ بِإفْشائِها السِّرَّ ﴿ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ أيْ: مَن أخْبَرَكَ بِأنِّي أفْشَيْتُ سِرَّكَ؟

﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ خاطَبَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالإيذاءِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زاغَتْ، وأثِمَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَدَلَتْ، وزاغَتْ عَنِ الحَقِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا نَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى وجَدْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما.

وإنَّما جَعَلَ القَلْبَيْنِ جَماعَةً لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّهُما أحَبّا ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنِ اجْتِنابِ جارِيَتِهِ، "وَإنْ تَظاهَرا" وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ "تَظاهَرا" بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، أيْ: تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ  بِالإيذاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ: ولِيُّهُ في العَوْنِ، والنُّصْرَةِ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ ولِيُّهُ ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وفي المُرادِ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، رَواهُ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ.

والثّالِثُ: عُمَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ العَدَوِيُّ، وسُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَهُ الفَرّاءُ: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَحَّدٌ في مَذْهَبِ جَمِيعٍ، كَما تَقُولُ: لا يَأْتِينِي إلّا سائِسُ الحَرْبِ، فَمَن كانَ ذا ساسَةٍ لِلْحَرْبِ، فَقَدْ أُمِرَ بِالمَجِيءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ يُؤَدِّي مَعْنى الواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ أيْ: ظَهْرًا، وهَذا مِمّا لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمِيعُ، ومِثْلُهُ ﴿ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ ، وقَدْ شَرَحْناهُ هُناكَ.

ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أنَسٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: بَلَغَنِي بَعْضُ ما آذى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ نِساؤُهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أسْتَقْرِئُهُنَّ واحِدَةً واحِدَةً، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَتَنْتَهِنَّ، أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والمَعْنى: واجِبٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ رَسُولُهُ ﴿ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ أيْ: طائِعاتٍ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السّائِحُونَ  ﴾ .

والثّانِي: مُهاجِراتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

"والثَّيِّباتُ" جَمْعُ ثَيِّبٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، فَعادَتْ كَما كانَتْ غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ.

"والأبْكارُ": العَذارى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَحْرِيمِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ بِلا خِلافٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عن بَعْضِ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِما ما مَعْناهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا أهْدى إلَيْهِ المُقَوْقِسُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ اتَّخَذَها سُرِّيَّةً، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ وهو يَوْمُ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، جاءَ رَسُولُ اللهِ  إلى بَيْتِ حَفْصَةَ فَوَجَدَها قَدْ مَرَّتْ إلى زِيارَةِ أبِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  في جارِيَتِهِ فَقالَ مَعَها، فَجاءَتْ حَفْصَةُ فَوَجَدَتْهُما، فَأقامَتْ خارِجَ البَيْتِ حَتّى أخْرَجَ رَسُولُ اللهِ  مارِيَةَ وذَهَبَتْ، فَدَخَلَتْ حَفْصَةُ غَيْرى مُتَغَيِّرَةً، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أما كانَ في نِسائِكَ أهْوَنُ عَلَيْكَ مِنِّي؟

أفِي بَيْتِي غَيْرى وعَلى فِراشِي؟

فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  مُتَرَضِّيًا لَها: أيُرْضِيكِ أنْ أُحَرِّمَها؟

قالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقالَ مَعَ ذَلِكَ: واللهِ لا أطَؤُها أبَدًا، ثُمَّ قالَ: لا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَمَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَها خَوْفًا مَن غَضِبِ عائِشَةَ، وحُسْنِ عِشْرَةٍ لَها، ومَن قالَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ حَفْصَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَتْها لِنَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّ حَفْصَةَ قَرَعَتِ الجِدارَ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأخْبَرَتْها لِتُبَشِّرَها بِالأمْرِ، ولَمْ تَرَ في إفْشائِهِ إلَيْها حَرَجًا، واسْتَكْتَمَتْها، فَأوحى اللهُ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ  ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ شَرِيكٍ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  ، وذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

ورَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ هَذا التَحْرِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ شَرابِ العَسَلِ الَّذِي شَرِبَهُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، «فَتَمالَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وسَوْدَةُ عَلى أنْ تَقُولَ لَهُ مَن دَنا مِنها: أكَلْتَ مَغافِيرَ، والمَغافِيرُ صَمْغٌ العُرْفُطِ، وهو حُلْوٌ ثَقِيلُ الرِيحِ، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لا، ولَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا، فَقُلْنَ لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لا أشْرَبُهُ أبَدًا، وكانَ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنهُ رائِحَةٌ ثَقِيلَةٌ، فَدَخَلَ -بَعْدَ ذَلِكَ- عَلى زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَتْ لَهُ: ألا نَسْقِيكَ مِن ذَلِكَ العَسَلَ؟

فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِهِ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: تَقُولُ سَوْدَةُ حِينَ بَلَغَها امْتِناعُهُ: واللهِ لَقَدْ حَرَّمْناهُ، قُلْتُ لَها: اسْكُتِي.» والقَوْلُ الأوَّلُ - إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مارِيَةَ - أصَحُّ وأوضَحُ، وعَلَيْهِ تَفَقُّهُ الناسِ في الآيَةِ، ومَتى حَرَّمَ الرَجُلُ مالًا أو جارِيَةً دُونَ أنْ يَعْتِقَ أو يَشْتَرِطَ عِتْقًا أو نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ تَحْرِيمُهُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ إذا حَرَّمَ زَوْجَتَهُ بِأنْ يَقُولَ: "أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ" أو: "الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ"، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ، فَقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَيْنِ أو ثَلاثٍ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجَشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ، وقالَ أبُو المُصْعَبِ وغَيْرُهُ -وَرَوى ابْنُ خُوَيْزٍ مِندادِ عن مالِكٍ -: أنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الماجَشُونِ أنَّهُ قالَ: يَحْمِلُها عَلى واحِدَةٍ رَجْعِيَّةٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: التَحْرِيمُ لا شَيْءَ، وإنَّما عاتَبَ اللهُ رَسُولَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ فِيهِ ودَلَّهُ عَلى تَحِلَّةِ اليَمِينِ المُبَيِّنَةِ في المائِدَةِ لِقَوْلِهِ: "قَدْ حَرَّمْتُها وواللهِ لا أطَؤُها أبَدًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: ما أُبالِي أحَرَّمَتْها أو قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، وكَذَلِكَ قالَ الشَعْبِيُّ: "لَيْسَ التَحْرِيمُ بِشَيْءٍ، قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ  ﴾ ، وقالَ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ  ﴾ ، ومُحَرِّمٌ زَوْجَتَهُ قَدْ سُمِّيَ حَرامًا ما جَعَلَهُ اللهُ حَلالًا، وحَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ لَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وعُمَرُ الفارُوقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

وأبُو ثَوْرٍ والأوزاعِيُّ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: التَحْرِيمُ يَلْزَمُ فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ بِاللهِ تَعالى، والتَحِلَّةُ إنَّما هي مِن أجْلِ جِهَةِ التَحْرِيمِ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ  : "واللهِ لا أطَؤُها"، وقالَ أبُو قُلابَةَ: "التَحْرِيمُ ظِهارٌ"، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ، والكُوفِيُّونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ طَلاقًا فَهو لا شَيْءَ"، وقالَ آخَرُونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقًا فَهو يَمِينٌ.

ودَعا اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِاسْمِ النُبُوَّةِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شَرَفِ مُنْزِلَتِهِ وعَلى فَضِيلَتِهِ الَّتِي خَصَّهُ بِها دُونَ البَشَرِ وقَدَّرَهُ، كالمُعاتِبِ عَلى سَبَبِ تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى لَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "تُحَرِّمُ"، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، ثُمَّ غَفَرَ لَهُ تَعالى ما عاتَبَهُ فِيهِ ورَحِمَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأثْبَتَ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ التَحْرِيمِ، وقالَ آخَرُونَ: هي إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ اليَمِينِ المُقْتَرِنَةِ بِالتَحْرِيمِ.

و"التَحِلَّةُ" مَصْدَرٌ، وزْنُها "تَفْعِلَةٌ"، وأدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وأحالَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الآيَةِ الَّتِي فَسَّرَ فِيها الإطْعامَ في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى، و"المَوْلى": المُوالِي الناصِرُ العاضِدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَأْنِيبِ والعَتْبِ لَهُنَّ، وقالَ الجُمْهُورُ: "الحَدِيثُ" هو قَوْلُهُ  في أمْرِ مارِيَةَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّما شَرِبْتُ عَسَلًا»، و"بَعْضُ أزْواجِهِ" هي حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، و"نَبَّأتْ" مَعْناهُ: أخْبَرَتْ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْبَأتْ" وكانَ إخْبارُها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وهَذا ونَحْوُهُ هو التَظاهُرُ الَّذِي عُوتِبَتا فِيهِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: الحَدِيثُ الَّذِي أسَرَّ إلى حَفْصَةَ أنَّهُ قالَ لَها: وأبْشِرِي بِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ أمْرَ أُمَّتِي بَعْدِي خِلافَةً، وتَعَدَّتْ "نَبَّأ" في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً إلى مَفْعُولَيْنِ ومَرَّةً إلى واحِدٍ، لِأنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ في أنْبَأ ونَبَّأ إذا كانَ دُخُولُهُما عَلى غَيْرِ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَمَتى دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: "عَرَفَ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ: "عَرَّفَ" بِشَدِّها، والمَعْنى في اللَفْظَةِ مَعَ التَخْفِيفِ: جازى بِالعَتَبِ واللَوْمِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ يُؤْذِيكَ: قَدْ عَرَّفْتُ لَكَ هَذا، ولَأُعَرِّفَنَّ لَكَ هَذا، بِمَعْنى: لَأُجازِيَنَّكَ عَلَيْهِ، ونَحْوُهُ في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ، فَأعْرِضْ عنهُمْ  ﴾ فَعِلْمُ اللهِ زَعِيمٌ بِمُجازاتِهِمْ، وكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ النَبِيِّ  ، والمَعْنى مَعَ الشَدِّ في الراءِ: أعْلَمَ بِهِ وأبَتَّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأعْرَضَ عن بَعْضٍ" أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ، قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  طَلَّقَ حِينَئِذٍ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَهُ بِمُراجَعَتِها، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها، فَلَمّا أخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  بِالخَبَرِ وأنَّها أفْشَتْهُ إلى عائِشَةَ ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: "مَن أنْبَأكَ هَذا"؟

عَلى جِهَةِ التَثَبُّتِ، فَلَمّا أخْبَرَها أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَهُ سَكَتَتْ وسَلَّمَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح السورة بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء تنبيه على أن ما سيذكر بعده مما يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم والأمة ولأن سبب النزول كان من علائقه.

والاستفهام في قوله: ﴿ لم تحرم ﴾ مستعمل في معنى النفي، أي لا يوجد ما يدعو إلى أن تحرّم على نفسك ما أحلّ اللَّه لك ذلك أنه لما التزم عدم العود إلى ما صدر منه التزاماً بيمين أو بدون يمين أراد الامتناع منه في المستقبل قاصداً بذلك تطمين أزواجه اللاء تمالأْنَ عليه لِفرط غيرتهن، أي ليست غيرتهن مما تجب مراعاته في المعاشرة إن كانت فيما لا هضم فيه لحقوقهن، ولا هي من إكرام إحداهن لزوجها إن كانت الأخرى لم تتمكن من إكرامه بمثل ذلك الإِكرام في بعض الأيام.

وهذا يومئ إلى ضبط ما يراعى من الغيرة وما لا يراعَى.

وفعل ﴿ تحرم ﴾ مستعمل في معنى: تجعل ما أحلّ لك حراماً، أي تحرّمه على نفسك كقوله تعالى: ﴿ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ [آل عمران: 93] وقرينتهُ قوله هنا: ﴿ ما أحل الله لك ﴾ .

وليس معنى التحريم هنا نسبة الفعل إلى كونه حراماً كما في قوله تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ [الأعراف: 32]، وقوله: ﴿ يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ﴾ [التوبة: 37]، فإن التفعيل يأتي بمعنى التصبير كما يقال: وسِّعْ هذا الباب ويأتي بمعنى إيجاد الشيء على حالة مثل ما يقال للخياط: وسِّعْ طَوْق الجبّة.

ولا يخطر ببال أحد أن يتوهم منه أنك غيّرت إباحته حراماً على الناس أو عليك.

ومن العجيب قول «الكشاف»: ليس لأحد أن يُحرّم ما أحلّ الله لأن الله إنما أحله لمصلحة عرفها في إحلاله إلخ.

وصيغة المضارع في قوله: ﴿ لم تحرم ﴾ لأنه أوقع تحريماً متجدداً.

فجملة ﴿ تبتغي ﴾ حال من ضمير ﴿ تحرم ﴾ .

فالتعجيب واقع على مضمون الجملتين مثل قوله: ﴿ لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ [آل عمران: 130].

وفي الإِتيان بالموصول في قوله: ﴿ ما أحل الله لك ﴾ لما في الصلة من الإِيماء إلى تعليل الحكم هو أن ما أحله الله لعبده ينبغي له أن يتمتع به ما لم يعرض له ما يوجب قطعه من ضر أو مرض لأن تناوله شكرٌ لله واعترافٌ بنعمته والحاجة إليه.

وفي قوله: ﴿ تبتغي مرضات أزواجك ﴾ عذر للنبي صلى الله عليه وسلم فيما فعله من أنه أراد به خيراً وهو جلب رضا الأزواج لأنه أعون على معاشرته مع الإشعار بأن مثل هذه المرضاة لا يعبأ بها لأن الغيرة نشأت عن مجرد معاكسة بعضهن بعضاً وذلك مما يختل به حسن المعاشرة بينهن، فأنبأه الله أن هذا الاجتهاد معارَض بأن تحريم ما أحلّ الله له يفضي إلى قطع كثير من أسباب شكر الله عند تناول نعمه وأن ذلك ينبغي إبطاله في سيرة الأمة.

وذيل بجملة ﴿ والله غفور رحيم ﴾ استئناساً للنبيء صلى الله عليه وسلم من وحشة هذا الملام، أي والله غفور رحيم لك مثل قوله: ﴿ عفا الله عنك لما أذنت لهم ﴾ [التوبة: 43].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ  عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.

وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.

الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ  في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ  فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.

الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.

﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ  عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.

وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.

الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ  مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.

﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.

الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.

﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ  ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.

﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.

والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.

والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.

الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.

﴿ قانِتاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.

الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.

﴿ تائِباتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.

﴿ عابِداتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.

وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.

وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.

الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.

وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.

قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.

رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآيَةَ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه «عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل إلى إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود فنزلت ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى ﴿ أن تتوبا إلى الله ﴾ لعائشة وحفصة ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ لقوله: بل شربت عسلاً» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه» فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد عن عبدالله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبسه، فقالت له عائشة: نحلها تجرش عرفطاً فحرمها، فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عبدالله بن عتيبة أنه سئل أي شيء حرم النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: عكة من عسل.

وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج الترمذي والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ الآية، في سريته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟

قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إليَّ شيئاً ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي داري وعلى فراشي فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟

قالت: بلى فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة رضي الله عنها فأظهره الله عليه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عنها فأظهر الله يمينه وأصاب جاريته» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ﴾ قال: حرم سريته.

وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت عائشة وحفصة متحابتين، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم جاريته، ودخلت حفصة، فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأرضينك وإني مسر إليك سراً فاحفظيه» قالت: ما هو؟

قال: «إني أشهدك أن سريتي هذه عليّ حرام رضاً فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته، فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الله النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذكر عند عمر بن الخطاب ﴿ يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ﴾ قال: إنما كان ذلك في حفصة.

وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب قالت عائشة رضي الله عنها: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها يوماً، فوجد خلوة فأصابها، فحملت بإبراهيم، قالت عائشة: فلما استبان حملها فزعت من ذلك، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولدت، فلم يكن لأمه لبن فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي، فصلح عليه جسمه وحسن لحمه وصفا لونه، فجاء به يوماً يحمله على عنقه، فقال يا عائشة كيف تري الشبه؟

فقلت: أنا غيري ما أدري شبهاً، فقال: ولا باللحم؟

فقلت: لعمري لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال: فجزعت عائشة رضي الله عنها وحفصة من ذلك فعاتبته حفصة، فحرمها وأسر إليها سراً فأفشته إلى عائشة رضي الله عنها، فنزلت آية التحريم، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجدت حفصة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده مارية أم إبراهيم، فحرم أم ولده لحفصة رضي الله عنها، وأمرها أن تكتم ذلك، فأسرته إلى عائشة رضي الله عنها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ فأمره الله بكفارة يمينه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآية، قال: كان حرم فتاته القبطية أم إبراهيم عليه السلام في يوم حفصة، وأسر ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة رضي الله عنها، وكانتا تظاهرتا على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأحل الله له ما حرم على نفسه، وأمره أن يكفر عن يمينه، فقال: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الشعبي وقتادة رضي الله عنهما ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ قال: حرم جاريته، قال الشعبي: وحلف يميناً مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجعل له كفارة اليمين، وقال قتادة: حرمها فكانت يميناً.

وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أم إبراهيم، فقال: هي عليّ حرام، فقال: والله لا أقربها، فنزلت ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ » .

وأخرج ابن سعد عن مسروق والشعبي قالا: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وحرمها، فأنزل الله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ وأنزل ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ .

وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تحدثي أحداً وإن أم إبراهيم عليَّ حرام، فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟

قال: فوالله لا أقربها، فلم يقربها نفسه حتى أخبرت عائشة فأنزل الله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ » .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مسروق «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته، وقال: هي عليَّ حرام، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك «أن حفصة زارت أباها ذات يوم، وكان يومها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدها في المنزل، فأرسل إلى أمته مارية، فأصاب منها في بيت حفصة، وجاءت حفصة على تلك الحال، فقالت يا رسول الله: أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟

قال: فإنها عليّ حرام ولا تخبري بذلك أحداً، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها بذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه، ويراجع أمته» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟

قال: فإنها عليَّ حرام أن أمسها، واكتمي هذا عليَّ، فخرجت حتى أتت عائشة، فقالت: ألا أبشرك؟

قالت: بماذا؟

قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟

فكان أوّل السر أنه أحرمها على نفسه، ثم قال لي: يا حفصة ألا أَبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده، وأن أبي يليه بعد أبيك، وقد استكتمني ذلك فاكتميه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ إلى قوله: ﴿ غفور رحيم ﴾ أي لما كان منك إلى قوله: ﴿ وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه ﴾ يعني حفصة ﴿ حديثاً فلما نبأت به ﴾ يعني عائشة ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ أي بالقرآن ﴿ عرف بعضه ﴾ عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية ﴿ وأعرض عن بعض ﴾ عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر، فلم يُبْدِه ﴿ فلما نبأها به ﴾ إلى قوله: ﴿ الخبير ﴾ ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: ﴿ إن تتوبا إلى الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام، ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي -  - على (١)  - إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي -  - إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي -  - عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي -  -وقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك (٢)  - فقولي (٣) (٤) (٥)  - على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا.

فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية (٦) وهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة.

وروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي -  - كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة (٧) (٨) (٩) وقال المقاتلان: ...

رسول الله -  - في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ...

النبي -  - فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة، فلما رأى النبي -  - في وجه ...

والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا.

فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي -  - حتى حلف أن لا يصيبها (١٠) (١١) وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت (١٢) (١٣)  - بأن حلف لها أن لا يصيبها (١٤) (١٥) قال مسروق: حرم رسول الله -  - أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية.

فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١٦) وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم (١٧) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز وجل نهي، وتحريم الحلال (١٨) (١٩) قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة (٢٠) ﴿ تَبْتَغِي ﴾ حال خرجت مخرج المضارع.

والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك (٢١) (١) في (ك)، (س): (عن).

(٢) في (ك): (عليك) زيادة.

(٣) في (ك): (عليك فتقول).

(٤) المغافير: صمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة.

"اللسان" 2/ 749 (عرفط).

(٥) جرست النحلة أي أكل ورعت، وهو لحسها إياه ثم تعسله، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل.

والعرفط (بضم العين والفاء وتسكين الراء): شجر خبيث الريح، وهو من أخبث == المراعي، وقيل: هو شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فهذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه وهو المغافير.

"اللسان" 1/ 440 (جرس) 2/ 749 (عرفط).

(٦) حديث متفق عليه، وهو هنا بألفاظ قريبة مما في الصحيح.

وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 560 ومسلم، كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1101، "سنن أبي داود" كتاب: الأشربة، باب: في شراب العسل 2/ 708، و"سنن النسائي"، كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ 2/ 721، و"جامع البيان" 28/ 102.

(٧) متفق عليه.

رواه البخاري، في التفسير، سورة التحريم 6/ 194.

ومسلم كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.

(٨) انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.

(٩) أخرجه ابن سعد، عن عبد الله بن رافع.

"الدر" 6/ 239.

(١٠) في (س): (والكلبي) زيادة.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 19 ب، و"تنوير المقباس" 6/ 96، و"الكشف والبيان" 12/ 147 أ.

(١٢) (بيت) ساقطة من (ك).

(١٣) انظر: "جامع البيان" 28/ 101، و"الدر" 6/ 239.

(١٤) في (س): (والشعبي) زيادة.

(١٥) أخرجه الحاكم 2/ 493 وصححه.

قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس ...

وهذا أصح طريق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال ...

وذكره بأطول مما هنا.

"فتح الباري" 9/ 376، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 386 قال: وقال الهيثم بن كليب في "مسنده": ..

وذكر ما يدل على تعلق القصة بمارية.

ثم قال: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.

ورجح النووي، وابن كثير نزول الآية في قصة العسل، وهو قول القاضي عياض.

انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 77، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 386.

ورجح الجصاص، وابن حجر، وغيرهما نزولها في شأن مارية القبطية.

انظر: "أحكام القرآن" 3/ 464، و"فتح الباري" 9/ 290، و"فتح القدير" 5/ 252.

وقال ابن حجر أيضًا: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا.

"الفتح" 8/ 657.== وقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف العمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد.

"فتح الباري" 9/ 376.

وعموم الآية للسببين وغيرهما هو اختيار ابن جرير وغيره.

انظر: "جامع البيان" 28/ 102، و"روح المعاني" 28/ 151.

(١٦) أخرجه ابن جرير وابن سعد.

انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"الدر" 6/ 240.

وقال ابن حجر: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: ...

وذكر نحوه.

"فتح الباري" 8/ 657.

(١٧) انظر: "جامع البيان" 28/ 100.

وقال ابن حجر: قال البيهقي: (..

أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.) "فتح الباري" 9/ 373.

(١٨) في (ك): (الحرام).

(١٩) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.

(٢٠) أخرجه النسائي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493 ولم يذكر قوله: عليك أغلظ == وقال ابن حجر: وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق رقبة.

"فتح الباري" 9/ 376.

(٢١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأيها النبي لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ في سبب نزولها روايتان؛ أحدهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوماً إلى بيت زوجه حفصة بنت عمر بن الخطاب، فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية فجامعها في البيت، فجاءت حفصة فقالت: يا رسول الله ما كان في نسائك أهون عليك مني.

أتفعل هذا في بيتي وعلى فراشي؟

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مترضياً لها: أيرضيك أن أحرمها، قالت: نعم، فقال: إني قد حرّمتها» .

والرواية الأخرى: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلاً؛ فاتفقت عائشة وحفصة وسودة بنت زمعة على أن تقول من دنا منها: أكلت مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو كريه الريح، ففعلن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ولكني شربت عسلاً، فقلن له: جرست نحله العرفط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أشربه أبداً.

وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا أسقيك من ذلك فقال: لا حاجة لي به، فنزلت الآية عتاباً له على أن يضيق على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل» ، والرواية الأولى أشهر، وعليها تكلم الناس في فقه السورة، وقد خرج الرواية الثانية البخاري وغيره.

ولنتكلم على فقه التحريم، فأما تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ما عدا النساء، فلا يلزم، ولا شيء عليه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة الكفارة، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينوِ به ذلك لم يلزم.

وكان حكمه ما ذكرنا في الطعام.

أما تحريم الزوجة فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة: فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين.

وقال مالك في المشهور عنه: ثلاثة تطليقات في المدخول بها وينوي في غير المدخول بها فيحكم بما نوى من طلقة أو اثنتين أو ثلاث، وقال ابن الماجشون، هي ثلاث في الوجهين، وروي عن مالك أنها طلقة بائنة، وقيل طلقة رجعية.

﴿ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل الله لك، يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه رضا أزواجه وإنما تركه لرائحته ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ في هذا إشارة إلى أن الله غفر له ما عاتبه عليه من التحريم، على أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما وقع العتاب على تضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كن له فيه أرب، وبئس ما قال الزمخشري في أن هذا كان منه زلة، لأنه حرّم ما أحل الله، وذلك قلة أدب على منصب النبوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ .

هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله  ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكراً، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله  كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله  هذا، فهو كافر.

وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله  ؛ لأن الله  منع رسوله عن ذلك.

لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله  حرم شيئاً أحله الله  ، ومن توهم هذا في رسول الله  ، فقد حكم على رسول الله  بالكفر.

وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين: أحدهما: أن تحريم ما أحل  هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم فيما حرم الله  مطلقاً، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله  لم يعتقد تحريم ما أحل الله  ؛ إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله  عقيب مباشرة الأسباب من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله  الواجب بسبب اليمين، وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام.

أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ولم يرد به تحريم عينه، ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، [فعلى ذلك] هاهنا، والله أعلم.

والثاني: أن رسول الله  كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة [بهن، فبلغ] في حسن [العشرة والصحبة] معهن مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله  في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله  : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ تخفيفاً للأمر عليه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ليس في الحقيقة نهياً عن السخاء على النهاية، لكن تخفيفاً للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تُبق لنفسك وعيالك شيئاً وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم.

ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم: فمنهم من ذكر "أن حفصة -  ا - زارت أهلها، والنبي -  - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله  فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ...

القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقّاً، فقال لها النبي -  -: اكتمي عليَّ، وهي علَيَّ حرام" ، فنزلت هذه الآية.

ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة -  ا - فاطلعت حفصة على رسول الله  وجاريته مارية، فأمرها رسول الله  أن تكتم عليه، فأخبرت حفصةُ بما رأت عائشةَ -  ا - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، [فأنزل الله  ] هذه الآية.

وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي  ؛ فلم يقبلها النبي -  - طلبا مرضاة أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم.

ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي  كان عسلا، كان رسول الله -  - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها: إذا جاءك النبي  فقولي له: ما ريح المغافير فيك؟

فقالت للنبي؛ فحرمه النبي -  - فنزلت هذه الآية.

وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي -  - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى بينه وبين زوجاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان.

أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن سبق من الله  لك فيه.

أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما.

أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ .

فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله  ؛ لأن رسول الله  [قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر]؛ بحكم وعد الله -  - فلم يكن يحتاج إلى التكفير؛ لإزالة المأثم.

ولكن نحن نقول: إن رسول الله  وإن كان هذا محله، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ منصرفا إلى النبي -  - وأمته.

ثم يجوز أن يكون رسول الله  قصد إلى التحريم أعني: منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله  ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: "أنت عليَّ حرام"، ولا نية له، فهو يمين.

وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ على قراءة العامة، وفي بعض القراءات: ﴿ قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم ﴾ .

ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله  : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال الله  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ معناه: أباح لكم الدخول فيها.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.

أو ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء [إلى التبصر] والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.

وفي قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ دعاء إلى التسليم بحكم الله  ؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.

ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله  أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعاً، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع؟!

فكانت المحنة على رسول الله  في أمر النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضاً بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله  لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن قيل: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  ﴾ ، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن قيل له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، وكان من عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه.

ثم في قيامه -  - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هو مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء [حقوق الأربع]، وقد كان رسول الله  آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله -  - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله  امتُحِنَّ بالقيام بوفاء حق رسول الله  ، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع أصواتها على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول الله  أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله  صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.

ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله  به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله  فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.

وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت [قصة التحريم] من أجلها؛ لأن رسول الله  لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله  ، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله  لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى [أن يعمل] بأحد الوجهين: أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق، والله أعلم.

والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله  ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجهاً يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله  : ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً  ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله  ورضي عنهن إلا خيراً، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضاً: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

ولقائل أن يقول في قوله: ﴿ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ : من أي وجه صار بهتانا عظيما، ونساء رسول الله  لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به؟!

فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرّاً، أو جهراً أطلع الله  ذلك نبيه -  - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله  إلى أخرى أطلع الله -  - نبيه على ذلك، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن؟!

ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله  لرسوله -  - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.

وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله  لا بإذن سبق من الله  ؛ إذ لو كان الإذن سابقاً، لما عوتب عليه؛ لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة.

ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليومُ لزوجة من زوجاته، فجائز أن يكون الله  أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله  ، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله  أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة.

وأما ما ذكر أن رسول الله  كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضاً، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله  في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها.

وفيه دلالة: أن رسول الله  إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله  ، وهو قوله: ﴿ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ﴾ .

فقوله: [ ﴿ عَرَّفَ ﴾ ] قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول الله  عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله  أن يخبرها بذلك النبأ الذي [أسر به] إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة.

وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله  قال لها: "ألم أقل لك"؟!

وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله  فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر الله - عز وجل - لنبيه  ذلك؛ فيعلم ما يسرون.

ومن قرأه ﴿ عَرَفَ ﴾ بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: ﴿ عَرَفَ بَعْضَهُ ﴾ أي: جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، وذكر في الأخبار أن رسول الله  طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبريل -  - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها لزوجتك في الجنة [؛ فجائز أن يكون] طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها.

ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعاً قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله  الأمرين جميعاً في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله  في قصة موسى -  - ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُ ﴾ ، و ﴿ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقد علم موسى -  - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران جميعاً، فجمع الله  بين الأمرين جميعاً في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [الوجه] الآخر؛ فكذلك هذا في قوله  : ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ و ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ، فمن قرأه ﴿ باعِدْ بين أسفارنا ﴾ حمله على الدعاء، ومن قرأه ﴿ باعَدَ ﴾ حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعاً: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله: [ ﴿ عَرَفَ بعضه ﴾ و ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ ]، والله أعلم.

وقد وصفنا تأويل قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ يدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي -  - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ماذا؟

لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة؛ لقوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، [وإن خفي ذلك علينا]، ثم إذا عرفنا أن الله -  - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن.

ثم قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف ﴿ إِن ﴾ زيادة، ويكون معناه: إن تتوبا إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء فيه مضمراً.

وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله  إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله  عليكما، وحق الرسول -  - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما عليه، كما قال  : ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ تامّاً ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ على المخاطبة، معناه: وإن تتظاهرا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ﴾ .

حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: ﴿ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ؛ حتى لا يتوهم أن غير الله  مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله  ، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف [في قوله]: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ .

والأصل: أن المبالغة في [التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك المجاوزة في] حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : أبو بكر وعمر -  ما - وذكر أن رسول الله  لما طلق حفصة دخل عليها عمر -  - فقال: "لو علم الله -  - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله"، فنزل جبريل -  - على رسول الله  يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة -  ا - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله  فأطلعه جبريل -  - على ذلك.

وروي عن أبي أمامة الباهلي -  - أن رسول الله  قال: " ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أبو بكر وعمر" ،  ما.

وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

وذكر عن الحسن أنه قال: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر - على زعمهم - على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما.

وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ يُبْدِلَهُ ﴾ ، وعلى قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة الطلاق لرسول الله  ، وفي قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ  ﴾ مقدما، وقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ متأخراً؛ فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "ما خرج رسول الله  من الدنيا حتى أحلت له النساء"، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما.

وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 52]، فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، [ثم الله  يبدله خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد] بالطلاق في قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ قصد الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض.

وذكر عن أُبي بن كعب - رضي الله  عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله  إبدال امرأة بامرأة؟

فقال: بلى، فسئل عن قوله  : ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ فقال: هذا منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله  : ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ  ﴾ ، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم [، فيكون فيه إبانة] أن رسول الله  قد كان حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال الإشكال به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول -  - لا أن يكن خيرا في أنفسهن؛ لأنه قال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ ﴾ ، وقد كان أزواجه على هذا الوجه: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ ﴾ ؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل -  - قال لرسول الله  : راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، والذي يدل على هذا أيضاً في آخر هذه الآية: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.

وجائز أن يكن خيرا منهن أيضاً في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك.

أو يصرف ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ لما يتركن الخلاف لرسول الله  ، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودُمْنَ على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتُبْنَ عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ﴾ .

قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى [الإسلام والإيمان] واحد؛ إذ الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله  رب كل شيء، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [الأشياء] كلها سالمة له، أو تصدق [كلاًّ فيما] يشهد لله  في الربوبية [بجوهره]، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [الاتقاء من الكفر] والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي  أنه قال: "لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه" ، وقال: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ .

قيل: مطيعات.

وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل -  - في وصف حفصة -  ا -: "إنها صوامة قوامة" أي: صوامة بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله  أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: "طول القنوت"، وهو القيام بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَائِبَاتٍ ﴾ .

هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله  بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة.

قوله: ﴿ عَابِدَاتٍ ﴾ .

ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك.

وعن ابن عباس -  ما - أنه قال: "كل عبادة في القرآن فهي توحيد؛ فالعابدات: الموحدات"، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله  خالصا لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل.

وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ .

هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن التناول من الزاد، فقوله: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ أي: صائمات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ لم يرد بهذا أنه ينشيء نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول  ؛ لئلا تصرف كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الرسول، لم تُحَرِّم ما أباح الله لك؛ من الاستمتاع بجاريتك مارية، تبتغي بذلك إرضاء زوجاتك لما غِرْن منها، والله غفور لك، رحيم بك؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.p1G84"

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله