الآية ٢ من سورة التحريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 66 التحريم > الآية ٢ من سورة التحريم

قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة التحريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة التحريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال فأنزل الله تعالى "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.

وقال ابن جرير أيضا حدثني يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن عليه ثنا هشام الدستوائي قال كتب إلي يحيى يحدث عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان يقول في الحرام يمين تكفرها وقال ابن عباس "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم جاريته فقال الله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" فكفر يمينه فصير الحرام يمينا.

ورواه البخاري عن معاذ بن فضالة عن هشام هو الدستوائي عن يحيى هو ابن أبي كثير عن ابن حكيم وهو يعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الحرام يمين تكفر وقال ابن عباس "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" ورواه مسلم من حديث هشام الدستوائي به وقال النسائي أنا عبدالله بن عبد الصمد بن علي ثنا مخلد بن يزيد ثنا سفيان عن سالم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أتاه رجل فقال إني جعلت امرأتي علي حراما قال كذبت ليس عليك بحرام ثم تلا هذه الآية "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ وقال الطبراني ثنا محمد بن زكريا ثنا عبدالله بن رجاء ثنا إسرائيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" قال حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريته ومن ههنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة على من حرم جاريته أو زوجته أو طعاما أو شرابا أو ملبسا أو شيئا من المباحات وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية إذا حرم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قول فأما إذا نوى بالتحريم طلاق الزوجة أو عتق الأمة نفذ فيهما وقال ابن أبي حاتم حدثني أبو عبدالله الطهراني أنا حفص بن عمر العدني أنا الحكم بن أبان أنا عكرمة عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول غريب.

والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري عند هذه الآية ثنا إبراهيم بن موسى أنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير إني أجد منك ريح مغافير.

قال "لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا" "تبتغي مرضاة أزواجك" هكذا أورد هذا الحديث ههنا بهذا اللفظ.

وقال في كتاب الأيمان والنذور ثنا الحسن بن محمد ثنا الحجاج عن ابن جريج قال زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة تزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل له إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ذلك له فقال: "لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له" فنزلت "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله تعالى - إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" لعائشة وحفصة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: قد بين الله عزّ وجلّ لكم تحلة أيمانكم، وحدّها لكم أيها الناس (وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ ) يتولاكم بنصره أيها المؤمنون (وَهُوَ الْعَلِيمُ ) بمصالحكم (الْحَكِيمُ ) في تدبيره إياكم، وصرفكم فيما هو أعلم به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيمفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم تحليل اليمين كفارتها .

أي إذا أحببتم استباحة المحلوف عليه ، وهو قوله تعالى في سورة " المائدة " : فكفارته إطعام عشرة مساكين .

ويتحصل من هذا أن من حرم شيئا من المأكول والمشروب لم يحرم عليه عندنا ، لأن الكفارة لليمين لا للتحريم على ما بيناه .

وأبو حنيفة يراه يمينا في كل شيء ، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرمه ، فإذا حرم طعاما فقد حلف على أكله ، أو أمة فعلى وطئها ، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية ، وإن نوى الظهار فظهار ، وإن نوى الطلاق فطلاق بائن .

وكذلك إن نوى ثنتين أو ثلاثا .

وإن قال : نويت الكذب دين فيما بينه وبين الله تعالى .

ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء .

وإن قال : كل حلال عليه حرام ; فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو ، وإلا فعلى ما نوى .

ولا يراه الشافعي يمينا ولكن سببا في الكفارة في النساء وحدهن .

وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده ، على ما تقدم بيانه .

فإن حلف ألا يأكله حنث ويبر بالكفارة .الثانية : فإن حرم أمته أو زوجته فكفارة يمين ، كما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال : إذا حرم الرجل عليه امرأته ، فهي يمين يكفرها .

وقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .الثالثة : قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن يمينه .

وعن الحسن : لم يكفر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وكفارة اليمين في هذه السورة إنما أمر بها الأمة .

والأول أصح ، وأن المراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

ثم إن الأمة تقتدي به في ذلك .

وقد قدمنا عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كفر بعتق رقبة .

وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية .

والله أعلم .

وقيل : أي قد فرض الله لكم تحليل ملك اليمين ، فبين في قوله تعالى : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له أي فيما شرعه له في النساء المحللات .

أي حلل [ ص: 172 ] لكم ملك الأيمان ، فلم تحرم مارية على نفسك مع تحليل الله إياها لك .

وقيل : تحلة اليمين الاستثناء ، أي فرض الله لكم الاستثناء المخرج عن اليمين .

ثم عند قوم يجوز الاستثناء من الأيمان متى شاء وإن تحلل مدة .

وعند المعظم لا يجوز إلا متصلا ، فكأنه قال : استثن بعد هذا فيما تحلف عليه .

وتحلة اليمين تحليلها بالكفارة ، والأصل تحللة ، فأدغمت .

وتفعلة من مصادر فعل ; كالتسمية والتوصية .

فالتحلة تحليل اليمين .

فكأن اليمين عقد ، والكفارة حل .

وقيل : التحلة الكفارة ; أي إنها تحل للحالف ما حرم على نفسه ; أي إذا كفر صار كمن لم يحلف ." والله مولاكم " وليكم وناصركم بإزالة الحظر فيما تحرمونه على أنفسكم ، وبالترخيص لكم في تحليل أيمانكم بالكفارة ، وبالثواب على ما تخرجونه في الكفارة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } أي: قد شرع لكم، وقدر ما به تنحل أيمانكم قبل الحنث، وما به الكفارة بعد الحنث، وذلك كما في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا } إلى أن قال: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } .

فكل من حرم حلالًا عليه، من طعام أو شراب أو سرية، أو حلف يمينًا بالله، على فعل أو ترك، ثم حنث أو أراد الحنث، فعليه هذه الكفارة المذكورة، وقوله: { وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ } أي: متولي أموركم، ومربيكم أحسن تربية، في أمور دينكم ودنياكم، وما به يندفع عنكم الشر، فلذلك فرض لكم تحلة أيمانكم، لتبرأ ذممكم، { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } الذي أحاط علمه بظواهركم وبواطنكم، وهو الحكيم في جميع ما خلقه وحكم به، فلذلك شرع لكم من الأحكام، ما يعلم أنه موافق لمصالحكم، ومناسب لأحوالكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) أي بين وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ما ذكر في سورة المائدة ( والله مولاكم ) وليكم وناصركم ( وهو العليم الحكيم ) واختلف أهل العلم في لفظ التحريم ، فقال قوم : ليس هو بيمين ، فإن قال لزوجته : أنت علي حرام ، أو حرمتك ، فإن نوى به طلاقا فهو طلاق ، وإن نوى به ظهارا فظهار .

وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ .

وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقا عتقت ، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين ، وإن قال لطعام : حرمته على نفسي فلا شيء عليه ، وهذا قول ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي .

وذهب جماعة إلى أنه يمين ، فإن قال ذلك لزوجته أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف أن لا يطأها .

وإن حرم طعاما فهو كما لو حلف أن لا يأكله ، فلا كفارة عليه ما لم يأكل ، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنه : أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا معاذ بن فضالة ، حدثنا هشام عن يحيى ، عن ابن حكيم ، وهو يعلى بن حكيم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في الحرام : يكفر .

وقال ابن عباس : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " ( الأحزاب - 21 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(قد فرض الله) شرع (لكم تحلة أيمانكم) تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة "" المائدة "" ومن الإيمان تحريم الأمة وهل كفّر صلى الله عليه وسلم؟

قال مقاتل: أعتق رقبة في تحريم مارية، وقال الحسن: لم يكفّر لأنه صلى الله عليه وسلم مغفور له (والله مولاكم) ناصركم (وهو العليم الحكيم).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد شرع الله لكم -أيها المؤمنون- تحليل أيمانكم بأداء الكفارة عنها، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.

والله ناصركم ومتولي أموركم، وهو العليم بما يصلحكم فيشرعه لكم، الحكيم في أقواله وأفعاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته فقال : ( قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) .وقوله ( فَرَضَ ) هنا بمعنى شرع ، والتحلة : مصدر بمعنى التحليل ، والمراد بها الكفارة ، وهى مصدر حلّل كالتكرمة مصدر كرْم ، من الحل الذى هو ضد العقد .أى : قد شرع الله - تعالى - لكم تحليل الإيمان التى عقد تموها ، عن طريق الكفارة ، لأن اليمين إذا كانت فى أمر لا يحبه الله - تعالى - فالعدول عنها أولى وأفضل .وفى الحديث الشريف يقول - صلى الله عليه وسلم - " إنى والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يمينى وفعلت الذى هو خير " .وقد اختلف العلماء فى التحريم الذى كن من النبى - صلى الله عليه وسلم - أكان بيمين أم لا .وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب لقوله - تعالى - : ( قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة .وقد جاء فى بعض الروايات الصحيحة أنه قال : " بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت .

لا تخبرى بذلك أحدا .

.

" .قال الآلوسى ما ملخصه : واختلفوا هل كفر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه هذه أولا؟فعن الحسن أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم للمؤمنين .وعن مقاتل : أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق رقبة .

.

.

ونقل مالك عن زيد بن أسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - أعطى الكفارة .وقوله - سبحانه - : ( والله مَوْلاَكُمْ ) أى : وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم .

وهو - تعالى - : ( العليم الحكيم ) أى : العليم بجميع أحوالكم وشئونكم ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله وتدبير شئون عباده .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ ﴾ .

قال مقاتل: قد بين الله، كما في قوله تعالى: ﴿ سُورَةٌ أنزلناها وفرضناها  ﴾ وقال الباقون: قد أوجب، قال صاحب النظم: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كما في قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ  ﴾ وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، وقوله تعالى: ﴿ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ أي تحليلها بالكفارة وتحلة على وزن تفعلة وأصله تحللة وتحلة القسم على وجهين: أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية وثانيهما: أن يستعمل بمعنى الشيء القليل، وهذا هو الأكثر كما روي في الحديث: «لن يلج النار إلا تحلة القسم» يعني زماناً يسيراً، وقرئ (كفارة أيمانكم)، ونقل جماعة من المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله له ما أوجب من كفارة اليمين، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الحرام يمين، يعني إذا قال: أنت علي حرام ولم ينو طلاقاً ولا ظهاراً كان هذا اللفظ موجباً لكفارة يمين ﴿ والله مولاكم ﴾ ، أي وليكم وناصركم وهو العليم بخلقه الحكيم فيما فرض من حكمه، وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَ أَسَرَّ النبى إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً ﴾ يعني ما أسر إلى حفصة من تحريم الجارية على نفسه واستكتمها ذلك وقيل لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الغيرة في وجه حفصة أراد أن يترضاها فأسر إليها بشيئين تحريم الأمة على نفسه والبشارة بأن الخلافة بعده في أبي بكر وأبيها عمر، قاله ابن عباس وقوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أي أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه أطلع نبيه على قول حفصة لعائشة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حفصة عند ذلك ببعض ما قالت وهو قوله تعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ حفصة: ﴿ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ﴾ لم يخبرها أنك أخبرت عائشة على وجه التكرم والإغضاء، والذي أعرض عنه ذكر خلافة أبي بكر وعمر، وقرئ (عرف) مخففاً أي جازى عليه من قولك للمسيء لأعرفن لك ذلك وقد عرفت ما صنعت قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ  ﴾ أي يجازيهم وهو يعلم ما في قلوب الخلق أجمعين وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ ﴾ حفصة: ﴿ مَنْ أَنبَأَكَ هذا قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير ﴾ وصفه بكون خبيراً بعد ما وصفه بكونه عليماً لما أن في الخبير من المبالغة ما ليس في العليم، وفي الآية مباحث: البحث الأول: كيف يناسب قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ إلى قوله: ﴿ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ  ﴾ ؟

نقول: يناسبه لما كان تحريم المرأة يميناً حتى إذا قال لامرأته: أنت علي حرام فهو يمين ويصير مولياً بذكره من بعد ويكفر.

البحث الثاني: ظاهر قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ إنه كانت منه يمين فهل كفر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك؟

نقول: عن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين، وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة، فقال لها: اكتمي عليّ، وقد حرمت مارية على نفسي، وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتيّ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

وقيل: خلا بها في يوم حفصة، فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم، فطلقها واعتزل نساءه؛ ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية» وروى: أن عمر قال لها: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك، فنزل جبريل عليه السلام وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها لمن نسائك في الجنة.

وروي: «أنه شرب عسلاً في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره التفل، فحرّم العسل» ، فمعناه ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ من ملك اليمين أو العسل.

و ﴿ تَبْتَغِى ﴾ إما تفسير لتحرم.

أو حال: أو استئناف، وكان هذا زلة منه لأنه ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ الله لأن الله عزّ وجل إنما أحل ما أحل لحكمة ومصلحة عرفها في إحلاله، فإذا حرّم كان ذلك قلب المصلحة مفسدة ﴿ والله غَفُورٌ ﴾ قد غفر لك ما زللت فيه ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ قد رحمك فلم يؤاخذك به ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ فيه معنيان، أحدهما: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم، من قولك: حلل فلان في يمينه، إذا استثنى فيها.

ومنه: حلا أبيت اللعن، بمعنى: استثن في يمينك إذا أطلقها؛ وذلك أن يقول: (إن شاء الله) عقيبها، حتى لا يحنث.

والثاني: قد شرع الله لكم تحلتها بالكفارة.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يموت لرجل ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم» وقول ذي الرمّة: قَلِيلاً كَتَحْلِيلِ الأُلِيِّ فإن قلت: ما حكم تحريم الحلال؟

قلت: قد اختلف فيه، فأبو حنيفة يراه يميناً في كل شيء، ويعتبر الانتفاع المقصود فيما يحرّمه؛ فإذا حرّم طعاماً فقد حلف على أكله، أو أمة فعلى وطئها، أو زوجة فعلى الإيلاء منها إذا لم يكن له نية؛ وإن نوى الظهار فظهار؛ وإن نوى الطلاق فطلاق بائن وكذلك إن نوى ثنتين وإن نوى ثلاثاً فكما نوى، وإن قال: نويت الكذب ديِّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء بإبطال الإيلاء.

وإن قال: كل حلال عليّ حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو، وإلا فعلى ما نوى، ولا يراه الشافعي يميناً.

ولكن سبباً في الكفارة في النساء وحده وحدهنّ، وإن نوى الطلاق فهو رجعي عنده.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم: أنّ الحرام يمين وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن زيد: واحدة بائنة.

وعن عثمان: ظهار.

وكان مسروق لا يراه شيئاً ويقول: ما أبالي أحرمتها أم قصعة من ثريد، وكذلك عن الشعبي قال: ليس بشيء، محتجاً بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ ﴾ [النحل: 116] وقوله تعالى: ﴿ لا تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87] وما لم يحرمه الله تعالى فليس لأحد أن يحرّمه ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله: هو حرام عليّ، وإن امتنع من مارية ليمين تقدمت منه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: والله لا أقربها بعد اليوم، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ﴾ أي لم تمتنع منه بسبب اليمين، يعني: أقدم على ما حلفت عليه، وكفر عن يمينك.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وحرّمنا عليه المراضع ﴾ [القصص: 12] أي؛ منعناه منها.

وظاهر قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ﴾ أنه كانت منه يمين.

فإن قلت: هل كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك؟

قلت: عن الحسن: أنه لم يُكَفِّر؛ لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية ﴿ والله مولاكم ﴾ سيدكم ومتولي أموركم ﴿ وَهُوَ العليم ﴾ بما يصلحكم فيشرعه لكم ﴿ الحكيم ﴾ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما توجبه الحكمة.

وقيل: مولاكم أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلا بِمارِيَةَ في نَوْبَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أوْ حَفْصَةَ، فاطَّلَعَتْ عَلى ذَلِكَ حَفْصَةُ فَعاتَبَتْهُ فِيهِ فَحَرَّمَ مارِيَةَ فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ: «شَرِبَ عَسَلًا عِنْدَ حَفْصَةَ، فَواطَأتْ عائِشَةُ سَوْدَةَ وصَفِيَّةَ فَقُلْنَ لَهُ إنّا نَشْتَمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ.» ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ تَفْسِيرٌ لِ تُحَرِّمُ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الدّاعِي إلَيْهِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لَكَ هَذِهِ الزَّلَّةَ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّهُ اللَّهُ.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ رَحِمَكَ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ وعاتَبَكَ مُحاماةً عَلى عِصْمَتِكَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حِلُّ ما عَقَّدْتَهُ بِالكَفّارَةِ، أوِ الِاسْتِثْناءِ فِيها بِالمَشِيئَةِ حَتّى لا تَحْنَثَ مِن قَوْلِهِمْ: حَلَّلَ في يَمِينِهِ إذا اسْتَثْنى فِيها، واحْتَجَّ بِها مَن رَأى التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا أوْ تَحْرِيمَ المَرْأةِ يَمِينًا، وهو ضَعِيفٌ إذْ لا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ كَفّارَةِ اليَمِينِ فِيهِ كَوْنُهُ يَمِينًا مَعَ احْتِمالِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى بِلَفْظِ اليَمِينِ كَما قِيلَ ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ مُتَوَلِّي أمْرِكم ﴿ وَهُوَ العَلِيمُ ﴾ بِما يُصْلِحُكُمُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُتْقِنُ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)

{قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم} قد قدر الله لكم ما تحللون به أيمانكم وهي الكفارة أو قد شرع لكم تحليلها بالكفارة أو شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول إن شاء الله عقيبها حتى لا يحنث وتحريم الحلال يمين عندنا وعن مقاتل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة في تحريم مارية وعن الحسن أنه لم يكفر لأنه كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين {والله مولاكم} سيدكم ومتولي أموركم وقيل مولاكم أولى بكم من أنفسكم فكانت نصيحته أنفع لم من نصائحكم أنفسكم {وَهُوَ العليم} بما يصلحكم فيشرعه لكم {الحكيم} فيما أحل وحرم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ قَدْ شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حِلُّ ما عَقَّدَتْهُ الأيْمانُ بِالكَفّارَةِ، فالتَّحِلَّةُ مَصْدَرُ حَلَّلَ كَتَكْرِمَةٍ مِن كَرَّمَ، ولَيْسَ مَصْدَرًا مَقِيسًا، والمَقِيسُ التَّحْلِيلُ والتَّكْرِيمُ لِأنَّ قِياسَ فَعَّلَ الصَّحِيحُ العَيْنِ غَيْرُ المَهْمُوزِ هو التَّفْعِيلُ، وأصْلُهُ تَحْلِلَةٌ فَأُدْغِمَ، وهو مِنَ الحِلِّ ضِدَّ العَقْدِ فَكَأنَّهُ بِاليَمِينِ عَلى الشَّيْءِ لِالتِزامِهِ عَقَدَ عَلَيْهِ وبِالكَفّارَةِ يَحِلُّ ذَلِكَ، ويَحِلُّ أيْضًا بِتَصْدِيقِ اليَمِينِ كَما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا يَمُوتُ لِرَجُلٍ ثَلاثَةُ أوْلادٍ فَتَمَسُّهُ النّارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ»» يَعْنِي ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ إلَخْ، وتَحْلِيلُهُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَمَن حَلَفَ أنْ يَنْزِلَ يَكْفِي فِيهِ إلْمامٌ خَفِيفٌ، فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّقْلِيلِ أيْ قَدْرَ الِاجْتِيازِ اليَسِيرِ، وكَذا يَحِلُّ بِالِاسْتِثْناءِ أيْ بِقَوْلِ الحالِفِ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِشَرْطِهِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الكَشّافِ أنَّ التَّحْلِيلَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ ومَعْناهُ كَما في الكَشْفِ تَعْقِيبُ اليَمِينِ عِنْدَ الإطْلاقِ بِالِاسْتِثْناءِ حَتّى لا تَنْعَقِدَ، ومِنهُ حَلا أبَيْتَ اللَّعْنَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كانَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَمِينٌ كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ وهو ظاهِرُ الآيَةِ اخْتُلِفَ هَلْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكَفّارَةَ أمْ لا ؟

فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُعْطِ لِأنَّهُ كانَ مَغْفُورًا لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ وإنَّما هو تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيهِ أنَّ غُفْرانَ الذَّنْبِ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِأنَّ تَرَتُّبَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ كَيْفَ وغَيْرُ مُسَلَّمٍ أنَّهُ ذَنْبٌ، وعَنْ مُقاتِلٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أعْتَقَ رَقَبَةً في تَحْرِيمِ مارِيَةَ»، وقَدْ نَقَلَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْطى الكَفّارَةَ في تَحْرِيمِهِ أُمَّ ولَدِهِ حَيْثُ حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، ومِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ حَرامٌ أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ ولَمْ يَسْتَثْنِ زَوْجَتَهُ فَقِيلَ: قالَ جَماعَةٌ مِنهم مَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ وأبُو سَلَمَةَ والشَّعْبِيُّ وأصْبَغُ: هو كَتَحْرِيمِ الماءِ والطَّعامِ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وزَيْدٌ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ وابْنُ المُسَيَّبِ وعَطاءٌ وطاوُسٌ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والحَسَنُ والأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ وجَماعَةٌ: هو يَمِينٌ يُكَفِّرُها، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ في قَوْلٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ ولَيْسَ بِيَمِينٍ، وأبُو حَنِيفَةَ يَرى تَحْرِيمَ الحَلالِ يَمِينًا في كُلِّ شَيْءٍ، ويُعْتَبَرُ الِانْتِفاعُ المَقْصُودُ فِيما يُحَرِّمُهُ فَإذا حَرَّمَ طَعامًا فَقَدْ حَلَفَ عَلى عَدَمِ أكْلِهِ أوْ أمَةً فَعَلى وطْئِها أوْ زَوْجَةً فَعَلى الإيلاءِ مِنها إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإنْ نَوى الظِّهارَ فَظِهارٌ وإنْ نَوى الطَّلاقَ فَطَلاقٌ بائِنٌ، وكَذَلِكَ إنْ نَوى اثْنَتَيْنِ وإنْ نَوى ثَلاثًا فَكَما نَوى، وإنْ قالَ: نَوَيْتُ الكَذِبَ دِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا يَدِينُ في قَضاءِ الحاكِمِ بِإبْطالِ الإيلاءِ لِأنَّ اللَّفْظَ إنْشاءٌ في العُرْفِ، وقالَ جَماعَةٌ: إنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا فَهو يَمِينٌ، وفي التَّحْرِيرِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: إنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ أوِ اثْنَتَيْنِ فَواحِدَةٌ أوْ ثَلاثًا فَثَلاثٌ.

أوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَمُوَلٍّ.

أوِ الظِّهارَ فَظِهارٌ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الظِّهارِ ويَكُونُ طَلاقًا، وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنِ ارْتَجَعَها فَلا يَجُوزُ لَهُ وطْؤُها حَتّى يُكَفِّرَ كَفّارَةَ الظِّهارِ، ويَقَعُ ما أرادَ مِن إعْدادِهِ فَإنْ نَوى واحِدَةً فَرَجْعِيَّةٌ وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ وأبُو ثَوْرٍ: أيُّ شَيْءٍ نَوى بِهِ مِنَ الطَّلاقِ وقَعَ وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقالَ سُفْيانُ: لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وقالَ الأوْزاعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: تَقَعُ واحِدَةً، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ ظِهارًا، وقالَ أبُو قُلابَةَ وعُثْمانُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: التَّحْرِيمُ ظِهارٌ فَفِيهِ كَفّارَتُهُ، وعَنِ الشّافِعِيِّ إنْ نَوى أنَّها مُحَرَّمَةٌ كَظَهْرِ أُمِّهِ فَظِهارٌ، أوْ تَحْرِيمُ عَيْنِها بِغَيْرِ طَلاقٍ، أوْ لَمْ يَنْوِ فَكَفّارَةُ يَمِينٍ، وقالَ مالِكٌ: يَقَعُ ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها وما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوْ ثِنْتَيْنِ.

أوْ ثَلاثٌ في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ: تَقَعُ ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ورَوى ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ عَنْ مالِكٍ، وقالَهُ زَيْدٌ وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ: تَقَعُ واحِدَةً بائِنَةً فِيهِما، وقالَ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ: واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وقالَ أبُو مُصْعَبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: يَقَعُ في الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها واحِدَةً وفي المَدْخُولِ بِها ثَلاثٌ، وفي الكَشّافِ لا يَراهُ الشّافِعِيُّ يَمِينًا ولَكِنْ سَبَبًا في الكَفّارَةِ في النِّساءِ وحْدَهُنَّ، وأمّا الطَّلاقُ فَرَجْعِيٌّ عِنْدَهُ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ثَلاثٌ، وعَنْ زَيْدٍ واحِدَةٌ بائِنَةٌ، وعَنْ عُثْمانَ ظِهارٌ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَن حَرَّمَ امْرَأتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  ﴾ ولِلنَّسائِيِّ أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: جَعَلْتُ امْرَأتِي عَلَيَّ حَرامًا قالَ: كَذَبْتَ لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ عَلَيْكَ أغْلَظُ الكَفّارَةِ عِتْقُ رَقَبَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ، وهي في هَذِهِ المَسْألَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وفي نَقْلِ الأقْوالِ عَنْ أصْحابِها اخْتِلافٌ كَثِيرٌ أيْضًا، واحْتَجَّ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَن فَرَضَ تَحْلِيلَها بِالكَفّارَةِ إنْ لَمْ يَسْتَثْنِ مَن رَأى التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، أوْ تَحْرِيمَ المَرْأةِ يَمِينًا لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَفّارَةَ اليَمِينِ هُنا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ الكَفّارَةِ كَوْنُهُ يَمِينًا لِجَوازِ اشْتِراكِ الأمْرَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ في حَكَمٍ واحِدٍ فَيَجُوزُ أنَّ تَثْبُتَ الكَفّارَةُ فِيهِ لِمَعْنًى آخَرَ، ولَوْ سُلِّمَ أنَّ هَذِهِ الكَفّارَةَ لا تَكُونُ إلّا مَعَ اليَمِينِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أقْسَمَ مَعَ التَّحْرِيمِ فَقالَ في مارِيَةَ: ««واللَّهِ لا أطَؤُها»» أوْ في العَسَلِ ««واللَّهِ لا أشْرَبُهُ»» وقَدْ رَواهُ بَعْضُهم فالكَفّارَةُ لِذَلِكَ اليَمِينِ لا لِلتَّحْرِيمِ وحْدَهُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ سَيِّدُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم ﴿ وهُوَ العَلِيمُ ﴾ فَيَعْلَمُ ما يُصْلِحُكم فَيُشَرِّعُهُ سُبْحانَهُ لَكُمُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُتْقِنُ أفْعالَهُ وأحْكامَهُ فَلا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، وذلك أن النبيّ  خلا في يوم لعائشة-  ا- مع جاريته مارية القبطية، فوقعت حفصة على ذلك، فقال لها رسول الله  : «لا تُعْلِمِي عَائِشَةَ» وحرم مارية على نفسه، فأخبرت حفصة عائشة بذلك، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فطلق النبيّ  حفصة، فأمر الله تعالى رسوله بكفارة اليمين، لتحريم جاريته على نفسه، وأمره بأن يراجع حفصة، فقال له جبريل: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، ونزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يعني: مارية تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ يعني: تطلب رضا زوجتك عائشة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ فيما حرم على نفسه.

ويقال: غفور لذنب حفصة.

رَحِيمٌ حيث لم يعاقبها.

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: بيَّن الله لكم كفارة أيمانكم.

ويقال: أوجب الله عليكم كفارة أيمانكم.

وفي الآية وجه آخر روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة-  ا- وعن أبيها قالت: كان رسول الله  يحب الحلو والعسل، وكان إذا صلى العصر، دار على نسائه، فيدنو منهن فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عائشة عن ذلك، فقيل لها: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت لرسول الله  منه.

فقالت: أما والله لنحتالن.

فذكرت ذلك لسودة، وقالت: إذا دخل فإنه سيدنو منك، فقولي له: أكلت المغافير؟

فإنه سيقول لك: لا.

فقولي له: ما هذه الريح؟

وكان رسول الله  يشتد عليه إذا وجد منه الريح، فإنه سيقول لك: حفصة سقتني شربة عسل.

فقولي له: جرست نحلة العُرْفُط يعني: أن تلك النحلة أكلت العرفط، وهو نبات به رائحة منكرة.

وسأقول له ذلك، وقولي له أنت يا صفية.

فلما دخل رسول الله  على سودة، قالت سودة: لقد كدت أن أناديه وإنه لعلى الباب فرقاً منك، فلما دنا مني، قلت: أكلت المغافير؟

قال: لا، قالت: فما هذه الريح؟

قال: سقتني حفصة شربة عسل.

قلت: جرست نحلة العرفط.

فلما دخل على صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة، قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟

قال: لا حاجة لي به.

وروى ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله  شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة، فقالت له: إني أجد منك ريحاً.

ثم دخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً.

قال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه، فنزل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ.

ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني: أوجب عليكم كفارة أيمانكم.

وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ يعني: ناصركم وحافظكم وَهُوَ الْعَلِيمُ بما قالت حفصة لعائشة في أمر مارية.

الْحَكِيمُ حكم بكفارة اليمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومَا بعدَه يحتملُ أنْ يكونَ عَطْفاً على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ جبريلُ رَفْعاً بالابتداء وما بعده عطف عليه وظَهِيرٌ هُو الخَبَرُ، وخَرّجَ البخاريّ بسنده عن أنس قال: قال عمر:

اجتمع نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغِيرَةِ عليه فقلتُ لَهُنَّ: عسى ربُّه إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يبدله أزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ، فنزلت هذه الآية «١» ، انتهى، وقانِتاتٍ معناه مُطِيعَات، والسائحاتُ قِيل: معناه:

صَائِمَاتٌ، وقيل: معناه: / مُهَاجِرَاتٌ، وقيل: معناه ذَاهِبَاتٌ في طَاعَةِ اللَّهِ، وشُبِّه الصَّائِمُ بالسائِحِ من حيثُ يَنْهَمِلُ السائِحُ وَلا يَنْظُرُ في زادٍ ولاَ مَطْعَمٍ، وكذلك الصائم يُمْسِك عن ذلك، فيستوي هو والسائِح في الامْتِنَاعِ، وشَظَفِ العَيْشِ لِفَقْدِ الطَّعَام.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ...

الآيةُ، قُوا معناه اجْعَلُوا وِقَايَةً بينكم وبينَ النارِ، وقوله: وَأَهْلِيكُمْ معناه بالوَصِيَّةِ لهم والتقويم والحَمْلِ على طاعةِ اللَّه، وفي الحديثِ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَال: يا أهْلاَهُ صَلاَتَكُمْ، صِيَامَكُمْ، [زَكَاتَكُمْ] ، مِسْكِينَكُمْ، يَتِيمَكُمْ» «٢» ت: وفي «العتبية» عن مالكٍ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ أذِنَ لي أنْ أتَحَدَّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ، إنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ لَمَخْفِقَ الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً» «٣» ، انتهى، وباقي الآية في غَايَةِ الوضوحِ، نَجَانَا اللَّهُ مِنْ عَذَابه بِفَضْلِه، والتوبةُ فَرْضٌ على كلِّ مسلمٍ، وهي الندمُ على فَارِطِ المعصيةِ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ مِثلِها في المستقبل، هذا من المتمكن، وأما غيرُ المتمكِّنِ كالمَجْبُوبِ في الزِّنَا فالندمُ وحدَه يكفيه، والتوبةُ عِبادَةٌ كالصَّلاَةِ، وغيرها، فإذا تَابَ العبدُ وَحَصَلَتْ توبتُه بشروطِها وقبلت، ثم عَاوَدَ الذنبَ فتوبتُه الأولَى لا تفسدُها عَوْدَةٌ بل هي كسَائِرِ مَا تَحَصَّلَ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ حَفْصَةً ذَهَبَتْ إلى أبِيها تَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ  إلى جارِيَتِهِ، فَظَلَّتْ مَعَهُ في بَيْتِ حَفْصَةَ، وكانَ اليَوْمَ [الَّذِي] يَأْتِي فِيهِ عائِشَةَ، فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ، فَوَجَدَتْها في بَيْتِها، فَجَعَلَتْ تَنْتَظِرُ خُرُوجَها، وغارَتْ غَيْرَةً شَدِيدَةً.

فَلَمّا دَخَلَتْ حَفْصَةُ قالَتْ: قَدْ رَأيْتُ مَن كانَ عِنْدَكَ.

واللَّهِ لَقَدْ سُؤْتَنِي، فَقالَ النَّبِيُّ  : "واللَّهِ لَأُرْضِيَنَّكِ، وإنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ" قالَتْ: وما هُوَ؟

قالَ "إنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ رِضًى لَكِ"، وكانَتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ مُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  ، فانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لَها: أبْشِرِي، إنَّ النَّبِيَّ  قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ فَتاتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمْرٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى، وقالَ فِيهِ: «فَقالَتْ حَفْصَةُ: كَيْفَ تُحَرِّمُها عَلَيْكَ، وهي جارِيَتُكَ؟!

فَحَلَفَ لَها أنْ لا يَقْرَبَها، فَقالَ لَها: "لا تَذْكُرِيهِ لِأحَدٍ" فَذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ، فَآلى أنْ لا يَدْخُلَ عَلى نِسائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» وقالَ الضَّحّاكُ: «قالَ لَها: "لا تَذْكُرِي لِعائِشَةَ ما رَأيْتِ"، فَذَكَرَتْهُ، فَغَضِبَتْ عائِشَةُ، ولَمْ تَزَلْ بِنَبِيِّ اللَّهِ حَتّى حَلَفَ أنْ لا يَقْرَبَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ، ومُقاتِلٌ، والأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما رَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُحِبُّ الحَلْواءَ والعَسَلَ، وكانَ إذا انْصَرَفَ مِن صَلاةِ العَصْرِ دَخَلَ عَلى نِسائِهِ، فَدَخَلَ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، واحْتَبَسَ عِنْدَها، فَسَألَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: أهَدَتْ لَها امْرَأةٌ مِن قَوْمِها عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقُلْتُ: أما واللَّهِ لَنَحْتالَنَّ لَهُ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ: إنَّهُ سَيَدْنُو مِنكِ إذا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَقُولِي لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أكَلْتَ مَغافِيرَ، فَإنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ وسَأقُولُ ذَلِكَ، وقَوْلِي أنْتِ يا صَفِيَّةُ ذَلِكَ، فَلَمّا دارَ إلى حَفْصَةَ قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أسْقِيكَ مِنهُ؟

قالَ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ، قالَتْ: تَقُولُ: سَوْدَةُ سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ حَرَمْناهُ قُلْتُ لَها: اسْكُتِي،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" .

وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ سَوْدَةُ، فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ: إنِّي لَأجِدُ مِنكَ رِيحًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلى حَفْصَةَ، فَقالَتْ: إنِّي أجِدُ مِنكَ رِيحًا فَقالَ: " إنِّي أراهُ مِن شَرابٍ شَرِبْتُهُ عِنْدَ سَوْدَةَ، واللَّهِ لا أشْرَبُهُ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائِشَةَ أنَّ الَّتِي شَرِبَ عِنْدَها العَسَلَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَتَواطَأتْ حَفْصَةُ وعائِشَةُ أنْ تَقُولا لَهُ ذَلِكَ القَوْلَ.

قالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَغافِيرُ: شَيْءٌ شَبِيهٌ بِالصَّمْغِ فِيهِ حَلاوَةٌ.

وخَرَجَ النّاسُ يَتَمَغْفَرُونَ: إذا خَرَجُوا يَجْتَنُونَهُ.

ويُقالُ: المَغاثِيرُ بِالثّاءِ، مِثْلُ جَدَثٍ، وجَدَفٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَغافِيرُ: صَمْغٌ مُتَغَيِّرُ الرّائِحَةِ، فَخَرَجَ في المُرادِ بِالَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جارِيَتُهُ.

والثّانِي: العَسَلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ أيْ: تَطْلُبُ رِضاهُنَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ التَّحْرِيمَ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم ﴿ تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ أيْ: كَفّارَةَ أيْمانِكُمْ، وذَلِكَ البَيانُ في [المائِدَةِ: ٨٩] قالَ المُفَسِّرُونَ: وأصْلُ "تَحِلَّةٍ" تَحْلِلَةٌ عَلى وزْنِ تَفْعِلَةٍ، فَأُدْغِمَتْ، والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحْلِيلَ أيْمانِكم بِالكَفّارَةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، فَأعْتَقَ رَقَبَةً.

واخْتَلَفُوا هَلْ حَرَّمَ مارِيَّةَ عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: حَرَّمَها مِن غَيْرِ ذِكْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ﴿ واللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ أيْ: ولِيُّكم وناصِرُكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ يَعْنِي: حَفْصَةَ مِن غَيْرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ.

وَفِي هَذا السِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ لَها: " إنِّي مُسِرٌّ إلَيْكِ سِرًّا فاحْفَظِيهِ، سُرِّيَّتِي هَذِهِ عَلَيَّ حَرامٌ "، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ لَها: " أبُوكِ، وأبُو عائِشَةَ، والِيا النّاسِ مِن بَعْدِي، فَإيّاكِ أنْ تُخْبِرِي أحَدًا "، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أسَرَّ إلَيْها أنَّ أبا بَكْرٍ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ "وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ حَفْصَةَ لِعائِشَةَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  غَضَبًا شَدِيدًا، لِأنَّهُ اسْتَكْتَمَ حَفْصَةَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعاها، فَأخْبَرَها بِبَعْضِ ما قالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ وفي الَّذِي عَرَّفَها إيّاهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَدَّثَها ما حَدَّثَتْها عائِشَةُ مِن شَأْنِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وسَكَتَ عَمّا أخْبَرَتْ عائِشَةَ مِن تَحْرِيمِ مارِيَّةَ، لِأنَّهُ لَمْ يُبالِ ما أظْهَرَتْ مِن ذَلِكَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي عَرَّفَ: تَحْرِيمُ مارِيَّةَ، والَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ: ذِكْرُ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قالَ: ومَعْنى "عَرَّفَ بَعْضَهُ" عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، "عَرَفَ" بِالتَّخْفِيفِ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قَدْ عَرَفَ كُلَّ ما أسَرَّهُ، غَيْرَ أنَّ المَعْنى جارٍ عَلى بَعْضِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ ، أيْ: يَعْلَمْهُ ويُجازِ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ أيْ: يَرَ جَزاءَهُ.

فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ  طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَكانَ ذَلِكَ جَزاءَها عِنْدَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُراجِعَها.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: لَمْ يُطَلِّقْها، وإنَّما هَمَّ بِطَلاقِها، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: لا تُطَلِّقْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ.

وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "عُرّافُ" بِرَفْعِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ وبِألِفٍ "بَعْضِهِ" بِالخَفْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ ﴾ أيْ: أخْبَرَ حَفْصَةَ بِإفْشائِها السِّرَّ ﴿ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا ﴾ أيْ: مَن أخْبَرَكَ بِأنِّي أفْشَيْتُ سِرَّكَ؟

﴿ قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ ثُمَّ خاطَبَ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، فَقالَ: ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: مِنَ التَّعاوُنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  بِالإيذاءِ ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: زاغَتْ، وأثِمَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: عَدَلَتْ، وزاغَتْ عَنِ الحَقِّ.

قالَ مُجاهِدٌ: كُنّا نَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ شَيْئًا هَيِّنًا حَتّى وجَدْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَقَدْ زاغَتْ قُلُوبُكُما.

وإنَّما جَعَلَ القَلْبَيْنِ جَماعَةً لِأنَّ كُلَّ اثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ  ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّهُما أحَبّا ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ  مِنِ اجْتِنابِ جارِيَتِهِ، "وَإنْ تَظاهَرا" وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ "تَظاهَرا" بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، أيْ: تَعاوَنا عَلى النَّبِيِّ  بِالإيذاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ أيْ: ولِيُّهُ في العَوْنِ، والنُّصْرَةِ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ ولِيُّهُ ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ وفي المُرادِ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أبُو بَكْرٍ، رَواهُ مَكْحُولٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ.

والثّالِثُ: عُمَرُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: خِيارُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ العَدَوِيُّ، وسُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَهُ الفَرّاءُ: ﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَحَّدٌ في مَذْهَبِ جَمِيعٍ، كَما تَقُولُ: لا يَأْتِينِي إلّا سائِسُ الحَرْبِ، فَمَن كانَ ذا ساسَةٍ لِلْحَرْبِ، فَقَدْ أُمِرَ بِالمَجِيءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ  ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ يُؤَدِّي مَعْنى الواحِدِ عَنِ الجَمِيعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ أيْ: ظَهْرًا، وهَذا مِمّا لَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناهُ الجَمِيعُ، ومِثْلُهُ ﴿ يُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ ، وقَدْ شَرَحْناهُ هُناكَ.

ثُمَّ خَوَّفَ نِساءَهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى أنَسٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: بَلَغَنِي بَعْضُ ما آذى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ نِساؤُهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِنَّ، فَجَعَلْتُ أسْتَقْرِئُهُنَّ واحِدَةً واحِدَةً، فَقُلْتُ: واللَّهِ لَتَنْتَهِنَّ، أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والمَعْنى: واجِبٌ مِنَ اللَّهِ ﴿ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ رَسُولُهُ ﴿ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ ﴾ أيْ: خاضِعاتٍ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ ﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ مُصَدِّقاتٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ قانِتاتٍ ﴾ أيْ: طائِعاتٍ ﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السّائِحُونَ  ﴾ .

والثّانِي: مُهاجِراتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ.

"والثَّيِّباتُ" جَمْعُ ثَيِّبٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي قَدْ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، فَعادَتْ كَما كانَتْ غَيْرَ ذاتِ زَوْجٍ.

"والأبْكارُ": العَذارى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَحْرِيمِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ العِلْمِ بِلا خِلافٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللهُ مَوْلاكم وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عن بَعْضِ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِما ما مَعْناهُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا أهْدى إلَيْهِ المُقَوْقِسُ مارِيَةَ القِبْطِيَّةَ اتَّخَذَها سُرِّيَّةً، فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأيّامِ وهو يَوْمُ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، جاءَ رَسُولُ اللهِ  إلى بَيْتِ حَفْصَةَ فَوَجَدَها قَدْ مَرَّتْ إلى زِيارَةِ أبِيها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ  في جارِيَتِهِ فَقالَ مَعَها، فَجاءَتْ حَفْصَةُ فَوَجَدَتْهُما، فَأقامَتْ خارِجَ البَيْتِ حَتّى أخْرَجَ رَسُولُ اللهِ  مارِيَةَ وذَهَبَتْ، فَدَخَلَتْ حَفْصَةُ غَيْرى مُتَغَيِّرَةً، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، أما كانَ في نِسائِكَ أهْوَنُ عَلَيْكَ مِنِّي؟

أفِي بَيْتِي غَيْرى وعَلى فِراشِي؟

فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ  مُتَرَضِّيًا لَها: أيُرْضِيكِ أنْ أُحَرِّمَها؟

قالَتْ: نَعَمْ، فَقالَ: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقالَ مَعَ ذَلِكَ: واللهِ لا أطَؤُها أبَدًا، ثُمَّ قالَ: لا تُخْبِرِي بِهَذا أحَدًا، فَمَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ في يَوْمِ عائِشَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَها خَوْفًا مَن غَضِبِ عائِشَةَ، وحُسْنِ عِشْرَةٍ لَها، ومَن قالَ: بَلْ كانَ في يَوْمِ حَفْصَةَ قالَ: اسْتَكْتَمَتْها لِنَفْسِ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّ حَفْصَةَ قَرَعَتِ الجِدارَ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأخْبَرَتْها لِتُبَشِّرَها بِالأمْرِ، ولَمْ تَرَ في إفْشائِهِ إلَيْها حَرَجًا، واسْتَكْتَمَتْها، فَأوحى اللهُ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ  ، ونَزَلَتِ الآيَةُ.» ورُوِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّ هَذا نَزَلَ بِسَبَبِ شَرِيكٍ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  ، وذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

ورَوى عُبَيْدُ بْنُ عُمَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ هَذا التَحْرِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ إنَّما هو بِسَبَبِ شَرابِ العَسَلِ الَّذِي شَرِبَهُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، «فَتَمالَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ وسَوْدَةُ عَلى أنْ تَقُولَ لَهُ مَن دَنا مِنها: أكَلْتَ مَغافِيرَ، والمَغافِيرُ صَمْغٌ العُرْفُطِ، وهو حُلْوٌ ثَقِيلُ الرِيحِ، فَفَعَلْنَ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لا، ولَكِنِّي شَرِبْتُ عَسَلًا، فَقُلْنَ لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لا أشْرَبُهُ أبَدًا، وكانَ يَكْرَهُ أنْ تُوجَدَ مِنهُ رائِحَةٌ ثَقِيلَةٌ، فَدَخَلَ -بَعْدَ ذَلِكَ- عَلى زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَتْ لَهُ: ألا نَسْقِيكَ مِن ذَلِكَ العَسَلَ؟

فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِهِ.

قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: تَقُولُ سَوْدَةُ حِينَ بَلَغَها امْتِناعُهُ: واللهِ لَقَدْ حَرَّمْناهُ، قُلْتُ لَها: اسْكُتِي.» والقَوْلُ الأوَّلُ - إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ مارِيَةَ - أصَحُّ وأوضَحُ، وعَلَيْهِ تَفَقُّهُ الناسِ في الآيَةِ، ومَتى حَرَّمَ الرَجُلُ مالًا أو جارِيَةً دُونَ أنْ يَعْتِقَ أو يَشْتَرِطَ عِتْقًا أو نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ تَحْرِيمُهُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ إذا حَرَّمَ زَوْجَتَهُ بِأنْ يَقُولَ: "أنْتِ عَلِيَّ حَرامٌ" أو: "الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ"، ولا يَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ، فَقالَ مالِكٌ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها، ويَنْوِي في غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، فَهو ما أرادَ مِن واحِدَةٍ أوِ اثْنَيْنِ أو ثَلاثٍ، وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجَشُونِ: هي ثَلاثٌ في الوَجْهَيْنِ، ولا يَنْوِي في شَيْءٍ، وقالَ أبُو المُصْعَبِ وغَيْرُهُ -وَرَوى ابْنُ خُوَيْزٍ مِندادِ عن مالِكٍ -: أنَّها واحِدَةٌ بائِنَةٌ في المَدْخُولِ بِها، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الماجَشُونِ أنَّهُ قالَ: يَحْمِلُها عَلى واحِدَةٍ رَجْعِيَّةٍ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: التَحْرِيمُ لا شَيْءَ، وإنَّما عاتَبَ اللهُ رَسُولَهُ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ فِيهِ ودَلَّهُ عَلى تَحِلَّةِ اليَمِينِ المُبَيِّنَةِ في المائِدَةِ لِقَوْلِهِ: "قَدْ حَرَّمْتُها وواللهِ لا أطَؤُها أبَدًا"، وقالَ مَسْرُوقٌ: ما أُبالِي أحَرَّمَتْها أو قَصْعَةً مِن ثَرِيدٍ، وكَذَلِكَ قالَ الشَعْبِيُّ: "لَيْسَ التَحْرِيمُ بِشَيْءٍ، قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ  ﴾ ، وقالَ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ  ﴾ ، ومُحَرِّمٌ زَوْجَتَهُ قَدْ سُمِّيَ حَرامًا ما جَعَلَهُ اللهُ حَلالًا، وحَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ لَهُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وعُمَرُ الفارُوقُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ.

وأبُو ثَوْرٍ والأوزاعِيُّ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ: التَحْرِيمُ يَلْزَمُ فِيهِ تَكْفِيرُ يَمِينٍ بِاللهِ تَعالى، والتَحِلَّةُ إنَّما هي مِن أجْلِ جِهَةِ التَحْرِيمِ، ولَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ  : "واللهِ لا أطَؤُها"، وقالَ أبُو قُلابَةَ: "التَحْرِيمُ ظِهارٌ"، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ، والكُوفِيُّونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ طَلاقًا فَهو لا شَيْءَ"، وقالَ آخَرُونَ: "هُوَ ما أرادَ مِنَ الطَلاقِ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ طَلاقًا فَهو يَمِينٌ.

ودَعا اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِاسْمِ النُبُوَّةِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شَرَفِ مُنْزِلَتِهِ وعَلى فَضِيلَتِهِ الَّتِي خَصَّهُ بِها دُونَ البَشَرِ وقَدَّرَهُ، كالمُعاتِبِ عَلى سَبَبِ تَحْرِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى لَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "تُحَرِّمُ"، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، ثُمَّ غَفَرَ لَهُ تَعالى ما عاتَبَهُ فِيهِ ورَحِمَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللهُ ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأثْبَتَ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ التَحْرِيمِ، وقالَ آخَرُونَ: هي إشارَةٌ إلى تَكْفِيرِ اليَمِينِ المُقْتَرِنَةِ بِالتَحْرِيمِ.

و"التَحِلَّةُ" مَصْدَرٌ، وزْنُها "تَفْعِلَةٌ"، وأدْغَمَ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وأحالَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الآيَةِ الَّتِي فَسَّرَ فِيها الإطْعامَ في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى، و"المَوْلى": المُوالِي الناصِرُ العاضِدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أسَرَّ النَبِيُّ ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَأْنِيبِ والعَتْبِ لَهُنَّ، وقالَ الجُمْهُورُ: "الحَدِيثُ" هو قَوْلُهُ  في أمْرِ مارِيَةَ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما هو قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّما شَرِبْتُ عَسَلًا»، و"بَعْضُ أزْواجِهِ" هي حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، و"نَبَّأتْ" مَعْناهُ: أخْبَرَتْ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْبَأتْ" وكانَ إخْبارُها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وهَذا ونَحْوُهُ هو التَظاهُرُ الَّذِي عُوتِبَتا فِيهِ، وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ: الحَدِيثُ الَّذِي أسَرَّ إلى حَفْصَةَ أنَّهُ قالَ لَها: وأبْشِرِي بِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ أمْرَ أُمَّتِي بَعْدِي خِلافَةً، وتَعَدَّتْ "نَبَّأ" في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً إلى مَفْعُولَيْنِ ومَرَّةً إلى واحِدٍ، لِأنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ في أنْبَأ ونَبَّأ إذا كانَ دُخُولُهُما عَلى غَيْرِ الِابْتِداءِ والخَبَرِ، فَمَتى دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ تَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ولا يَجُوزُ الِاقْتِصارُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: أطْلَعَهُ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ وقَتادَةُ: "عَرَفَ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ: "عَرَّفَ" بِشَدِّها، والمَعْنى في اللَفْظَةِ مَعَ التَخْفِيفِ: جازى بِالعَتَبِ واللَوْمِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ يُؤْذِيكَ: قَدْ عَرَّفْتُ لَكَ هَذا، ولَأُعَرِّفَنَّ لَكَ هَذا، بِمَعْنى: لَأُجازِيَنَّكَ عَلَيْهِ، ونَحْوُهُ في المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ، فَأعْرِضْ عنهُمْ  ﴾ فَعِلْمُ اللهِ زَعِيمٌ بِمُجازاتِهِمْ، وكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ النَبِيِّ  ، والمَعْنى مَعَ الشَدِّ في الراءِ: أعْلَمَ بِهِ وأبَتَّ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأعْرَضَ عن بَعْضٍ" أيْ: تَكَرُّمًا وحَياءً وحُسْنَ عِشْرَةٍ، قالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  طَلَّقَ حِينَئِذٍ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَهُ بِمُراجَعَتِها، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  عاتَبَها ولَمْ يُطَلِّقْها، فَلَمّا أخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  بِالخَبَرِ وأنَّها أفْشَتْهُ إلى عائِشَةَ ظَنَّتْ أنَّ عائِشَةَ فَضَحَتْها، فَقالَتْ: "مَن أنْبَأكَ هَذا"؟

عَلى جِهَةِ التَثَبُّتِ، فَلَمّا أخْبَرَها أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَهُ سَكَتَتْ وسَلَّمَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني بيّن الله به لنبيئه صلى الله عليه وسلم أن له سعة في التحلل مما التزم تحريمه على نفسه، وذلك فيما شرع الله من كفارة اليمين فأفتاه الله بأن يأخذ برخصته في كفارة اليمين المشروعة للأمة كلها ومن آثار حكم هذه الآية ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس بعد أن استحملوه وحلف أن لا يحملهم إذ ليس عنده ما يحملهم عليه، فجاءه ذود من إبل الصدقة فقال لهم: «وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير».

وافتتاح الخبر بحرف التحقيق لتنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من لا يعلم أن الله فرض تَحِلَّة الأيمان بآية الكفارة بناء على أنه لم يأخذ بالرخصة تعظيماً للقَسَم.

فأعلمه الله أن الأخذ بالكفارة لا تقصير عليه فيه فإن في الكفارة ما يكفي للوفاء بتعظيم اليمين بالله إلى شيء هذا قوله تعالى في قصة أيوب ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ [ص: 44] كما ذكرناه في تفسيرها و ﴿ فرض ﴾ عيَّن ومنه قوله تعالى: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ [النساء: 7].

وقال: فرض له في العطاء والمعنى: قد بيَّن الله لكن تحلة أيمانكم.

واعلم أنه إن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصدر منه في تلك الحادثة إلا أنه التزم أن لا يعود لشرب شيء عند بعض أزواجه في غير يوم نوبتها أو كان وعد أن يحرّم مارية على نفسه بدون يمين على الرواية الأخرى.

كان ذلك غير يمين فكان أمرُ الله إياه بأن يكفر عن يمينه إما لأن ذلك يجري مجرى اليمين لأنه إنما وعد لذلك تطميناً لخاطر أزواجه فهو التزام لهن فكان بذلك ملحقاً باليمين وبذلك أخذ أبو حنيفة ولم يره مالك يميناً ولا نذراً فقال في «الموطأ»: ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام أو إلى مصر مما ليس لله بطاعة إن كلم فلاناً، فليس عليه في ذلك شيء إنْ هو كلّمه لأنه ليس لله في هذه الأشياء طاعة فإن حَلف فقال: «والله لا آكل هذا الطعام ولا ألبس هذا الثوب فإنما عليه كفارة يمين» اه.

وقد اختلف هل كفّر النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه تلك.

فالتحلّة على هذا التفسير عند مالك هي: جعل الله ملتزم مثل هذا في حلِّ مننِ التزاممِ ما التزمه.

أي مُوجب التحلل من يمينه.

وعند أبي حنيفة: هي ما شرعه الله من الخروج من الأيمان بالكفارات وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم صدر منه يمين عند ذلك على أن لا يعود فتحِلَّة اليمين هي الكفارة عند الجميع.

وجملة ﴿ والله مولاكم ﴾ تذييل لجملة ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ .

والمولى: الولي، وهو الناصر ومتولي تدبير ما أضيف إليه، وهو هنا كناية عن الرؤوف والميسّر، كقوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185].

وعطف عليها جملة ﴿ وهو العليم الحكيم ﴾ أي العليم بما يصلحكم فيحملكم على الصواب والرشد والسداد وهو الحكيم فيما يشرعه، أي يجري أحكامه على الحكمة.

وهي إعطاء الأفْعال ما تقتضيه حقائقها دون الأوهام والتخيلات.

واختلف فقهاء الإِسلام فيمن حرّم على نفسه شيئاً مما أحل الله له على أقوال كثيرة أنهاها القرطبي إلى ثمانية عشر قولاً وبعضها متداخل في بعض باختلاف الشروط والنيات فتؤول إلى سبعة.

أحدها: لا يلزمه شيء سواء كان المحرَّم زوجاً أو غيرها.

وهو قول الشعبي ومسروق وربيعة من التابعين وقاله أصبغ بن الفرج من أصحاب مالك.

الثاني: تجب كفارة مثل كفارة اليمين.

وروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير، وبه قال الأوزاعي والشافعي في أحد قوليه.

وهذا جار على ظاهر الآية من قوله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ .

الثالث: لا يلزمه في غير الزوجة وأما الزوجة فقيل: إن كان دخل بها كان التحريم ثلاثاً، وإن لم يدخل بها ينوّ فيما أراد وهو قول الحسن والحكم ومالك في المشهور.

وقيل هي ثلاث تطليقات دخل بها أم لم يدخل.

ونسب إلى علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبي هريرة.

وقاله ابن أبي ليلى وهو عند عبد الملك بن الماجشون في «المبسوط».

وقيل طلقة بائنة.

ونسب إلى زيد بن ثابت وحماد بن سليمان ونسبه ابن خُويز منداد إلى مالك وهو غير المشهور عنه.

وقيل: طلقة رجعية في الزوجة مطلقاً، ونسب إلى عمر بن الخطاب فيكون قيداً لما روي عنه في القول الثاني.

وقاله الزهري وعبد العزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون، وقال الشافعي يعني في أحد قوليه: إن نوى الطلاق فعليه ما نوى من أعداده وإلا فَهي واحدة رجعية.

وقيل: هي ثلاث في المدخول بها وواحدة في التي لم يدخل بها دون تنوية.

الرابع: قال أبو حنيفة وأصحابه إن نوى بالحرام الظهار كان ما نوى فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن يكون نوى الثلاث.

وإن لم ينو شيئاً كانت يميناً وعليه كفارة فإنْ أباها كان مولياً.

وتحريم النبي صلى الله عليه وسلم سريته مارية على نفسه هو أيضاً من قبيل تحريم أحد شيئاً مما أحلّ الله له غير الزوجة لأن مارية لم تكن زوجة له بل هي مملوكته فحكم قوله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ جار في قضية تحريم مارية بيمين أو بغير يمين بلا فرق.

و ﴿ تحلة ﴾ تفعِلة مِن حلَّل جعل الفعل حلالاً.

وأصله تَحْلِلة فأدغم اللامان وهو مصدر سماعي لأن الهاء في آخره ليست بقياس إذ لم يحذف منه حرف حتى يعوض عنه الهاء مثل تزكية ولكنه كثير في الكلام مثل تعلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ المَرْأةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ  فَلَمْ يَقْبَلْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَسَلٌ شَرِبَهُ النَّبِيُّ  عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، واخْتُلِفَ فِيها فَرَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ حَفْصَةَ ورَوى ابْنُ أبِي مَلِيكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ سَوْدَةَ.

وَرَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ شَرِبَهُ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقالَ يَعْنِي نِساؤُهُ عَدا مَن شَرِبَ ذَلِكَ عِنْدَها: إنّا لِنَجِدُ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ، وكانَ يَكْرَهُ أنْ يُوجَدَ مِنهُ الرِّيحُ، وقُلْنَ لَهُ: جَرَسْتَ نَحْلَةَ العُرْفُطِ، فَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن ذَكَرْنا.

الثّالِثُ: أنَّها مارِيَةُ أُمُّ إبْراهِيمَ خَلا بِها رَسُولُ اللَّهِ  في بَيْتِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ وقَدْ خَرَجَتْ لِزِيارَةِ أبِيها، فَلَمّا عادَتْ وعَلِمَتْ عَتَبَتْ عَلى النَّبِيِّ  فَحَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ أرِضاءً لِحَفْصَةَ، وأمَرَها أنْ لا تُخْبِرَ أحَدًا مِن نِسائِهِ، فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ لِمُصافاةٍ كانَتْ بَيْنَهُما وكانَتْ تَتَظاهَرانِ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ  أيْ تَتَعاوَنانِ، فَحَرَّمَ مارِيَةَ وطَلَّقَ حَفْصَةَ واعْتَزَلَ سائِرَ نِسائِهِ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكانَ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يُحَرِّمَهُنَّ شَهْرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَراجَعَ حَفْصَةَ واسْتَحَلَّ مارِيَةَ وعادَ إلى سائِرِ نِسائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ والكَلْبِيُّ وهو ناقِلُ السِّيرَةِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، هَلْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ بِيَمِينٍ آلى بِها أمْ لا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَلَفَ يَمِينًا حَرَّمَها بِها، فَعُوتِبَ في التَّحْرِيمِ وأُمِرَ بِالكَفّارَةِ في اليَمِينِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ، فَكانَ التَّحْرِيمُ مُوجِبًا لِكَفّارَةِ اليَمِينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ المَخْرَجَ مِن أيْمانِكم.

الثّانِي: قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَكُمُ الكَفّارَةَ في الحِنْثِ في أيْمانِكم.

﴿ وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أسَرَّ إلى حَفْصَةَ تَحْرِيمَ ما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَلَمّا ذَكَرَتْهُ لِعائِشَةَ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ عَرَّفَها بَعْضَ ما ذَكَرَتْ، وأعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أسَرَّ إلَيْها تَحْرِيمَ مارِيَةَ، وقالَ لَها: اكْتُمِيهِ عَنْ عائِشَةَ وكانَ يَوْمَها مِنهُ، وأُسِرُّكِ أنَّ أبا بَكْرٍ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِي، وعُمَرَ الخَلِيفَةُ مِن بَعْدِهِ، فَذَكَرَتْها لِعائِشَةَ، فَلَمّا أطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ فَكانَ الَّذِي عَرَّفَ ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وكانَ الَّذِي أعْرَضَ عَنْهُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الخِلافَةِ لِئَلّا يَنْتَشِرَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ: (عَرَفَ بَعْضَهُ) بِالتَّخَفُّفِ، وقالَ الفَرّاءُ: وتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: عَرَفَ بَعْضَهُ بِالتَّخْفِيفِ أيْ غَضِبَ مِنهُ وجازى عَلَيْهِ، ﴿ إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ﴾ يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا وتَعاوَنَتا مِن نِساءِ النَّبِيِّ  عَلى سائِرِهِنَّ وهُما عائِشَةُ وحَفْصَةُ.

وَفي (صَغَتْ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي زاغَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: مالَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ تُصْغِي القُلُوبُ إلى أغَرَّ مُبارَكٍ مِن نَسْلِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ والثّالِثُ: أثِمَتْ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

وَفِيما أُوخِذَتا بِالتَّوْبَةِ مِنهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الإذاعَةِ والمُظاهَرَةِ.

الثّانِي: مِن سُرُورِهِما بِما ذَكَرَهُ النَّبِيُّ  مِنَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ ﴾ يِعْنِي تَعاوُنًا عَلى مَعْصِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ ﴿ وَجِبْرِيلُ ﴾ يَعْنِي ولَيَّهُ أيْضًا.

﴿ وَصالِحُ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ، قالَهُ قَتادَةُ وسُفْيانُ.

الثّانِي: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ: لِأنَّهُما كانا أبَوَيْ عائِشَةَ وحَفْصَةَ وقَدْ كانا عَوْنًا لَهُ عَلَيْهِما.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيٌّ.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ أصْحابُ النَّبِيِّ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ صالِحَ المُؤْمِنِينَ مَن وقى دِينَهُ بِدُنْياهُ.

﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ يَعْنِي أعْوانًا لِلنَّبِيِّ  ، ويَحْتَمِلُ تَحْقِيقُ تَأْوِيلِهِ وجْهًا ثانِيًا: أنَّهُمُ المُسْتَظْهَرُ بِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِمْ.

﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ أمّا نِساؤُهُ فَخَيْرُ نِساءِ الأُمَّةِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ خَيْرًا مِنكُنَّ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أطْوَعَ مِنكُنَّ.

والثّانِي: أحَبَّ إلَيْهِ مِنكُنَّ.

والثّالِثُ: خَيْرًا مِنكُنَّ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ مُسْلِماتٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُخْلِصاتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ونَرى ألّا يَسْتَبِيحَ الرَّسُولُ إلّا مُسْلِمَةً.

الثّانِي: يُقِمْنَ الصَّلاةَ ويُؤْتِينَ الزَّكاةَ كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ مُسَلِّماتٌ لِأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

﴿ مُؤْمِناتٍ ﴾ يَعْنِي مُصَدِّقاتٍ بِما أُمِرْنَ بِهِ ونُهِينَ عَنْهُ.

﴿ قانِتاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُطِيعاتٌ.

الثّانِي: راجِعاتٌ عَمّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إلى ما يُحِبُّهُ.

﴿ تائِباتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: راجِعاتٌ لِأمْرِ الرَّسُولِ تارِكاتٌ لِمَحابِّ أنْفُسِهِنَّ.

﴿ عابِداتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عابِداتٌ لِلَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مُتَذَلِّلاتٌ لِلرَّسُولِ بِالطّاعَةِ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ العَبْدِ لِتَذَلُّلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ سائِحاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صائِماتٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ كالسّائِحِ في السَّفَرِ بِغَيْرِ زادٍ.

وَقالَ الزُّهْرِيُّ: قِيلَ لِلصّائِمِ سائِحٌ لِأنَّ الَّذِي كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ مُتَعَبِّدًا لا زادَ مَعَهُ كانَ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ، والصّائِمُ يُمْسِكُ عَنِ الأكْلِ، فَلِهَذِهِ المُشابَهَةِ سُمِّيَ الصّائِمُ سائِحًا، وإنَّ أصْلَ السِّياحَةِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الذَّهابِ في الأرْضِ كالماءِ الَّذِي يَسِيحُ، والصّائِمُ مُسْتَمِرٌّ عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وتَرْكِ المُشْتَهى، وهو الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ.

وَعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إذا امْتَنَعَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والوِقاعِ وسَدَّ عَلى نَفْسِهِ أبْوابَ الشَّهَواتِ انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الحِكَمِ وتَجَلَّتْ لَهُ أنْوارُ المُتَنَقِّلِينَ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ ومِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ فَتَحْصُلُ لَهُ سِياحَةٌ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ.

الثّانِي: مُهاجِراتٌ لِأنَّهُنَّ بِسَفَرِ الهِجْرَةِ سائِحاتٌ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

﴿ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا ﴾ أمّا الثَّيِّبُ فَإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها راجِعَةٌ إلى زَوْجِها إنْ أقامَ مَعَها، أوْ إلى غَيْرِهِ إنْ فارَقَها، وقِيلَ لِأنَّها ثابَتْ إلى بَيْتِ أبَوَيْها، وهَذا أصَحُّ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ثَيِّبٍ تَعُودُ إلى زَوْجٍ.

وَأمّا البِكْرُ فَهي العَذْراءُ سُمِّيَتْ بِكْرًا لِأنَّها عَلى أوَّلِ حالَتِها الَّتِي خُلِقَتْ بِها.

قالَ الكَلْبِيُّ: أرادَ بِالثَّيِّبِ مِثْلَ آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، والبِكْرِ مِثْلَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.

رَوى خِداشٌ عَنْ حَمِيدٍ عَنْ أنَسٍ «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إبْراهِيمَ مُصَلّى، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ يَدْخُلُ إلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ حَجَبْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ، وبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ [فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ]: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ حَتّى دَخَلْتُ عَلى إحْدى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ فَقالَتْ: يا عُمَرُ أما في رَسُولِ اللَّهِ ما يَعِظُ نِساءَهُ حَتّى تَعِظَهُنَّ أنْتَ، فَأمْسَكْتُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ ﴾ الآيَةَ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه «عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة أن أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير، فدخل إلى إحداهما، فقالت ذلك له، فقال: لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود فنزلت ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى ﴿ أن تتوبا إلى الله ﴾ لعائشة وحفصة ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ لقوله: بل شربت عسلاً» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت: إني أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت: إني أجد منك ريحاً، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه» فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد عن عبدالله بن رافع قال: سألت أم سلمة عن هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ قالت: كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبسه، فقالت له عائشة: نحلها تجرش عرفطاً فحرمها، فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عبدالله بن عتيبة أنه سئل أي شيء حرم النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: عكة من عسل.

وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج الترمذي والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ الآية، في سريته.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: من المرأتان اللتان تظاهرتا؟

قال: عائشة وحفصة، وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله لقد جئت إليَّ شيئاً ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي داري وعلى فراشي فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟

قالت: بلى فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة رضي الله عنها فأظهره الله عليه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عنها فأظهر الله يمينه وأصاب جاريته» .

وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك ﴾ قال: حرم سريته.

وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت عائشة وحفصة متحابتين، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم جاريته، ودخلت حفصة، فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأرضينك وإني مسر إليك سراً فاحفظيه» قالت: ما هو؟

قال: «إني أشهدك أن سريتي هذه عليّ حرام رضاً فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته، فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الله النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذكر عند عمر بن الخطاب ﴿ يا أيها النبي، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ﴾ قال: إنما كان ذلك في حفصة.

وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب قالت عائشة رضي الله عنها: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها يوماً، فوجد خلوة فأصابها، فحملت بإبراهيم، قالت عائشة: فلما استبان حملها فزعت من ذلك، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولدت، فلم يكن لأمه لبن فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي، فصلح عليه جسمه وحسن لحمه وصفا لونه، فجاء به يوماً يحمله على عنقه، فقال يا عائشة كيف تري الشبه؟

فقلت: أنا غيري ما أدري شبهاً، فقال: ولا باللحم؟

فقلت: لعمري لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال: فجزعت عائشة رضي الله عنها وحفصة من ذلك فعاتبته حفصة، فحرمها وأسر إليها سراً فأفشته إلى عائشة رضي الله عنها، فنزلت آية التحريم، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: وجدت حفصة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده مارية أم إبراهيم، فحرم أم ولده لحفصة رضي الله عنها، وأمرها أن تكتم ذلك، فأسرته إلى عائشة رضي الله عنها، فذلك قوله تعالى: ﴿ وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً ﴾ فأمره الله بكفارة يمينه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ الآية، قال: كان حرم فتاته القبطية أم إبراهيم عليه السلام في يوم حفصة، وأسر ذلك إليها، فأطلعت عليه عائشة رضي الله عنها، وكانتا تظاهرتا على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فأحل الله له ما حرم على نفسه، وأمره أن يكفر عن يمينه، فقال: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الشعبي وقتادة رضي الله عنهما ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ قال: حرم جاريته، قال الشعبي: وحلف يميناً مع التحريم، فعاتبه الله في التحريم، وجعل له كفارة اليمين، وقال قتادة: حرمها فكانت يميناً.

وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أم إبراهيم، فقال: هي عليّ حرام، فقال: والله لا أقربها، فنزلت ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ » .

وأخرج ابن سعد عن مسروق والشعبي قالا: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وحرمها، فأنزل الله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ وأنزل ﴿ لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ .

وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة: لا تحدثي أحداً وإن أم إبراهيم عليَّ حرام، فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟

قال: فوالله لا أقربها، فلم يقربها نفسه حتى أخبرت عائشة فأنزل الله: ﴿ قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ » .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مسروق «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته، وقال: هي عليَّ حرام، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك «أن حفصة زارت أباها ذات يوم، وكان يومها، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدها في المنزل، فأرسل إلى أمته مارية، فأصاب منها في بيت حفصة، وجاءت حفصة على تلك الحال، فقالت يا رسول الله: أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟

قال: فإنها عليّ حرام ولا تخبري بذلك أحداً، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها بذلك فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ إلى قوله: ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه، ويراجع أمته» .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه، فقالت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟

قال: فإنها عليَّ حرام أن أمسها، واكتمي هذا عليَّ، فخرجت حتى أتت عائشة، فقالت: ألا أبشرك؟

قالت: بماذا؟

قالت: وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فقلت: يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟

فكان أوّل السر أنه أحرمها على نفسه، ثم قال لي: يا حفصة ألا أَبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده، وأن أبي يليه بعد أبيك، وقد استكتمني ذلك فاكتميه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ﴾ إلى قوله: ﴿ غفور رحيم ﴾ أي لما كان منك إلى قوله: ﴿ وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه ﴾ يعني حفصة ﴿ حديثاً فلما نبأت به ﴾ يعني عائشة ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ أي بالقرآن ﴿ عرف بعضه ﴾ عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية ﴿ وأعرض عن بعض ﴾ عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر، فلم يُبْدِه ﴿ فلما نبأها به ﴾ إلى قوله: ﴿ الخبير ﴾ ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال: ﴿ إن تتوبا إلى الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ثيبات وأبكاراً ﴾ فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام، ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿ سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا  ﴾ (١) (٢) وذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ  ﴾ ، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ وقوله: ﴿ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ أي تحليلها بالكفارة.

و ﴿ تَحِلَّةَ ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت (٣) أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية.

والآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل.

وهذا هو الأكثر في الاستعمال (٤) (٥) (٦) أرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ...

بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم وذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي -  - حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين.

قال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: 89].

والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين (٧) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال المقاتلان: أمر الله نبيه -  - أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة (١٣) قال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله (١٤) قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾ ، أي: وليكم وناصركم، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بخلقه، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ فيما فرض من حكمه.

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 43.

(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 472.

(٣) "سر صناعة الإعراب" 2/ 762: حيث أدغمت اللام في اللام.

(٤) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.

(٥) متفق عليه، و"صحح البخاري"، كتاب: الأيمان، باب قوله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ 8/ 167، و"صحيح مسلم"، كتاب: الأدب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/ 2028، ولفظه: "يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم".

(٦) ورد البيت في "اللسان" 1/ 705 (حلل) ولم ينسبه.

(٧) وهو قول قتادة، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، والضحاك، وغيرهم.

انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"زاد المسير" 8/ 307، و"الدر" 6/ 240.

(٨) أخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: (إذا حرم امرأته ليس بشيء).

وقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ كتاب الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 56، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ﴾ ، ولفظه: (في الحرام يكفر) 6/ 194.

== قال ابن حجر في "الفتح" 9/ 376، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: (إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)، فعرف أن المراد بقوله: (ليس بشيء)، أي: ليس بطلاق.

وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.

(٩) وبه قال عامة أهل العلم.

انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 465، و"المغني" 10/ 61، و"فتح الباري" 9/ 371.

(١٠) قال النووي: فيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين.

"شرح النووي على مسلم" 10/ 73، وقال ابن قدامة في "المغني" 10/ 396: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام وأطلق فهو ظهار.

وقال الشافعي: لا شيء عليه.

وله قول آخر عليه كفارة يمين، وليس بيمين.

(١١) وهو مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور، وفي المسألة أربعة عشر مذهبًا كما حكاه القاضي عياض، وبلغت عند القرطبي ثمانية عشر، وزاد غيره عليها.

انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 74، و"فتح الباري" 9/ 372.

وقال الألوسي: وهي في هذه المسألة كثيرة جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضًا.

"روح المعاني" 28/ 149.

(١٢) ورد في رواية البخاري في بلفظ: (وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا).

قال ابن== حجر: واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: (حلفت)، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم.

وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده.

"فتح الباري" 9/ 378.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، وهو قول زيد بن أسلم وغيره.

انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 185.

(١٤) انظر: "معاني القرآن" 5/ 192.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ التحلة هي الكفارة وأحال تعالى هنا على ما ذكر في سورة [المائدة: 89] من صفتها، واختلف في المراد بها هنا فأما على قول من قال: إن الآية نزلت في تحريم الجارية فاختلف في ذلك.

فمن قال إن التحريم يلزم فيه كفارة يمين استدل بها، ومن قال: إن التحريم يلزم فيه طلاق قال: إن الكفارة هنا إنما هي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف وقال: والله لا أطؤها أبداً.

وأما على القول بأن الآية نزلت في تحريم العسل فاختلف أيضاً؛ فمن أوجب في تحريم الطعام كفارة قال: هذه الكفارة للتحريم ومن قال: لا كفارة فيه: قال: إنما هي الكفارة لأنه حلف ألا يشربه، وقيل: هي في يمينه عليه السلام أن لا يدخل على نسائه شهراً ﴿ والله مَوْلاَكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المولى بمعنى الناصر أو بمعنى السيد الأعظم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ عرف ﴾ بالتخفيف: عليّ ﴿ تظاهرا ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يبدله ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ نصوحاً ﴾ بضم النون: يحيى وحماد ﴿ وكتبه ﴾ على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الوقوف ﴿ لك ﴾ ج لاحتمال أن الجملة بعده حال أو استفهامية بحذف الحرف وهذا أحسن، لأن تحريم الحلال بغير ابتغاء مرضاتهن أيضاً غير جائز ﴿ أزواجك ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أيمانكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ مولاكم ﴾ ط للابتداء بذكر ما لم يزل من الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ حديثاً ﴾ ج ﴿ عن بعض ﴾ ج ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ قلوبكما ﴾ ج ﴿ المؤمنين ﴾ ه لتناهي الشرط إلى الإخبار ﴿ ظهير ﴾ ه ﴿ وأبكاراً ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ نصوحاً ﴾ ط ﴿ الأنهار ﴾ لا بناء على أن الظرف يتعلق بقوله ﴿ ويدخلكم ﴾ وج لاحتمال أن ﴿ يوم ﴾ متعلق بقوله ﴿ يسعى ﴾ بعد ﴿ واغفر لنا ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال اللام ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ط لابتداء الحكاية ﴿ الداخلين ﴾ ه ﴿ فرعون ﴾ ج لئلا يتوهم أن الظرف متعلق بـ ﴿ ضرب ﴾ بل التقدير " اذكروا " ﴿ الظالمين ﴾ ه لأن ما بعده معطوف على امرأة فرعون ﴿ القانتين ﴾ ه.

التفسير: كان النبي  يأتي زينب بنت جحش فيشرب عندها العسل، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنما نشم منك ريح المغافير.

والمغفور والمغثور شيء واحد ينضحه العرفط والرمث مثل الصمغ وهو حلو كالعسل ويؤكل وله ريح كريهة.

وكان النبي  يكره التفل فحرم لقولهما على نفسه العسل.

الثاني أنه ما أحل الله له من ملك اليمين.

وههنا روايتان: الأولى "أنه  خلا بمارية القبطية في يوم عائشة وعلمت بذلك حفصة فقال لها: اكتمي عليّ وقد حرمت مارية على نفسي وأبشرك أن أبا بكر وعمر يملكان بعدي أمر أمتي" ، فأخبرت به عائشة وكانتا متصادقتين.

الثانية أنه خلا بمارية في يوم حفصة فأرضاها بذلك واستكتمها فلم تكتم فطلقها واعتزل نساءه ومكث تسعاً وعشرين ليلة في بيت مارية فقال عمر لابنته: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك.

فنزل جبريل  وقال: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها لمن نسائك في الجنة.

قال جمع من العلماء: لم يثبت عن رسول الله  تحريم حلال بأن يقول: هو عليّ حرام ولكنه كان يميناً كقوله " والله لا أشرب العسل ولا أقرب الجارية بعد اليوم" فقيل له: لم تحرم أي لم تمتنع منه بسبب اليمين يعني أقدم على ما حلفت عليه وكفر عن يمينك ﴿ والله غفور ﴾ لك ﴿ رحيم ﴾ بك والدليل عليه ظاهر.

قوله ﴿ قد فرض الله لكم تحلة ﴾ بمعنى التحليل كالتكرمة ﴿ أيمانكم ﴾ أي شرع لكم تحليلها بالكفارة.

وقيل: قد شرع الله لكم الاستثناء في أيمانكم من قولك حلل فلان في يمينه إذا استثنى فيها وذلك أن يقول: إن شاء الله عقبها حتى لا يحنث.

والتحلة تفعلة بمعنى التحليل كالتكرمة بمعنى التكريم.

عن الحسن أنه  لم يكفر عن يمينه لأنه كان مغفوراً له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وإنما هو تعليم للمؤمنين.

وعن مقاتل أنه أعتق رقبة في تحريم مارية.

وما حكم تحريم الحلال؟

قال أبو حنيفة: هو يمين على الامتناع من الانتفاع المقصود، فلو حرم طعاماً فهو يمين على الامتناع من أكله، أو أمه فعلى الامتناع من وطئها، أو زوجة فمحمول على ما نوى، فإن نوى الظهار فظهار، أو الطلاق فطلاق بائن، وإن لم ينو شيئاً فعلى الإيلاء، وإن قال: كل حلال عليه حرام فعلى الطعام والشراب إذا لم ينو وإلا فعلى ما نوى.

وعن أبي بكر وعمر وابن عباس وابن مسعود وزيد أن الحرام يمين.

وقال الشافعي: هو في النساء من صرائح ألفاظ الطلاق.

وعن عمر: إذا نوى الطلاق فرجعي.

وعن علي رضي الله عنه: ثلاث.

وعن عثمان: ظهار.

وعن مسروق والشعبي أنه ليس بشيء فما لم يحرمه الله ليس لأحد أن يحرمه ﴿ والله مولاكم ﴾ متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم ﴿ وهو العليم ﴾ بما يصلحكم ﴿ الحكيم ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿ و ﴾ اذكر ﴿ إذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه ﴾ وهي حفصة ﴿ حديثاً ﴾ هو حديث مارية وإمامة الشيخين ﴿ فلما نبأت به ﴾ حفصة عائشة ﴿ وأظهره الله ﴾ على نبيه أي أطلعه على إفشائه على لسان جبريل.

وقيل: أظهر الله الحديث على النبي فيكون من الظهور ﴿ عرف بعضه ﴾ أعلم ببعض الحديث.

ومن قرأ بالتخفيف من العرفان فمعناه المجازاة من قولك للمسيء " لأعرفنّ لك ذلك" وكان جزاؤه تطليقه إياها.

وقيل: المعرف حديث الإمامة والمعرض عنه حديث مارية.

وإنما أعرض عن البعض تكرماً.

قال سفيان: ما زال التغافل من فعل الكرام.

وروي أنه قال لها: ألم أقل لك اكتمي عليّ؟

قالت: والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحاً بالكرامة التي خص الله بها أبي.

وإنما ترك المفعول ولم يقل " فلما نبأت به بعضهنّ وعرفها بعضه لأن ذلك ليس بمقصود وإنما الغرض ذكر جناية حفصة في وجود الإنباء به"، وأن رسول الله  بكرمه وحلمه لم يوجد منه إلا الإعلام بالبعض وهو حديث الإمامة.

ولما كان المقصود في قوله ﴿ من أنبأك هذا ﴾ ذكر المنبأ به أتى بالمفعولين جميعاً.

ثم وبخ عائشة وحفصة على طريقة الالتفات قائلاً ﴿ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ﴾ أي فقد وجد منكما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن إخلاص رسول الله  من حب ما يحبه وبغض ما يكرهه والأصل قلباكما.

ووجه الجمع ما مر في قوله ﴿ فاقطعوا أيديهما  ﴾ ﴿ وإن تظاهرا ﴾ أي تعاونا على ما يوجب غيظه فلم يعدم هو من يظاهره كيف والله ﴿ مولاه ﴾ أي ناصره ﴿ وجبريل ﴾ خاصة من بين الملائكة ﴿ وصالح المؤمنين ﴾ قال أكثر العلماء: هو واحد في معنى الجمع لأنه أريد الجنس لشمول كل من آمن وعمل صالحاً.

وجوز أن يكون جمعاً وقد أسقط الواو في الخط لسقوطه في اللفظ.

عن سعيد بن جبير: هو كل من برىء من النفاق.

وقيل: الأنبياء والصحابة والخلفاء.

﴿ والملائكة ﴾ على كثرة جموعهم ﴿ بعد ذلك ﴾ الذي عرف من نصرة المذكورين ﴿ ظهير ﴾ فوج مظاهر له كأنهم يد واحدة فأي وزن لاتفاق امرأتين بعد تظاهر هؤلاء على ضد مطلوبهما.

ولا يخفى أن الكلام مسوق للمبالغة في الظاهر وإلا فكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.

ثم وبخهما بنوع آخر وهو قوله ﴿ عسى ربه إن طلقكنّ ﴾ الآية.

والسائحات الصائمات كما في آخر التوبة.

قال جار الله: شبه الصائم في إمساكه إلى أن يجيء وقت إفطاره بالسائح الذي لا زاد معه فلا يزال ممسكاً إلى أن يجد من يطعمه.

وقيل: السائحات المهاجرات فانظر في شؤم العصيان فإن أمهات المؤمنين وهنّ خير نساء العالمين يصير غيرهن بفرض عدم العصيان خيراً منهن بفرض العصيان وتطليق الرسول إياهن.

وقد عرفت في النظائر أن الواو في قوله ﴿ وأبكاراً ﴾ يقال لها " واو الثمانية " إلا أن للواو في هذا المقام فائدة أخرى وهي أن وصفي الثيابة والبكارة متنافيان لا يكون إلا أحدهما بخلاف الصفات المتقدمة فإنها ممكنة الاجتماع، فالمراد أن أولئك النساء جامعات للأوصاف المتقدمة ولأحد هذين.

ثم عمم التحذير فقال ﴿ قوا أنفسكم ﴾ وهو أمر من الوقاية في الحديث " "رحم الله رجلاً قال يا أهلاه صلاتكم وصيامكم وزكاتكم مسكينكم ويتيمكم جيرانكم لعل الله يجمعهم معه في الجنة " وتفسير قوله ﴿ وقودها الناس والحجارة ﴾ قد مر في أول " البقرة ".

وكونها معدّة للكافرين لا ينافي تعذيب المؤمنين الفسقة بها إن استحقوها.

وجوز أن يكون أمراً بالتوقي من الارتداد وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم ﴿ عليها ملائكة ﴾ أي موكل على أهلها الزبانية التسعة عشر الموصوفون بالغلظة والشدة في الإجرام أو في الأفعال أو فيهما لأنه لا تأخذهم رأفة بمن عصى الله.

وقوله ﴿ ما أمرهم ﴾ نصب على البدل أي لا يعصون أمر الله.ولا يخفى أن عدم العصيان يستلزم امتثال الأمر فصرح بما عرف ضمناً قائلاً ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ ويجوز أن يكون الأوّل عائداً إلى الماضي والثاني إلى المستقبل.

ثم وعظ المؤمنين بما يقال للكافرين عند دخولهم النار وهو قوله ﴿ لا تعتذروا ﴾ لأنه لا عذر لكم أو لا عذر مقبولاً لكم، وليس هذا من قبيل الظلم ولكنه جزاء أعمالهم.

ثم أرشد المؤمنين إلى طريق التوبة، ووصفت بالنصوح على الإسناد المجازي لأن النصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة لا يكون فيها شوب رياء ولا نفاق.

وقيل: هو من نصاحة الثوب أي توبة ترفأ خروقك في دينك.

وقيل: خالصة عسل ناصح إذا خلص من الشمع.

وقيل: توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها.

و ﴿ عسى ﴾ من الكريم إطماع ولئلا يتكلوا.

قوله ﴿ لا يخزي ﴾ تعريض لمن أخزاهم من أهل النار ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته  ﴾ كأنه استحمد المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم.

قوله ﴿ نورهم يسعى ﴾ قد مرّ في الحديد قوله ﴿ يقولون ربنا أتمم لنا نورنا ﴾ أي قائلين ذلك إذا طفىء نور المنافقين خوفاً من زواله على عادة البشرية، أو لأن الإخلاص والنفاق من صفة الباطن لا يعرفه إلا الله  على أنه يجوز أن يدعو المؤمن بما هو حاصل له مثل اهدنا، ويجوز أن يدعو به من هو أدنى منزلة لأن النور على قدر الأعمال فيسألون إتمامه تفضلاً لا مجازاة لانقطاع التكليف والعمل يومئذ.

ثم أمر نبيه  بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين بالحجة أو بإقامة الحدود عليهم، وأمر باستعمال الغلظة والخشونة على الفريقين هذا عذابهم في الدنيا ولهم في الآخرة جهنم وقد سبق نظير الآية في " التوبة ".

ثم ضرب مثلاً لأهل الكفر امرأة نوح واسمها قيل واعلة وامرأة لوط.

واسمها قيل واهلة ومثلاً لأهل الإيمان امرأة فرعون واسمها آسية وهي عمة موسى ومريم ابنة عمران.

وفي ضمن التمثيلين تعريض بما مرّ في أول السورة من حال عائشة وحفصة وإشارة إلى أن من حقهما أن يكونا في الإخلاص كهاتين المؤمنتين لا الكافرتين اللتين حين خانتا زوجيهما لم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً، وقيل لهما عند موتهما أو يوم القيامة ﴿ ادخلا النار مع ﴾ سائر ﴿ الداخلين ﴾ الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء من قوم نوح وقوم لوط أو من كل قوم.

وفي قوله ﴿ عبدين من عبادنا ﴾ إشارة إلى أن سبب المزية والرجحان عند الله ليس إلا الصلاح كائناً من كان.

وخيانة المرأتين ليست هي الفجور وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر وتظاهرهما على الرسولين.

فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه.

قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط.

عن أبى هريرة أن آسية حين آمنت بموسى  وتدها فرعون باربعة أوتاد واستقبل بها الشمس وأضجعها على ظهرها ووضع الرحى على صدرها.

قال الحسن: فنجاها الله أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها.

وقيل: لما ﴿ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ﴾ بنى من درّة.

ومعنى ﴿ عندك بيتاً في الجنة ﴾ أنها طلبت القرب من الله والبعد عن عدوّه في مقام القرب، أو أرادت أعلى موضع في الجنة.

وقولها ﴿ من فرعون وعمله ﴾ كقولك " أعجبني زيد وكرمه " وفيه دليل على أن الاستعاذة بالله من الأشرار دأب الصالحين.

والضمير في ﴿ فيه ﴾ للفرج.

وقيل: هو جيب الدرع وقد مرّ في " الأنبياء".

وكلمات الله صحف إبراهيم وغيره أو جميع ما كلم الله به وكتبه اللوح أو الكتب الأربعة ومن وحد فهو الإنجيل.

وقرىء ﴿ بكلمة الله ﴾ أي بعيسى ﴿ وكانت من القانتين ﴾ من باب التغليب كما مرّ في قوله ﴿ واركعي مع الراكعين  ﴾ وقيل: " من " للابتداء أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ .

هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله  ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكراً، ولو اعتقد ذلك كان كفرا منه؛ إذ من حرم ما أحل الله  كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله  هذا، فهو كافر.

وقال أبو بكر الأصم: دلت هذه الآية على أن ليس لأحد أن يحرم ما أحله الله  ؛ لأن الله  منع رسوله عن ذلك.

لكن الأمر عندنا ليس على ما ظنه أبو بكر، ولا على ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله  حرم شيئاً أحله الله  ، ومن توهم هذا في رسول الله  ، فقد حكم على رسول الله  بالكفر.

وتأويله عندنا - والله أعلم -: على وجهين: أحدهما: أن تحريم ما أحل  هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم فيما حرم الله  مطلقاً، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله  لم يعتقد تحريم ما أحل الله  ؛ إذ لم ير جماعها عليه محرما، بل امتنع عن الانتفاع بها باليمين، والحرمة التي ثبتت بسبب اليمين، لم تكن من فعل الآدمي، وإن ثبتت بمباشرة السبب منه؛ كالتحريم بالطلاق وبغيره من الأسباب، وإنما تثبت من الله  عقيب مباشرة الأسباب من العباد، كسائر الأحكام، كيف وأنه باليمين لا تثبت حرمة نفس الفعل، وإنما المحرم ترك تعظيم الله  الواجب بسبب اليمين، وهذا لا يعد تحريم الحلال وتحليل الحرام.

أو أريد بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك؛ وهو كقوله  : ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ، ولم يرد به تحريم عينه، ولا التحريم الشرعي؛ إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، [فعلى ذلك] هاهنا، والله أعلم.

والثاني: أن رسول الله  كان ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة [بهن، فبلغ] في حسن [العشرة والصحبة] معهن مبلغا امتنع عن الانتفاع بما أحل الله له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن، فقال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك؛ فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله  في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة؛ وهو كقوله  : ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ تخفيفاً للأمر عليه، وكذلك قال: ﴿ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ليس في الحقيقة نهياً عن السخاء على النهاية، لكن تخفيفاً للأمر عليه: أن ليس عليك الإسراف في السخاء والنهاية في ذلك؛ بحيث لم تُبق لنفسك وعيالك شيئاً وتؤثر غيرك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ خارج مخرج تخفيف المؤنة عليه في حسن العشرة، لا مخرج النهي، والله أعلم.

ثم اختلف أهل التأويل في سبب التحريم: فمنهم من ذكر "أن حفصة -  ا - زارت أهلها، والنبي -  - في بيت حفصة، فجاءت أم إبراهيم مارية القبطية حتى دخلت على رسول الله  فواقعها، فجاءت حفصة، وهما نائمان فرجعت إلى بيت أهلها، فمكثت عامة الليل ...

القصة، وقالت حفصة في آخر هذا الخبر: ما رأيت لي حرمة، وما عرفت لي حقّاً، فقال لها النبي -  -: اكتمي عليَّ، وهي علَيَّ حرام" ، فنزلت هذه الآية.

ومنهم من يذكر: أن ذلك اليوم كان يوم عائشة -  ا - فاطلعت حفصة على رسول الله  وجاريته مارية، فأمرها رسول الله  أن تكتم عليه، فأخبرت حفصةُ بما رأت عائشةَ -  ا - فغضبت عائشة، فلم تزل بنبي الله حتى حرمها، [فأنزل الله  ] هذه الآية.

وقال عكرمة: نزلت الآية في امرأة يقال لها: أم شريك وهبت نفسها للنبي  ؛ فلم يقبلها النبي -  - طلبا مرضاة أزواجه؛ فنزلت الآية، والله أعلم.

ومنهم من قال: إن الذي حرمه النبي  كان عسلا، كان رسول الله -  - شربه عند بعض نسائه، فقالت امرأة من نسائه لصاحبتها: إذا جاءك النبي  فقولي له: ما ريح المغافير فيك؟

فقالت للنبي؛ فحرمه النبي -  - فنزلت هذه الآية.

وليس لنا إلى تعرف السبب الذي وقع التحريم به، ولا إلى تعيين الشيء الذي حرمه النبي -  - حاجة، ولكنا نعلم أن الأمر الذي كان فهو جرى بينه وبين زوجاته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

أي: غفور لما تقدم من ذنبك وما تأخر لو كان.

أو يكون رحيما؛ حيث لم يعاقبك بما اجترأت من الإقدام على اليمين؛ لا بإذن سبق من الله  لك فيه.

أو غفور رحيم عليك وعلى زوجتيك إن تابتا ولم تعودا إلى صنيعهما.

أو غفور رحيم بما خفف عليك من مؤنة العشرة، ولم يحمل عليك ما حملت على نفسك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ .

فمنهم من يحمل هذا على ابتداء الخطاب، ويصرف المراد إلى غير رسول الله  ؛ لأن رسول الله  [قد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر]؛ بحكم وعد الله -  - فلم يكن يحتاج إلى التكفير؛ لإزالة المأثم.

ولكن نحن نقول: إن رسول الله  وإن كان هذا محله، فهو وأمته في أحكام الشرائع مأخوذون، ويكون على هذا مغفرة زلاته: ما تقدم وما تأخر بمباشرة أسبابها من التوبة والكفارة، ونحو ذلك؛ فيكون قوله  : ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ منصرفا إلى النبي -  - وأمته.

ثم يجوز أن يكون رسول الله  قصد إلى التحريم أعني: منع نفسه عن الانتفاع بها مع اعتقاد الحل لا إلى اليمين؛ فجعل الله  ذلك منه يمينا؛ فيكون فيه دلالة على أن التحريم يمين؛ ولهذا قال أصحابنا - رحمهم الله -: إن من قال لامرأته: "أنت عليَّ حرام"، ولا نية له، فهو يمين.

وجائز أن يكون أفصح بالحلف؛ فكنى عنه باليمين.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ على قراءة العامة، وفي بعض القراءات: ﴿ قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم ﴾ .

ووجه الفرض فيه: أن الأمم من قبل، لم تكن يؤذن لهم بالحنث في اليمين، ولا أن يحلوا منها بالكفارة، ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ  ﴾ ، فلم يأذن له بالحنث وأباح له الضرب، ثم أباح لهذه الأمة حل اليمين بالحنث والكفارة، فنسب الحل إلى الكفارة، ومرة إلى انحلالها بنفسها من جهة الحنث.

ثم قوله: ﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: وسع عليكم، وأحل لكم تحلة اليمين؛ ففي هذا أن كل ما ذكر فيه (كتب لكم)، أو: (فرض لكم)، فهو في موضع الإباحة والتوسيع، وما ذكر فيه ﴿ عَلَيْكُمُ ﴾ فهو على الإيجاب والإلزام؛ قال الله  : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، وذلك كله في موضع الوجوب، وقال الله  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ  ﴾ معناه: أباح لكم الدخول فيها.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ .

أي: أولى بكم فيما امتحنكم من الكفارة وغيرها.

أو ﴿ وَٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ ، أي: أولى بكم في نصركم والدفع عنكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

أي: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بمصالحكم أو مقاصدكم، أو بما تسرون وما تعلنون، أو بما كان ويكون، ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، أو حكيم بما حكم عليكم من تحلة الأيمان، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ إلزام المراقبة والمحافظة، ودعاء [إلى التبصر] والتيقظ في كل ما يتعاطاه المرء من الأفعال، ويأتي به من الأقوال.

وفي قوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ دعاء إلى التسليم بحكم الله  ؛ إذ الحكيم لا يحكم على أحد إلا بما فيه حكمة وفائدة؛ فلزمه تسليم النفس لحكمه على وجه الحكمة فيه أو جهله.

ثم الأصل بعد هذا: أن رسول الله  أبيح له نكاح التسع، وأمر بأن يحسن صحبتهن ويبتغي مرضاتهن، والمرء يعسر عليه صحبة الأربع بحسن العشرة، ويتعذر عليه القسم والقيام بمرضاتهن جميعاً، فكيف إذا امتحن بصحبة التسع؟!

فكانت المحنة على رسول الله  في أمر النساء أعسر منه على غيره، وأمر مع هذا أيضاً بمعاملة الخلق مع اختلاف هممهم وأطوارهم بأحسن المعاملة، ولكن الله  لما امتحنه بما ذكرنا آتاه من الأخلاق الحميدة والشمائل المرضية ما خف بها عليه هذه المحنة، وسهل عليه المعاملة مع الجملة، وآتاه من القوة ما ملك بها حفظ حقوقهن وإرضاء جملتهن، حتى بلغ في حسن العشرة وابتغاء المرضاة ما عوتب عليه، وبلغ من جهده في الإسلام إلى أن قيل: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  ﴾ ، وبلغ في الشفقة والرحمة على الأمة إلى أن قيل له: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ ، وكان من عظيم خلقه ما جاوز خلقه قوة نفسه، فكادت نفسه تهلك فيه.

ثم في قيامه -  - بما يوفي حقوق التسع ويرضيهن دلالةُ نبوته ورسالته؛ لأن الناس إنما يقوون على الجماع بما يصيبون من فضل الأطعمة والأغذية، ثم هو مع أصابتهم فضول الأطعمة والأشياء اللذيذة يفْتُرون عن إيفاء [حقوق الأربع]، وقد كان رسول الله  آثر الزهدَ في الدنيا، وقلت رغبته في مطاعمها ومشاربها، وكان مع ذلك يفي بحقوقهن، فعلم بهذا أنه إنما وصل إلى ما ذكرنا بما قواه الله -  - عليه وأقدره، لا بالحيل والأسباب، ثم أزواج رسول الله  امتُحِنَّ بالقيام بوفاء حق رسول الله  ، وأن ينظرن إليه بعين التبجيل والتعظيم، فكانت المحنة عليهن أشد من المحنة على غيرهن من النساء مع أزواجهن؛ لأن المرأة قلما تسلم عن رفع أصواتها على صوت زوجها، إذا لم يكن له امرأة سواها، فكيف إذا كانت معها أخرى، ثم هن لو رفعن أصواتهن على صوت رسول الله  أوجب ذلك إحباط عملهن؛ على ما قال  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فلا يجوز أن يمتحن بهذه الكلفة الشديدة والمحنة العظيمة إلا بما شرح الله  صدورهن ويفسح قلوبهن؛ لاحتمال ذلك.

ثم المحنة علينا بعد هذا أشد من المحنتين اللتين ذكرناهما؛ لأنا امتحنا بمعرفة ما ضمنته هذه الآية والاعتقاد بذلك وهي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ فالذي علينا من المحنة أن نصرف الأمر إلى وجه لا يلحق رسول الله  به ثم بنقص؛ فيسلم من المؤاخذة؛ فجائز أن يصرف إلى ما ذكرنا من تخفيف الأمر على رسول الله  فتكون الآية في موضع تخفيف الأمر عليه ليس في موضع النهي، وإن خرجت مخرج النهي في الظاهر.

وجائز أن يكون العتاب؛ لمكان مارية، إن كانت [قصة التحريم] من أجلها؛ لأن رسول الله  لما أذن له بإمساك مارية، ولم يندب إلى تزويجها لتصل إلى قضاء شهوتها من قبل الأزواج، فإنما تتوصل إلى قضاء شهوتها برسول الله  ، ثم هو بتحريمها على نفسه لم يمنع عنها الحق، إذ الأمة لا حظ لها في القسم؛ فيلحقه العتاب من هذه الجهة، ولكن لما كان لها فيه مطمع، وهو بالتحريم قطع طمعها، فقيل له: ﴿ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ﴾ قضاء تلك الشهوة، أي: لم تمنع نفسك عن قضاء شهوة أباحها الله  لها، فيكون في العتاب دعاء له إلى [أن يعمل] بأحد الوجهين: أحدهما: وهو أن يوصلها إلى ما طمعت منه لا أن يقطع طمعها عنه، وإن لم يكن لها فيما طمعت حق، والله أعلم.

والمحنة الثانية علينا: ألا ننسب إلى أزواج رسول الله  ما تكره أنفسنا نسبة مثله إلى الأمهات؛ لأن لأزواجه علينا حق الأمهات، فإن أمكنا أن نخرج من أمرهن وجهاً يسلم عن تنقصهن فعلنا، وإلا أمسكنا عن ذكره؛ خشية التنقص، وترك التبجيل والتعظيم؛ ألا ترى إلى قول الله  : ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً  ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مؤمن ألا يظن بأزواج رسول الله  ورضي عنهن إلا خيراً، وألا ينظر إليهن إلا بعين التعظيم، وقال أيضاً: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، وإذا كان هذا حقهن علينا فلا يجب أن نذكر زلتهن كانت كيت وكيت؛ لما يتوهم أن يكون زلتهن دون الذي خطر على بالنا فنكون قد أعظمنا القول فيهن؛ فيصيبنا من ذلك عذاب عظيم؛ كما قال: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

ولقائل أن يقول في قوله: ﴿ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  ﴾ : من أي وجه صار بهتانا عظيما، ونساء رسول الله  لم يكن معصومات، بل كان يتوهم منهن الصنع الذي رمين به؟!

فجوابه: أن أزواجه كن بالمحل الذي إذا ابتلين بزلة: سرّاً، أو جهراً أطلع الله  ذلك نبيه -  - ألا ترى أن إحداهن لما أفشت سر رسول الله  إلى أخرى أطلع الله -  - نبيه على ذلك، فإذا كان لا يستر عليهن هذا القدر من الزلة، فكيف يستر عليهن فعل الزنى منهن؟!

ولو وجد من التي رميت فعل الزنى، لكان يسبق الاطلاع من الله  لرسوله -  - قبل أن يجري به التحدث على ألسن الخلق، فإذا لم يسبق أوجب ذلك المعنى براءة ساحتها عما رميت به، وصار الرامي لها به قائلا بالبهتان والزور.

وفي هذه الآية دلالة جواز العمل بالاجتهاد لرسول الله  لا بإذن سبق من الله  ؛ إذ لو كان الإذن سابقاً، لما عوتب عليه؛ لما ذكرنا: أنه لم يعاتب لزلة ارتكبها حتى يكون فيه منع عن العمل بالاجتهاد، وإنما عوتب لمكان ما حمل على نفسه من فضل المؤنة في العشرة.

ثم الأصل: أن الإماء لا حظ لهن في القسم، ولسن لهن من الأيام ما يكون مثله للحرائر حتى كان يقسم لها فيؤدي فيه حقها، وقد أذن له في إمساكها وألا يزوجها؛ فلا يجوز ألا يؤمر بتزويجها، ثم هو لا يسكن شهوتها، ثم هو إنما يصل إلى قضاء وطرها وتسكين شهوتها في يوم ذلك اليومُ لزوجة من زوجاته، فجائز أن يكون الله  أكرمه أن يسكن شهوتها ويأتيها من حيث لا يعلم أزواجه بذلك، ثم أطلع بعض نسائه على فعله ليعلمن أن المحنة عليهن بعد العلم وقبل العلم واحدة، وأن عليهن أن يعظمن رسول الله  ، وألا يحملهن الغيرة على الاستقبال له بالمكروه والنظر إليه بالتنقص؛ إذ لم يكن عليهن فيما يأتي تلك الأمة في أيامهن تقصير في حقهن؛ إذ كان رسول الله  أعطي من القوة في الجماع ما يطوف على جميع نسائه في ليلة واحدة.

وأما ما ذكر أن رسول الله  كان كف نفسه عن شرب العسل، فذلك يحتمل أيضاً، ولكن ما ذكر من تحريم مارية أمكن؛ لأنه لا يحتمل أن يكون لرسول الله  في شرب العسل من الرغبة ما يدخل على نسائه المكروه لأجله، وجائز أن يلحقهن في استمتاعه بأمته مكروه فيحملهن ذلك على ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ ﴾ أنه قد طلب منها إسرار ذلك الحديث الذي أسر إليها، وليس بنا حاجة إلى تعرف الحديث الذي أسر إليها.

وفيه دلالة: أن رسول الله  إنما علم بإفشائها سره إلى صاحبتها بالله  ، وهو قوله: ﴿ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ﴾ .

فقوله: [ ﴿ عَرَّفَ ﴾ ] قرئ بالتخفيف والتشديد، فمن قرأه بالتشديد، فهو على أن رسول الله  عرفها بعض ما أنبأت من القصة التي أسر إليها، ولم يعرفها البعض؛ لأنه لم يكن القصد من رسول الله  أن يخبرها بذلك النبأ الذي [أسر به] إليها، وإنما كان المقصود منه تنبيهها بما أظهرت من السر، وأفشت إلى صاحبتها؛ لتنزجر إلى المعاودة إلى مثله، والبعض من ذلك يعلمها ما يعلم الكل، فلم يكن إلى إظهار الكل حاجة.

وذكر في بعض الأخبار أن رسول الله  قال لها: "ألم أقل لك"؟!

وسكت عليه، وفي هذا آية لرسالته ومنعهن عن إسرار ما يحتشمن عن إبداء مثله لرسول الله  فإنهن إن فعلن ذلك، أظهر الله - عز وجل - لنبيه  ذلك؛ فيعلم ما يسرون.

ومن قرأه ﴿ عَرَفَ ﴾ بالتخفيف، فهو يحمله على الجزاء فيقول: ﴿ عَرَفَ بَعْضَهُ ﴾ أي: جزى عن بعض ما استوجبته بإفشاء السر، وأعرض عن بعض الجزاء؛ يقول الرجل لآخر: عرف حقي فعرفت له حقه، أو عرفت حقي فسأعرف حقك، أي: أقوم بجزاء ذلك، وذكر في الأخبار أن رسول الله  طلق حفصة تطليقة، ثم نزل جبريل -  - فقال له: راجعها؛ فإنها صوامة قوامة، وإنها لزوجتك في الجنة [؛ فجائز أن يكون] طلاقه إياها جزاء لبعض صنيعها.

ثم من الناس من يختار إحدى القراءتين على الأخرى، فيقرأ إحداهما ويرغب عن الأخرى، وذلك مما لا يحل؛ لأن الأمرين جميعاً قد وجدا، وهو الجزاء والتعريف، فجمع الله  الأمرين جميعاً في آية واحدة، وفصل بين الأمرين بالإعراب؛ فليس لأحد أن يؤثر إحدى القراءتين على الأخرى؛ وهذا كقوله  في قصة موسى -  - ﴿ لَقَدْ عَلِمْتُ ﴾ ، و ﴿ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقد علم موسى -  - وعلم فرعون اللعين، فقد كان الأمران جميعاً، فجمع الله  بين الأمرين جميعاً في آية واحدة؛ فلا يحل لأحد أن يقرأ بأحد الوجهين ويمتنع عن [الوجه] الآخر؛ فكذلك هذا في قوله  : ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ و ﴿ بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ ، فمن قرأه ﴿ باعِدْ بين أسفارنا ﴾ حمله على الدعاء، ومن قرأه ﴿ باعَدَ ﴾ حمله على الإخبار، وقد كان الأمران جميعاً: الدعاء والإخبار؛ فليس لأحد أن يؤثر أحدهما على الآخر، فعلى ذلك الحكم في قوله: [ ﴿ عَرَفَ بعضه ﴾ و ﴿ عَرَّفَ بَعْضَهُ ﴾ ]، والله أعلم.

وقد وصفنا تأويل قوله: ﴿ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ ﴾ فيهما ما يدعو الإنسان إلى المراقبة والتيقظ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

في هذه الآية دلالة أن الحديث الذي أفشي كان بين زوجتين؛ لأن قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ يدل على ذلك، فإنه كان أسر النبي -  - عند إحداهما، ومنعها أن تفشي إلى الأخرى فأفشت، لكنا لا نعلم أن ذلك الحديث كان ماذا؟

لكنه كان منهما ما يجوز أن تعاتبا به وتدعيا إلى التوبة؛ لقوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، [وإن خفي ذلك علينا]، ثم إذا عرفنا أن الله -  - جعل عقوبتهن وتأديبهن أشد من العقوبة على غيرهن بقوله: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، فيجوز أن يندبن إلى التوبة بأدنى زلة حقها التجاوز عن غيرهن.

ثم قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ إِن ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف، فيكون معناه: توبا إلى الله؛ فقد صغت قلوبكما، ويوقف عليه ثم يبدأ بقوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

وجائز أن يكون حقه الإثبات، فلا يكون حرف ﴿ إِن ﴾ زيادة، ويكون معناه: إن تتوبا إلى الله، وإلا فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين فيكون الجزاء فيه مضمراً.

وجائز أن يكون جزاء صنيعهن أن يطلقهن، فكأنه قال: إن تتوبا إلى الله وإلا طلقكن، فيكون في هذا أنه حبب رسول الله  إليهن حتى اشتد عليهن الطلاق، وخرج الطلاق مخرج العقوبة لهن على صنيعهن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ .

أي: مالت عن الحق الذي لرسول الله  عليكما، وحق الرسول -  - حق عظيم يرد فيه العتاب بأدنى تقصير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ﴾ .

هذا في الظاهر معاتبة؛ فينبغي أن يذكر على المخاطبة، فيقال: وإن تظاهرتما عليه، كما قال  : ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، قيل: جائز أن يكون معنى قوله: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ تامّاً ورجعت على إرادة المعاتبة، وإن كان اللفظ لفظ المخاطبة، ولكن الصحيح: أن قوله: ﴿ وَإِن تَظَاهَرَا ﴾ على المخاطبة، معناه: وإن تتظاهرا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ ﴾ .

حق هذا أن يقف عليه ثم يقول: ﴿ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ؛ حتى لا يتوهم أن غير الله  مولاه، ثم ذكر هذا إبلاغ في التهويل، وإلا فالواحد من هؤلاء المذكورين يكفي لأزواج رسول الله  ، وكذلك في ذكر عقوبتهن إذا وجد منهن الخلاف [في قوله]: ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ .

والأصل: أن المبالغة في [التأديب مما يعين المؤدب على حفظ الحدود، وكذلك المجاوزة في] حد العقوبة معونة له في تأديب النفس؛ حتى يملك حفظ نفسه عما تدعو إليه نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : أبو بكر وعمر -  ما - وذكر أن رسول الله  لما طلق حفصة دخل عليها عمر -  - فقال: "لو علم الله -  - في آل عمر خيرا ما طلقك رسول الله"، فنزل جبريل -  - على رسول الله  يأمره بمراجعتها، وذكر أنها صوامة قوامة؛ فجائز أن تكون حفصة -  ا - تصوم النهار وتقوم الليل في غير نوبتها؛ فلا يعلم بذلك رسول الله  فأطلعه جبريل -  - على ذلك.

وروي عن أبي أمامة الباهلي -  - أن رسول الله  قال: " ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أبو بكر وعمر" ،  ما.

وقيل: هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

وذكر عن الحسن أنه قال: ﴿ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ من لم يسر نفاقا ولا أظهر فسقا، ثم خص من المؤمنين الصالحين منهم، ولم يعم جملة المؤمنين، فهذا - والله أعلم - لأنه لو ذكر المؤمنين على الإجمال لدخل فيه الزوجان اللتان تظاهرتا؛ لأن إصغاء القلب لا يخرجهما عن أن تكونا من جملة المؤمنين؛ ولأنه ذكر هذا في موضع المعونة في أمر الدين، وصالح المؤمنين هم الذين يقومون بالمعونات في أمر الدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: لا يملك أن يبدل خيرا منهن؛ إذ لا يقدر على أن يجعل في أحد خيرا على قولهم، ولا يملك أن يبدله أزواجا؛ لأنه لا يقدر - على زعمهم - على أن يجعل أحدا من النسوان زوجة لأحد من الرجال، وإنما المشيئة والاختيار إلى المتزوج والمتزوجة، والفعل منهما.

وعلى قولنا: يملك أن يجعل الخير لمن شاء فيما شاء، وله أن يجعل من النسوان زوجة لمن شاء من الرجال، فهذه الآية تشهد بالصدق؛ لمقالتنا، وترد على المعتزلة قولهم؛ لأنه جعل الإبدال إلى نفسه؛ بقوله: ﴿ يُبْدِلَهُ ﴾ ، وعلى قولهم لا يملك أن يفي بما وعد، ثم في هذه الآية إباحة الإبدال وإباحة الطلاق لرسول الله  ، وفي قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ حظر الإبدال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ  ﴾ مقدما، وقوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ متأخراً؛ فيصير ما تقدم منسوخا بهذه الآية، والذي يدل على صحة هذا ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "ما خرج رسول الله  من الدنيا حتى أحلت له النساء"، فثبت أن الحظر كان متقدما ثم وردت الإباحة من بعد، فتحمل الآيتان على التناسخ؛ ليرتفع التناقض من بينهما.

وجائز أن يكون حظر عليه الإبدال إذا قصد بالطلاق قصد الإبدال بما أعجبه من الحسن؛ كما قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 52]، فإذا كان قصده من الطلاق الإبدال، كان ذلك محظورا عليه، وإذا لم يقصد بالطلاق قصد الإبدال، ولكن يقصد به قصد المجازاة للخلاف الذي ظهر، أبيح له ذلك، [ثم الله  يبدله خيرا من المطلقة وهو ليس يقصد] بالطلاق في قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ ﴾ قصد الإبدال، وإذا كان كذلك، سلمت الآيتان عن التناقض.

وذكر عن أُبي بن كعب - رضي الله  عنه - أنه سئل: أكان يحل لرسول الله  إبدال امرأة بامرأة؟

فقال: بلى، فسئل عن قوله  : ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  ﴾ فقال: هذا منصرف إلى من هن من وراء المسميات؛ وهو كقوله  : ﴿ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ  ﴾ ، فذكر بنات العم وبنات الخال والأجنبيات، وحظر عليه من سواهن من المحارم [، فيكون فيه إبانة] أن رسول الله  قد كان حظر عليه تزوج محارمه من ذوي الرحم كما حظر على غيره؛ إذ هو موضع الإشكال: أنه لما حل له زيادة على الأربع، يحل له ذوات الأرحام من المحارم، فزال الإشكال به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ .

فجائز أن يكون خيرا منهن للرسول -  - لا أن يكن خيرا في أنفسهن؛ لأنه قال: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ ﴾ ، وقد كان أزواجه على هذا الوجه: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ ﴾ ؛ ألا ترى إلى ما ذكر أن جبريل -  - قال لرسول الله  : راجع حفصة؛ فإنها صوامة قوامة، والذي يدل على هذا أيضاً في آخر هذه الآية: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ وقد وجدت هاتان الصفتان في أزواجه؛ فثبت أن معناه ما ذكرنا.

وجائز أن يكن خيرا منهن أيضاً في أنفسهن من حيث الجمال والنسب، ونحو ذلك.

أو يصرف ﴿ خَيْراً مِّنكُنَّ ﴾ لما يتركن الخلاف لرسول الله  ، ولا يتظاهرن عليه، ويكن هؤلاء دونهن إذا التزمن الخلاف، ودُمْنَ على التظاهر، فأما إذا أمسكن عن الخلاف وتُبْنَ عما سبق من الخلاف فهن وغيرهن بمحل واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ ﴾ .

قد بينا أن كل مسلم مؤمن في التحصيل؛ لأن معنى [الإسلام والإيمان] واحد؛ إذ الإسلام: هو أن يجعل الأشياء كلها لله خالصة سالمة لا يشرك فيها غيره، والإيمان: التصديق، وهو أن يصدق أن الله  رب كل شيء، وإذا صدقته أنه رب كل شيء فقد جعلت [الأشياء] كلها سالمة له، أو تصدق [كلاًّ فيما] يشهد لله  في الربوبية [بجوهره]، فثبت أن كل واحد منهما يقتضي ما يقتضيه الآخر من المعنى، فإذا ذكر أحدهما بالإفراد، ففي ذكره ذكر الآخر، وإذا جمع في الذكر، صرف هذا إلى وجه، وهذا إلى وجه، وهذا كما ذكرنا في التقوى أنه يقتضي معنى الإحسان إذا ذكر مفردا؛ لأن التقوى هو أن يتقي من المهالك، والاتقاء عن المهالك يقع باكتساب المحاسن، وإذا ذكرا معا صرف التقوى إلى [الاتقاء من الكفر] والإحسان إلى فعل الخيرات، وروي عن النبي  أنه قال: "لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه" ، وقال: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ، فصرف هذا إلى وجه وهذا إلى وجه، وهما في التحصيل واحد؛ لأنهم إذا أمنوا بوائقه فقد سلموا من لسانه ويده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَانِتَاتٍ ﴾ .

قيل: مطيعات.

وقيل: القائمات بالليالي للصلاة، وهذا أشبه؛ لأنه ذكر السائحات بعد هذا، والسائحات الصائمات، وذكر الصيام بالنهار، فيكون تأويل القانتات راجعا إلى قيام الليل؛ ليكون فيه إحياء الليل والنهار بالعبادة؛ ولذلك قال جبريل -  - في وصف حفصة -  ا -: "إنها صوامة قوامة" أي: صوامة بالنهار وقوامة بالليل، وذكر عن رسول الله  أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: "طول القنوت"، وهو القيام بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَائِبَاتٍ ﴾ .

هن اللائي لا يصررن على الذنب، بل يفزعن إلى الله  بالتوبة والتضرع إذا ابتلين بالخطيئة.

قوله: ﴿ عَابِدَاتٍ ﴾ .

ذكر أبو بكر أن العابد لا يسمى: عابدا حتى يتطوع، فإن كان على هذا، ففيه أنهن يقمن بأداء الفرائض، ويتطوعن مع ذلك.

وعن ابن عباس -  ما - أنه قال: "كل عبادة في القرآن فهي توحيد؛ فالعابدات: الموحدات"، والموحد هو الذي يصدق أن خالق الخلق كله واحد لا شريك له؛ فجائز أن يكون العابد موحدا؛ لأنه يعمل لله  خالصا لا يشرك في عبادته أحدا؛ فيكون فيه معنى التوحيد ولكن من حيث الفعل؛ فيكون أحد التوحيدين بالقول والثاني بالمعاملة والفعل.

وقيل: العابد هو الذي يؤدي الفرائض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ .

هو الذي يسيح في الأرض بغير زاد، فسمي الصائم: سائحا؛ لما كف نفسه عن التناول من الزاد، فقوله: ﴿ سَائِحَاتٍ ﴾ أي: صائمات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ﴾ لم يرد بهذا أنه ينشيء نسوة أبكارا وثيبات، ولكن معناه: أنه يبدله من كن بهذا الوصف، ثم جمع بين الثيبات والأبكار؛ لأن الثيبات مما يقل رغبة الخلق فيهن، وينفر عنه الطبع، فجمع بينهما في موضع الامتنان على الرسول  ؛ لئلا تصرف كل الرغبة إلى الأبكار، بل يتزوجوا الثيبات كما يتزوجون الأبكار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد شرع الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة إن وجدتم خيرًا منها أو حنثتم فيها، والله ناصركم، وهو العليم بأحوالكم وما يصلح لكم، الحكيم في شرعه وقدره.

<div class="verse-tafsir" id="91.dQLky"

مزيد من التفاسير لسورة التحريم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل