الآية ١٦ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦ من سورة الأعراف

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 127 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس ( إلى يوم يبعثون ) واستوثق إبليس بذلك ، أخذ في المعاندة والتمرد ، فقال : ( فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي : كما أغويتني .

قال ابن عباس : كما أضللتني .

وقال غيره : كما أهلكتني لأقعدن لعبادك - الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه - على ( صراطك المستقيم ) أي : طريق الحق وسبيل النجاة ، ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي .

وقال بعض النحاة : الباء هاهنا قسمية ، كأنه يقول : فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم .

قال مجاهد : ( صراطك المستقيم ) يعني : الحق .

وقال محمد بن سوقة ، عن عون بن عبد الله : يعني طريق مكة .

قال ابن جرير : والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك كله .

قلت : لما روى الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا أبو عقيل - يعني الثقفي عبد الله بن عقيل - حدثنا موسى بن المسيب ، أخبرني سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه ، فقعد له بطريق الإسلام ، فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟

" قال : " فعصاه وأسلم " قال : " وقعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر وتدع أرضك وسماءك ، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟

فعصاه وهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد ، وهو جهاد النفس والمال ، فقال : تقاتل فتقتل ، فتنكح المرأة ويقسم المال؟

" قال : " فعصاه ، فجاهد " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فمن فعل ذلك منهم فمات ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، أو قتل كان حقا على الله ، عز وجل ، أن يدخله الجنة ، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: قال إبليس لربه: (فبما أغويتني)، يقول: فبما أضللتني، كما:- 14361- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (فبما أغويتني)، يقول: أضللتني.

14362- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فبما أغويتني)، قال: فبما أضللتني.

* * * وكان بعضهم يتأول قوله: (فبما أغويتني) ، بما أهلكتني, من قولهم: " غَوِيَ الفصيل يَغوَى غَوًى ", وذلك إذا فقد اللبن فمات, من قول الشاعر: (21) مُعَطَّفَــةُ الأَثْنَــاءِ لَيْسَ فَصِيلُهَــا بِرَازِئِهَــا دَرًّا وَلا مَيِّــتٍ غَــوَى (22) * * * وأصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسّنه عنده، غارًّا له.

(23) وقد حكي عن بعض قبائل طيئ، أنها تقول: " أصبح فلان غاويًا "، أي: أصبح مريضًا.

(24) * * * وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنه بمعنى القسم, كأن معناه عنده: فبإغوائك إياي، لأقعدن لهم صراطك المستقيم, كما يقال: " بالله لأفعلن كذا ".

* * * وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى المجازاة, كأن معناه عنده: فلأنك أغويتني = أو: فبأنك أغويتني = لأقعدن لهم صراطك المستقيم.

* * * قال أبو جعفر: وفي هذا بيان واضح على فساد ما يقول القدرية، (25) من أن كل من كفر أو آمن فبتفويض الله أسبابَ ذلك إليه, (26) وأن السبب الذي به يصل المؤمن إلى الإيمان، هو السبب الذي به يصل الكافر إلى الكفر .

وذلك أنّ ذلك لو كان كما قالوا: لكان الخبيث قد قال بقوله: (فبما أغويتني) ،" فبما أصلحتني", إذ كان سبب " الإغواء " هو سبب " الإصلاح ", وكان في إخباره عن الإغواء إخبارٌ عن الإصلاح, ولكن لما كان سبباهما مختلفين، وكان السبب الذي به غوَى وهلك من عند الله.

أضاف ذلك إليه فقال: (فبما أغويتني) .

* * * وكذلك قال محمد بن كعب القرظي, فيما:- 14363- حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا أبو مودود, سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: قاتل الله القدريّة, لإبليس أعلمُ بالله منهم !

* * * وأما قوله: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، فإنه يقول: لأجلسن لبني آدم " صراطك المستقيم ", يعني: طريقك القويم, وذلك دين الله الحق, وهو الإسلام وشرائعه.

(27) وإنما معنى الكلام: لأصدَّن بني آدم عن عبادتك وطاعتك, ولأغوينهم كما أغويتني, ولأضلنهم كما أضللتني.

وذلك كما روي عن سبرة بن أبي الفاكه:- (28) 14364- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرِقَةٍ، (29) فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذرُ دينك ودين آبائك؟

فعصاه فأسلم.

ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك, وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل؟

(30) فعصاه وهاجر.

ثم قعد له بطريق الجهاد, وهو جَهْدُ النفس والمال, فقال: أتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟

قال: فعصاه فجاهد.

(31) * * * وروي عن عون بن عبد الله في ذلك ما:- 14365- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حَبّويه أبو يزيد, عن عبد الله بن بكير, عن محمد بن سوقة, عن عون بن عبد الله: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، قال: طريق مكة.

(32) * * * والذي قاله عون، وإن كان من صراط الله المستقيم، فليس هو الصراط كله.

وإنما أخبر عدوّ الله أنه يقعد لهم صراط الله المستقيم، ولم يخصص منه شيئًا دون شيء.

فالذي روي في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشبهُ بظاهر التنـزيل، وأولى بالتأويل, لأن الخبيث لا يألو عباد الله الصدَّ عن كل ما كان لهم قربة إلى الله.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل في معنى " المستقيم "، في هذا الموضع.

* ذكر من قال ذلك: 14366- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (صراطك المستقيم)، قال: الحق.

14367- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

14368- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد المدني قال، سمعت مجاهدًا يقول: (لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم)، قال: سبيل الحق, فلأضلنَّهم إلا قليلا.

* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: معناه: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم, كما يقال: " توجَّه مكة "، أي إلى مكة, وكما قال الشاعر: (33) كَــأَنِّي إذْ أَسْــعَى لأظْفَـرَ طَـائِرًا مَـعَ النَّجْـمِ مِـنْ جَـوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (34) بمعنى: لأظفر بطائر, فألقى " الباء "، وكما قال: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ، [سورة الأعراف: 150]، بمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة، المعنى، والله أعلم: لأقعدن لهم على طريقهم, وفي طريقهم .

قال: وإلقاء الصفة من هذا جائز, (35) كما تقول: " قعدت لك وجهَ الطريق " و " على وجه الطريق "، لأن الطريق صفة في المعنى، (36) فاحتمل ما يحتمله " اليوم " و " الليلة " و " العام ", (37) إذا قيل: "آتيك غدًا ", و "آتيك في غد ".

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول هو أولى القولين في ذلك عندي بالصواب, لأن " القعود " مقتضٍ مكانًا يقعد فيه, فكما يقال: " قعدت في مكانك ", يقال: " قعدت على صراطك ", و " في صراطك ", كما قال الشاعر: (38) لَــدْنٌ بِهَــزِّ الْكَـفِّ يَعْسِـلُ مَتْنُـهُ فِيـهِ, كَمَـا عَسَـلَ الطَّـرِيقَ الثَّعْلَـبُ (39) فلا تكاد العرب تقول ذلك في أسماء البلدان, لا يكادون يقولون: " جلست مكة "، و " قمت بغداد ".

-------------------- الهوامش : (21) هو (( مدرج الريح الجرمي )) ، واسمه (( عامر بن المجنون )) كما في الشعر والشعراء : 713 ، وفي الوحشيات رقم : 380 ، والأغاني 3 : 115 ، وجاء في المعاني الكبير : 1047 (( عامر المجنون )) ، صوابه ما أثبت .

(22) المعاني الكبير : 1047 ، المخصص 7 : 41 ، 180 ، تهذيب إصلاح المنطق 2 : 54 ، اللسان ( غوى ) .

يصف قوسًا .

قال التبريزي في شرحه : (( أثناؤها )) ، أطرفها المتلئبة .

و (( فصيلها )) ، السهم ، و (( رزائها )) أي : أخذ منها شيئًا .

يقول : ليس فصيل هذه القوس يشرب إذا فقد اللبن .

(23) انظر تفسير (( الغي )) و (( الإغواء )) فيما سلف 5 : 416 .

(24) هذا النص ينبغي إثباته في كتب اللغة ، فلم يذكر فيها فيما علمت .

(25) (( القدرية )) هم نفاة القدر الكافرون به ، وأما المؤمنون بالقدر ، وهم أهل الحق ، فيقال لهم (( أهل الإثبات )) ، وانظر فهارس المصطلحات والفرق فيما سلف .

(26) (( التفويض )) ، رد الأسباب إليه ، وانظر بيان ذلك فيما سلف 1 : 162 ، تعليق : 3 /11 : 340 ، /12 : 92 ، وهو مقالة المعتزلة وأشباههم .

(27) انظر تفسير (( الصراط المستقيم )) ، فيما سلف ص : 282 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(28) في المطبوعة : (( سبرة بن الفاكه )) ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .

انظر التعليق التالي ص 335 ، تعليق : 2 : (29) (( أطرقة )) جمع (( طريق )) ، مثل (( رغيف )) و (( أرغفة )) ، وهو جمعه مع تذكير (( طريق )) ، ويجمع أيضًا على (( أطرق )) ( بضم الراء ) ، وهو جمع (( طريق )) إذا أنثتها ، نحو (( يمين )) ، و (( أيمن )) .

وبهذه الأخيرة ضبط في أكثر الكتب .

(30) (( الطول )) ( بكسر الطاء وفتح الواو ) : وهو الحبل الطويل ، يشد أحد طرفيه في وتد أو في غيره ، والآخر في يد الفرس ، فيدور فيه ويرعى ، ولا يذهب لوجهه .

ويعني بذلك : أن الهجرة تحبسه عن التصرف والضرب في الأرض ، والعودة إلى أرضه وسمائه ، والهجرة أمرها شديد كما تعلم .

(31) الأثر : 14364 - هذا خبر رواه الأئمة ، ذكره أبو جعفر بغير إسناده .

و (( سبرة بن أبي الفاكهة )) ، و (( سبرة بن أبي الفاكهة )) ، صحابي نزل الكوفة .

مترجم في التهذيب ، وأسد الغابة 2 : 260 ، والإصابة ، في اسمه والكبير للبخاري 2 /2 / 188 ، وابن أبي حاتم 2 /1 / 295 .

وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده مطولا 3 : 483 ، والنسائي 6 : 21 ، 22 ، والبخاري في التاريخ 2 /2 / 188 ، 189 ، وابن الأثير في أسد الغابة 2 : 260 ، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمته : (( له حديث عند النسائي ، بإسناد حسن ، إلا أن في إسناده اختلافًا )) ، ثم قال : (( وصححه ابن حبان )) .

(32) الأثر : 14365 - (( حبويه أبو يزيد )) هكذا في المخطوطة ، ولكنه غير منقوط ، وكان في المطبوعة : (( حيوة أبو يزيد )) ، تغير بلا دليل .

و (( حبويه )) ، أبو يزيد ، هو : (( إسحاق بن إسماعيل الرازي )) ، روى عن نافع بن عمر الجمحي ، وعمرو بن أبي قيس ، ونعيم بن ميسرة .

روى عنه محمد بن سعيد الأصفهاني ، وعثمان وأبو بكر ابنا شيبة ، وإبراهيم بن موسى .

قال يحيى بن معين : (( أرجو أن يكون صدوقًا )) .

مترجم في الجرح والتعديل 1 /1 / 212 ، وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف والمختلف : 43 ، (( حبويه )) بالباء المشددة بعد الحاء .

وسيأتي أيضًا في الإسناد رقم : 14550 .

و (( عبد الله بن بكير الغنوي الكوفي )) ، روى عن (( محمد بن سوقة )) ، وهو ليس بقوي ، وإن كان من أهل الصدق ، وذكر له ابن عدي مناكير .

مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 2 /2 / 16 ، وميزان الاعتدال 2 : 26 .

(33) لم أعرف قائله .

(34) لم أجد البيت في غير هذا المكان .

(35) (( الصفة )) هنا حرف الجر ، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف ، ستأتي بعد قليل بمعنى (( الظرف )) .

انظر التعليق التالي .

(36) (( الصفة )) هنا ، هي (( الظرف )) ، وكذلك يسميه الكوفيون .

(37) في المطبوعة : (( يحتمل ما يحتمله )) ، وفي المخطوطة سقط ، كتب : (( في المعنى ما يحتمله )) ولكني أثبت ما في معاني القرآن للفراء 1 : 375 ، فهذا نص كلامه .

(38) هو ساعدة بن جؤية الهذلي .

(39) ديوان الهذليين 1 : 190 ، سيبويه 1 : 16 ، 109 ، الخزانة 1 : 474 ، وغيرها كثير من قصيدة طويلة ، وصف في آخرها رمحه ، وهذا البيت في صفة رمح من الرماح الخطية .

ورواية الديوان (( لذا )) ، أي تلذ الكف بهزه .

و (( يعسل )) ، أي يضطرب .

وقوله .

(( فيه )) : أي في الهز .

وقوله : (( عسل الطريق الثعلب )) ، أي : عسل في الطريق الثعلب واضطربت مشيته .

شبه اهتزاز الرمح في يد الذي يهزه ليضرب به ، باهتزاز الثعلب في عدوه في الطريق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيمفيه ثلاث مسائل :الأولى قوله تعالى فبما أغويتني الإغواء إيقاع الغي في القلب ; أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والاستكبار .

وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل ; بل هو كفر عناد واستكبار .

وقد تقدم في " البقرة " .

قيل : معنى الكلام القسم ، أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك ، أو في صراطك ; فحذف .

دليل على هذا القول قوله في " ص " : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد ، فأقسم به إعظاما لقدره عنده .

وقيل : الباء بمعنى اللام ، كأنه قال : فلإغوائك إياي .

وقيل : هي بمعنى مع ، والمعنى فمع إغوائك إياي .

وقيل : هو استفهام ، كأنه سأل بأي شيء أغواه ؟

.

وكان ينبغي على هذا أن يكون : فبم أغويتني ؟

.

وقيل : المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي .

والإغواء الإهلاك ، قال الله تعالى : فسوف يلقون غيا أي هلاكا .

وقيل : فبما أضللتني .

والإغواء : الإضلال والإبعاد ; قال ابن عباس .

وقيل : خيبتني من رحمتك ; ومنه قول الشاعر :ومن يغو لا يعدم على الغي لائماأي من يخب .وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره ، أو فسد هو في نفسه .

وهو أحد معاني قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عيشه في الجنة .

ويقال : غوى الفصيل إذا لم يدر لبن أمه .الثانية : مذهب أهل السنة أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ; ولذلك نسب الإغواء [ ص: 158 ] في هذا إلى الله تعالى .

وهو الحقيقة ، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له ، صادر عن إرادته تعالى .

وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه ، تعالى الله عن ذلك .

فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم ، وهو نوح عليه السلام حيث قال لقومه : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام ، وكان متهما بالقدر ، وكان من الفقهاء الكبار ; فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام ؟

فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه !

فقال : إبليس أفقه منه ، يقول إبليس : رب بما أغويتني .

ويقول هذا : أنا أغوي نفسي .الثالثة : قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي بالصد عنه ، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك ، أو يضلوا كما ضل ، أو يخيبوا كما خيب ; حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في أغويتني .

والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة .

و صراطك منصوب على حذف " على " أو " في " من قوله : صراطك المستقيم ; كما حكى سيبويه " ضرب زيد الظهر والبطن " .

وأنشد :لدن بهز الكف يعسل متنهفيه كما عسل الطريق الثعلب

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال إبليس - لما أُبْلِسَ وأَيِسَ من رحمة اللّه - { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي: للخلق { صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: لألزمن الصراط ولأسعى غاية جهدي على صد الناس عنه وعدم سلوكهم إياه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال فبما أغويتني ) اختلفوا في " ما " قيل : هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ؟

ثم ابتدأ فقال : ( لأقعدن لهم ) وقيل : " ما " الجزاء ، أي : لأجل أنك أغويتني لأحقدن لهم .

وقيل : هو " ما " المصدرية موضع القسم تقديره : فبإغوائك إياي لأقعدن لهم ، كقوله " بما غفر لي ربي " ( يس ، 27 ) ، يعني : لغفران ربي .

والمعنى بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في .

وقال ابن الأنباري : أي فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء ، أغويتني : أضللتني عن الهدى .

وقيل : أهلكتني ، وقيل : خيبتني ، ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي : لأجلسن لبني آدم على طريقك القويم ، وهو الإسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال فبما أغويتني» أي بإغوائك لي والياء للقسم وجوابه «لأقعدن لهم» أي لبني آدم «صراطك المستقيم» أي على الطريق الموصل إليك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إبليس لعنه الله: فبسبب ما أضللتني لأجتهدنَّ في إغواء بني آدم عن طريقك القويم، ولأصدَّنَّهم عن الإسلام الذي فطرتهم عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن ما توعد به إبليس آدم وذريته من كيد وأذى فقال : ( قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم ) .الباء للقسم أو للسببية أى : فأقسم بإغوائك إياى ، أو بسبب إغوائك إياى ، لأترصدن لآدم وبنيه على طريق الحق وسبيل النجاة ، كما يترصد قطاع الطرق للسائرين فيها فأصدنهم عنها وأحاول لك السبل أن اصرفهم عن صراطك المستقيم ، ولن أتكاسل عن العمل على إفسادهم وإضلالهم .والإغواء : خلق الغى بمعنى الضلال .

وأصل الغى الفساد ، ومنه غوى الفصيل - كرضى - غوى ، إذا بشم من اللبن ففسدت معدته ، أو منع الرضاع فهزل وكاد يهلك ، ثم استعمل فى الضلال ، يقال : غوى يغوى غياً وغواية فهو غاو ، وغوى إذا ضل ، وأغواه غيره : أضله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ يدل على أنه طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك بل قال إنك من المنظرين ثم هاهنا قولان: الأول: أنه تعالى أنظره إلى النفخة الأولى لأنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ  إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ  ﴾ والمراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحياء كلهم، وقال آخرون: لم يوقت الله له أجلاً بل قال: ﴿ إِنَّكَ مِنَ المنظرين ﴾ وقوله في الأخرى: ﴿ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم ﴾ المراد منه.

الوقت المعلوم في علم الله تعالى.

قالوا: والدليل على صحة هذا القول أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله إلى الوقت الفلاني لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب قبلت توبته فإذا علم أن وقت موته هو الوقت الفلاني أقدم على المعصية بقلب فارغ، فإذا قرب وقت أجله تاب عن تلك المعاصي فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى الإغراء بالقبيح، وذلك غير جائز على الله تعالى.

وأجاب الأولون: بأن تعريف الله عز وجل كونه من المنظرين إلى يوم القيامة لا يقتضي إغراءه بالقبيح لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك، فلم يكن ذلك الإعلام موجباً إغراءه بالقبيح، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون على الطهارة والعصمة، ولم يكن ذلك موجباً إغراءهم بالقبيح لأجل أنه تعالى علم منهم سواء عرفهم تلك الحالة أو لم يعرفهم هذه الحالة أنهم يموتون على الطهارة والعصمة فلما كان لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا هاهنا، والله أعلم.

المسألة الثانية: قول إبليس: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى ﴾ يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالى، وقوله في آية أخرى: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه.

فالأول: يدل على كونه على مذهب الجبر.

والثاني: يدل على كونه على مذهب القدر، وهذا يدل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة، أو يقال: أنه كان يعتقد أن الإغوار لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغوياً لغيره من الغاوين، ثم زعم أن المغوي له هو الله تعالى قطعاً للتسلسل، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة، أما أصحابنا فقالوا: الإغواء إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من الله تعالى.

أما المعتزلة فلهم هاهنا مقامان: أحدهما: أن يفسروا الغي بما ذكرناه.

والثاني: أن يذكروا في تفسيره وجهاً آخر.

أما الوجه الأول: فلهم فيه أعذار.

الأول: أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى، إلا أن قوله ليس بحجة.

الثاني: قالوا: إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى، وقد يقول القائل: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده.

الثالث: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾ والمعنى: إنك بما لعنتني بسبب آدم فأنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم.

الرابع: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى  ﴾ أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم.

الوجه الثاني: في تفسير الإغواء الإهلاك ومنه قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً  ﴾ أي هلاكاً وويلاً، ومنه أيضاً قولهم: غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه، ويشارف الهلاك والعطب، وفسروا قوله: ﴿ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ  ﴾ إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق، فهذه جملة الوجوه المذكورة.

واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى، وذلك لأن الغاوي لابد له من مغو، كما أن المتحرك لابد له من محرك، والساكن لابد له من مسكن، والمهتدي لابد له من هاد.

فلما كان إبليس غاوياً فلابد له من مغوي، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقاً آخر أو الله تعالى، والأول: باطل.

لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية.

والثاني: باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور.

والثالث: هو المقصود.

والله أعلم.

المسألة الثالثة: الباء في قوله: ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ فيه وجوه: الأول: إنه باء القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي، بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المآثم، ولما كانت (الباء) باء القسم كانت (اللام) جواب القسم (وَمَا) بتأويل المصدر و ﴿ أَغْوَيْتَنِى ﴾ صلتها.

والثاني: أن قوله: ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ أي فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضاً أسعى في إغوائهم.

الثالث: قال بعضهم: (مَا) في قوله: ﴿ فَيمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾ وفيه إشكال، وهو أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على ما الاستفهامية قليل.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ لا خلاف بين النحويين أن على محذوف والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم.

قال الزجاج: مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن وإلقاء كلمة على جائز، لأن الصراط ظرف في المعنى: فاحتمل ما يحتمله لليوم والليلة، في قولك آتيك غداً وفي غد.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ فيه أبحاث.

البحث الأول: المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها.

والبحث الثاني: إن هذه الآية تدل على أنه كان عالماً بالدين الحق والمنهج الصحيح، لأنه قال: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

البحث الثالث: الآية تدل على أن إبليس كان عالماً بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى ﴾ وأيضاً كان عالماً بالدين الحق، ولولا ذلك لما قال: ﴿ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ .

وإذا ثبت هذا فكيف يمكن: أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالاً وغواية وبكونه مضاداً للدين الحق ومنافياً للصراط المستقيم فإن المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقاً، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده.

واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية، فقد علم أن ضده هو الحق، فكان إنكاره إنكاراً بمحض اللسان، فكان ذلك كفر عناد، ومنهم من قال لا بل كفره كفر جهل وقوله: ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ وقوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المستقيم ﴾ يريد به في زعم الخصم، وفي اعتقاده، والله أعلم.

المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى، ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم، وكان تعالى عالماً بأن أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ فثبت بهذا أن إنظار إبليس، وإمهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير، فلو كان تعالى مراعياً لمصالح العباد لامتنع أن يمهله، وأن يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلاً، ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق، وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة.

فقال الجبائي: إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَٰتِنِينَ  إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم يجوز أن يضل به قوم، ويكون خلقه جارياً مجرى خلق زيادة الشهوة، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق، ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب، فكذا هاهنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق، ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه.

والجواب: أما قول أبي علي فضعيف، وذلك لأن الشيطان لابد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه، ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساوياً لحاله عند عدم هذا التذكير، وهذا التزيين والدليل عليه العرف، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه، فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين والعلم به ضروري، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضاً لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلاً للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعياً في إلقائه في المفسدة، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة، فكيف يمكنه أن يحتج به؟

والذي يقرره غاية التقرير: أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد، ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة، إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات، فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة، فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلاً، والله أعلم بالصواب.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في ذكر هذه الجهات الأربع قولان: القول الأول: أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين.

والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً: أحدها: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ يعني أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله: ﴿ بَيْن أَيْدِيهِمْ ﴾ الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، فهي بين أيديهم، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها.

وثالثها: وهو قول الحاكم والسدي ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ يعني الدنيا ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ الآخرة، وإنما فسرنا ﴿ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ بالدنيا، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك.

ورابعها: ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل.

وأما قوله: ﴿ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: ﴿ عَنْ أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ في أنواع المعاصي.

وثانيها: ﴿ عَنْ أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ في الترغيب في الباطل.

وثالثها: ﴿ عَنْ أيمانهم ﴾ يعني أفترهم عن الحسنات ﴿ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ أقوى دواعيهم في السيئات.

قال ابن الأنباري: وقول من قال، الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل عن السيئات قول حسن، لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين.

وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال: هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة، وإذا خبثت منزلته قال: أنت عندي بالشمال، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع.

أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوهاً أخرى.

أولها: وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعاً، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية، فإحداها: القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

والقوة الثانية: القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ، وإليها الإشارة بقوله: ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ .

والقوة الثالثة: الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن.

والقوة الرابعة: الغضب، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع، لم تقدر على إلقاء الوسوسة، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع، وهو وجه حقيقي شريف.

وثانيها: أن قوله: ﴿ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه.

أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة.

وأما الأفعال: مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل، وإنما جعلنا قوله: ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ لشبهات التشبيه، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها، فهي حاضرة بين يديه، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساوياً لهذا الشاهد، وإنما جعلنا قوله: ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ كناية عن التعطيل، لأن التشبيه عين التعطيل، فلما جعلنا قوله: ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله: ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ كناية عن التعطيل.

وأما قوله: ﴿ وَعَنْ أيمانهم ﴾ فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وثالثها: نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع، من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي.

أما من بين يدي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم.

فاقرأ: ﴿ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صالحا  ﴾ وأما من خلفي: فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر، فاقرأ ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا  ﴾ وأما من قبل يميني: فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ وأما من قبل شمالي: فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ  ﴾ .

والقول الثاني: في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البتة.

وتقدير الآية: ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال له: تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل، ويقسم مالك، وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل»، وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب.

فإن قيل: فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم.

قلنا: أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن.

وأما في الظاهر: فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر، فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستولياً عليه من هذه الجهات الأربع، فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان: الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

والله أعلم.

المسألة الثانية: أنه قال: ﴿ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ فذكر هاتين الجهتين بكلمة ﴿ مِنْ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ فذكر هاتين الجهتين بكلمة ﴿ عَنْ ﴾ ولا بد في هذا الفرق من فائدة.

فنقول: إذا قال القائل جلس عن يمينه، معناه أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين غير ملتصق به.

قال تعالى: ﴿ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ  ﴾ فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان، ولم يحضر في القدام والخلف ملكان، والشيطان يتباعد عن الملك، فلهذا المعنى خص اليمين والشمال بكلمة ﴿ عَنْ ﴾ لأجل أنها تفيد البعد والمباينة، وأيضاً فقد ذكرنا أن المراد من قوله: ﴿ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ الخيال، والوهم، والضرر الناشئ منهما هو حصول العقائد الباطلة، وذلك هو حصول الكفر، وقوله: ﴿ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ الشهوة، والغضب، والضرر الناشئ منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية، وذلك هو المعصية، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم، لأن عقابه دائم.

أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة ﴿ عَنْ ﴾ تنبيهاً على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

والله أعلم بمراده.

المسألة الثالثة: قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ما يقال: إنه يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه، لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المبالغة أحق.

ثم قال تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ وفيه سؤال: وهو أن هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ، فقال له على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات، وعلم أنها أشياء يرغب فيها غلب على ظنه أنهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر والأغلب ويؤكد هذا القول بقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً  ﴾ والعجب أن إبليس قال للحق سبحانه وتعالى: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ فقال الحق ما يطابق ذلك ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور  ﴾ وفيه وجه آخر وهو أنه حصل للنفس تسع عشرة قوة، وكلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية.

والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة، واثنان الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة، وهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولدة فمجموعها تسعة عشر وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية، وأما العقل فهو قوة واحدة، وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة لا سيما وتلك القوى التسعة عشر تكون في أول الخلقة قوية ويكون العقل ضعيفاً جداً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلما كان الأمر كذلك، لزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق ومحبته فلهذا السبب قال: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ فبسبب إغوائك إياي لأقعدنّ لهم.

وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت الملائكة مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفساً ومناصب، وعن الأصم: أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك.

والمعنى: فبسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم.

فإن قلت: بم تعلقت الباء، فإن تعلقها بلأقعدنّ يصدّ عنه لام القسم، لا تقول: والله بزيد لأمرّنّ؟

قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ، أي فبسبب إغوائك أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم، أي: فأقسم بإغوائك لأقعدن، وإنما أقسم بالإغواء؛ لأنه كان تكليفاً، والتكليف من أحسن أفعال الله، لكونه تعريضاً لسعادة الأبد، فكان جديراً بأن يقسم به.

ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن طاوس: أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمي بالقدر، فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تقام، فقام الرجل، فقيل له: أتقول هذا لرجل فقيه؟

فقال: إبليس أفقه منه، قال رب بما أغويتني، وهذا يقول: أنا أغوي نفسي، وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه، أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين.

وقيل: ﴿ مَا ﴾ للاستفهام، كأنه قيل: بأي شيء أغويتني، ثم ابتدئ لأقعدنّ.

وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على (ما) الاستفهامية، قليل شاذ.

وأصل الغيّ الفساد.

ومنه: غوى الفصيل، إذا بشم.

والبشم: فساد في المعدة ﴿ لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ﴾ لأعترضن لهم على طريق الإسلام كما يعترض العدوّ على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف، كقوله: كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ وشبهه الزجاج بقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن، أي على الظهر والبطن.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأَطرُقِهِ: قعد له بطريق الإسلام فقال له: تدع دين آبائك، فعصاه فأسلم.

ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب، فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل» ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم ﴾ من الجهات الأربع التي يأتي منها العدوّ في الغالب.

وهذا مثل لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: ﴿ واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ [الإسراء: 64] .

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ ﴾ بحرف المجاوزة؟

قلت: المفعول فيه عدي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به.

فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس.

وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، قلنا: معنى ﴿ على يمينه ﴾ أنه تمكن من جهة اليمين تمكُّن المستعلي من المستعلى عليه.

ومعنى ﴿ عن يمينه ﴾ أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له.

ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرنا في ﴿ تعال ﴾ .

ونحوه من المفعول به قولهم رميت عن القوس، وعلى القوس، ومن القوس؛ لأن السهم يبعد عنها، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدئ الرمي منها.

كذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى فيه؛ لأنهما ظرفان للفعل.

ومن بين يديه ومن خلفه: لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول: جئته من الليل، تريد بعض الليل، وعن شقيق: ما من صباح إلاّ قعد لي الشيطان على أربع مراصد: من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي: أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: ﴿ وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ صالحا ﴾ [طه: 82] وأمّا من خلفي، فيخوّفني الضيعة على مخلفي فأقرأ: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا ﴾ [هود: 6] وأمّا من قبل يميني، فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128] وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾ [سبأ: 54] .

﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ قاله تظنيناً، بدليل قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ [سبأ: 20] وقيل: سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أمْهَلْتَنِي لَأجْتَهِدَنَّ في إغْوائِهِمْ بِأيِّ طَرِيقٍ يُمْكِنُنِي بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ بِواسِطَتِهِمْ تَسْمِيَةً، أوْ حَمْلًا عَلى الغَيِّ، أوْ تَكْلِيفًا بِما غَوَيْتُ لِأجْلِهِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ لا بِأقْعُدَنَّ فَإنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْهُ وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾ تَرَصُّدًا بِهِمْ كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلسّابِلَةِ ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ طَرِيقَ الإسْلامِ ونَصَبَهُ عَلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ.

.

.

فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ وَقِيلَ تَقْدِيرُهُ عَلى صِراطِكَ كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ.

﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الأرْبَعِ.

مَثَّلَ قَصْدَهُ إيّاهم بِالتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يُمَكِّنُهُ بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ.

وقِيلَ لَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ لِأنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِنهُ ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ مِنهُ يُوحِشُ النّاسَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن قِبَلِ الآخِرَةِ، ومِن خَلْفِهِمْ مِن قِبَلِ الدُّنْيا، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ.

ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُونَ ويَقْدِرُونَ عَلى التَّحَرُّزِ عَنْهُ، ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولا يَقْدِرُونَ، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَعْلَمُوا ويَتَحَرَّزُوا ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لِعَدَمِ تَيَقُّظِهِمْ واحْتِياطِهِمْ.

وإنَّما عَدّى الفِعْلَ إلى الأوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ لِأنَّهُ مِنهُما مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ وإلى الأخِيرَيْنِ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ فَإنَّ الآتِيَ مِنهُما كالمُنْحَرِفِ عَنْهُمُ المارِّ عَلى عِرْضِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ.

﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ مُطِيعِينَ، وإنَّما قالَهُ ظَنًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ لَمّا رَأى فِيهِمْ مَبْدَأ الشَّرِّ مُتَعَدِّدًا ومَبْدَأ الخَيْرِ واحِدًا، وقِيلَ سَمِعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال فبما أغويتني} أضللتني أي فبسسبب اغوائك اياى والباء تتعلق بعفل القسم المحذوف تقديره فبسبب اغوائك اقسم أي فأقسم بإغوائك {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم} لأعترضن لهم على طريق الإسلام متردصا للرد متعرضاً للصد كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف كقولك ضرب زيد الظهر أي على الظهر وعن طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري فقال له طاوس تقوم أوتقام فقام الرجل فقيل له أتقول هذا لرجل فقيه فقال إبليس أفقه منه قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي وهو يقول أنا أغوي نفسي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ ﴿ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدُ عَلى الإنْظارِ والباءُ إمّا لِلْقَسَمِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ وما عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأُقْسِمُ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَ اللّامِ وفِيهِ أنَّ لَها الصَّدْرَ عَلى الصَّحِيحِ فَلا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ما اسْتِفْهامِيَّةً لَمْ يُحْذَفْ ألِفُها وأنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِأغْوَيْتَنِي ولا يَخْفى ضَعْفُهُ والإغْواءُ خَلْقُ الغَيِّ وأصْلُ الغَيِّ الفَسادُ ومِنهُ غَوِيَ الفَصِيلُ وغَوى إذا بَشِمَ وفَسَدَتْ مَعِدَتُهُ وجاءَ بِمَعْنى الجَهْلِ مِنِ اعْتِقادٍ فاسِدٍ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ وبِمَعْنى الخَيْبَةِ كَما في قَوْلِهِ.

فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يُعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ﴾ واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى العَذابِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ ولا مانِعَ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنْ يُرادَ بِالإغْواءِ هُنا خَلْقُ الغَيِّ بِمَعْنى الضَّلالِ أيْ بِما أضْلَلْتَنِي وهو المَرْوِيُّ عَنِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ونِسْبَةُ الإغْواءِ بِهَذا المَعْنى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا يَقْتَضِيهِ عُمُومُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) والمُعْتَزِلَةُ يَأْبُونَ نِسْبَةَ مِثْلِ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقالُوا في هَذا تارَةً: إنَّهُ قَوْلٌ شَيْطانِيٌّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وأوَّلُوهُ أُخْرى بِأنَّ الإغْواءَ النِّسْبَةُ إلى الغَيِّ كَأكْفَرَهُ إذا نَسَبَهُ إلى الكُفْرِ أوْ أنَّهُ بِمَعْنى إحْداثِ سَبَبِ الغَيِّ وإيقاعِهِ وهو الأمْرُ بِالسُّجُودِ.

وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الغَيَّ هُنا بِمَعْنى الخَيْبَةِ أيْ بِما خَيَّبْتَهُ مِن رَحْمَتِكَ أوِ الهَلاكِ أيْ بِما أهْلَكْتَهُ بِلَعْنِكَ إيّاهُ وطَرْدِكَ لَهُ والَّذِي دَعاهم إلى هَذا كُلِّهِ عَدَمُ قَوْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى طَعَنُوا بِأهْلِ السُّنَّةِ القائِلِينَ بِذَلِكَ وما الظَّنُّ بِطائِفَةٍ تَرْضى لِنَفْسِها مِن خَفايا الشِّرْكِ بِما لَمْ يَسْبِقْ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعَرُّضَ لِسَخَطِهِ نَعَمِ الإغْواءُ بِمَعْنى التَّرْغِيبِ بِما فِيهِ الغَوايَةُ والأمْرُ بِهِ كَما هو مُرادُ اللَّعِينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ لأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ مِمّا لا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ كَما لا يَخْفى ثُمَّ إنْ كانَتِ الباءُ لِلْقَسَمِ يَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ صِفَةً مِن صِفاتِ الأفْعالِ وهو مِمّا يُقْسَمُ بِهِ في العُرْفِ وإنْ لَمْ تُجْرِ الفُقَهاءُ بِهِ أحْكامَ اليَمِينِ.

ولَعَلَّ القَسَمَ وقَعَ مِنَ اللَّعِينِ بِهِما جَمِيعًا فَحَكى تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما وأُخْرى بِالآخَرِ وإنْ كانَتْ سَبَبِيَّةً فالقَسَمُ بِالعِزَّةِ أيْ بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لِأجْلِهِمْ أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾ أيْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ تَرَصُّدًا بِهِمْ كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلسّابِلَةِ ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ (16) المُوَصِّلَ إلى الجَنَّةِ وهو الحَقُّ الَّذِي فِيهِ رِضاكَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ في طُرُقِهِ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ فَقالَ أتُسْلِمُ وتَذَرَ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ فَعَصاهُ فَأسْلَمَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَذَرَ أرْضَكَ وسَماءَكَ وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كالفَرَسِ في طَوْلِهِ فَعَصاهُ فَهاجَرَ ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ فَقالَ هو جَهْدُ النَّفْسِ والمالِ فَتُقاتِلُ فَتَقْتُلُ فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقَسَّمُ المالُ فَعَصاهُ فَجاهَدَ ثُمَّ قالَ  فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم فَماتَ أوْ وقَصَتْهُ دابَّتُهُ فَماتَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّ يَدْخُلَ الجَنَّةَ» ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ مِنهُ  عَلى هَذِهِ المَذْكُوراتِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِها والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ قَدْرِها لِما أنَّ المَقامَ قَدِ اقْتَضى ذَلِكَ لا لِلْحَصْرِ ونَظِيرُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِما مِن تَفْسِيرِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ والكَلامُ مِن بابِ الكِنايَةِ أوِ التَّمْثِيلِ ونُصِبَ ( الصِّراطَ ) إمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ بِتَضْمِينِ أقْعُدَنَّ مَعْنى الزَّمَنِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ عَلى صِراطِكَ كَقَوْلِكَ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وجاءَ نَصْبُ ظَرْفِ المَكانِ المُخْتَصِّ عَلَيْها قَلِيلًا ومِن ذَلِكَ في المَشْهُورِ قَوْلُهُ.

؎لَدُنْ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي: خلقنا آدم وأنتم من ذريته، ثُمَّ صورناكم يعني: ذريته.

ويقال: خَلَقْناكُمْ يعني: آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعني: آدم صوره بعد ما خلقه من طين.

ويقال: خَلَقْناكُمْ نطفاً في أصلاب الآباء ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في أرحام الأمهات.

ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ على وجه التقديم أي: وقلنا للملائكة: اسْجُدُوا لِآدَمَ ثُمَّ بمعنى الواو.

ويقال: معناه خلقناكم وصورناكم وقلنا للملائكة: اسجدوا لادم وهي سجدة التحية لا سجدة الطاعة فالعبادة لله تعالى، والتحية لآدم  فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي لم يسجد مع الملائكة لآدم  قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ يعني: أن تسجد ولا زيادة.

ومعناه: ما منعك عن السجود إذ أمرتك بالسجود لآدم قالَ إبليس عليه اللعنة: إنما لم أسجد لأنّي أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أي هذا الذي منعني عن السجود.

فاشتغل اللعين بالقياس والقياس في موضع النص باطل، لأنه لما أقرّ بأنه هو الذي خلقه.

فقد أقرّ بأن عليه واجب وعليه أن يأتمر بأمره.

ومع ذلك لو كان القياس جائزاً في موضع النص، فإن قياسه فاسداً، لأنّ الطين أفضل من النار، لأنّ عامة الثمار والفواكه والحبوب تخرج من الطين، ولأن العمارة من الطين والنار للخراب.

ثم قال له عز وجل: فَاهْبِطْ مِنْها قال مقاتل: أي اهبط من الجنة فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها أي في الجنة.

وقال الكلبي: فاهبط منها أي اخرج من الأرض والحق بجزائر البحور، ولا تدخل الأرض إلا كهيئة السارق وعليه ذل الخوف وهو يروغ فيها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، لا ينبغي لك أن تتكبر في هذه الأرض على بني آدم فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ يعني: من المهانين المذلين قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يعني: أجلني إلى يوم البعث، اليوم الذي يخرج الناس من قبورهم.

قال ابن عباس: أراد الخبيث ألا يذوق الموت، فأبى الله تعالى أن يعطيه ذلك.

ف قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إلى النفخة الأولى، فحينئذٍ يذوق الموت وتصيبه المرارة بعدد الأولين والآخرين.

قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي قال الكلبي: أي فكما أضللتني.

وقال مقاتل: يعني أما إذا أضللتني.

وقال بعضهم: فبما أغويتني يعني: فبما دعوتني إلى شيء غويت به.

لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني: لأقعدن لهم على طريقك المستقيم، وهو دين الإسلام فأصدّ الناس عن ذلك.

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ روى أسباط عن السدي قال: من بين أيديهم الدنيا أدعوهم إليها وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة أشككهم فيها وَعَنْ أَيْمانِهِمْ قال الحق: أشككهم فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ قال: الباطل أخففه عليهم وأرغبهم فيه.

وقال في رواية الكلبي: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أيديهم من أمر الآخرة، فأزيّن لهم التكذيب بالبعث بأنه لا جنة ولا نار، ومن خَلْفَهُمْ من أمر الدنيا فأزينها في أعينهم وأرغبهم فيها، فلا يعطون حقاً عن أيمانهم أي: من قبل دينهم فإن كانوا على الضلالة زيّنتها لهم، وإن كانوا على الهدى شبّهته عليهم حتى يشكوا فيه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل اللذات والشهوات.

ويقال: معناه لآتينهم بالإضلال من جميع جهاتهم ويقال: عَنْ أَيْمانِهِمْ فيما أمروا به وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فيما نهوا عنه.

ويقال: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ أي: فيما يعملون لأنه يقال عملت بذلك وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ يعني ذرية آدم لا يكونون شاكرين لنعمتك، ويقال شاكرين مؤمنين وقال في آية أخرى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ: 20] قوله: قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً قال الكلبي ومقاتل: يعني اخرج من الجنة مذءوما أي معيباً مدحوراً أي: مطرودا.

وقال الزجاج: مذءوما أي مذموماً.

يقال: دأمت الرجل وذممته إذا عبته مدحوراً أي: مبعداً من رحمة الله تعالى.

لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أي: مَنْ أطاعك فيما دعوته إليه.

واللام زيادة للتأكيد لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ أي: ممن أطاعك منهم من الجن والإنس، ويكون هذا اللفظ بمعنى القسم والتأكيد وأنه يفعل ذلك لا محالة.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ...

الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة.

واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه.

وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ «١» ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ.

وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات «٢» .

وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير «٣» ، وثُمَّ لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها.

وقوله سبحانه: فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ تقدم الكلام على قصص الآية في «سورة البقرة» .

«وما» في قوله: مَا مَنَعَكَ استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و «لا» في قوله:

أَلَّا تَسْجُدَ قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان «١» :

إنها زائدة «٢» ، كهي في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ [الحديد: ٢٩] .

قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص: ٧٥] في «ص» انتهى.

وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين.

وقال الطبري «٣» : ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس «٤» ، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس «٥» .

وإنما خرّج كلاهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخوارج

وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجَادَّةِ.

وقوله سبحانه: فَاهْبِطْ مِنْها الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية.

وقوله: إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي.

ومعنى: أَنْظِرْنِي أخِّرْنِي «١» فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى.

قاله/ أكثر الناس «٢» وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع.

وقوله: فَبِما يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: فَبِعِزَّتِكَ [ص: ٨٢] وأَغْوَيْتَنِي قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل «٣» .

وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه.

ومنه قوله عليه السلام: «إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ «٤» نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة «٥» ...

»

الحديث.

وقوله سبحانه: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا

تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين.

قال الفخر «١» : وقوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي: على صِرَاطِكَ.

أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع.

انتهى.

وقوله: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك.

قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل «٢» .

ومنه قوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبيّنه قوله صلّى الله عليه وسلّم في الصَّحيح: «يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ» «٣» .

ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأسود» «٤» وشاكِرِينَ معناه: مُؤْمنين لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن.

قاله ابن عباس وغيره «٥» .

وقوله سبحانه: اخْرُجْ مِنْها أي: من الجنة مَذْؤُماً أي مَعِيباً مَدْحُوراً أي:

مقصيًّا مبعداً.

لَمَنْ تَبِعَكَ بفتح اللام هي لام قسم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ في مَعْنى هَذا الإغْواءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإضْلالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى الإهْلاكِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ﴾ ، أيْ: هَلاكًا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وفي مَعْنى "فَبِما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القَسَمِ، أيْ: فَبِإغْوائِكَ لِي.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الجَزاءِ، أيْ: فَبِأنَّكَ أغْوَيْتَنِي، ولِأجْلِ أنَّكَ أغْوَيْتَنِي ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: أيْ عَلى صِراطِكَ.

ومِثْلُهُ قَوْلُهُمْ: ضَرَبَ زِيدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ.

وفي المُرادِ بِالصِّراطِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ كَأنَّ المُرادَ صَدَّهم عَنِ الحَجِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ الحَنِيفَةِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ﴿ قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ﴿ قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ﴿ قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ "ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فاهْبِطْ مِنها ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَما يَكُونُ لَكَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.

تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.

ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.

ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ": ﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.

وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.

و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ: مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.

وقَوْلُهُ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟

فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتّرتيب والتسبب على قوله: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ [الأعراف: 13] ثمّ قولِه ﴿ إنك من المنظرين ﴾ [الأعراف: 15].

فقد دلّ مضمون ذينك الكلامين أنّ الله خلق في نفس إبليس مَقدرة على إغواء النّاس بقوله: ﴿ إنك من الصاغرين ﴾ [الأعراف: 13] وإنّه جعله باقياً متصرّفاً بقواه الشرّيرة إلى يوم البعث، فأحسّ إبليس أنّه سيكون داعية إلى الضّلال والكفر، بجبلةٍ قَلَبه الله إليها قَلْباً وهو من المَسخ النّفساني، وإنّه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأنّ ما يصدر عنه هو ضلال وفساد، فصدور ذلك منه كصدور النّهش من الحيّة، وكتحرّك الأجفان عند مرور شيء على العين، وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما.

والباء في قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ سببيْة وهي ظرف مستقِر واقع موقع الحال من فاعل ﴿ لأقعدن ﴾ ، أي أقسم لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي.

واللاّم في ﴿ لأقعدن ﴾ لام القسم: قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه.

وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التّعليل، وهو قريب من الشّرط فلذلك استحقّ التّقديم فإنّ المجرور إذا قُدم قد يفيد معنى قريباً من الشرطيّة، كما في قول النّبي صلى الله عليه وسلم " كما تكونوا يُوَلَّى عليكم " وفي رواية جزم تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشّرط بعلامة الجزم فلم يرو «يولى» إلاّ بالألف في آخره على عدم اعْتبار الجزم.

وذلك يحصل من الاهتمام بالمتعلِّق، إذ كان هو السّبب في حصول المتعلَّق به، فالتّقديم للاهتمام، ولذلك لم يكن هذا التّقديم منافياً لتصدير لام القسم في جملتها، على أنّا لا نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب.

وما مصدريّة، والقعود كناية عن الملازمة كما في قول النّابغة: قُعوداً لدى أبياتهم يَثْمدونهم *** رمَى اللَّهُ في تلك الأكُف الكوانع أي ملازمين أبياتاً لغيرهم يُرِد الجلوس، إذ قد يكونون يسألون واقفين، وماشين، ووجه الكناية هو أنّ ملازمة المكان تستلزم الإعياء من الوقوف عنده، فيقعد الملازم طلباً للرّاحة، ومن ثم أطلق على المستجير اسم القَعيد، ومن إطلاق القعيد على الملازم قوله تعالى: ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ [ق: 17] أي ملازم إذ الملَك لا يوصف بقعود ولا قيام.

ولمّا ضمن فعل: ﴿ لأقعدن ﴾ معنى الملازمة انتصب ﴿ صراطك ﴾ على المفعولية، أو على تقدير فعل تضمّنه معنى لأقعدن تقديره: فامْنَعَنّ صراطك أو فَأقْطَعَنّ عنهم صراطك، واللاّم في لهم للأجل كقوله: ﴿ واقعدوا لهم كل مرصد ﴾ [التوبة: 5].

وإضافة الصّراط إلى اسم الجلالة على تقدير اللاّم أي الصّراط الذي هو لك أي الذي جعلته طريقاً لك، والطّريق لله هو العمل الذي يحصل به ما يرضي الله بامتثال أمره، وهو فعل الخيرات، وترك السيّئات، فالكلام تمثيلُ هيئة العازمين على فعل الخير، وعزمهم عليه، وتعرّض الشّيطان لهم بالمنع من فعله، بهيئة السّاعي في طريق إلى مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه قاطع طريق منعه من المرور فيه.

والضّمير في ﴿ لهم ﴾ ضمير الإنس الذين دلّ عليهم مقام المحاورة، التي اختصرت هنا اختصاراً دعا إليه الاقتصار على المقصود منها، وهو الامتنان بنعمة الخلق، والتّحذير من كيد عدوّ الجنس، فتفصيل المحاورة مشعر بأنّ الله لمّا خلق آدم خاطب أهل الملإ الأعلى بأنّه خلقه ليَعْمر به وبنسله الأرضَ، كما أنبأ بذلك قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] فالأرض مخلوقة يومئذ، وخلق الله آدم ليعمرها بذريته وعلم إبليس ذلك من إخبار الله تعالى الملائكةَ فحكى الله من كلامه ما به الحاجة هنا: وهو قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ الآية وقد دلّت آية سورة الْحِجْر على أنّ إبليس ذكر في محاورته ما دلّ على أنّه يريد إغواءَ أهل الأرض في قوله تعالى: ﴿ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين ﴾ [الحجر: 39، 40] فإن كان آدم قد خلق في الجنّة في السّماء ثمّ أهبط إلى الأرض فإن علم إبليس بأنّ آدم يصير إلى الأرض قد حصل من إخبار الله تعالى بأن يجعله في الأرض خليفة، فعلم أنّه صائر إلى الأرض بعد حين، وإن كان آدم قد خُلق في جنّة من جنّات الأرض فالأمر ظاهر، وتقدّم ذلك في سورة البقرة.

وهذا الكلام يدلّ على أنّ إبليس عَلِم أنّ الله خلق البشر للصّلاح والنّفععِ، وأنّه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سُمِّيت أعمال الخير، في حكاية كلام إبليس، صراطاً مستقيماً، وإضافه إلى ضمير الجلالة، لأنّ الله دعا إليه وارد من النّاس سلوكه، ولذلك أيضاً ألزم ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ .

وبهذا الاعتبار كان إبليس عدواً لبني آدم، لأنّه يطلب منهم ما لم يُخلقوا لأجله وما هو مناففٍ للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّغيير، وذلك ما أفصح عنه الجَعل الإلهي المشار إليه بقوله: ﴿ بعضكم لبعض عدو ﴾ [البقرة: 36]، وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبُّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح.

وجملة: ﴿ ثم لأتيناهم ﴾ (ثمّ) فيها للتّرتيب الرّتبي، وهو التّدرّج في الأخبار إلى خبر أهم لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أوقع في غرض الكلام من مضمون الجملة المعطوف عليها، لأنّ الجملة الأولى أفادت التّرصد للبشر بالإغواء، والجملة المعطوفة أفادت التّهجّم عليهم بشتّى الوسائل.

وكما ضُرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق، كذلك مُثلت هيئة التّوسل إلى الإغواء بكلّ وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدوّ إذ يأتيه من كلّ جهة حتّى يصادف الجهة التي يتمكّن فيها من أخذه، فهو يأتيه من بين يديه ومِن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتّى تخور قوّة مدافعته، فالكلام تمثيل، وليس للشّيطان مسلك للإنسان إلاّ من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في نفسه، وليست الجهات الأربع المذكوره في الآية بحقيقه، ولكنّها مجاز تمثيلي بما هو متعارف في محاولة النّاس ومخاتلتهم، ولذلك لم يذكر في الآية الإتيان من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن النّاس في المخاتلة وإلاّ المهاجمة.

وعُلِّق ﴿ بين أيديهم ﴾ و ﴿ خلفهم ﴾ بحرف (مِن) وعلّق ﴿ أيمانهم ﴾ و ﴿ شمالهم ﴾ بحرف عن جرياً على ما هو شائع في «لسان العرب» في تعدية الأفعال إلى أسماء الجهات، وأصل (عن) في قولهم: عن يمينه وعن شماله المجاوزة: أي من جهة يمينه مجاوِزا له ومجافياً له، ثمّ شاع ذلك حتّى صارت (عن) بمعنى على، فكما يقولون: جلس على يمينه يقولون: جلس عن يمينه، وكذلك (مِن) في قولهم مِن بين يديه أصلها الابتدا يقال: أتاه من بين يديه، أي من المكان المواجه له، ثمّ شاع ذلك حتّى صارت (من) بمنزلة الحرف الزّائد يجرّ بها الظّرف فلذلك جُرّت بها الظّروف الملازمة للظّرفيّة مثل عند، لأنّ وجود (مِن) كالعدم، وقد قال الحريري في «المقامة النّحويّة» (مَا منصوبٌ على الظرف لا يَخفِضه سوى حرف: «فهي هنا زائدة ويجوز اعتبارها ابتدائيّة.

والأيمان جمع يمين، واليمين هنا جانب من جسم الإنسان يكون من جهة القطب الجنوبي إذا استقبل المرء مشرق الشّمس، تعارفه النّاس، فشاعت معرفته ولا يشعرون بتطبيق الضّابط الذي ذكرناه، فاليمين جهة يتعرّف بها مواقع الأعضاء من البدَن يقال العَيْن اليمنى واليد اليُمنى ونحو ذلك.

وتتعرّف بها مواقع من غيرها قال تعالى: ﴿ قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ [الصافات: 28].

وقال امرؤ القيس: عَلَى قَطَننٍ بالشَّيْممِ أيْمَنُ صَوبه لذلك قال أيمّة اللّغة سمّيت بلاد اليَمَن يَمَناً لأنّه عن يمين الكعبة، فاعتبروا الكعبة كشخص مستقبِللٍ مشرق الشّمس فالرّكن اليماني منها وهو زاوية الجدار الذي فيه الحجر الأسود باعتبار اليد اليمنى من الإنسان، ولا يدري أصل اشتقاق كلمة (يَمِين)، ولا أن اليُمْن أصل لها أو فرع عنها، والأيمان جمع قياسي.

والشّمائلُ جمع شِمَال وهي الجهة التي تكون شِمَالاً لمستقبللِ مشرِق الشّمس، وهو جمع على غير قياس.

وقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ زيادة في بيان قوّة إضلاله بحيث لا يفلت من الوقوع في حبائله إلاّ القليل من النّاس، وقد عَلِم ذلك بعلم الحدس وترتيب المسبّبات.

وكني بنفي الشّكر عن الكفر إذ لا واسطة بينهما كما قال تعالى: ﴿ واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ [البقرة: 152] ووجهُ هذه الكناية، إن كانت محكيّة كما صدرت من كلام إبليس، أنّه أراد الأدب مع الله تعالى فلم يصرّح بين يديه بكفر أتباعه المقتضي أنّه يأمرهم بالكفر، وإن كانت من كلام الله تعالى ففيها تنبيه على أنّ المشركين بالله قد أتَوا أمراً شنيعاً إذ لم يشكروا نعمه الجمّة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَبِما أغْوَيْتَنِي ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى مَعْنى القَسَمِ وتَقْدِيرُهُ: فَبِإغْوائِكَ لِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلى مَعْنى المُجازاةِ، تَقْدِيرُهُ: فَلِأنَّكَ أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿ أغْوَيْتَنِي ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ أضْلَلْتَنِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ خَيَّبْتَنِي مِن جَنَّتِكَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدُ النّاسُ أمْرَهُ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمُ عَلى الغَيِّ لائِمًا أيْ ومَن يَخِبْ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ عَذَّبْتَنِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ﴾ أيْ عَذابًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ أهْلَكْتَنِي بِلَعْنِكَ لِي، يُقالُ غَوى الفَصِيلُ إذا أشْفى عَلى الهَلاكِ بِفَقْدِ اللَّبَنِ، قالَ الشّاعِرُ: مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى وَقَوْلُهُ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ أيْ عَلى صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: طَرِيقُ مَكَّةَ لِيَصُدَّ عَنْ قَصْدِها في الحَجِّ والعُمْرَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: طَرِيقُ الحَقِّ لِيَصُدَّ عَنْها بِالإغْواءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ أُشَكِّكُهم في آخِرَتِهِمْ، ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ أُرَغِّبُهم في دُنْياهم، ﴿ وَعَنْ أيْمانِهِمْ ﴾ : أيْ مِن قِبَلِ حَسَناتِهِمْ، ﴿ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ مِن قِبَلِ سَيِّئاتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ : مِن قِبَلِ، دُنْياهم، ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ : مِن قِبَلِ آخِرَتِهِمْ، ﴿ وَعَنْ أيْمانِهِمْ ﴾ : الحَقُّ أُشَكِّكُهم فِيهِ، ﴿ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ : الباطِلُ أُرَغِّبُهم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وإبْراهِيمُ.

والثّالِثُ: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ ﴿ وَعَنْ أيْمانِهِمْ ﴾ مِن حَيْثُ يَنْظُرُونَ، ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ ﴿ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ : مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أرادَ مِن كُلِّ الجِهاتِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاحْتِيالُ عَلَيْهِمْ مِنها، ولَمْ يَذْكُرْ مِن فَوْقِهِمْ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَصُدُّهُ، ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ : فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ فَلا يُقْدِمُونَ عَلى طاعَةٍ، ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ : فِيما مَضى مِن أعْمارِهِمْ فَلا يَتُوبُونَ عَنْ مَعْصِيَةٍ، ﴿ وَعَنْ أيْمانِهِمْ ﴾ : مِن قِبَلِ غِناهم فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَشْكُورٍ، ﴿ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ : مِن قِبَلِ فَقْرِهِمْ فَلا يَمْتَنِعُونَ فِيهِ عَنْ مَحْظُورٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: ﴿ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ﴾ : بَسْطُ أمَلِهِمْ، ﴿ وَمِن خَلْفِهِمْ ﴾ تَحْكِيمُ جَهْلِهِمْ، ﴿ وَعَنْ أيْمانِهِمْ ﴾ : فِيما يُيَسِّرُ لَهم، ﴿ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ﴾ : فِيما تَعَسَّرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: شاكِرِينَ لِنِعَمِكَ.

والثّانِي: مُقِيمِينَ عَلى طاعَتِكَ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ عَلِمَ إبْلِيسُ ذَلِكَ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ فَصَدَقَ ظَنُّهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ وسَبَبُ ظَنِّهِ أنَّهُ لَمّا أغْوى آدَمَ واسْتَزَلَّهُ قالَ: ذُرِّيَّةُ هَذا أضْعَفُ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس ﴿ فبما أغويتني ﴾ قال: أضللتني.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق بقية عن أرطاة عن رجل من أهل الطائف في قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ قال: عرف إبليس أن الغواية جاءته من قبل الله فآمن بالقدر.

وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ قال: الحق.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم ﴾ قال طريق مكة.

وأخرج عبد بي حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله ﴿ لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم ﴾ قال طريق مكة.

وأخرج أبو الشيخ من طريق عون عن ابن مسعود.

مثله.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز إبليس معهم بمثل عدتهم.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول: أقعد لهم فأصدهم عن سبيلك.

وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن سبرة ابن الفاكه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه، فقعد له بطريق الإِسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك؟

فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله؟

فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟

فعصاه فجاهد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: فبما أضللتني، مثل قول نوح: ﴿ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾ ) (١) قال أبو بكر الأنباري حاكيًا عن أهل اللغة: (الإغواء (٢) ﴿ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ أي: فبما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب خروجي من الجنة، وكذلك قوله: ﴿ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ  ﴾ أي: يوقع الشر في قلوبكم ويحسن القبيح لكم لما سبق لكم عنده من الشقاء.

قال: وقال بعضهم: الإغواء الإهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ﴾ أي: هلاكاً وبلاء، ومنه أيضًا قولهم: غَوِيَ الفصيل يَغْوَى غوى (٣) (٤) ﴿ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ  ﴾ إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق، وهذا قول تحتمله اللغة، وأهل التفسير على القول الأول) (٥) قال أبو إسحاق: (في ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ قولان: قال بعضهم: أضللتني، وقال بعضهم: فبما دعوتني إلى شيء غَويت به، أي: غويت من أجل آدم) (٦) قال أبو بكر: (وأما قوله عز وجل: ﴿ فَبِمَا ﴾ ؛ فإن الباء تحتمل أمرين: أحدهما: القسم؛ أي: بإغوائك إياي ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ بقدرتك عليَّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم [الذي] (٧) ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ صلتها ولا عائد لها.

قال: ويجوز أن يكون (ما) بتأويل الشرط والباء من صلة الإغواء، والفاء المضمرة جواب الشرط، والتقدير قال: فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطك، فتضمر (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، قال الزجاج: (أي: على طريقك المستقيم، ولا اختلاف بين النحويين (١١) (١٢) وزاد الفراء بيانًا، فقال (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ومعنى ﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ كما ذكره أبو بكر فيما حكينا (١٩) ﴿ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ (يريد: دينك الواضح) (٢٠) (٢١) وقال جابر بن عبد الله: (هو الإسلام) (٢٢) (١) أخرجه الطبري 8/ 133 بسند جيد، وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 135.

(٢) أصل الإغواء: تزيين الرجل للرجل الشيء حتى يحسنه عنده يقال: غَوَى، بالفتح: الرجل يَغْوَى غَيًّا من الغي، خلاف الرشد، والغواية: الانهماك في الغيَّ، ويأتي الغَيَّ بمعنى الفساد والضلال والجهل والخيبة.

انظر: "الطبري" 8/ 133، و"الجمهرة" 1/ 244، و"تهذيب اللغة" 3/ 2706، و"الصحاح" 6/ 2450، و"المفردات" ص 620، و"اللسان" 6/ 3320 (غوى).

(٣) جاء في "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 252 (يقال: غَوى الرجل يَغْوى غَيًّا وغَواية: إذا جهل وأساء.

ويقال: قد غَوِي الفصيل يَغْوَى إذا بشم من لبن أمه عند الإكثار والازدياد منه) اهـ.

ونحوه في "شرح القصائد" ص 52، وفي مصادر اللغة يطلق ذلك عليه، إذا فقد اللبن حتى كاد يهلك، ويقال أيضًا: إذا أكثر من اللبن فأتخم.

انظر: "العين" 4/ 456، و"البارع" ص 443 - 445، والمراجع السابقة.

(٤) في (ب): (ويشارك)، وهو تحريف.

(٥) ذكر بعضه الواحدي في "الوسيط" 1/ 162، والبغوي 3/ 218، وابن الجوزي 3/ 175، وقال: (الجمهور على أنه بمعنى: الإضلال) اهـ.

وهو بدون نسبة في "تفسير الثعلبي" 188 أ، والرازي 14/ 37 (٦) "معاني الزجاج" 2/ 324، وانظر: "معاني النحاس" 3/ 16، و"تفسير السمرقندي" 1/ 533، والماوردي 2/ 206.

(٧) لفظ: (الذي) ساقط من (ب).

(٨) في (ب): (فيضمر) بالياء.

(٩) في (ب): (يضمرها) بالياء.

(١٠) ذكر بعضه الواحدي في "الوسيط" 1/ 162، والوجوه في (الباء) و (ما) في عامة المصادر.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 135، والماوردي 2/ 206، و"غرائب الكرماني" 1/ 399، و"تفسير البغوي" 3/ 218، وابن عطية 5/ 444، و"الفريد" 2/ 277، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 274، والسمين في "الدر" 5/ 264 - 265: (الظاهر أن الباء للقسم، وما مصدرية) اهـ.

وذكر السمين قول ابن الأنباري في أن ما شرطية وقال: (هذا الذي قاله ضعيف جدًّا، فإنه على تقدير صحة معناه يمتنع من حيث الصناعة، فإن فاء الجزاء لا تحذف إلا في ضرورة شعر، فعلى رأي أبي بكر يكون قوله ﴿ لَأَقْعُدَنَّ ﴾ جواب قسم محذوف، وذلك القسم المقدر، وجوابه جواب الشرط فيقدر دخول الفاء على نفس جملة القسم مع جوابها تقديره: فبما أغويتني، فوالله لأقعدن، هذا يتمم مذهبه) اهـ.

(١١) انظر: "الكتاب" 1/ 34 - 37، و"معاني الأخفش" 2/ 295.

(١٢) "معاني الزجاج" 2/ 324، ونحوه ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 602، والمعاني 3/ 16، ومكي في "المشكل" 1/ 284.

(١٣) في (أ): (وقال).

(١٤) في "معاني الفراء" (أو في).

(١٥) المراد بالصفة هاهنا -عند الكوفيين-: حرف الجر، وكذلك يطلقونه أيضًا على الظرف انظر: "معجم المصطلحات النحوية" للدكتور محمَّد اللبدي ص 241، و"حاشية تفسير الطبري" 12/ 337.

(١٦) في (ب): (طرقٌ) -وهو تصحيف-، وفي "معاني الفراء" 1/ 375؛ لأن الطريق صفة في المعنى، وما ذكره الواحدي هو تفسير لذلك؛ لأن الفراء يطلق على الظرف لفظ الصفة كما سبق بيانه.

(١٧) في (ب): (فاحتمله ما يحتمله) وهو تحريف.

(١٨) في "معاني الفراء" 1/ 375: (آتيك غدًا أو آتيك في غد).

وضعف أبو حيان في "البحر" 4/ 275، والسمين في "الدر" 5/ 266 - 268، النصب على إسقاط الخافض لأن حذف حرف الجر لا ينقاس في مثل هذا ، ولا يطرد حذفه، بل هو مخصوص بالضرورة.

وقالا: (والأولى أن يضمن (لأقعدن) معنى ما يتعدى بنفسه فينتصب الصراط على أنه مفعول به، والتقدير: لألزمن بقعودي صراطك المستقيم) اهـ.

(١٩) سبق تخريجه عن ابن الأنباري (٢٠) "تنوير المقباس" 2/ 84، وذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195 عن ابن عباس.

(٢١) ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195، وفي أكثر كتب التفسير عن ابن == مسعود قال: (طريق مكة).

انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 206، وابن الجوزي 3/ 176، و"الدر المنثور" 3/ 135.

(٢٢) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 176، وابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 195، وما ذكر تنبيه على بعض أنواع الصراط، والظاهر هو العموم، فالصراط: الطريق وسبيل النجاة، وذلك دين الله الحق، والإسلام وشرائعه، وهو اختيار عامة المفسرين.

انظر: "تفسير الطبري" 8/ 134، 135، و"معاني النحاس " 3/ 16، و"تفسير السمرقندي" 1/ 533، و"البغوي" 3/ 218، و"ابن عطية" 5/ 446.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ خلقناكم ثُمَّ صورناكم ﴾ قيل: المعنى أردنا خلقكم وتصويركم ﴿ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ وقيل: خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف ﴿ أَلاَّ تَسْجُدَ ﴾ لا زائدة للتوكيد ﴿ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ استدل به بعض الأصوليين على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب على ترك المبادرة بالسجود ﴿ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ تعليلٌ علَّلَ به إبليس امتناعه من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود ﴿ فاهبط مِنْهَا ﴾ أي من السماء ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ الفاء للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع حرف الجر ﴿ صراطك ﴾ يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ الآية: أي من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن شمائلهم السيئات ﴿ مَذْءُوماً ﴾ من ذأمه بالهمز إذا ذمه ﴿ مَّدْحُوراً ﴾ أي مطروداً حيث وقع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأملأن ﴾ بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: ﴿ تخرجون ﴾ من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم.

الوقوف: ﴿ إلا إبليس ﴾ ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له.

﴿ الساجدين ﴾ ه ﴿ إذ أمرتك ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول.

﴿ طين ﴾ ه ﴿ الصاغرين ﴾ ه.

﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه ﴿ المستقيم ﴾ ه لا للعطف ﴿ شمائلهم ﴾ ط ﴿ شاكرين ﴾ ه ﴿ مدحوراً ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف.

﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الخالدين ﴾ ه ﴿ الناصحين ﴾ ه ﴿ بغرور ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء ﴿ ورق الجنة ﴾ ط لأن الواو للاستئناف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ أنفسنا ﴾ سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ عدو ﴾ ط لعطف المختلفين ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ تخرجون ﴾ ه.

التفسير: من جملة نعم الله  علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم  ﴾ منع من المعصية بقوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام.

وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله  .

وههنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا ﴾ يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس.

وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا.

وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم  أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور  ﴾ أي ميثاق أسلافكم.

وقال  : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل.

وإنما قتله أحدهم.

ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد.

ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة.

ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله  عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له.

فقوله: ﴿ خلقناكم ﴾ إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم.

وقوله: ﴿ صورناكم ﴾ إشارة إلى أنه  أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة".

ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله  آدم وأمر الملائكة بالسجود له.

قال الإمام فخر الدين  .

وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية.

وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته.

أما قوله  .

﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ فظاهره يقتضي أنه  طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص ﴿ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي  ﴾ فلهذا الإشكال حصل للمفسرين  م أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في ﴿ لا أقسم  ﴾ وكما في قوله: ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب  ﴾ أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين.

قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في ﴿ لئلا يعلم ﴾ ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك.

قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور.

وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله  خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟

والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي.

وثالثها قال القاضي: ذكر الله  المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله  حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها.

وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه.

وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟

وقيل: معناه من قال لك لا تسجد.

وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: ﴿ أن لا تسجد ﴾ بقوله: ﴿ ما منعك ﴾ وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال.

والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟

﴿ إذ أمرتك ﴾ أمر إيجاب.

وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده.

واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال.

ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ ثم بين هذه المقدمة بقوله ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال.

وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت.

وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع.

وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل.

ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله   : ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً  ﴾ وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً.

ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله  ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل.

فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال  : "ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ باطلة.

ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟

ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟

قالت العلماء ههنا: إن قوله  للملائكة ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس.

وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله  مع إبليس.

ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً.

وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى.

ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك.

ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا.

﴿ قال ﴾ أي الله  كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته ﴿ فاهبط ﴾ يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط ﴿ منها ﴾ .

قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم.

وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين ﴿ فما يكون ﴾ فما يصح ﴿ لك أن تتكبر فيها ﴾ وتعصي ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ من أهل الصغار والهوان.

يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين.

وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" ﴿ قال أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله  ذلك بل ﴿ قال ﴾ مطلقاً ﴿ إنك من المنظرين ﴾ قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله  له أجلاً.

والمراد الوقت المعلوم في علم الله  والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً.

أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن.

ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: ﴿ لأقعدن ﴾ لأن لام القسم تأبى ذلك.

لا يقال: والله يريد لأمرنّ.

لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها.

وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم.

ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن.

ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن.

وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال.

قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً.

ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب.

وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: ﴿ لأقعدن ﴾ ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل.

قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله: ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة.

أجابت المعتزلة عن قوله: ﴿ فبما إغويتني ﴾ بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه  لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله.

وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن.

وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود.

أما قوله: ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ فانتصابه على الظرف كقوله: لدن بهز الكف يعسل متنه *** فيه كما عسل الطريق الثعلب قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن.

والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ﴾ على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود.

واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل.

فمن قائل بالأول لقوله: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ وصراط الله المستقيم هو دينه الحق.

ومن قائل بالثاني لقوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك.

قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض.

إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله  : ﴿ فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم  ﴾ ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة.

وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب.

وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق.

وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه  لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب.

فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها.

أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها ﴿ من بين أيديهم ﴾ أي أشككهم في صحة البعث والقيامة ﴿ ومن خلفهم ﴾ ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية.

وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي ﴿ من بين أيديهم ﴾ يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها ﴿ ومن خلفهم ﴾ الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك.

وأما قوله: ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ فقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الكفر والبدعة ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في أنواع المعاصي.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ في الصرف عن الحق ﴿ وعن شمائلهم ﴾ في الترغيب في الباطل.

وقيل: ﴿ عن أيمانهم ﴾ افترهم عن الحسنات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين.

وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس.

وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: ﴿ من بين أيديهم ﴾ وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: ﴿ ومن خلفهم ﴾ وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن.

ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر.

فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة.

وقيل: ﴿ من بين أيديهم ﴾ الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد ﴿ ومن خلفهم ﴾ شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، ﴿ وعن إيمانهم ﴾ الترغيب في ترك المأمورات ﴿ وعن شمائلهم ﴾ الترغيب في فعل المنهيات.

وعن شقيق  ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها  ﴾ وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ ﴿ وحيل بينهم وبين ما يشتهون  ﴾ وعن رسول الله  " "إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام.

فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك  ﴾ وبقي ههنا بحث وهو أنه  كيف قال: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ بحرف الابتداء ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ بحرف المجاورة؟

قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع.

يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف.

وقالت الحكماء ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر ﴿ وعن أيمانهم وعن شمائلهم ﴾ الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية.

وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول.

وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟

فأوحى الله  إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة.

قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق.

قلت: هذا منافٍ لما في الحديث "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" .

أما قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟

وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين.

وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه  ﴾ ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ .

وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم.

وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ ﴿ قال ﴾ الله  في جوابه إذا كان هذا عزمك ﴿ اخرج منها مذؤماً مدحوراً ﴾ الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً.

واللام في ﴿ لمن تبعك ﴾ موطئة للقسم و ﴿ لأملأن ﴾ جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط.

وعن عصام ﴿ لمن تبعك ﴾ بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: ﴿ إنكم قوم تجهلون  ﴾ أي إنكم وإنهم على هذا.

فقوله: ﴿ لأملأن ﴾ في محل الابتداء ﴿ ولمن تبعك ﴾ خبره.

قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار.

وأجيب بشرط عدم العفو.

قوله: ﴿ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ الآية.

فيها من المسائل أن قوله: ﴿ اسكن ﴾ أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف.

وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض.

وأن قوله ﴿ وكلا ﴾ أمر إباحة لا أمر تكليف.

وأن قوله: ﴿ ولا تقربا ﴾ نهي تنزيه أو نهي تحريم.

وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت.

وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً.

وأن الظلم في قوله: ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ بأي معنى هو؟

وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟

ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة ﴿ فوسوس لهما الشيطان ﴾ الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال.

ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى.

فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره ﴿ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما ﴾ قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته.

وقوله: ﴿ ووري ﴾ مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة.

ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه ﴿ قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: ﴿ إني لكما لمن الناصحين ﴾ .

سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟

والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً.

وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ .

قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ﴿ ملكين ﴾ بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله: ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة.

ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي.

نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟

فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين.

أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر.

ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ.

ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال.

ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير.

سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟

والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح.

أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم ﴿ فدلاهما بغرور ﴾ أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه.

وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده.

قال ابن عباس: غرهما باليمين.

وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً.

وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.

﴿ فلما ذاقا الشجرة ﴾ فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى ﴿ فأكلا منها  ﴾ لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل.

﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل ﴿ صغت قلوبكما  ﴾ مكان قلباكما ﴿ وطفقا يخصفان ﴾ أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد.

قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور.

والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟

﴿ ألم أنهكما ﴾ عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة.

عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك.

فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده.

وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها.

قوله: ﴿ ما منعك ﴾ وفي ص ﴿ يا إبليس ما منعك  ﴾ وفي الحجر ﴿ يا إبليس ما لك  ﴾ حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء.

قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ وفي ص ﴿ ما منعك أن تسجد  ﴾ جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس.

وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: ﴿ ما منعك أن تسجد ﴾ و ﴿ مالك أن لا تسجد ﴾ وحذف ﴿ أن تسجد ﴾ وحذف ﴿ مالك ﴾ لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ .

قوله: ﴿ أنا خير منه ﴾ الآية في ص مثله كلاهما في جواب ﴿ ما منعك ﴾ ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال: ﴿ لم أكن لأسجد  ﴾ ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين.

قوله: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون ﴾ وفي ص وفي الحجر ﴿ رب فانظرني  ﴾ لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين.

وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله: ﴿ ربنا فاغفر  ﴾ أي أدعوك فاغفر.

فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء.

وكذلك من قوله: ﴿ إنك من المنظرين ﴾ ليطابق الجواب السؤال.

قوله: ﴿ فبما أغويتني ﴾ وفي الحجر ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ بزيادة النداء ليوافق ما قبله.

وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص" ﴿ فبعزتك لأغوينهم  ﴾ لزيادة الربط.

ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب.

﴿ قال اخرج منها مذؤماً ﴾ ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: ﴿ لأقعدن لهم ﴾ إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم.

قوله: ﴿ فكلا ﴾ بالفاء وفي البقرة ﴿ وكلا  ﴾ لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة.

وإنما زاد في البقرة ﴿ رغداً ﴾ لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: ﴿ وقلنا ﴾ قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود.

وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم.

التأويل: ﴿ ولقد خلقنا ﴾ أرواحكم ﴿ ثم صورناكم ﴾ أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث "إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام" ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم  ﴾ فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط ﴿ يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب ﴿ ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً ﴿ فسجدوا ﴾ لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله ﴿ إلا إبليس لم يكن ﴾ من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري ﴿ قال ما منعك ﴾ خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: ﴿ أنا خير منه ﴾ أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف.

وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية.

فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: ﴿ أنظرني ﴾ فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر ﴿ إلى يوم الوقت المعلوم  ﴾ ﴿ قال فبما أغويتني ﴾ لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله: ﴿ لأغوينهم  ﴾ ﴿ لأقعدن ﴾ ﴿ ثم لآتينهم ﴾ من الجهات التي فيها حظوظ النفس ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين.

﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين.

أو المراد ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الرياء والعجب ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل الصلف والفخر ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ من قبل الاعتراض على الشيخ ﴿ ومن خلفهم ﴾ من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ ﴿ وعن أيمانهم ﴾ من قبل ترك حشمة المشايخ ﴿ وعن شمائلهم ﴾ من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول.

أو ﴿ من بين أيديهم ﴾ أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق ﴿ ومن خلفهم ﴾ أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أثور عليهم أحباءهم ﴿ وعن شمائلهم ﴾ أثور عليهم أعداءهم وحسادهم.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله: ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع.

ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة ﴿ أو تكونا من الخالدين ﴾ في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب ﴿ وقاسمهما ﴾ فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة ﴿ بدت لهما سوآتهما ﴾ أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية ﴿ وطفقا ﴾ لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة.

فبينما نحن في لهو وفي طرب *** بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته *** مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل *** والدمع منهمل والقلب مشتعل ﴿ وناداهما ربهما ﴾ نداء العزة والكبرياء ﴿ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ﴾ فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب ﴿ إن الشيطان لكما عدوّ مبين ﴾ ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: واخجلتا من وقوفي باب دارهم *** لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال ﴿ وإن لم تغفر لنا ﴾ بنوال الوصال ﴿ وترحمنا ﴾ بتجلي الجمال ﴿ لنكونن من الخاسرين ﴾ الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى.

فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: ﴿ اهبطوا بعضكم لبعض عدو ﴾ النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله ﴿ ولكم ﴾ للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط.

إن الأمور إذا انسدت مسالكها *** فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة *** إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا.

﴿ قال فيها ﴾ أي في المحبة ﴿ تحيون ﴾ بصدق الهمة وقرع باب العزيمة ﴿ وفيها تموتون ﴾ بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة ﴿ ومنها تخرجون ﴾ إلى عالم الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله عز وجل: ﴿ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: أنظره إلى النفخة الأولى؛ لئلا يذوق الموت؛ فيصل حياة الدنيا بحياة الآخرة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ  إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ  ﴾ .

وقال بعضهم: أنظره إلى يوم البعث.

وظاهر ما خرج من الخطاب أن يكون أنظره إلى يوم البعث؛ [لأنه سأل ربه أن ينظره إلى يوم البعث حيث] قال: ﴿ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ، فقال: ﴿ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ ﴾ خرج ذلك جواباً لسؤاله، وما ذكر من الوقت المعلوم.

وفي آية أخرى يجيء أن يكون هو ذلك اليوم.

وقال غيره: أنظره ولم يبين له ذلك الوقت الذي أنظره إلى ذلك الوقت؛ حتى يكون أبداً على خوف ووجل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ  ﴾ لو كان الوقت الذي أنظره معلوماً عنده، لكان لا يخاف الهلاك بدون ذلك الوقت؛ دل أنه كان غير معلوم عنده.

وقوله عز وجل: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ ، أي: بما لعنتني.

والإغواء هو اللعن كقوله ﴿ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ  ﴾ أى: من الملعونين؛ فيعني ذلك قوله ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ أي: لعنتني.

وقال أبو بكر الكيساني: أضاف الإغواء إلى نفسه؛ لما كان سبب ذلك منه، وهو الأمر الذي أمره بالسجود لآدم والخضوع له.

ويجوز أن يضاف إليه ذلك؛ لما كان منه السبب نحو قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي  ﴾ فطلب منه الإذن بالقعود، ولا تكلفني بما لا أقوم فتفتنني بذلك، وقال: إنما أضاف ذلك إليه؛ لما كان منه سبب ذلك الافتتان؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعض المعتزلة: هذا قول إبليس ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ وقد كذب عدو الله لم يغوه الله؛ فيقال لهم فإن كان إبليس عدو الله قد كذب في قوله ﴿ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ فيما أغويتني فتقولون بأن نوحاً - صلوات الله [عليه] - قد كذب حيث قال: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ  ﴾ ، أضاف الإغواء إليه؛ دل هذا على أن إبليس لم يكذب بإضافة الإغواء إلى الله.

ولكن عندنا أنه أضاف الإغواء إلى نفسه؛ لما خلق فيه فعل الغواية والضلال، على ما ذكرنا في غير موضع، ليس كما قال هؤلاء: إنه إضيف إليه لمكان ما كان منه سبب ذلك؛ لأنه لو جاز أن يضاف فعل الإغواء إليه لسبب الإغواء لجاز أن يضاف ذلك إلى الرسل والأنبياء؛ لأنه كان منهم الأمر لقومهم والدعاء إلى توحيد الله، ثم كذبوا في ذلك؛ فكان سبب إغواء أولئك هم الرسل، وذلك بعيد.

وكذلك لو كان الإغواء هو اللعن، لكان كل لاعن عليه فهو مغويه.

وقال بعضهم: ﴿ أَغْوَيْتَنِي ﴾ أي: خذلتني.

والوجه فيه: ما ذكرنا: أنه خلق فيه فعل الغواية والضلال، وكذلك من كل كافر خذله؛ لما علم منه أنه يختار الغواية والضلال.

وقوله عز وجل: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ﴾ \[هو المكث\] ليس على حقيقة القعود، ولكن على المنع عن السلوك في الطريق أو على التلبيس عليهم الطريق المستقيم والستر عليهم؛ لأن من قعد في الطريق منع الناس عن السلوك فيه.

وقوله عز وجل: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ قال: الحسن: ﴿ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ من قبل الآخرة؛ تكذيباً بالبعث والجنة والنار، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ قال: من قبل دنياهم يزينها لهم ويشهيها إليهم، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال: من قبل الحسنات يثبطهم عنها، ﴿ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ﴾ قال: من قبل السيئات يأمرهم بها، ويحثهم عليها، ويزينها في أعينهم.

وعن مجاهد: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ قال: من حيث يبصرون ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِم ﴾ من حيث لا يبصرون.

وقيل ﴿ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ من قبل آخرتهم، فلأخبرنهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث، على ما ذكر الحسن.

﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ من قبل دنياهم: آمرهم بجمع الأموال فيها لمن بعدهم من ذراريهم وأخوف عليهم الضيعة، فلا يصلون من أموالهم زكاتها، ولا يعطون لها حقها، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾ من قبل دينهم، فأزين لكل قوم ما كانوا يعبدون، فإن كانوا على ضلالة زينتها لهم، وإن كانوا على هدى شبهته عليهم، حتى أخرجهم منه، ﴿ وَعَن شَمَآئِلِهِم ﴾ من قبل اللذات والشهوات فأزينها لهم.

هذا الذي ذكر أهل التأويل يحتمل.

ثم ذكر الأمام والخلف وعن أيمان وعن شمال، ولم يذكر فوق ولا تحت؛ فيحتمل أن يدخل ما فوق وما تحت بذكر أمام واليمين والشمال والخلف؛ كقوله  : ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ  ﴾ دخل "ما فوق" بذكر ما بين أيديهم، ودخل "ما تحت" بذكر ما خلفهم؛ فعلى ذلك هذا يدخل "ما تحت" و "ما فوق" بذكر ما ذكر؛ فيصير كأنه قال: فيأتيكم من كل وجه.

ويحتمل أنه لم يذكر هذا؛ لما أنه لا سلطان له على منع الأرزاق والبركات؛ لأن أرزاق الخلق والبركات مما ينزل من السماء من المطر، ويخرج من الأرض من النبات؛ فليس له سلطان يمنع إنزال المطر وإخراج النبات من الأرض، وله سلطان على غير ذلك.

أو يكون لما يشغلهم ويشهيهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من اللذات والشهوات لما [إذا رأى أشياء أعجبته] أتبع النظر إليها واحداً بعد [واحد] من أمام ووراء ويمين وشمال، ولا كذلك من تحت ولا من فوق أو أن يكون؛ لما روي عن ابن عباس -  - أنه لما تلا هذه الآية قال: [إن] الله منعه من أن يأتيهم من فوقهم، ولو كان ذلك لما نجا أحد، فأعمالهم تصعد إلى الله، ورحمته تنزل عليهم.

وقال قتادة: أتاك اللعين من كل نحو يا بن آدم، غير أنه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة ربك؛ إنما تأتيك الرحمة من فوقك.

والذي ذكرنا أنه على التمثيل أنه يأتيه من كل جانب أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِم ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: ليس على إرادة "بين" و "خلف" و "أيمان" و "شمال" ولكن على إرادة الجهات كلها؛ كأنه يقول: لآتينهم من كل جهة.

والثاني: ما ذكر الحسن وأهل التأويل: ﴿ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ : الآخرة تكذيباً بها، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ : الدنيا تزييناً بها عليهم، ﴿ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴾ : الحسنات، ﴿ وَعَن شَمَآئِلِهِم ﴾ : السيئات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ .

هذا من عدو الله ظن ظنه لا قاله حقيقة، لكن الله - عز وجل - أخبر أنه قد صدق ظنه بقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال إبليس: بسبب إضلالك إياى حتى تركتُ امتثال أمرك بالسجود لآدم لأُقْعُدَنَّ لبني آدم على صراطك المستقيم؛ لأصرفهم وأضلهم عنه كما ضَلَلْتُ أنا عن السجود لأبيهم آدم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6rg9k"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله