الآية ٦٧ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٦٧ من سورة الأعراف

قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ) أي : لست كما تزعمون ، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء ، فهو رب كل شيء ومليكه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

في قيلك: إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ = قال: " يا قوم ليس بي سفاهة " ، يقول: أي ضلالة عن الحق والصواب =" ولكني رسول من رب العالمين " ، أرسلني، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأؤدّيها إليكم كما أمرني أن أؤدِّيَها.

----------------- الهوامش : (18) انظر تفسير الملأ" فيما سلف قريبًا ص: 499 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(19) انظر تفسير"السفاهة" فيما سلف ص: 153 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي ليس بي حمق وخفة عقل .قال : مشين كما اهتزت رماح تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم الرؤية هنا وفي قصة نوح قيل : هي من رؤية البصر .وقيل : يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ } بوجه من الوجوه، بل هو الرسول المرشد الرشيد، { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } فالواجب عليكم أن تتلقوا ذلك بالقبول والانقياد وطاعة رب العباد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) هود ، ( يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من ربِّ العالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال هود: يا قوم ليس بي نقص في عقلي، ولكني رسول إليكم من رب الخلق أجمعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الرد القبيح منهم ، أخذ هود يدافع عن نفسه ويبين لهم وظيفته بأسلوب حكيم فقال : ( يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ) أى : ليس بى أى نوع من أنواع السفاهة كما تزعمون ( وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ) .فأنت ترى أن هودا فى هذا الرد الحكيم على قومه ، قد نفى عن نفسه تهمة السفاهة كما نفى أخوه نوح من قبله عن نفسه تهمة الضلالة ، ثم بين لهم بعد ذلك وظيفته وطبيعة رسالته ، ثم أخبرهم بعد ذلك بمقتضى أخوته لهم ليس معقولا أن يكذب عليهم أو يخدعهم - فإن الرائد لا يكذب أهله - ، وإنما هو ناصح أمين يهديهم إلى ما يصلحهم ويبعدهم عما يسوءهم :قال صاحب الكشاف : " وفى إجابة الأنبياء - عليهم السلام - على من نسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والاغضاء ، وترك المقابلة بما قالوا لهم ، مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم - فى إجابتهم هذه أدب حسن ، وخلق عظيم ، وحكاية الله - عز وجل - ذلك ، تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء ، وكيف يغضون عنهم ويسلبون أذيالهم على ما يكون منهم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الثانية، وهي قصة هود مع قومه.

أما قوله: ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: انتصب قوله: ﴿ أخاهم ﴾ بقوله: ﴿ أَرْسَلْنَا  ﴾ في أول الكلام والتقدير ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ ﴾ وأرسلنا إِلَى عاد أخاهم هوداً.

البحث الثاني: اتفقوا على أن هوداً ما كان أخاً لهم في الدين.

واختلفوا في أنه.

هل كان أخا قرابة قريبة أم لا؟

قال الكلبي: إنه كان واحداً من تلك القبيلة، وقال آخرون: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحداً من جنسهم وهو البشر ليكون إلْفُهُم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل.

وما بعثنا إليهم شخصاً من غير جنسهم مثل ملك أو جني.

البحث الثالث: أخاهم: أي صاحبهم ورسولهم، والعرب تسمي صاحب القوم أخا القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا  ﴾ أي صاحبتها وشبيهتها.

وقال عليه السلام: «إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم من أذن» يريد صاحبهم.

البحث الرابع: قالوا نسب هود هذا: هود بن شالخ، بن أرفخشذ، بن سام.

بن نوح.

وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف، قال ابن إسحاق: والأحقاف، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.

البحث الخامس: اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح عليه السلام إلا في أشياء: الأول: في قصة نوح عليه السلام: ﴿ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله  ﴾ وفي قصة هود: ﴿ قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله ﴾ والفرق أن نوحاً عليه السلام كان مواظباً على دعواهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة.

وأما هود فما كانت مبالغته إلى هذا الحد فلا جرم جاء فاء التعقيب في كلام نوح دون كلام هود.

والثاني: أن في قصة نوح ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ  ﴾ وقال في هذه القصة: ﴿ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ  ﴾ والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال: ﴿ إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريباً، فلا جرم اكتفى هود بقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا فكان قوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في الدنيا.

والفرق الثالث: قال تعالى في قصة نوح: ﴿ قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ  ﴾ وقال في قصة هود: ﴿ قَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ والفرق أنه كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد، أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن.

والفرق الرابع: أنه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وحكى عن قوم هود أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين ﴾ والفرق بين الصورتين أن نوحاً عليه السلام كان يخوف الكفار بالطوفان العام وكان أيضاً مشتغلاً بإعداد السفينة وكان يحتاج إلى أن يتعب نفسه في إعداد السفينة، فعند هذا، القوم قالوا: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ  ﴾ ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ظهور الماء في تلك المفازة أما هود عليه السلام فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة العقل فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة ثم قالوا: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة واختلفوا في تفسير هذا الظن فقال بعضهم: المراد منه القطع والجزم، وورود الظن بهذا المعنى في القرآن كثير قال تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ  ﴾ وقال الحسن والزجاج: كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين فكفروا به ظانين لا متيقنين، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.

والفرق الخامس: بين القصتين أن نوحاً عليه السلام قال: ﴿ أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ وأما هود عليه السلام فقال: ﴿ أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ فنوح عليه السلام قال: ﴿ أَنصَحَ لَكُمْ ﴾ وهو صيغة الفعل وهود عليه السلام قال: ﴿ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ ﴾ وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام.

قال: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وهود عليه السلام لم يقل ذلك، ولكنه زاد فيه كونه أميناً، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب دلائل الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة، وأما صيغة اسم الفاعل فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل.

وإذا ثبت هذا فنقول: إن القوم كانوا يبالغون في السفاهة على نوح عليه السلام، ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله، وقد ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال: ﴿ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً  ﴾ فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل، فقال: ﴿ وَأَنصَحُ لَكُمْ ﴾ وأما هود عليه السلام فقوله: ﴿ وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ ﴾ يدل على كونه مثبتاً في تلك النصيحة مستقراً فيها.

أما ليس فيها إعلام بأنه سيعود إلى ذكرها حالاً فحالاً ويوماً فيوماً، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن نوحاً عليه السلام قال: ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وهوداً وصف نفسه بكونه أميناً.

فالفرق أن نوحاً عليه السلام كان أعلى شأناً وأعظم منصباً في النبوة من هود، فلم يبعد أن يقال: إن نوحاً كان يعلم من أسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل إليه هود، فلهذا السبب أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الكلمة، واقتصر على أن وصف نفسه بكونه أميناً: ومقصود منه أمور: أحدها: الرد عليهم في قولهم: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين ﴾ .

وثانيها: أن مدار أمر الرسالة والتبليغ عن الله على الأمانة فوصف نفسه بكونه أميناً تقريراً للرسالة والنبوة.

وثالثها: كأنه قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أميناً فيكم، ما وجدتم مني غدراً ولا مكراً ولا كذباً، واعترفتم لي بكوني أميناً فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟

واعلم أن الأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد.

واعلم أن القوم لما قالوا له: ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ﴾ فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله: ﴿ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ ﴾ وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ .

أما قوله: ﴿ وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين ﴾ فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح.

وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك، وذلك يدل على أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.

والفرق السادس: بين القصتين أن نوحاً عليه السلام قال: ﴿ أوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ على رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  ﴾ وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله: ﴿ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة، وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام: ﴿ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ .

واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة، وقد ذكر هود عليه السلام هاهنا نوعين من الأنعام: الأول: أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح.

والثاني: قوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً ﴾ وفيه مباحث: البحث الأول: ﴿ الخلق ﴾ في اللغة عبارة عن التقدير، فهذا اللفظ إنما ينطلق على الشيء الذي له مقدار وجثة وحجمية، فكان المراد حصول الزيادة في أجسامهم، ومنهم من حمل هذا اللفظ على الزيادة في القوة، وذلك لأن القوى والقدر متفاوتة، فبعضها أعظم وبعضها أضعف.

إذا عرفت هذا فنقول: لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة.

قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً، وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً ﴾ كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة، وكون بعضهم محباً للباقين ناصراً لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها، فصح أن يقال: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً ﴾ ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال: ﴿ فاذكروا ءالآءَ الله ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: لابد في الآية من إضمار، والتقدير: واذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بتلك الإنعامات لعلكم تفلحون.

وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لابد له من العمل، واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافياً في حصول الصلاح.

وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لابد من العمل.

والله أعلم.

البحث الثاني: قال ابن عباس: ﴿ آلآءَ الله ﴾ أي نعم الله عليكم.

قال الواحدي: واحد الآلاء إلى وألو وإلى.

قال الأعشى: أبيض لا يرهب الهزال ولا *** يقطع رحماً ولا يخون إلي قال نظير الآلاء الآناء، واحدها: أنا وإني وإني، وزاد صاحب الكشاف في الأمثلة فقال: ضلع وأضلاع، وعنب وأعناب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أخاهم ﴾ واحداً منهم من قولك: يا أخا العرب للواحد منهم.

وإنما جعل واحداً منهم، لأنهم أفهم عن رجل منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته، وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وأخاهم: عطف على نوحاً.

و ﴿ هُودًا ﴾ عطف بيان له.

فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله: ﴿ قَالَ ياقوم ﴾ ولم يقل ﴿ فقال ﴾ كما في قصة نوح؟

قلت: هو على تقدير سؤال سائل قال: فما قال لهم هود؟

فقيل: قال يا قوم اعبدوا الله، وكذلك ﴿ قَالَ الملا ﴾ .

فإن قلت: لم وصف الملأ بـ: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ دون الملأ من قوم نوح؟

قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الآخرة ﴾ [المؤمنون: 33] ويجوز أن يكون وصفاً وارداً للذمّ لا غير ﴿ فِي سَفَاهَةٍ ﴾ في خفة حلم وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر، وجعلت السفاهة ظرفاً على طريق المجاز: أرادوا أنه متمكن فيها غير منفك عنها.

وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام- من نسبهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأنّ خصومهم أضلّ الناس وأسفههم- أدب حسن وخلق عظيم، وحكاية الله عزّ وجلّ ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم ﴿ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فما حقي أن أُتهم.

أو أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه ﴿ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أي خلفتموهم في الأرض، أو جعلكم ملوكاً في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم ﴿ فِى الخلق بَسْطَةً ﴾ فيما خلق من أجرامكم ذهاباً في الطول والبدانة.

قيل: كان أقصرهم ستين ذراعاً، وأطولهم مائة ذراع ﴿ فاذكروا ءالآء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه.

وواحد الآلاء (إلى) نحو إني وإناء، وضلع وأضلاع، وعنب وأعناب.

فإن قلت: (إذ) في قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء ﴾ ما وجه انتصابه؟

قلت: هو مفعول به وليس بظرف، أي اذكروا وقت استخلافكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ ﴾ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الكَفَرَةَ عَنْ كَلِماتِهِمُ الحَمْقاءِ بِما أجابُوا والإعْراضُ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ كَمالُ النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وهَضْمُ النَّفْسِ وحُسْنُ المُجادَلَةِ، وهَكَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ ناصِحٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم عَرِفُوهُ بِالأمْرَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ﴿ أُبَلِّغُكُمْ ﴾ في المَوْضِعَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي « الأحْقافِ» مُخَفَّفًا.

﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ، أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ مِن رَمْلِ عالِجٍ إلى شَجَرِ عُمانَ، خَوَّفَهم مِن عِقابِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَّرَهم بِإنْعامِهِ.

﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ قامَةً وقُوَّةً.

﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ لِكَيْ يُفْضِيَ بِكم ذِكْرُ النِّعَمِ إلى شُكْرِها المُؤَدِّي إلى الفَلاحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)

{قال يا قوم ليس بي سفاهةٌ ولكنّي رسولٌ مّن رّبّ العالمين أبلّغكم رسالات ربّي وأنا لكم ناصحٌ} فيما أدعوكم إليه {أمينٌ} على ما أقول لكم وإنما قال هنا وانا لكم نصاح أمين لقولهم وانا انظنك من الكاذبين أي ليقابل الاسم الاسم وفي إجابة الأنبياء عليهم السلام من ينسبهم إلى الضلالة والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضصل الناس وأسفههم أدب حسن وخلق عظيم واختيار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَعْطِفًا لَهم أوْ مُسْتَمِيلًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنها فَضْلًا عَنْ تَمَكُّنِي فِيها كَما زَعَمْتُمْ ﴿ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

( 67 ) والرِّسالَةُ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَقْتَضِي الِاتِّصافَ بِغايَةِ الرُّشْدِ والصِّدْقِ ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الكَذِبِ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ وقِيلَ: الكَذِبُ نَوْعٌ مِنَ السَّفاهَةِ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُهُ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً يعني: أرسلنا إلى عاد نبيهم هوداً عطفاً على قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم.

لم يكن هود أخاهم في الدين ولكن كان من نسبهم.

قال السدي: كانت عاد قوماً من أهل اليمن فأتاهم هود، فدعاهم إلى الإيمان، وذكّرهم، ووعظهم فكذبوه.

ويقال: عاد اسم ملك ينسب القوم كلهم إليه.

ويقال: اسم القرية قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي وحّدوه مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وقد ذكرناه أَفَلا تَتَّقُونَ عن الشرك وقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وقد ذكرناه إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ أي جهالة وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ بأنك رسول الله قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ جهالة وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليكم أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ يعني: كنت فيكم قبل اليوم أميناً فكيف تتّهموني اليوم.

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: الرسالة والبيان عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ تعرفون نسبه لِيُنْذِرَكُمْ بالعذاب وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ أي جعلكم خلفاء في الأرض بعد هلاك قوم نوح وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي: فضيلة في الطول على غيركم.

والخلفاء والخلائف جمع الخليفة.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو بسْطة بالسين.

وقرأ حمزة بإشمام الزاي.

وقرأ الباقون بالصاد.

قال ابن عباس-  ما- كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.

وروى إبراهيم بن يوسف عن المسيب عن الكلبي قال: كان طول قوم عاد أطولهم مائة وعشرين ذراعاً وأقصرهم ثمانون ذراعاً.

وقال مقاتل عن قتادة: كان طول كل رجل منهم اثني عشر ذراعاً فذلك قوله لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ [الفجر: 8] ويقال: كان بين نوح وبين آدم عشرة آباء كلهم على الإسلام.

وكان إدريس جد أبي نوح ولم يكن بين آدم ونوح نبي مرسل، وكان إدريس نبياً ولم يؤمر بدعوة الخلق، ويقال: أنزل عليه عشرون صحيفة، وقد آمن به كثير من الناس، وكان بين نوح وإبراهيم ألف سنة ويقال: ألفان وأربعون سنة وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة.

وكان بين موسى وعيسى ألف سنة.

وبين عيسى ومحمد-  - خمسمائة سنة.

وكان هود بين نوح وإبراهيم فلما دعا قومه فكذبوه، أنذرهم بالعذاب، وقال: إن الله تعالى يرسل عليكم الريح فيهلككم بها، فاستهزءوا به وقالوا: أي ريح يقدر علينا، فأمر الله تعالى خازن الريح أن يخرج من الريح العقيم التي هي تحت الأرض مقدار ما يخرج من حلقة الخاتم، كما قال في آية أخرى وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات: 41] فجاءتهم وحملت الرجال والدواب كالأوراق في الهواء فأهلكتهم كلهم فلم يبق منهم أحد.

كما قال فَأَصْبَحُوا لاَ يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف: 25] وذلك بعد ما أنذرهم وأخذ عليهم الحجة وذكرهم نعم الله تعالى، قال لَهُمْ: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ أي: اشكروا نعمة الله قال بعضهم: الآلاء إيصال النعم، والنعماء دفع البلية.

وقال بعضهم على ضد هذا، وقال أكثر المفسرين: الآلاء والنعماء بمعنى واحد لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: لكي تنجوا من البلايا ومن عذابه.

قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ قالوا: يا هود أتأمرنا أن نعبد رباً واحداً وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا أي نترك عبادة آلهتنا التي كان يعبدها آباؤنا.

قال لهم هود  : إن لم تفعلوا ما آمركم يأتيكم العذاب.

قالوا: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب أي: بما تخوفنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أنك لرسول الله قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أي: وجب عليكم عذاب وغضب من ربكم أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ أي: تجعلون قول أنفسكم وقول آبائكم حجة من غير أن يثبت لكم من الله حجة، وقد اتخذتم الأصنام بأيديكم، وسميتموها آلهة مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ يقول: ليس لكم علة وعذر وحجة بعبادة الأصنام.

فَانْتَظِرُوا الهلاك إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ يعني: لنزول العذاب بكم، لأنهم أرادوا إهلاكه قبل أن يهلكوا.

قال الله تعالى: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا يعني: بنعمة منا عليهم وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي: قطع أصلهم واستأصلهم وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ يعني: أن الذين أهلكهم الله تعالى كلهم كانوا كافرين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ مبالغة في حُسْنِ الأدب، والإعراض عن الجَفَاءِ منهم، وتناول رفيق، وسعة صدر حسب ما تقتضيه خلق النبوة.

وقوله: وَلكِنِّي رَسُولٌ تعرض لمن يريد النظر، والبَحْثَ، والتأمل في المعجزة.

وقوله عليه السلام: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لفظ مُضَمَّنُهُ الوَعِيد، لا سيما وهم لم يسمعوا قطّ بأمة عذبت.

وقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ.

الاستفهام هنا على جِهَةِ التقرير والتوبيخ، وقوله: عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ قيل: «على» بمعنى «مع» .

وقيل: هو على حَذْفِ مضاف، تقديره: على لسان رجل، ويحتمل أن يكون معناه منزَّل على رَجُلٍ منكم إذ كل ما يأتي من اللَّه سبحانه فله حكم النزول، ولَعَلَّكُمْ تَرَجٍّ بحسب حال نوح ومعتقده.

وقوله سبحانه: فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ...

الآية.

وفي التفسير: إن الذين كانوا مع نوح في السفينة أربعون رَجُلاً.

وقيل: ثمانون رجلاً وثمانون امرأة وقيل: عشرة وقيل: ثمانية.

قاله قتادة.

وقيل: سبعة.

واللَّه أعلم.

وفي كثير من كتب الحديث التِّرْمذِيِّ وغيره أن جَمِيعَ الخَلْقِ الآن من ذُرِّيَّةِ نوح عليه السلام وقوله: عَمِينَ جمع عَمٍ، ويريد عَمِيَّ البَصَائر، وأتى في حديث الشفاعة وغيره أن نُوحاً أَوَّلُ الرسل «١» .

وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)

وقوله سبحانه: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ عاد اسم الحَيِّ، وهم عَرَبٌ فيما يذكر، و «أخاهم» نصب ب «أرسلنا» وهو معطوف على نوح، وهذه أيضاً نذارة من هود عليه السلام.

وقوله: أَفَلا تَتَّقُونَ استعطاف إلى التقوى، والإيمان.

وقوله: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

قوله: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ أي في الخِلْقَةِ، والبَسْطَةُ الكمال في الطول والعَرْضِ.

وقيل: زادكم على أهل عصركم.

وقال الطبري: زادكم على قَوْمِ نوح.

وقاله قتادة «١» .

قال ع «٢» : واللفظ يقتضي أن الزيادة على جَمِيع العَالم، وهو الذي يقتضيه ما يذكر عنهم.

وروي أن طُولَ الرجل منهم كان مائة ذِرَاعٍ، وطول أقصرهم ستّون ونحوها.

والآلاء جمع «إلًى» على مثل «معًى» ، وهي النعمة والمنة.

قال الطبري: وعاد هؤلاء فيما حدث ابن إِسْحاقَ من ولد عاد بن إرم بن عوض بن سَام بن نوح، وكانت مَسَاكنهم «الشّحر» من أرض «اليمن» وما وَالى «حَضْرَمَوْتَ» إلى «عمان» «٣» .

قال السدي: وكانوا بالأَحْقَافِ، وهي الرمال، وكانت بلادهم أَخْصَبَ بلاد، فردها اللَّه صحارى «١» .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إن قبر هُودٍ عليه السلام هنالك في كَثِيبٍ أحمر تُخَالطه مدرة ذات أَراكٍ وسِدْر، وكانوا قد فشوا في جميع الأَرْض، وملكوا كثيراً بِقُوَّتِهِمْ وعَدَدِهِمْ، وظَلَمُوا النَّاسَ وَكَانُوا ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَبِيلَةً، وكانوا أَصْحَابَ أَوثان، فبعث اللَّه إليهم هُوداً من أفضلهم وأوسطهم نَسَباً، فدعاهم إِلى تَوْحِيدِ اللَّه سبحانه وإلى تَرْكِ «٢» الظُّلْمِ.

قال ابن إسحاق: ولم يأمرهم فيما يذكر بِغَيْرِ «٣» ذلك، فكذبوه وعتوا، واستمروا على ذلك إلى أن أراد اللَّه إنفاذ أمره أمْسَكَ عنهم المَطَرَ ثلاث سنين، فشقوا بذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المسجد الحرام ب «مكَّة» فدعوا اللَّه فيه تَعْظِيماً له مؤمنهم وكافرهم، وأهل «مكة» يومئذٍ العَمَالِيقُ، وسيدهم رجل يسمى معاوية بن بَكْرٍ، فاجتمعت عاد على أن تجهز منهم وَفداً إلى «مكة» يَسْتَسْقُونَ اللَّه لهم، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن هزال، وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد، وكان هذا مؤمناً يكتم إيمانه، وجلهمة بن الخيبري في سَبْعِينَ رَجُلاً من قومهم، فلما قدموا «مكة» نَزَلُوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر «مكة» خارج الحَرَمِ، فأنزلهم، وأقاموا عنده شَهْراً يشربون الخَمْرَ، وتغنيهم الجَرَادَتَانِ قَيْنَتَا معاوية، ولما رأى معاوية إقامتهم، وقد بعثهم عَادٌ لِلْغَوْثِ أشفق على عَادٍ، وكان ابن أختهم أمه: كلهدة ابنة الخيبري أخت جلهمة، وقال: هَلَكَ أخوالي، وشق عليه أن يأمر أَضْيَافَهُ بالانصراف عنه، فشكا ذلك إلى قَيْنَتَيْهِ، فقالتا: اصنع شِعْراً نغني به، عسى أَن نُنَبِّهَهُمْ، فقال: [الوافر]

أَلاَ يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ...

لَعَلَّ اللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامَا

فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إنَّ عَاداً ...

قَدَ امسوا لاَ يُبَينُونَ الكَلاَمَا

مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو ...

بِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلاَ الغُلاَمَا

وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمُ بِخَيْر ...

فَقَدْ أَمْسَتْ/ نِسَاؤُهُمُ عيامى

وَإِن الوُحْشَ تَأْتِيهِمْ جَهَاراً ...

وَلاَ تخشى لِعَادِيٍّ سِهَامَا

وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اشْتَهَيْتُم ...

نَهَارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمَامَا

فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمِ ...

وَلاَ لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلاَمَا «١»

فغنت به الجَرَادَتَانِ، فلما سمعه القَوْمُ قال بعضهم: يا قوم إنما بعثكم قومكم لما حَلَّ بهم، فادخلوا هذا الحَرَمَ، وادعوا لَعَلَّ اللَّه يغيثهم فخرجوا لذلك، فقال لهم مرثد بن سعد: إنكم واللَّه ما تسقون بدعائكم، ولكنكم إن أطعتم نبيكم وآمنتم سقيتم، وأظهر إيمانه يومئذٍ، فَخَالَفَهُ الوَفْدُ، وقالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احْبِسَا عنا مرثداً، ولا يدخل معنا الحَرَم، فإنه قد اتبع هُوداً، ومَضَوْا إلى الحرم، فاستسقى قيل بن عنز، وقال: يا إلاهنا إن كان هود صادقاً، فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فأنشأ اللَّه تعالى سحائب ثَلاَثاً بيضاء وحمراء وسوداء، ثم نادى مُنَادٍ من السماء: يَا قَيْلُ اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب ما شِئْتَ، فقال قيل: قد اخترت السَّوداء فإنها أكثرهن مَاءً، فنودي:

قد اخترت رَمَاداً رَمْدداً ...

لاَ تُبْقُي مِنْ عَادٍ أَحَدَا

لا وَالِداً وَلاَ وَلَداً ...

إِلاَّ جَعَلْتُهُمْ هَمَدَا

وساق اللَّه السَّحَابَةَ السوداء التي اختارها قيل إلى عاد حتى خرجت عليهم من وَادٍ لهم يقال له: المُغِيثُ، فلما رأوها، قالوا هذا عَارِضٌ ممطرنا، حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها: مهدر، فصاحت وصعقت، فلما أفاقت قيل لها: ما رأيت؟

قالت: ريحاً فيها كَشُهبِ النار، أمامها رجال يَقُودُونَهَا، فسخرها اللَّه عليهم سَبْعَ ليال، وثمانية أيام حُسْوماً، والحُسُوم: الدائمة، فلم تَدَعْ من عَادٍ أحداً إلا هلك، فاعتزل هود، ومن معه من المُؤْمنين في حَظِيرَةٍ ما يصيبه من رِيحٍ إلا ما يلتد به.

قال ع «٢» : وهذا قصص وقع في «تفسير الطبري» مطولاً، وفيه اختلاف، فاقتضبت عيون ذلك بحسب الإيجاز، وفي خبرهم: أن الريح كانت تَدْمَغُهُمْ بالحِجَارَةِ، وترفع الظَّعِينَةَ عليها المرأة حتى تلقيها في البحر.

وفي خبرهم: أن أقوياءهم كان أحدهم يسدّ بنفسه مَهَبَّ الريح حتى تَغْلبَهُ فتلقيه في البَحْر، فيقوم آخر مكانه حتى هَلَكَ الجَمِيعُ.

وقال زيد بن أسلم: بلغني أن ضبعا ربّت

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّفاهَةُ: الجَهْلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: السَّفاهَةُ خِفَّةُ الحُلْمِ والرَّأْيِ؛ يُقالُ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفًا.

﴿ وَإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ فَكَفَرُوا بِهِ، ظانِّينَ، لا مُسْتَيْقِنِينَ.

﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ﴾ هَذا مَوْضِعُ أدَبٍ لِلْخَلْقِ في حُسْنِ المُخاطَبَةِ، فَإنَّهُ دَفَعَ ما سَبَوْهُ بِهِ مِنَ السَّفاهَةِ بِنَفْيِهِ فَقَطْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ ﴾ قالَ الضَّحّاكُ: أمِينٌ عَلى الرِّسالَةِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كُنْتُ فِيكم أمِينًا قَبْلَ اليَوْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ ﴾ ذِكْرُهُمُ النِّعْمَةَ حَيْثُ أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَهم، وأسْكَنَهم مَساكِنَهم.

﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ أيْ: طُولًا وقُوَّةً.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أطْوَلَهم مِائَةَ ذِراعٍ، وأقْصَرَهم سِتِّينَ ذِراعًا.

قالَ الزَّجّاجُ: وآَلاءُ اللَّهِ: نِعَمُهُ؛ واحِدُها: إلَيْ قالَ الشّاعِرُ: أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلَيْ وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُها "إلْيا"، "وَإلَيْ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ أيْ: مِن نُزُولِ العَذابِ ﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِنا.

وقالَ عَطاءٌ: في نُبُوَّتِكَ وإرْسالِكَ إلَيْنا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِن الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ ﴾ "عادٍ"؛ اِسْمُ الحَيِّ؛ و"أخاهُمْ"؛ نُصِبَ بِـ "أرْسَلْنا"؛ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى "نُوحًا"؛ وهَذِهِ أيْضًا نِذارَةٌ مِن هُودٍ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ "غَيْرُهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أفَلا تَتَّقُونَ"؛ ﴾ اِسْتِعْطافٌ إلى التُقى والإيمانِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ قالَ المَلأُ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ آنِفًا؛ و"اَلسَّفاهَةُ": مَصْدَرٌ؛ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الحالِ المُهَلْهَلَةِ الرَقِيقَةِ الَّتِي لا ثَباتَ لَها؛ ولا جَوْدَةَ؛ والسَفَهُ في الثَوْبِ: خِفَّةُ نَسْجِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ وقَوْلُهُمْ: "لَنَظُنُّكَ"؛ هو ظَنٌّ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم إلّا ظُنُونٌ؛ وتَخَرُّصٌ؛ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: "أُبَلِّغُكُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أمِينٌ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلى الوَحْيِ والذِكْرِ النازِلِ مِن قِبَلِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أمِينٌ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى غَيْبِهِمْ؛ وعَلى إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "فُلانٌ لِفُلانٍ ناصِحُ الجَيْبِ؛ أمِينُ الغَيْبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: "أمِينٌ"؛ مِن "اَلْأمْنُ"؛ أيْ: جِهَتِي ذاتُ أمْنٍ مِنَ الكَذِبِ والغِشِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فُصلت جملة: ﴿ قال ﴾ لأنّها على طريقة المحاورة، وقد تقدّم القول فيها آنفاً وفيما مضى.

وتفسير الآية تقدّم في نظيرها آنفاً في قصّة نوح، إلاّ أنّه قال في قصّة نوح ﴿ وأنْصح لكم ﴾ [الأعراف: 62] وقال في هذه ﴿ وأنا لكم ناصح أمين ﴾ فنوحٌ قال ما يدلّ على أنّه غير مُقلع عن النّصح للوجه الذي تقدّم، وهود قال ما يدلّ على أنّ نصحه لهم وصف ثابت فيه متمكّن منه، وأن ما زعموه سفاهةً هو نصح.

وأُتبع ﴿ ناصح ﴾ ب ﴿ آمين ﴾ وهو الموصوف بالأمانة لردّ قولهم له: ﴿ لنظنّك من الكاذبين ﴾ [الأعراف: 66] لأنّ الأمين هو الموصوف بالأمانة، والأمانة حالة في الإنسان تبعثه على حفظ ما يجب عليه من حقّ لغيره، وتمنعه من إضاعته، أو جعله لنفع نفسه، وضدّها الخيانة.

والأمانةُ من أعزّ أوصاف البشر، وهي من أخلاق المسلمين، وفي الحديث: «لاَ إيمَانَ لِمَنْ لاَ أمان له» وفي الحديث: «إنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال ثم عَلِمُوا من القرآن ثمّ عَلِمُوا من السُّنَّة ثمّ قال يَنام الرجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه إلى أن قال فيقال: إنّ في بني فلان رَجُلاً أميناً ويقال للرّجل ما أعْقَله وما أظرفه وما أجْلَده وما في قلبه مثقالُ حبّة من خَرْدَللٍ من إيمان» فذَكَر الإيمان في موضع الأمانة.

والكذبُ من الخيانة، والصّدق من الأمانة، لأنّ الكذب الخبر بأمر غير واقع في صورة توهم السّامع واقع، فذلك خيانة للسّامع، والصّدق إبلاغ الأمر الواقع كما هو فهو أداء لأمانةِ ما علِمَه المخبرُ، فقوله في الآية ﴿ أمين ﴾ وصف يجمع الصّفات التي تجعله بمحلّ الثّقة من قومه، ومن ذلك إبطال كونه من الكاذبين.

وتقديم ﴿ لكم ﴾ على عامله للإيذان باهتمامه بما ينفعهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: بَسْطُ البَدَنِ وطُولُ الجَسَدِ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ أقْصَرَهم طُولًا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا.

﴿ فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ﴾ مَعْناهُ نِعَمُ اللَّهِ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎ أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا يَقْطَعُ رَحِمًا ولا يَخُونُ إلى <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ قال: ليس بأخيهم في الدين ولكنه أخوهم في النسب، فلذلك جعله أخاه لأنه منهم.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الشرفي بن قطامى قال: هود اسمه عابر بن شالخ بن ارفشخد بن سام بن نوح.

وأخرج ابن منذر عن ابن جريج قال: يزعمون أن هوداً من بني عبد الضخم من حضرموت.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: كان هوداً أول من تكلم بالعربيه، وولد لهود أربعة: قحطان، ومقحط، وقاحط، وفالغ، فهو أبو مظر، وقحطان أبو اليمن، والباقون ليس لهم نسل.

وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق إبن اسحق عن رجال سماهم ومن طريق الكلبي قالوا جميعاً: إن عاداً كانوا أصحاب أوثان يعبدونها، اتخذوا أصناماً على مثال ودَّ، وسواع، ويغوث، ونسر، فاتخذوا صنماً يقال له: صمود، وصنماً له: الهتار، فبعث الله إليهم هوداً، وكان هود من قبيلة يقال لها الخلود، وكان أوسطهم نسباً وأصبحهم وجهاً، وكان في مثل أجسادهم أبيض بعد أبادي، العنفقة، طويل اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يوحدوه وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك، ولم يدعهم إلى شريعة ولا إلى صلاة، فأبوا ذلك وكذبوه، وقالوا: من أشد قوّة؟

فذلك قوله تعالى ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ كان من قومهم ولم يكن أخاهم في الدين ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ﴾ يعني وحدوا الله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً ما لكم ﴾ يقول: لكم ﴿ من إله غيره أفلا تتقون ﴾ يعني فكيف لا تتقون ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء ﴾ يعني سكاناً ﴿ في الأرض من بعد قوم نوح ﴾ فكيف لا تعتبرون فتؤمنوا وقد علمتم ما نزل بقوم نوح من النقمة حين صعوه؟!

﴿ واذكروا آلاء الله ﴾ يعني هذه النعم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ أي كي تفلحوا، وكانت منازلهم بالأحقاف، والأحقاف: الرمل.

فيما بين عمان حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي.

إن عاداً كانوا باليمن بالأحقاف، والأحقاف: هي الرمال.

وفي قوله: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ قال: ذهب بقوم نوح ﴿ واستخلفكم بعدهم وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: الطول.

وأخرج ابن عساكر عن وهب قال: كان الرجل من عاد ستين ذراعاً بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكان عين الرجل ليفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا أثني عشر ذراعاً طوالاً.

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال: كان الرجل في خلقه ثمانون باعاً، وكانت البرة فيهم ككلية البقر، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ قال: شدة.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن ينقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ثور بن زيد الديلمي قال: قرأت كتاباً: انا شداد بن عاد، انا الذي رفعت العماد، وانا الذي سددت بدراً عن بطن واد، وانا الذي كنزت كنزاً في البحر على تسع أذرع لا يخرجه إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن بكار عن ثور بن زيد قال: جئت اليمن فإذا أنا برجل لم أر أطول منه قط فعجبت.

قالوا: تعجب من هذا؟

قلت: والله ما رأيت أطول من ذا قط...

!

قالوا فوالله لقد وجدنا ساقاً أو ذراعاً فذرعناها بذراع هذا، فوجدناها ست عشرة ذراعاً.

وأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال: كان في الزمن الأول تمضي أربعمائة سنة ولم يسمع فيها بجنازة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ آلاء الله ﴾ قال: نعم الله.

وفي قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: سخط.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس ﴾ قال: جاءهم منه عذاب، والرجس: كله عذاب في القرآن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله رجس وغضب؟

قال: الرجس: اللعنه، والغضب: العذاب.

قال: وهل تعرف ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر وهو يقول: إذا سنة كانت بنجد محيطة ** وكان عليهم رجسها وعذابها <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوَ عَجِبْتُمْ ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم: أي على لسان رجل منكم ﴿ فِي الفلك ﴾ متعلق بمعه والتقدير: استقروا معه في الفلك، ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه ﴿ عَمِينَ ﴾ جمع أعمى وهو من عمى القلب ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ أي واحد من قبيلتهم، وهو عطف على نوحاً، وهوداً بدل منه أو عطف بيان، وكذلك أخاهم صالحاً وما بعده، وما هو مثله حيث وقع ﴿ الملأ الذين كَفَرُواْ ﴾ قيَّد هنا بالكفر لأن في الملأ من قوم هود من آمن وهو مرثد بن سعيد، بخلاف قوم نوح، فإنهم لم يكن فيهم مؤمن، فأطلق لفظ الملأ ﴿ أَمِينٌ ﴾ يحتمل أن يريد أمانته على الوحي أو أنهم قد كانوا عرفوه بالأمانة والصدق ﴿ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً ﴿ وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً ﴾ كانوا عظام الأجسام فكان أقصرهم ستون ذراعاً، وأطولهم مائة ذراع ﴿ آلآءَ الله ﴾ نعمة حيث وقع ﴿ قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ ﴾ استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال لهم هود: ﴿ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي حَقَّ عليكم ووجب عذاب من ربكم وغضب ﴿ أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ يعنى الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل على أنها آلهة، فقولكم باطل؛ فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة، والمراد بالأسماء على القول الأول: المسمى، وعلى القول الثاني: التسمية ﴿ دَابِرَ ﴾ ذكر في [الأنعام: 45].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إله غيره ﴾ بالجر على الوصف حيث كان: يزيد وعلي الباقون بالرفع حملاً على محل ﴿ من إله ﴾ ﴿ إني أخاف ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع وابن كثير ﴿ أبلغكم ﴾ بالتخفيف حيث كان: أبو عمرو.

والباقون: بالتشديد.

عباس: بالاختلاس ﴿ بصطة ﴾ بالصاد: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد وأبي عون عن قنبل وعاصم وعلي وسهل وشجاع وابن الأخزم عن ابن ذكوان الحلواني عن قالون مخيراً.

الوقوف: ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ عمين ﴾ ه ﴿ هوداً ﴾ ط ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ لينذركم ﴾ ط لتناهى الاستفهام ﴿ بسطة ﴾ ج تنبيهاً على الإنعام العام بعد ذكر إنعام خاص مع اتفاق الجملتين ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ آباؤنا ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ وغضب ﴾ ط ﴿ من سلطان ﴾ ج لانتهاء الاستفهام إلى أمر التهديد ﴿ المنتظرين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل قاهرة وبينات باهرة شرع في قصص الأنبياء وفي ذلك فوائد منها، التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول الدلائل عادة معتادة فيكون فيه تسلية لرسول الله  .

ومنها بيان سوء عاقبة المستكبرين وحسن عقبى المطيعين وفي ذلك تقوية قلوب المحقين وكسر قلوب المبطلين.

ومنها التنبيه على أن الله  لا يهمل المبطلين وإن كان يمهلهم.

ومنها العظة والاعتبار ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ ومنها الدلالة على نبوّة محمد  من حيث إنه إخبار بالغيب لأنه أمي لم يقرأ الكتب فيكون قد عرف ذلك بالوحي لا محالة.

فمن القصص أولاها قصة آدم وقد مرت في أوّل السورة.

الثانية قصة نوح وهو نوح بن لمك بن مثوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ اسم إدريس.

قيل: كان اسمه يشكر فسمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه حين دعا على قومه فأهلكوا فندم، أو حين راجع ربه في شأن ابنه، أو حين مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فعوتب على ذلك.

قال الله له: أعبتني إذ خلقته أم عبت الكلب؟

وهذه الوجوه متكلفة فإن الإعلام لا تفيد صفة في المسمى.

والصحيح أنه اسم أعجمي.

قال ابن عباس: معنى أرسلنا بعثنا.

وقال آخرون: معناه أنه  حمله رسالة يؤدّيها، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث فيكون البعث كالتابع لا أنه أصل.

قال في التفسير الكبير: وهذا البحث مبني على مسألة أصولية هي أن الرسول أرسل إلى قوم ليعرّفهم أحكاماً لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم، أو الغرض من بعثته مجرد تأكيد ما في العقول.

وهذا الاختلاف بتفاريع المعتزلة أليق، أمرهم نوح بعبادة الله ثم حكم بأنه لا إله إلا الله ثم حذرهم عذاب يوم عظيم هو القيامة أو الطوفان، ولم يذكر دليلاً على هذه الدعاوى الثلاث لأن قول النبي  بعد ظهور المعجزة حجة، أو لعله قد ذكر الحجج وما حكاها الله تعالى لأنه قد علم من القرآن ذم التقليد في مواضع كثيرة فيعلم أن نبي الله لا يأمر قومه بالتقليد المحض، وأيضاً قد مر دلائل التوحيد والنبوّة وصحة القرآن من أول سورة البقرة إلى ههنا غير مرة، فوقع التعويل على ذلك هذا مع أن الحكم الثاني كالعلة للأوّل لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلاً منه، ونهاية الإنعام توجب غاية التعظيم ومن هنا قال بعض العلماء: لا يحسن منا عبادة الله تعالى قبل العلم بأنه واحد لأنا إذا جوّزنا التعدد لم يتعين المنعم فتقع العبادة ضائعة، والإله معناه المستحق للعبادة وإلا فهو في الأزل غير معبود.

ومعنى الخوف في الآية قال بعضهم: الجزم واليقين فإنه كان جازماً بنزول العذاب بهم عاجلاً وآجلاً.

وقال آخرون: الشك لأنه كان يجوّز إيمانهم ومع هذا التجويز كيف يجزم بالعذاب، أو لعل السمع لم يرد بعد فلهذا كان متوقفاً، أو لعله وصف العذاب بالعظم ولكنه جر على الجوار.

ثم إنه تردد في وصف العذاب بالعظم لا في نفس العذاب.

وقيل: المراد من الخوف التحذير.

وجملة قوله: ﴿ إني أخاف ﴾ بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون الأصنام ﴿ فقال الملأ من قومه ﴾ أي الأشراف وصدور المجالس الذين هم بعض قومه في جواب نوح ﴿ إنا لنراك في ضلال ﴾ في ذهاب عن طريق الحق.

والصواب مبين بين والرؤية رؤية القلب بمعنى الاعتقاد والظن دون المشاهدة والبديهة.

نسبوه إلى الضلال فيما ادعاه من التكليف والتوحيد والنبوّة والمعاد ﴿ قال يا قوم ليس بي ضلالة ﴾ لم يقل ضلال ليكون أبلغ في عموم السلب كأنه قال: ليس بي نوع من أنواع الضلال، ثم لما نفى عن نفسه العيب الذي نسب إليه وصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها فاستدرك قائلا: ﴿ ولكني رسول من رب العالمين ﴾ وهذا الاستدراك يسمى في علم البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم.

وفي ذلك بيان فرط جهالتهم وعتوّهم حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال الظاهر الذي لا ضلال بعده، وفيه أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز.

ثم ذكر ما هو المقصود من البعثة وهو أمران: الأول تبليغ الرسالة، والثاني تقرير النصيحة فقال ﴿ أبلغكم ﴾ الآية.

والجملة استئناف بيان لكونه رسولاً من رب العالمين، أو صفة لرسول.

وإنما جاز أن تكون صفة ولفظ الرسول غائب نظراً إلى المعنى كقوله: أنا الذي سمتن أمي حيدره ﴿ رسالات ربي ﴾ ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو ما أوحي إليّ في المعاني المختلفة في الأوامر والنواهي.

وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا.

ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جده إدريس وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة ﴿ وأنصح لكم ﴾ قال الفراء: العرب لا تكاد تقول نصحتك وإن كان جائزاً ولكن تقول نصحت لك.

قال في الكشاف: وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة.

وحقيقة النصح الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر.

ومعنى الآية: وأبلغكم تكاليف الله ثم أرشدكم إلى الأصلح الأصوب وأدعوكم إلى ما دعاني الله  وأحب لكم ما أحب لنفسي ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ أي أعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان، وذلك أنهم لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم أو أعلم أن الله يعاقبكم في الآخرة عقاباً، أو أعلم من توحيد الله من صفات جلاله ما لا تعلمون، ويكون المقصود حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم.

﴿ أو عجبتم ﴾ الهمزة للإنكار، والمعطوف محذوف والتقدير: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم.

قال الحسن: يعني الوحي الذي جاءهم به.

وقال آخرون: الذكر المعجز كتاباً أو غير كتاب.

وقيل: هو الموعظة ﴿ على رجل ﴾ أي على لسانه قاله ابن قتيبة ونظيره ﴿ آتنا ما وعدتنا على رسلك  ﴾ وقال الفراء "على" معنى "مع" تقول: جاءنا الخبر على وجهك ومع وجهك كلاهما جائز.

وقيل: أي منزل على رجل.

ومعنى ﴿ منكم ﴾ من بني نوعكم كأنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه لاعتقادهم أن المقصود من الإرسال التكليف، وأن التكليف لا منفعة فيه للمعبود لتعاليه ولا للعابد لتضرره في الحال، وأما في المآل فالله  قادر على تحصيلة بدون واسطة التكليف.

وأيضاً إن العقل كافٍ في معرفة الحسن والقبيح، وما لا يعلم حسنه ولا قبحه فإن كان المكلف مضطراً إليه فعل لأنه  لا يكلف ما لا يطاق، وإن لم يكن مضطراً إليه ترك حذراً عن الخطر وبتقدير أنه لا بد من الرسول فإن إرسال الملائكة أولى لشدة بطشهم ووفور عصمتهم وطهارتهم واستغنائهم عن الأكل والشرب والنكاح، وبتقدير جواز كون النبي من البشر فلعلهم اعتقدوا أن من كان فقيراً خاملاً لا يصلح للنبوّة فأنكر نوح  كل هذه الأشياء لأنه  خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عباده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء المنافي للتكليف، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول ملكاً لأن الجنس إلى الجنس أسكن وقد مر في أوّل "الأنعام".

ثم بين ما لأجله يبعث الرسول فقال ﴿ لينذركم ﴾ الآية.

وإنه ترتيب أنيق لأن المقصود من البعثة الإنذار، ومن الإنذار التقوى، ومن التقوى الفوز برحمة الله.

قال الجبائي والكعبي: في الآية دلالة على أنه  لم يرد من المبعوث إليهم إلا التقوى والفوز بالجنة دون الكفر والعذاب، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً ﴿ فكذبوه ﴾ في ادعاء النبوّة وتبليغ التكاليف وأصروا قال بعض العلماء: ما في حق العقلاء من التكذيب فبغير الباء نحو كذبوا رسلي وكذبوه، وما في حق غيرهم فبالباء نحو كذبوا بآياتنا.

والتحقيق أن المراد كذبوا رسلنا برد آياتنا ﴿ فأنجيناه والذين ﴾ استقروا ﴿ معه في الفلك ﴾ وأنجيناهم في السفينة من الطوفان.

قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة.

وقيل: كانوا تسعة وهم بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به.

وإنما قال في سورة يونس ﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك  ﴾ لأن التشديد للتكثير ولفظة من أدل على العموم ولهذا يقع على الواحد والتثنية والجمع والذكر والمؤنث بخلاف الذين ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوّة والمعاد.

وقال أهل اللغة: يقال رجل عمٍ في البصيرة وأعمى في البصر.

فالعمى يدل على عمّى ثابت والعامي على عمّى حادث.

القصة الثالثة قصة هود وذلك قوله  ﴿ وإلى عاد أخاهم هوداً ﴾ والتقدير لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً.

واتفقوا على أن هوداً ما كان أخاهم في الدين.

ثم قال الزجاج: معناه أنه كان من آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة والجن.

وقيل: أراد واحداً منهم قاله الكلبي، وهو من قولك يا أخا العرب لواحد منهم، وقيل: خص واحداً منهم بالإرسال إليهم ليكونوا أعرف بحاله في صدقه وأمانته.

وقيل: معناه صاحبهم.

والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم قال  "إن أخاكم أذن وإنما يقيم من أذن" يريد صاحبهم.

ونسبه هود بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﴿ وهوداً ﴾ عطف بيان لأخاهم.

وأما عاد فهم كانوا باليمين بالأحقاف.

قال ابن إسحق: والأحقاف الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت.

واعلم أن ألفاظ هذه القصة بعضها يوافق الألفاظ المذكورة في قصة نوح وبعضها يخالفها فلنبين أسرارها فمنها قوله هناك ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ﴾ وههنا ﴿ قال يا قوم ﴾ والفرق أن نوحاً  كان مواظباً على دعوتهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هود فما كان جدّه إلى هذا الحد فلا جرم جاء بالتعقيب في قصة نوح دون قصة هود.

ويمكن أن يقال: لما أضمر ﴿ أرسلنا ﴾ أضمر الفاء لأن الداعي إلى الفاء ﴿ أرسلنا ﴾ وفي الكشاف أن هذا وارد على سبيل الاستئناف.

ومنها قوله: ﴿ ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ وفي قصة هود ﴿ ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ لأن واقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح فوقع الاقتصار على ذلك أي لعلكم تحذرون مثل ذلك العذاب العظيم الذي اشتهر خبره في الدنيا.

ومنها ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ وفي قصة هود ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه ﴾ إما أن هذا وصف وارد للذم لا غير، وإما أنه لم يكن في أشراف قوم نوح من يؤمن وكان في أشراف قوم هود من آمن به منهم مرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فأريد التفرقة بالوصف.

ومنها أن قوم نوح ﴿ قالوا إنا لنراك في ضلال مبين ﴾ وقوم هود ﴿ قالوا إنا لنراك في سفاهة ﴾ أي متمكناً منها تمكن المظروف من الظرف.

وذلك أن نوحاً كان يخوّفهم بالطوفان العام وكان يشتغل بإعداد السفينة مدّة طويلة فوصفوه بضعف الرأي والبعد عن السداد.

وأما هو فما ذكر شيئاً إلا أنه زيف معتقدهم في عبادة الأصنام وطعن فيها فقابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة وخفة العقل حيث فارق دين قومه.

ثم قالوا ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في ادعاء الرسالة.

قيل: الظن بمعنى الجزم واليقين كقوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  ﴾ قال الحسن والزجاج: كانوا شاكين فيعلم أن الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر.

ومنها قول نوح ﴿ وأنصح لكم ﴾ وقال هود ﴿ وأنا لكم ناصح ﴾ وذلك لأنه كان من عادة نوح  العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، وصيغة الفعل دلت على التجدد المستمر ولهذا ﴿ قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً  ﴾ إلى آخر الآيات.

وأما هود فكان ثابتاً على النصح غير مجدد إياه لحظة فلحظة كما كان يفعل نوح.

ثم إن نوحاً  قال ﴿ وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ لأنه كان يعلم من أسرار الله  ما لم يصل إليه هود فلا جرم أمسك هود لسانه واقتصر على وصف نفسه بكونه أميناً ثقة أي عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة فليس من حقي أن آتي بالكذب والغش.

أو المراد تقرير الرسالة فإنها تدور على الأمانة أي أنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.

وفي هذين الجوابين عن مثل ذينك الشخصين مع جلالة قدرهما دليل على أن الحكيم يجب أن لا يقابل السفهاء إلا بالكلام المبني على الحلم والإغضاء.

ومنها أن هوداً اقتصر على قوله ﴿ لينذركم ﴾ لما مر في قصة نوح أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة فلم يكن حاجة إلى الإعادة ولكنه ضم إلى ذلك شيئاً آخر يختص بهم فقال ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ أي خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً قد استخلفكم فيها بعدهم وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأملاكهم وما يتصل بها من المنافع، "وإذا" مفعول به لا ظرف أي اذكروا وقت جعلكم خلفاء ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ فالخلق التقدير وقلما يطلق إلا على الشيء الذي له مقدار وحجمية.

والمراد حصول الزيادة في أجسامهم زيادة خارقة للعادة وإلا لم تذكر في معرض الامتنان.

قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعاً.

وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يد الإنسان إذا رفعها كانوا يفضلون على أهل زمانهم بهذا القدر.

ومنهم من حمل اللفظ على الزيادة في القوة، ومنهم من قال: الخلق الخليقة وبسطتهم فيهم كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدّة والجلادة متناصرين متوادّين ﴿ فاذكروا آلاء الله ﴾ في استخلافكم وبسطة أجرامكم وفيما سواهما من عطاياه وآلاء الله نعمه واحدها إلى ونحوه أني وآناء كعنب وأعناب.

قال الجوهري: واحدها إني بالفتح وقد يكسر ويكتب بالياء.

استدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرية بالآية قالوا: إنه  رتب حصول الفلاح على مجرد التذكر.

وأجيب بأن الآيات بالدالة على وجوب العمل مخصصة أو مقيدة والتقدير: فاذكروا آلاء الله واعملوا عملاً يليق بذلك الإنعام لعلكم تفلحون.

ذكرهم نبيهم نعم الله عليهم ليرجعوا إلى عقولهم فيعلموا أن العبادة نهاية التعظيم ولا تلق إلا بمن صدر عنه نهاية الإنعام وليس للأصنام على الخلق شيء من النعم لأنها جماد والجماد لا قدرة له أصلا فلم يكن للقوم جواب عن هذه الحجة إلا التمسك بطريقة التقليد وذلك قولهم ﴿ أجئتنا لنعبد الله وحده ﴾ الهمزة لإنكار اختصاص الله وحده بالعبادة.

وفي المجيء أوجه منها: أن يكون لهود معتزل يتحنث فيه أي يتعبد كما كان يفعل رسول الله  بحراء قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.

ومنها الاستهزاء اعتقاداً منهم أن الله لا يرسل إلا ملكاً فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك؟

ومنها أن يراد به القصد كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب كأنهم قالوا: أتعرضت لنا بتكليف عبادة الله وحده أي منفرداً عن الأصنام وهو من المعارف التي وقعت حالاً بتأويل.

ولا يمكن أن يكون وحده ههنا اعترافاً كما يقول الموحد لا إله إلا الله وقال الله وحده لأن الفرض أنهم مشركون.

ثم إن قول هود فيما قبل ﴿ أفلا تتقون ﴾ كان مشعراً بالتهديد والوعيد فلهذا استعجلوا العذاب زعماً منهم أنه كاذب وذلك قولهم ﴿ فأتنا بما تعدنا ﴾ فأجابهم هود بقوله ﴿ قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ ولا بد أن يحملا على معنييين متغايرين لمكان العطف.

أما الغضب في حقه  فإرادة إيقاع السوء كما سبق مراراً، وأما الرجس فقيل: العذاب.

اعترض عليه بلزوم التكرار.

وقيل: العقائد المذمومة والصفات القبيحة.

وذلك أن الرجس ضد التطهير كما قال  في صفة أهل البيت ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  ﴾ وقال القفال: الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كما قال ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وهذا التفسير أخص.

أما قوله ﴿ قد وقع ﴾ ولم يقع العذاب بعد ففيه وجوه: قال بعض من يقول بأن إرادة الله  حادثة: معناه أنه  أحدث إرادة في ذلك الوقت.

وقيل: أراد هود أنه أخبر بنزول العذاب.

وقيل: جعل المتوقع الذي لا شك فيه بمنزلة الواقع كقولك لمن طلب منك حاجة قد كان ذلك.

تريد أنها ستكون ألبتة.

وعن حسان أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبور وهو طفل فجاء أباه يبكي فقال له: يا بني ما لك؟

فقال: لسعني طوير كأنه ملتف في بردي حبرة فضمه إلى صدره وقال: يا بني قد قلت الشعر.

ثم أنكر عليهم قبيح فعالهم فقال ﴿ أتجادلونني في أسماء ﴾ تناظرونني في شأن آلهة أشياء ما هي إلا أسماء ﴿ سميتموها ﴾ أحدثتموها ﴿ أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان ﴾ أي لا حجة على حقيقتها فتنزل.

والحاصل أنها أسماء بلا مسميات لأنكم تسمونها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم محال.

سموا واحداً بالعزي مشتقاً من العز وما أعطاه الله  عزاً أصلاً.

وسموا آخر منها باللات من الإلهية وماله من الإلهية أثر.

وإنما قال في هذه السورة نزل وفي غيرها مما سيجيء ﴿ أنزل ﴾ لأن "نزل" للتكثير فيكون للمبالغة ويجري ما بعده مجرى التفصيل للجملة، أو أنواع للجنس والله أعلم.

ثم إنه ذكرهم وعيداً محدوداً فقال ﴿ فانتظروا ﴾ سوء عاقبة هذه الأصنام ﴿ إني معكم من المنتظرين ﴾ عاقبة السوء أو عاقبة الحسنى وذلك قوله ﴿ فأنجيناه والذين معه برحمة ﴾ بسبب رحمة كانوا يستحقونها ﴿ منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي استأصلناهم ودمرناهم عن آخرهم وقد مر مثله في الأنعام.

وفائدة نفي الإيمان عنهم في قوله ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ مع إثبات التكذيب بآيات ربهم أن يكون تعريضاً بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد وغيره كأنه قيل: ولقد قطعنا دابر الذين كذبوا ولم يكونوا مثل من آمن منهم، أو معنى ﴿ وما كانوا مؤمنين ﴾ في علم الله  أي لم يكونوا من المكذبين الذي لو بقوا لآمنوا.

قال في الكشاف: وإن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت وكانت لهم أصنام يعبدونها.

صداء وصمود والهباء فبعث الله هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأشرفهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عتواً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا.

وإن الناس كانوا إذا نزل بهم بلاء طلبوا إلى الله الفرج من ذلك عند بيته الحرام مسلمهم ومشركهم وأهل مكة إذ ذاك العماليق أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عاد إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيل بن عنز ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه فلما نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان كانتا لمعاوية إحداهما وردة والأخرى جرادة ولما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا لأجله أهمه ذلك وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وما يستحي أن يكلمهم خيفة أن يظنوا أنه ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل قولاً نغينهم به لا يدرون من قاله فقال معاوية: ألا ياقيل ويحك قم فهينم *** لعل الله يسقينا غماماً ويسقي أوض عاد إن عاداً *** قد آمسوا ما يبينون الكلاما الهينمة إخفاء الكلام في الدعاء وغيره، ومعنى يسقينا يجعله ساقياً لنا.

وقوله ما يبينون الكلام أي لا يكادون يفقهون قولاً من ضعفهم وسوء حالهم.

فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم.

فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا يسقون بدعائكم ولكم إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى ربكم سقيتم وأظهر إسلامه.

فقالوا لمعاوية: أحبس عنا مرثداً لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء ياقيل اختر لنفسك ولقومك.

فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له المغيث فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا.

فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه فأتوا مكة فتعبدوا الله فيها حتى ماتوا.

التأويل: لقد أرسلنا نوح الروح إلى قومه ببلاد القوالب وهم القلب وصفاته والنفس وصفاتها، ومن صفة الروح العبودية والطاعة دعوة القلب والنفس وصفاتها إلى الله وعبوديته، ومن صفات النفس تكذيب الروح ومخالفته والإباء عن نصحه والتعجب ﴿ فكذبوا ﴾ يعني النفس وصفاتها نوح والروح ﴿ فأنجيناه والذين معه ﴾ في الفلك الشريعة ﴿ وأغرقنا ﴾ النفس وصفاتها في البحر الدنيا وشهواتها ﴿ إنهم كانوا قوماً عمين ﴾ عن رؤية الله والوصول إليه ﴿ وزادكم في الخلق بسطة ﴾ كما أوقع التفاوت بين شخص وشخص فيما يعود إلى المباني أوقع التباين بين قوم وقوم فيما يرجع إلى المعاني ﴿ قد رفع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ أي مقالتكم تدل على حالتكم أنه أصابكم سطوات العذاب.

فمن أمارات الإعراض رد العبد إلى شهود الأغيار وتغريقه إياه في بحار الظنون والأوهام والجدال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ .

أي: وأرسلنا هوداً إلى عاد، وهو على ما ذكر في نوح، وهو قوله: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ ، أي: إلى عاد أرسلنا هوداً.

ثم تحتمل الأخوة وجوهاً أربعة: أخوة النسب، وأخوة الجوهر، ويقال هذا إذا كان من جوهره، ولا يقال ذلك في غير جوهره، وأخوة المودة والمحبة، وأخوة الدين، ثم لم يكن بين هود وقومه أخوة الدين، ولا أخوة المودة، لكن يحتمل أخوة النسب؛ لأن البشر على بعد من آدم كلهم أولاده، فإذا كانوا كذلك فهم فيما بينهم بعضهم أخوة بعض؛ كأولاد رجل واحد، يكون بعضهم أخوة بعض، وأخوة الجوهر على ما ذكرنا، يقال: هذا أخ هذا إذا كان من جنسه وجوهره، فهذين الوجهين يحتملان، والوجهان الآخران لا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ .

أي: اعبدوا الله الذي يستحق العبادة [و] ﴿ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ أي: ليس لكم من معبود سواه، وهو المعبود في الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴾ .

عبادة غير الله، أو: أفلا تتقون الله في عبادتكم غيره، وفي تكذيبكم هوداً، أو أن يقول: أفلا تتقون عذاب الله ونقمته عليكم بمخالفتكم إياه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ ﴾ .

قد ذكرنا قول الملأ من قومه، أي: أشراف قومه وسادتهم ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ .

[ذكر] هاهنا ظنهم في تكذيبهم الرسول، [و] في موضع آخر قطعوا في التكذيب وهو قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ \[المؤمنون: 38\]، فكان قوله: ﴿ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ في ابتداء ما دعاهم إلى عبادة الله ووحدانيته، كانوا على ظن فيه لما كان عندهم صدوقاً أميناً قبل دعائهم إلى ما دعاهم، فلما أن أقام عليهم آيات الرسالة والنبوة وأظهر عندهم عيب ما عبدوا غير الله، وأبطله، وتحقق ذلك عندهم - عند ذلك قالوا: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ \[المؤمنون: 38\]؛ ليعلم أنهم عن عناد، كذبوا الرسل، فقال: ﴿ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ﴾ إن الرسل - عليهم السلام - كانوا أمروا أن يعاملوا الخلق بأحسن معاملة، وهو على ما أمر رسول الله  ؛ حيث قال له: ﴿ خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\] ونحوه، فعلى ذلك الرسل الذين كانوا من قبل كانوا مأمورين بذلك؛ لذلك قال لهم هود لما تلقوه بالتكذيب والتسفيه قال: ليس بي ما تقولون وتنسبونني إليه، ﴿ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ ، أي: أدعوكم إلى وحدانية الله، وعبادته، والتمسك بالدين الذي به نجاتكم، وكل من دعا آخر إلى ما به نجاته فهو ناصح له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ ، أي: كنت ناصحاً لكم قبل هذا أميناً فيكم، فكيف تكذبونني وتنسبونني إلى السفه، وأنا أمين على الرسالة والوحي الذي وضع الله عندي؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلٰتِ رَبِّي ﴾ : شئتم أو أبيتم.

أو يقول: أبلغكم رسالات ربي خوفتموني أو لم تخوفوني، قبلتم عني أو لم تقبلوا.

أو يقول: أبلغكم رسالات ربي، فكيف تنسبونني إلى السفه والافتراء على الله؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أنه جعلكم خلفاء قوم أهلكهم بتكذيبهم الرسل، ولم يهلككم، فاحذروا أنتم هلاككم بتكذيبكم الرسول كما أهلك أولئك بتكذيبهم الرسل.

أو أن يقال: جعلكم خلفاء قوم صدقوا رسولاً من البشر وهو نوح، فكيف كذبتموني في دعوى الرسالة لأني بشر ودعائي إلى عبادة الله ووحدانيته؟!

هذا تناقض.

والثاني: أن اذكروا نوحاً وهو كان رسولاً من البشر، فكيف تنكرون أن يكون الرسول [بشراً]؟

وكان الرسل جميعاً من البشر.

والثالث: أن اذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم من السعة في المال، والقوة في الأنفس، وحسن الخلقة، والقامة، وكان لعاد ذلك كله؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ...

﴾ الآية [الفجر: 6-7].

هذا في السعة في المال، وأما القوة في الأنفس والقامة ما ذكر في قوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ  ﴾ ، أو قوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  ﴾ ، فيه وصف لهم بالقوة، وطول القامة، وعلى ذلك فسر بعض أهل التأويل.

وقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ يعني: قوة وقدرة.

وقال غيره: هو الطول والعظم في الجسم، وذكر الله - عز وجل - في عاد أشياء أربعة خصَّهم بها من بين غيرهم.

أحدها: العظم في النفس؛ كقوله: ﴿ وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَصْطَةً ﴾ .

والقوة، في قوله: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً  ﴾ .

والسعة في الأموال بقوله: ﴿ بِعَادٍ  إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ  ﴾ .

وفضل [العلم]، بقوله: ﴿ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْكُرُوۤاْ ءَالآءَ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: الآلاء: هي [في] دفع البلايا، والنعماء هي في سوق النعماء إليه، ولكن هما واحد؛ لأنه ما من بلاء يدفع عنه إلا وفي ذلك سوق نعمة أخرى إليه، ولأن الله -  - ذكر في سورة الرحمن الآلاء بجميع ما ذكر إنما ذكر على سوق النعم إليه قوله: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ حيث قال: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ  عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  خَلَقَ ٱلإِنسَانَ  عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ إلى [آخر] ما ذكر من السورة، وهو ذكر في سوق النعم لا في دفع البلايا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

أي: تفلحون إن ذكرتم نعمه، وشكرتم له عليها، ولم تصرفوا عبادتكم وشكركم إلى غيره، أو يقول: لكي يلزمكم الفلاح، أو حتى تكونوا من أهل الفلاح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ .

هذا يدل أن رسالته التي يبلغها إليهم هي دعاؤه إياهم إلى عبادة الله [وحده]، وتركهم عبادة من دونه، حيث قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ \[ولا شك\] أنه إنما جاءهم ليعبدوا الله وحده، وجاءهم ليذروا ما كان يعبد آباؤهم.

ثم في قولهم تناقض؛ لأنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسول بقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 33\] لم يرضوا برسالة البشر، ورضوا بألوهية الأحجار والخشب، ثم يقلدون آباءهم في عبادتهم غير الله، وفي آبائهم من يعبد الله لا يعبد غيره، وهم الذين [نجوا] مع نوح، فكيف لم يقلدوا من نجا منهم، ولم يعبدوا غير الله دون أن قلدوا الذين عبدوا غير الله؟

فذلك تناقض، حيث اتبعوا من هلك منهم بتكذيبهم الرسل وعبادتهم غير الله، ولم يتبعوا من نجا منهم.

يذكر - عز وجل - سفههم وتناقضهم في القول في إنكارهم الرسول من البشر، ولكن ذكر سفههم وتناقضهم بالتعريض لا بالتصريح ، وكذلك عامة ما ذكر في كتابه من سفههم إنما ذكر بالتعريض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

إنه كان يعدهم العذاب إن لم يصدقوه فيما يدعوهم إليه، وترك تقليدهم آباءهم في عبادتهم غير الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ﴾ .

قال بعضهم: الرجس: العذاب، أي قد وجب عليكم العذاب بتكذيبكم هوداً، وتقليدكم آباءكم في عبادتكم غير الله، ﴿ وَغَضَبٌ ﴾ : وهو العذاب أيضاً.

وجائز: أن يكون الرجس هاهنا الخذلان، وحرمان التوفيق والمعونة، أي: قد وقع عليكم ووجب الخذلان، وحرمان التوفيق باختياركم ما اخترتم.

وقال بعضهم: الرجس: هو الإثم والخبث؛ كقوله -  -: ﴿ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ وقوله: "اللهم إني أعوذ بك من الرجس" النجس الخبيث المخبث من الشيطان الرجيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيۤ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .

ومجادلتهم ما قالوا: ﴿ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُ ﴾ ويحتمل في ﴿ أَسْمَآءٍ ﴾ أي: بأسماء سميتموها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .

قيل: حجة، أي لم ينزل لهم حجة في عبادتهم غير الله.

وقيل: السلطان هاهنا عذر، أي: لم ينزل لهم عذراً في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ .

أي: انتظروا أنتم وعد الشيطان.

﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ وعد الرحمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ أي: من حجة في تسميتهم الأصنام التي عبدوها دون الله ما سموها آلهة وشفعاء ونحوه، كأنهم إنما جادلوه في تسميتهم آلهة وشفعاء، وأنْ ليس لهم حجة ولا عذر في عبادتهم غير الله، ولا في إشراكهم غيره في العبادة والألوهية.

﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ : قال الحسن: انتظروا أنتم مواعد الشيطان، ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ : لمواعد الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُ ﴾ يعني هوداً ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ .

إن من حكم الله أنه إذا أهلك قوماً إهلاك تعذيب، استأصلهم وأنجى أولياءه ونصرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ يحتمل قوله [برحمة منا]: برحمته التي هداهم عز وجل، ولولا رحمته ما اهتدوا، لكنه رحمهم فهداهم، فبرحمته اهتدوا، [و] يحتمل أنه [إنما] أنجاهم من العذاب برحمة منه، وإلا كانت لهم ذنوب وخطايا يستحقون بها العذاب، لكنه أنجاهم برحمة منه وفضل، والله أعلم.

وفيه: أن من نجي إنما نجي برحمته وفضله، وإن كان رسولاً لا باستيجاب منه النجاة، وهو ما روي حيث قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ ﴾ [ ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ قيل دابر الذين كذبوا أي: أواخر الذين كذبوا واستأصلهم فلم يبق منهم أحدٌ، وقيل: ﴿ دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ ﴾ ] أي: أصل الذين كذبوا بآياتنا، ولم يبين لنا آياته التي أعطاها هوداً، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما أخبر أن ما حل بهم من العذاب إنما حل بتكذيبهم الرسول، وذلك كان سنة وحكمة في الأمم السالفة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال هود ردًّا على قومه: يا قوم ليس بي خفة عقل وطيش، بل إني رسول من ربِّ العالمين.

من فوائد الآيات الأرض الطيبة مثال للقلوب الطيبة حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، وكما أن الغيث مادة الحياة، فإن القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي، تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها، وحسن عنصرها، والعكس.

الأنبياء والمرسلون يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم.

من سُنَّة الله إرسال كل رسول من قومه وبلسانهم؛ تأليفًا لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم، وتيسيرًا على البشر.

من أعظم السفهاء من قابل الحق بالرد والإنكار، وتكبر عن الانقياد للعلماء والنصحاء، وانقاد قلبه وقالبه لكل شيطان مريد.

<div class="verse-tafsir" id="91.8Byno"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر