الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ٩٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 53 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ; ولهذا قال الحسن البصري ، رحمه الله : المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف ، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن .
(1) القول في تأويل قوله : أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: أفأمن ، يا محمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ، ويجحدون آياته، استدراجَ الله إيّاهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحّة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصَّ عليهم قصصهم من الأمم قبلهم ، (2) فإنّ مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا، مع مقامهم على كفرهم ، وإصرارهم على معصيتهم=(إلا القوم الخاسرون) وهم الهالكون.
(3) ------------------- الهوامش : (1) سقط تفسير هذه الآيات الثلاث من المطبوعة ، ولم ينبه إليه الناشر .
وهو ساقط أيضًا من المخطوطة ، وقد ساق الكلام فيها متصلا ليس بينه بياض ، فسها عن هذه الآيات الثلاث .
والظاهر أن هذا نقص قديم ، لا أدري أهو من الطبري نفسه ، أم من ناسخ النسخة العتيقة التي نقلت عنها نسختنا ، أم من ناسخ نسختنا التي بين أيدينا .
والدليل على أنه خرم قديم ، أني لم أجد أحدًا قط نقل شيئًا عن الطبري وأخباره في تفسير هذه الآية .
لم يذكر ابن كثير شيئًا منسوبًا إلى ابن جرير ، ولا السيوطي في الدر المنثور ، ولا القرطبي ، ولا أبو حيان ، ولا أحد ممن هو مظنة أن ينقل عن أبي جعفر .
فهذا يكاد يرجح أن جميع النسخ التي وقعت في أيديهم كان فيها هذا الخرم ، ولكن لم ينبه أحد منهم إليه .
ومن أجل ذلك وضعت الآيات وحدها ، وتركت مكان الخرم بياضًا في هذه الصفحة والتي تليها .
(2) انظر تفسير"المكر" فيما سلف ص: 95 ، 97 تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(3) انظر تفسير"الخسران" فيما سلف ص: 570 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون قوله تعالى أفأمنوا مكر الله أي عذابه وجزاءه على مكرهم .
وقيل : مكره استدراجه بالنعمة والصحة .
{ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ْ} حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون، ويملي لهم، إن كيده متين، { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ْ} فإن من أمن من عذاب اللّه، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.
وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان.
بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيا بقوله: { يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ْ} وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة.
( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ) ومكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم .
وقال عطية : يعني أخذه وعذابه .
«أفأمنوا مكر الله» استدراجه إياهم بالنعمة وأخذهم بغتة «فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون».
أفأمن أهل القرى المكذبة مَكْرَ الله وإمهاله لهم؛ استدراجًا لهم بما أنعم عليهم في دنياهم عقوبة لمكرهم؟
فلا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون.
وقوله : ( أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ) تكرير لمجموع الإنكارين السابقين ، جمعا بين التفريق قصدا إلى زيادة التحذير والإنذار .والمكر فى الأصل الخداع ، ويطلق على الستر يقال : مكر الليل أى : ستر بظلمته ما هو فيه ، وإذا نسب إليه - سبحانه - فالمراد به استدراجه للعبد العاصى حتى يهلكه فى غفلته تشبيها لذلك بالخداع .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : ( أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ) ؟قلت : هو تكرير لقوله : ( أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى ) ومكر الله : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه ، فعلى العاقل أن يكون فى خوفه من مكر الله كالمحارب الذى يخاف من عدوه الكمين والبيات والغيلة .
وعن الربيع بن خثعم أن ابنته قالت له : مالى أراك لا تنام والناس ينامون؟
فقال : با بنتاه إن إباك يخاف البيات .
أراد قوله : ( أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً ) .والمعنى : أفأمنوا مكر الله وتدبيره الخفى الذى لا يعلمه البشر فغفلوا عن قدرتنا على إنزال العذاب بهم بياتاً أو ضحوة؟
لئن كانوا كذلك فهم بلا ريب عن الصراط لناكبون ، وعن سنن الله فى خلقه غافلون ، فإنه ( فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون ) أى : إلا القوم الذين خسروا أنفسهم وعقولهم ، ولم يستفيدوا شيئا من أنواع العبر والعظات التى بثها الله فى أنحاء هذا الكون .هذا ، ويرى الإمام الشافعى وأتباعه أن الأمن من مكر الله كبيرة من الكبائر ، لأنه استرسال فى المعاصى اتكالا على عفو الله .وقال الحنفية إن الأمن من مكر الله كفر كاليأس ، لقوله - تعالى - : ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون ) وقوله : ( فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون ) .ثم بين - سبحانه - أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها الذاهبين المهلكين ، الذين أهلكتهم ذنوبهم ، وجنت عليهم غفلتهمن وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا وسحنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات .
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ ﴾ أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿ واتقوا ﴾ ما نهى الله عنه وحرمه ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض ﴾ بركات السماء بالمطر، وبركات الأرض بالنبات والثمار، وكثرة المواشي والأنعام، وحصول الأمن والسلامة، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره.
وقوله: ﴿ ولكن كَذَّبُواْ ﴾ يعني الرسل ﴿ فأخذناهم ﴾ بالجدوبة والقحط ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من الكفر والمعصية.
ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة، وهو حال النوم بالليل، وحال الضحى بالنهار؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه.
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ يحتمل التشاغل بأمور الدنيا، فهي لعب ولهو، ويحتمل خوضهم في كفرهم، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع.
قرأ أكثر القراء ﴿ أَوَ أَمِنَ ﴾ بفتح الواو، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام، كما دخل في قوله: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ كُلَّمَا عاهدوا ﴾ وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده، لأن قبله ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى ﴾ وما بعده ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ﴾ ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض ﴾ وقرأ ابن عامر ﴿ أَوَ أَمِنَ ﴾ ساكنة الواو، واستعمل على ضربين: أحدهما: أن تكون بمعنى أحد الشيئين، كقوله: زيد أو عمرو جاء، والمعنى أحدهما جاء.
والضرب الثاني: أن تكون للاضراب عما قبلها، كقولك: أنا أخرج أو أقيم، أضربت عن الخروج، وأثبت الإقامة، كأنك قلت: لا بل أقيم.
فوجه هذه القراءة أنه جعل أو للاضراب لا على أنه أبطل الأول، وهو ﴿ الٓمٓ تَنزِيلُ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ فكان المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب، وإن شئت جعلت أو هاهنا التي لأحد الشيئين، ويكون المعنى: أفأمنوا إحدى هذه العقوبات، وقوله: ﴿ ضُحًى ﴾ الضحى صدر النهار، وأصله الظهور من قولهم: ضحا للشمس إذا ظهر لها.
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ﴾ وقد سبق تفسير المكر في اللغة، ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ﴾ ويدل قوله: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ﴾ أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون.
قاله على وجه التحذير، وسمي هذا العذاب مكراً توسعاً، لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به، فسمي العذاب مكراً لنزوله بهم من حيث لا يشعرون، وبين أنه لا يأمن من نزول عذاب الله على هذا الوجه ﴿ إِلاَّ القوم الخاسرون ﴾ وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم، فلا يخافونه، ومن هذه سبيله، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر، وفي الآخرة في أشد العذاب.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله ﴾ ؟
قلت: هو تكرير لقوله: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى ﴾ [الأعراف: 97] ومكر الله: استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر، ولاستدراجه.
فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.
وعن الربيع بن خثيم: أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام، فقال: يا بنتاه، إنّ أباك يخاف البيات، أراد قوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ أوْ بِالسُّكُونِ عَلى التَّرْدِيدِ.
﴿ أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى ﴾ ضَحْوَةَ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ ضَوْءُ الشَّمْسِ إذا ارْتَفَعَتْ: ﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ يَلْهُونَ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ، أوْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَنْفَعُهم.
﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى ﴾ ومَكْرُ اللَّهِ اسْتِعارَةٌ لِاسْتِدْراجِ العَبْدِ وأخْذِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
﴿ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا بِالكُفْرِ وتَرْكِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَفَأَمِنُواْ} تكرير لقوله أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى {مَكْرَ الله} أخذه العبد من حيث لا يشعر وعن الشبلي قدس الله روحه العزيز مكره بهم تركه إياهم على ماهم عليه وقالت ابنة الربيع بن خيثم
الأعراف ٩٣ ٩٧ لأبيها مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام قال يا بنتاه أن أباك خاف البينات أراد قوله أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون} إلا الكاغرون الذين خسروا أنفسهم حتى صاروا إلى النار
﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِمَجْمُوعِ الإنْكارَيْنِ السّابِقَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ التَّفْرِيقِ قَصْدًا إلى زِيادَةِ التَّحْذِيرِ والإنْذارِ، وذَكَرَ جَمْعٌ مِن جُلَّةِ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَوْ جُعِلَ تَكْرِيرًا لَهُ ولِما سَلَفَ مِن غِرَّةِ أهْلِ القُرى السّابِقَةِ أيْضًا عَلى مَعْنى أنَّ الكُلَّ نَتِيجَةُ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى لَجازَ، إلّا أنَّهُ لَمّا جُعِلَ تَهْدِيدًا لِلْمَوْجُودِينَ كانَ الأنْسَبُ التَّخْصِيصَ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
والمَكْرُ في الأصْلِ الخِداعُ، ويُطْلَقُ عَلى السَّتْرِ يُقالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ أيْ: سَتَرَ بِظُلْمَتِهِ ما هو فِيهِ، وإذا نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فالمُرادُ بِهِ اسْتِدْراجُهُ العَبْدَ العاصِيَ حَتّى يُهْلِكَهُ في غَفْلَتِهِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ بِالخِداعِ، وتَجُوزُ هَذِهِ النِّسْبَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُشاكَلَةٍ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وهو هُنا إتْيانُ البَأْسِ في الوَقْتَيْنِ والحالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وهَلْ كانَ تَبْدِيلُ مَكانِ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ المَذْكُورُ قَبْلُ مَكْرًا واسْتِدْراجًا أوْ مُلاطَفَةً ومُراوَحَةً؟
فِيهِ خِلافٌ، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ، ﴿ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ ﴾ ، أيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَأضاعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها والِاسْتِعْدادَ القَرِيبَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ، والفاءُ هُنا مُتَعَلِّقٌ كَما قالَ القُطْبُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ بِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أمِنُوا خَسِرُوا؛ فَلا يَأْمَنُ.
إلَخْ.
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّها لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعْقِيبِ العَذابِ أمْنَ مَكْرِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِتَعْلِيلِ ما يُفْهِمُهُ الكَلامُ مِن ذَمِّ الأمْنِ واسْتِقْباحِهِ، أوْ يُقالُ: إنَّها فَصِيحَةٌ، ويُقَدَّرُ ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ شَرْطًا أيْ: إذا كانَ الأمْنُ في غايَةِ القُبْحِ فَلا يَرْتَكِبُهُ إلّا مَن خَسِرَ نَفْسَهُ، واسْتَدَلَّتِ الحَنَفِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْنَ مِن مَكْرِ اللَّهِ تَعالى وهو كَما في جَمِيعِ الجَوامِعِ الِاسْتِرْسالُ في المَعاصِي اتِّكالًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ تَعالى كُفْرٌ، ومِثْلُهُ اليَأْسُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ ﴾ وذَهَبَتِ الشّافِعِيَّةُ إلى أنَّهُما مِنَ الكَبائِرِ لِتَصْرِيحِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِذَلِكَ، ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: ما الكَبائِرُ؟
فَقالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ، وهَذا أكْبَرُ الكَبائِرُ)».
قالُوا: وما ورَدَ مِن أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ مَحْمُولٌ عَلى التَّغْلِيظِ، وآيَةُ: لا يَيْئَسُ إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ ﴾ و ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ﴾ في قَوْلٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ كانَ في الأمْنِ اعْتِقادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهُ، وكَذا إذا كانَ في اليَأْسِ اعْتِقادُ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الرَّحْمَةِ والإحْسانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في أنَّهُ كُفْرٌ، وإنْ خَلا عَنْ نَحْوِ هَذا الِاعْتِقادِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ تَهاوُنٌ وعَدَمُ مُبالاةٍ بِاللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ كَبِيرَةٌ، وهو كالمُحاكَمَةِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، <div class="verse-tafsir"
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها ففي الآية مضمر ومعناه: وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ من نبي فكذبوه إلا أخذنا أهلها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ يعني: عاقبنا أهلها بالخوف والبلاء والقحط والفقر.
ويقال: البأساء ما يصيبهم من الشدة في أموالهم، والضراء ما يصيبهم في أنفسهم لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ يعني: لكي يتضرعوا، فأدغمت التاء في الضاد وأقيم التشديد مقامه.
ومعناه: لكي يدعوا ربهم ويؤمنوا بالرسل ويعرفوا ضعف معبودهم.
قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ يعني: حولنا مكان الشدة الرخاء، ومكان الجدوبة الخصب، حَتَّى عَفَوْا أي كثروا، واستغنوا، وكثرت أموالهم فلم يشكروا الله تعالى.
ويقال: حتى عفوا أي حتى سروا به وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ أي مثل ما أصابنا مرة يكون الرخاء، ومرة يكون الشدة، فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ يعني: أتاهم العذاب من حيث لم يعلموا به.
ويقال: إن الشدة للعامة تكون تنبيهاً وزجراً.
والنعمة تكون استدراجاً وأما النعمة للخاصة فهي تنبيه، لأنه بعد ذلك عقوبة.
كما روي أن الله تعالى قال لموسى- - إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل مرحباً بشعار الصالحين.
وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل ذنب عجلت عقوبته.
قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا يعني: وحدوا الله تعالى واتقوا الشرك لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ يعني: أنزلنا عليهم من السماء المطر والرزق والنبات من الأرض وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل فَأَخَذْناهُمْ أي عاقبناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الشرك.
ففي الآية دليل على أن الكفاية والسعة في الرزق من السعادة إذا كان المرء شاكراً.
وتكون عقوبة له إذا لم يكن شاكراً.
لأنه قال في آية أخرى: لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ [الزخرف: 33] يعني: الغنى يكون وبالاً لمن لا يشكر الله تعالى وعقوبة له.
ثم قال تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً أي ينزل عليهم عذابنا ليلاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى فتحت الواو لأنها واو العطف، أدخلت عليها ألف الاستفهام.
وكذلك أفأمن لأنها فاء العطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
قرأ نافع وابن كثير أو أمن بجزم الواو لأن أصله أو وأمن وأو حرف من حروف الشك فأدغم في حرف النسق أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى يعني: يأتيهم عذابنا نهاراً وَهُمْ يَلْعَبُونَ يعني: لاهون عنه.
ثم قال تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ يعني: عذاب الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون بالعقوبة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
مثالاً، أي: قد أصاب هذا آباءنا، فلا ينبغي لنا أنْ نُنْكَره، ثم أخبر سبحانه أنه أخذ هذه الطوائفَ الَّتي هذا معتَقَدُها، وقوله: بَغْتَةً أي: فجأَةً وأخْذَةَ أَسَفٍ، وبَطْشاً للشقاء السابق لهم في قديم علمه سبحانه.
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، أي: مِنْ بركاتِ المطرِ والنباتِ، وتسخير الرياحِ والشمْسِ والقمر في مصالح العبادِ وهذا بحَسَب ما يدركُه نَظَر البشر، وللَّه سبحانه خُدَّامٌ غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر.
وقوله سبحانه: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ ...
الآية تتضمَّن وعيداً للكافرين المعاصرين لنبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية، قال: وهل يأْمَنُ هؤلاء أنْ ينزلَ بهم مثلُ ما نَزَلَ بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، ومَكْرَ اللَّهِ هي إضافة مخلوقٍ إلى خالقٍ، والمراد فِعْلٌ يعاقب به مَكَرة الكَفَرةِ، والعربُ تسمِّي العقوبةَ باسْمِ الذنْب.
وقوله سبحانه: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها ...
الآية: هذه ألِفُ تقريرٍ دَخَلَتْ على واو العطف، و «يَهْدي» : معناه: يبيَّن، فيحتملُ أنْ يكون المبيِّن اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون المبيِّن قولَهُ: أَنْ لَوْ نَشاءُ، أي عِلْمُهُمْ بذلك، وقال ابنُ عباس، ومجاهد، وابن زيد: يهْدِي: معناه: يتبيَّن، وهذه أيضاً آيةُ وعيد، أي: أَلَمْ يظهر لوارثي الأرض بَعْد أولئك الذين تقدَّم ذكرهم، وما حَلَّ بهم- أنا نَقْدِرُ لو شئناً أصبناهم بذنوبهم كما فعلنا بمن تقدَّم، وفي العبارة وعْظٌ بحالِ مَنْ سلف من المهلكين.
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)
قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)
وقوله سبحانه: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ «تلك» ابتداءٌ، و «القرى» قال قوم: هو نعْتٌ، والخبر «نَقْصُّ» ، وعندي: أن «أهل القرَى» هِي خَبَر الابتداءِ، وفي ذلك معنى التعظيمِ لها، ولِمُهْلِكِها وهذا كما قيل في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ [البقرة: ٢] وكما قال عليه السلام: «أُولَئِكَ الملأ» وكقول ابن أبي الصلت:
[البسيط]
تِلْكَ المَكَارِمُ.............
...
...............
....
«١»
وهذا كثير.
ثم ابتدأ سبحانهُ الخبر عن جميعهم بقوله: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ، هذا الكلامُ يحتملُ وجوهاً من التأويل:
أحدها: / أنْ يريد أنَّ الرسول جاء لكلِّ فريقٍ منهم، فكذَّبوه لأول أمره، ثم استبانت حجته، وظهَرتِ الآياتُ الدالَّة على صدقه، مع استمرار دعوته.، فلَجُّوا هم في كفرهم، ولم يؤمنوا بما سَبَقَ به تكذيبُهم.
والثاني: من الوجوه: أنْ يريد: فما كان آخرهم في الزّمنِ لِيُؤْمِنَ بما كَذَّب به أوَّلهم في الزمَنِ، بل مشى بعضهم على سَنَن بعضٍ في الكُفْرِ أشار إِلى هذا التأويلِ النَّقَّاش «٢» .
والثالث: أنَّ هؤلاء لَوْ رُدَّوا من الآخرة إلى الدنيا، لم يكُنْ منهم إِيمانٌ قاله مجاهد «٣» ، وقرنه بقوله: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] .
والرابع: أنه يحتمل: فما كانوا ليُؤْمنوا بما سَبَق في عِلم اللَّه سبحانه أنهم مكذّبون به وذكر هذا التأويل المفسّرون.
وقوله سبحانَه: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ...
الآية: أخبر سبحانه أنه لم يجدْ لأكثرهم ثبوتاً على العَهْد الذي أخذه سبحانه على ذريِّة آدم وقْتَ استخراجهم من ظهره قاله أبو العالية «١» عن أبيِّ بنْ كَعْب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزامَ عَهْدٍ، وقبولَ وصاةٍ ممَّا جاءتهم به الرسُلُ عن اللَّه، ولا شَكَروا نعم اللَّه عزَّ وجلَّ.
قال ص: لِأَكْثَرِهِمْ: يحتمل أن يعود على «النَّاس» أو على أَهْلَ الْقُرى أو «الأُمم الماضية» .
انتهى.
وقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها ...
الآيات في هذه الآية: عامٌّ في التسْع وغيرِهَا، والضميرُ في «مِنْ بعدهم» عائدٌ على الأنبياءِ المتقدِّم ذكْرُهم، وعلى أممِهِمْ.
وقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: فيه وعيدٌ، وتحذيرٌ للكَفَرة المعاصرين لنبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقوله سبحانه: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، قرأ نافعٌ «٢» وحده: «عَلَيَّ» بإِضافة «على» إِليه، وقرأ الباقون: «على» بسكون الياء.
قال الفارسيُّ: معنى هذه القراءة أنَّ «عَلَى» وضعتْ موضع الباء كأنه قال: حقيقٌ بأن لا أقولَ على اللَّه إِلاَّ الحَقَّ، وقال قوم: «حقيقٌ» صفةٌ ل «رَسُولٌ» ، تم عندها الكلامُ، و «عَليَّ» : خبرٌ مقدّمٌ و «أَلاَّ أقول» : ابتداءٌ، وإِعراب «أَنْ» ، على قراءة مَنْ سكَّن الياء خفْضٌ، وعلى قراءة من فتحها مشدَّدةً: رَفْعٌ، وفي قراءة عبد اللَّه: «حَقيقٌ أَنْ لا أَقُول» ، وهذه المخاطَبَةُ- إِذا تأَمَّلْتَ- غايةٌ في التلطُّف، ونهايةٌ في القول الليِّن الذي أُمِرَ به عليه السلام، وقوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «البينة» هنا إشارةٌ إلى جميع آياته، وهي على المُعْجزة منْها أدلُّ، وهذا من موسى عليه السلام عَرْضُ نبوَّته، ومنْ فرعون استدعاءُ خَرْق العادة الدالِّ على الصدْقِ، وظاهرُ هذه الآية وغيرها أنَّ موسى عليه السلام لم تَنْبَنِ شريعته إِلا على بني إسرائيل فقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فرعونَ وقومه إِلا إِلى إِرسال بني إِسرائيل، وذكره: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [طه: ٤٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ ﴾ بِإسْكانِ الواوِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " أوَ أمِنَ " بِتَحْرِيكِ الواوِ.
ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: " أوامَنَ " يُدْغِمُ الهَمْزَةَ، ويُلْقِي حَرَكَتَها عَلى السّاكِنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ ﴾ ﴿ أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ ﴾ ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ، لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمّا فَعَلَ في الأُمَمِ الخالِيَةِ قالَ: ومَن يُؤَمِّنُ هَؤُلاءِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِثْلُ ما نَزَلْ بِأُولَئِكَ؟
وهَذا اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ.
والبَأْسُ: العَذابُ، و"بَياتًا" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أيْ وقْتَ مَبِيتِهِمْ بِاللَيْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أوأمِنَ" بِسُكُونِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أوامِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإلْقاءِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ عَلَيْها، وهَذِهِ القِراءَةُ في مَعْنى الأُولى ولَكِنَّها سُهِّلَتْ.
وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَ أمِنَ" بِفَتْحِ الواوِ وإظْهارِ الهَمْزَتَيْنِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ دَخَلَ ألْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ، ومَعْنى القِراءَةِ الأُولى: أنَّهُ عَطَفَ بِـ"أو" والَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ، والمَعْنى: أفَأمِنُوا هَذا أو هَذا؟
كَما تَقُولُ: "أجاءَ زَيْدٌ أو عَمْرٌو "؟
ولَيْسَتْ هَذِهِ "أوِ" الَّتِي هي لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، كَما تَقُولُ: "أنا أقْوَمُ أو أجْلِسُ" وأنْتَ تَقْصِدُ الإضْرابَ عَنِ القِيامِ والإثْباتَ لِلْجُلُوسِ وتَقْرِيرَهُ، وقَوْلُنا: الَّتِي هي لِأحَدِ الشَيْئَيْنِ يَعُمُّ الإباحَةَ والتَخْيِيرَ، كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ، أو قَوْلُكَ: جالِسِ الحَسَنَ أو جالِسِ ابْنَ سِيرِينَ، وقَوْلُهُ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ يُرِيدُ: في غايَةِ الغَفْلَةِ والإعْراضِ.
و ﴿ مَكْرَ اللهِ ﴾ هي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: ناقَةُ اللهِ، وبَيْتُ اللهِ، والمُرادُ فِعْلٌ يُعاقَبُ بِهِ مَرَدَةُ الكُفّارِ، وأُضِيفَ إلى اللهِ لَمّا كانَ عُقُوبَةَ الذَنْبِ، فَإنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العُقُوبَةَ -عَلى أيِّ وجْهٍ كانَتْ- بِاسْمِ الذَنْبِ الَّذِي وقَعَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وهَذا نَصٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ ﴾ وهَذا المَوْضِعُ أيْضًا، كَأنَّ كُفْرَهم بَعْدَ الرِسالَةِ وظُهُورَ دَعْوَةِ اللهِ مَكْرٌ وخَدِيعَةٌ واسْتِخْفافٌ.
وقِيلَ: عُومِلَ -فِي مِثْلِ هَذا وغَيْرِهِ- اللَفْظُ دُونَ المَعْنى في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ و"إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا" وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ ألِفُ تَقْرِيرٍ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ، و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، والهُدى: الصَباحُ، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: حَتّى اسْتَبَنْتُ الهُدى والبِيدُ هاجِمَةٌ...
يَسْبَحْنَ في الآلِ غُلْفًا أو يُصَلِّينا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ اللهَ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿ أنْ لَوْ نَشاءُ ﴾ أيِ عِلْمُهم بِذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: و"يَهْدِي" مَعْناهُ: يَتَبَيَّنُ، وهَذِهِ أيْضًا آيَةُ وعِيدٍ، أيْ: ألَمْ يَظْهَرْ لِوارِثِي الأرْضِ بَعْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم وما حَلَّ بِهِمْ أنّا نَقْدِرُ لَوْ شِئْنا أنْ نُصِيبَهم إصابَةَ إهْلاكٍ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ كَما فُعِلَ بِمَن تَقَدَّمَ، وكُنّا نَطْبَعُ: أيْ نَخْتِمُ عَلَيْها بِالشَقاوَةِ، وفي هَذِهِ العِبارَةِ ذِكْرُ القَوْمِ الَّذِينَ قَصَدَ ذِكْرَهُمْ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيما ورِثُوا، والوَعْظُ بِحالِ مَن سَلَفَ مِنَ المُهْلَكِينَ.
﴿ وَنَطْبَعُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( أصَبْنَهم ) إذِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ و"نَطْبَعُ" مُنْقَطِعًا إخْبارًا عن وُقُوعِ الطَبْعِ لا أنَّهُ مُتَوَعِّدٌ بِهِ، ويَبْقى التَوَعُّدُ بِالإهْلالِ الَّذِي هو بِعَذابٍ كالصَيْحَةِ والغَرَقِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: و"نَطْبَعْ عَّلى" بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ وإشْمامِ الضَمِّ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.
<div class="verse-tafsir"
عُطفت جملة ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ على جملة: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ [الأعراف: 94] أي: ما أرسلنا في قرية نبيئاً فكذبه أهلها إلاّ نبهناهم واستدرجناهم ثم عاقبناهم، ولو أن أهل تلك القرى المُهْلَكَةِ آمنوا بما جاءهم به رسولهم واتقوا ربهم لما أصبناهم بالبأساء ولأحييناهم حياة البركة، أي: ما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم.
وشرط (لو) الامتناعية يحصل في الزمن الماضي، ولما جاءت جملة شرطها مقترنة بحرف (أنّ) المفيد للتأكيد والمصدرية، وكان خبر (أنّ) فعلاً ماضياً توفر معنى المضي في جملة الشرط.
والمعنى: لو حصل إيمانهم فيما مضى لفتحنا عليهم بركات.
والتقْوى: هي تقوى الله بالوقوف عند حدوده وذلك بعد الإيمان.
والتعريف في ﴿ القرى ﴾ تعريف العهد، فإضافة ﴿ أهل ﴾ إليه تفيد عمومه بقدر ما أضيف هو إليه، وهذا تصريح بما أفهمه الإيجاز في قوله: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ [الأعراف: 94] الآية كما تقدم، وتعريض بإنذار الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل مكة، وتعريض ببشارة أهل القُرى الذين يؤمنون كأهل المدينة، وقد مضى في صدر تفسير هذه السورة ما يقرّب أنها من آخر ما نزل بمكة، وقيل، إن آيات منها نزلت بالمدينة كما تقدم وبذلك يظهر موقع التعريض بالنذارة والبشارة للفريقين من أهل القرى، وقد أخذ الله أهل مكة بعد خروج المؤمنين منها فأصابهم بسبع سنين من القحط، وبارك لأهل المدينة وأغناهم وصرف عنهم الحمى إلى الجُحفة، والجُحفة يومئذٍ بلاد شرك.
والفتح: إزالة حَجْز شيء حاجز عن الدخول إلى مكان، يقال: فتح الباب وفتح البيت، وتعديته إلى البيت على طريقة التوسع، وأصله فتح للبيت، وكذلك قوله هنا: ﴿ لفتحنا عليهم بركات ﴾ وقولُه: ﴿ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ﴾ [فاطر: 2]، ويقال: فتح كوة، أي: جعلها فتحة، والفتح هنا استعارة للتمكين، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ﴾ في سورة الأنعام (44).
وتعدية فعل الفتح إلى البركات هنا استعارة مكنية بتشبيه البركات بالبيوت في الانتفاع بما تحتويه، فهنا استعارتان مكنية وتبعية، وقرأ ابن عامر: لفتّحنا} بتشديد التاءِ وهو يفيد المبالغة.
والبركات: جمع بركة، والمقصود من الجمع تعددها، باعتبار تعدد أصناف الأشياء المباركة.
وتقدم تفسير البركة عند قوله تعالى: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ في سورة الأنعام (92).
وتقدم أيضاً في قوله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للّذي بمكّة مباركاً ﴾ في سورة آل عمران (96).
وتقدم أيضاً في قوله تعالى: ﴿ تَبارك الله رب العالمين ﴾ في هذه السورة (54)، وجُماع معناها هو الخير الصالح الذي لا تبعة عليه في الآخرة فهو أحسن أحوال النعمة، ولذلك عبر في جانب المغضوب عليهم المستدرَجين بلفظ الحسنة } بصيغة الإفراد في قوله: ﴿ مكان السيئة الحسنة ﴾ وفي ج [الأعراف: 95] انب المؤمنين بالبركات مجموعة.
وقوله: ﴿ من السماء والأرض ﴾ مراد به حقيقته، لأن ما يناله الناس من الخيرات الدنيوية لا يعدو أن يكون ناشئاً من الأرض، وذلك معظم المنافع، أو من السماء مثل ماء المطر وشعاع الشمس وضوء القمر والنجوم والهواء والرياح الصالحة.
وقوله: ﴿ ولكن كذبوا ﴾ استثناء لنقيض شرط (لو) فإن التكذيب هو عدم الإيمان فهو قياس استثنائي.
وجملة: ﴿ فأخذناهم ﴾ متسببة على جملة: ﴿ ولكن كذبوا ﴾ وهو مثل نتيجة القياس، لأنه مساوي نقيضضِ التالي، لأن أخذهم بما كسبوا فيه عدم فتح البركات عليهم.
وتقدم معنى الأخذ آنفاً في قوله تعالى: ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ [الأعراف: 95]، والمراد به أخذ الاستئصال.
والباء للسببية أي بسبب ما كسبوه من الكفر والعصيان.
(والفاء) في قوله: ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ عاطفة أفادت الترتب الذكري، فإنه لما ذكر من أحوال جميعهم ما هو مثار التعجيب من حالهم أعقبه بما يدل عليه معطوفاً بفاء الترتب.
ومحل التعجيب هو تواطؤهم على هذا الغرور، أي يترتب على حكاية تكذيبهم وأخذِهم استفهامُ التعجيب من غرورهم وأمنهم غضب القادر العليم.
وقد تقدم الكلام على مثل هذا التركيب عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ في سورة البقرة (87).
وجيء بقوله: ﴿ يأتيهم ﴾ بصيغة المضارع لأن المراد حكاية أمنهم الذي مضى من إتيان بأس الله في مستقبل ذلك الوقت.
وقوله: ﴿ أوْ أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسناً ضحى وهم يلعبون ﴾ قرأه نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر بسكون الواو على أنه عطف بحرف (أو) الذي هو لأحد الشيئين عطفاً على التعجيب، أي: هو تعجيب من أحد الحالين.
وقرأه الباقون بفتح الواو على أنه عطف بالواو مقدمة عليه همزةُ الاستفهام، فهو عطف استفهام ثان بالواو المفيدة للجمع، فيكون كلا الاستفهامين مدخولاً لفاء التعقيب، على قول جمهور النحاة، وأما على رأي الزمخشري فيتعين أن تكون الواو للتقسيم، أي تقسيم الاستفهام إلى استفهامين، وتقدم ذكر الرأيين عند قوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ في سورة البقرة (87).
و ﴿ بياتاً ﴾ تقدم معناه ووجه نصبه عند قوله تعالى: ﴿ وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسناً بياتاً ﴾ في أول هذه السورة (4).
والضحَى بالضم مع القصر هو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرق وارتفع، وفسره الفقهاء بأن ترتفع الشمس قيد رمح، ويرادفه الضحوة والضّحْوُ.
والضحى يذكر ويؤنث، وشاع التوقيت به عند العرب ومن قبلهم، قال تعالى حكاية عن موسى: ﴿ قال مَوْعدكُمْ يوم الزينة وأن يُحشر الناس ضُحى ﴾ [طه: 59].
وتقييد التعجيب من أمْنهم مجيءَ البأس، بوقتي البيات والضحى، من بين سائر الأوقات، وبحالي النوم واللعب، من بين سائر الأحوال، لأن الوقتين أجدر بأن يحذر حلول العذاب فيهما، لأنهما وقتان للدعة، فالبيات للنوم بعد الفراغ من الشغل.
والضحى للعب قبل استقبال الشغل، فكان شأن أولي النهى المعرضين عن دعوة رسل الله أن لا يأمنوا عذابه، بخاصة في هذين الوقتين والحالين.
وفي هذا التعجيب تعريض بالمشركين المكذبين للنبيء صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم ما حلَّ بالأمم الماضية، فكان ذكر وقت البيات، ووقت اللعب، أشد مناسبة بالمعنى التعريضي،.
تهديداً لهم بأن يصيبهم العذاب بأفظع أحواله، إذ يكون حلوله بهم في ساعة دعتهم وساعة لهوهم نكاية بهم.
وقوله: ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ تكرير لقوله: ﴿ أفأمنَ أهل القرى ﴾ قصد منه تقرير التعجيب من غفلتهم، وتقرير معنى التعريض بالسامعين من المشركين، مع زيادة التذكير بأن ما حل بأولئك من عذاب الله يماثل هيئة مكر الماكر بالممكور فلا يحسبوا الإمهال إعراضاً عنهم، وليحذروا أن يكون ذلك كفعل الماكر بعدوّه.
والمكر حقيقته: فعل يقصد به ضر أحد في هيئة تخفَى أو هيئة يحسبها منفعة.
وهو هنا استعارة للإمهال والإنعام في حال الإمهال، فهي تمثيلية، شبه حال الإنعام مع الإمهال وتعقيبه بالانتقام بحال المكر، وتقدم في سورة آل عمران (54) عند قوله: ﴿ ومكَروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ وقوله: ﴿ فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ﴾ مُترتب ومتفرع عن التعجيب في قوله: ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ لأن المقصود منه تفريع أن أهل القرى المذكورين خاسرون لثبوت أنهم أمنوا مكر الله، والتقدير: أفأمنوا مكر الله فهم قوم خاسرون.
وإنما صيغ هذا التفريع بصيغة تعُم المخبَر عنهم وغيرهم ليجري مجرى المثل ويصير تذييلاً للكلام، ويدخل فيه المعرّض بهم في هذه الموعظة وهم المشركون الحاضرون، والتقدير: فهم قوم خاسرون، إذ لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون.
والخسران هنا هو إضاعة ما فيه نفعهم بسوء اعتقادهم، شُبه ذلك بالخسران وهو إضاعة التاجر رأس ماله بسوء تصرفه، لأنهم باطمئنانهم إلى السلامة الحاضرة، وإعراضهم عن التفكر فيما يعقبها من الأخذ الشبيه بفعل الماكر قد خسروا الانتفاع بعقولهم وخسروا أنفسهم.
وتقدم قوله تعالى: ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ في سورة الأنعام (12)، وقوله: ﴿ فأولئك الذين خسروا أنفسهم ﴾ في أول السورة (9).
وتقدم أن إطلاق المَكْر على أخذ الله مستحقي العقاب بعد إمهالهم: أن ذلك تمثيل عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ في سورة آل عمران (54).
واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتُدئ الحديث عنه من قوله: ﴿ وما أرسلنا في قرية من بنيء إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضّراء لعلهم يضرّعون ﴾ [الأعراف: 94] ثم قوله: ﴿ أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً ﴾ الآياتتِ، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمن ناشئ عن كفر، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم وما أطلق عليه أنه مكر الله.
ومن الأمن من عذاب الله أصنْاف أخرى تُغاير هذا الأمن، وتتقارب منه، وتتباعد، بحسب اختلاف ضمائر الناس ومبالغ نياتهم، فأما ما كان منها مستنداً لدليل شرعي فلا تَبعةَ على صاحبه، وذلك مثل أمن المسلمين من أمثال عذاب الأمم الماضية المستند إلى قوله تعالى: ﴿ وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ [الأنفال: 33]، وإلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم ﴾ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أعوذ بسبحات وجهك الكريم ﴿ أَوْ مِن تحت أرجلكم ﴾ فقال: " أعوذ بسبحات وجهك الكريم ﴿ أو يلبسكم شيعا ﴾ [الأنعام: 65] الآية فقال: هذه أهون " كما تقدم في تفسيرها في سورة الأنعام ومثل، أمن أهل بدر من عذاب الآخرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ما يدريك لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " في قصة حاطب بن أبي بلتعة.
ومثل إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن سلام أنه لا يزال آخذاً بالعروة الوثقى، ومثل الأنبياء فإنهم آمنون من مكر الله بإخبار الله إياهم بذلك، وأولياءُ الله كذلك، قال تعالى: ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ [يونس: 62، 63] فمن العجيب ما ذكره الخفاجي أن الحنفية قالوا: الأمنُ من مكر الله كفر لقوله تعالى: ﴿ فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ﴾ .
والأمنُ مجمل ومكر الله تمثيل والخسران مشكك الحقيقة.
وقال الخفاجي: الأمنُ من مكر الله كبيرة عند الشافعية، وهو الاسترسال على المعاصي اتكالاً على عفو الله وذلك مما نسبه الزركشي في «شرح جمع الجوامع» إلى ولي الدين، وروى البزار وابن أبي حاتم عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: ما الكبائر فقال: الشرك بالله واليأس من روح الله والأمنُ من مكر الله " ولم أقف على مبلغ هذا الحديث من الصحة، وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مرادٌ منه أيضاً تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَرَزَقْنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: لَوَسَّعْنا.
﴿ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ﴾ : بَرَكاتُ السَّماءِ: القَطْرُ.
وَبَرَكاتُ الأرْضِ.
النَّباتُ والثِّمارُ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَرَكاتُ السَّماءِ قَبُولَ الدُّعاءِ.
وَبَرَكاتُ الأرْضِ: تَسْهِيلُ الحاجاتِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن هشام بن عروة قال: كتب رجل إلى صاحب له: إذا أصبت من الله شيئاً يسرك فلا تأمن أن يكون فيه من الله مكر ﴿ فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن الله تبارك وتعالى قال للملائكة «ما هذا الخوف الذي قد بلغكم وقد أنزلتكم المنزلة التي لم أنزلها غيركم؟
قالوا: ربنا لا نأمن مكرك، لا يأمن مكرك إلا القوم الخاسرون» .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن علي بن أبي حليمة قال: كان ذر بن عبد الله الخولاني إذا صلى العشاء يختلف في المسجد، فإذا أراد أن ينصرف رفع صوته بهذه الآية ﴿ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إسماعيل بن رافع قال: من الأمن لمكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ الآية.
قد ذكرنا معنى المكر في اللغة، ومعنى مكر الله في سورة آل عمران عند قوله: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ .
قال المفسرون: (معنى مكر الله: استدراجه إياهم بالنعمة والصحة، وذلك مما يبطرهم ويحملهم على المعصية والتمادي في الغي فيكون في الحقيقة إضرارًا بهم من حيث لا يشعرون) (١) وقال الزجاج في هذه الآية (٢) (٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 9، والبغوي 3/ 260، وابن عطية 6/ 18.
(٢) "معاني الزجاج" 2/ 360، وهو قول النحاس في "معانيه" 3/ 58، و"السمرقندي" 1/ 557، والمكر: إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي لمن يستحقه عقوبة له.
وهو صفة ثابتة لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، والمكر يحمل حقيقة على بابه.
انظر: "الفتاوى" 3/ 111 - 112، وقال ابن القيم (كما في "بدائع التفسير" 2/ 261): (قوله تعالى: ﴿ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ﴾ إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة الله على مكر السيئات بمكره به ﴿ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ ، والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال فيحصل منهم نوع إغترار، فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة وفترة).
اهـ.
(٣) في (ب): (أي أفأمنوا) وهو الأنسب بالسياق، وعند الزجاج في "معانيه" 2/ 360: (أي وأمنوا).
<div class="verse-tafsir"
﴿ بركات مِّنَ السمآء والأرض ﴾ أي بالمطر والزرع ﴿ أَوَ أَمِنَ ﴾ من قرأ بإسكان الواو فهي أو العاطفة، ومن قرأ بفتحها فهي واو العطف دخلت عليها همزة التوبيخ كما دخلت على الفاء في قوله أفأمنوا مكر الله: أي استدراجه وأخذه للعبد من حيث لا يشعر ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ ﴾ أي أو لم يتبين ﴿ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض ﴾ أي يسكنونها ﴿ أَن لَّوْ نَشَآءُ ﴾ هو فاعل أو لم يهد، ومقصود الآية الوعيد ﴿ وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ ﴾ عطف على أصبناهم لأنه في معنى المستقبل، أو منقطع على معنى الوعيد وأجاز الزمخشري أن يكون عطفاً على يرثون الأرض أو على ما دل عليه معنى أو لم يهد كأنه قال يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لفتحنا ﴾ بالتشديد: ابن عامر ويزيد ﴿ أو أمن ﴾ بسكون الواو: أو جعفر ونافع غير ورش، وابن عامر وابن كثير غير ابن فليح، وقرأ ورش بنقل حركتها إلى الساكن قبلها ﴿ أولم نهد ﴾ النون حيث كان: زيد عن يعقوب.
الباقون: بالياء التحتانية ﴿ رسلهم ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.
الوقوف: ﴿ يضرعون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ نائمون ﴾ ه لمن قرأ ﴿ أو أمن ﴾ بفتح الواو على أن الهمز للاستفهام، ومن سكن الواو فلا وقف لأن "أو" للعطف ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مكر الله ﴾ ج للفصل بين الإخبار والاستخبار مع أن الفاء للتعقيب.
﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ بذنوبهم ﴾ ج للفصل بين الماضي والمستقبل والتقدير: نحن نطبع مع اتحاد القصة.
﴿ لا يسمعون ﴾ ه ﴿ من أنبائها ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بالبينات ﴾ ط لأن ضمير ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ لأهل مكة وضمير.
﴿ جاءهم ﴾ للأمم الماضية مع أن الفاء توجب الاتصال ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من عهد ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفين ﴿ لفاسقين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل.
والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء.
قال الزجاج: البأساء الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان.
وقيل بالعكس ﴿ لعلهم يضرعون ﴾ أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم.
ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال ﴿ ثم بدلنا مكان السيئة ﴾ وهي كل ما يسوء صاحبه ﴿ الحسنة ﴾ وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة ﴿ حتى عفوا ﴾ كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله : "وأعفوا اللحى" ﴿ وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ﴾ كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة.
والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ بنزول العذاب.
والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية ﴿ آمنوا ﴾ بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد ﴿ واتقوا ﴾ كل ما نهى الله عنه ﴿ لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ﴾ أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.
والمراد بفتح البركات عليهم تيسير أسباب النجاح كقولهم: فتحت على القارىء إذا يسرت القراءة عليه بالتلقين ﴿ ولكن كذبوا الرسل فأخذناهم ﴾ بالجذب والمحل وهو ضد البركة والخير ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ أي بشؤم كسبهم وهو الكفر والمعاصي.
ثم خوف المكلفين نزول العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة وهو حال النوم بالليل وحال الضحى بالنهار، لأنه الوقت الذي يغلب على المرء في التشاغل باللذات والمهمات فقال ﴿ أفأمن ﴾ قال في الكشاف: الهمزة للإنكار والفاء للعطف على قوله ﴿ فأخذناهم بغتة ﴾ والآية بينهما اعتراض والتقدير: أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى؟
فلهذا عطف الثانية بالواو.
وأما قوله ﴿ أفأمنوا مكر الله ﴾ فتكرير لقوله ﴿ أفأمن أهل القرى ﴾ فلهذا رجع فعطف بالفاء.
قلت: يجوز أن يقدّر المعطوف عليه بعد الهمزة والمعنى: أفعلوا ما فعلوا فأمن وأما من قرأ "أو" ساكنة فمعناه إما أحد الشيئين ويرجع المعنى إلى قولنا فأمنوا إحدى هذه العقوبات، وإما للإضراب كما تقول: أنا أخرج ثم تقول أو أقيم.
على أن المراد هو الإضراب عن الخروج وإثبات للإقامة أي لا بل أقيم.
ومعنى ﴿ بياتاً ﴾ قد تقدم في أوّل السورة.
و ﴿ ضحى ﴾ نصب على الظرف قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس مقصورة، وتذكر على أنه مفرد كصرد وتؤنث على أنها جمع ضحوة.
ثم بعده الضحاء ممدوداً مذكراً وهو عند ارتفاع النهار الأعلى.
في قوله ﴿ وهم يلعبون ﴾ يحتمل التشاغل بما لا يجدي عليهم من أمور الدنيا فهي لهو ولعب، ويحتمل خوضهم في كفرهم لأن ذلك كاللعب في أنه يضر ولا ينفع.
ومكر الله كما تقدم في آل عمران عذاب بعد الاستدراج أو سمي جزاء المكر مكراً.
وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟
قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات يعني المذكور في الآية.
اللهم اجعلنا من الخائفين العاقلين لا من الآمنين الغافلين.
ثم لما بيّن حال المهلكين مفصلاً ومحلاً ذكر أن الغرض من القصص حصول العبرة للباقين فقال ﴿ أولم يهد ﴾ من قرأ بالياء ففاعله ﴿ أن لو نشاء ﴾ والمعنى: أو لم يهد الذين يخلفون أولئك المتقدمين فيرثون أرضهم وديارهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي بعقابها كما أصبنا من قبلهم.
ومن قرأ بالنون فقوله ﴿ أن لو نشاء ﴾ منصوب والهداية بمعنى التبيين على القراءتين ولهذا عُدّي فعلها باللام، والمفعول على القراءة الأولى محذوف والتقدير: أولم يكشف لهم الحال والشأن المذكور.
وأما قوله ﴿ ونطبع على قلوبهم ﴾ فإما أن يكون منقطعاً عما قبله بمعنى ونحن نطبع كما مر في الوقوف، وإما أن يكون متصلاً بما قبله.
قال الكشاف: وذلك هو يرثون أو ما دلّ عليه معنى ﴿ أولم يهد ﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع.
ثم قال: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ أصبناهم ﴾ و ﴿ طبعنا ﴾ لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم فيجري مجرى تحصيل الحاصل ولقائل أن يقول: لا يلزم من المذكور وهو كونهم مذنبين أن يكونوا مطبوعين، فاقتراف الذنوب غير الطبع لأن يذنب أوّلاً أو يكفر ثم يستمر على ذلك فيصير مطبوعاً على قلبه.
وأيضاً جاز أن يراد لو شئنا لزدنا في طبعهم أو لأدمناه والله أعلم بمراده.
ثم أخبر عن الأقوام المذكورين تسلية لرسوله فقال ﴿ تلك القرى ﴾ وهي مبتدأ وخبر.
وقوله ﴿ يقص ﴾ حال والعامل معنى اسم الإشارة، أو خبر بعد خبر، أو ﴿ القرى ﴾ صفة لـ ﴿ تلك ﴾ و ﴿ نقص ﴾ خبر.
وفائدة الإخبار على هذا التقدير ظاهرة.
وأما على الأوّلين فترجع الفائدة إلى الحال أو الخبر الثاني كما ترجع إلى الصفة في قولك: هو الرجل الكريم.
الحاصل أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وأيضاً خصصنا تلك القرى بقصص بعض أنبائها لأنهم اغتروا بطول الأمهال مع كثرة النعم وكانوا أقرب الأمم إلى العرب فذكرنا أحوالهم تنبيهاً على الاحتراز عن مثل أعمالهم.
ثم عزى رسوله بقوله ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا ﴾ من قبل اللام لتأكيد النفي وأن الإيمان كان منافياً لحالهم.
قال ابن عباس والسدي: فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بسبب تكذيبهم يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم أقروا باللسان كرهاً وأضمروا التكذيب.
وقال الزجاج: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به من قبل رؤية تلك المعجزات.
وعن مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد الإهلاك ورددناهم إلى دار التكليف بما كذبوا من قبل كقوله ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ وقيل: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما كذبوا من قبل مجيئهم.
وقيل: ما كانوا ليؤمنوا في الزمان المستقبل بما كذبوا به في الزمان الماضي أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إلى أن ماتوا مصرين لم ينجع فيهم تكرير المواعظ وتتابع الآيات ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الطبع الشديد ﴿ يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ الذي كتب أن لا يؤمنوا أبداً.
والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد كما سلف.
وقال الجبائي: هو أن يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن صاحبها لا يؤمن.
وقال الكعبي: إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله ﴿ فلم يزدهم دعائي إلا فراراً ﴾ ثم شرح حال المكلفين فقال ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ والضمير للناس على الإطلاق.
قال ابن عباس: يعني بالعهد قوله للذر ﴿ ألست بربكم ﴾ أقروا به ثم خالفوا.
عن ابن مسعود هو الإيمان كقوله ﴿ إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا ﴾ يعني من قال لا إله إلا الله.
وقيل: العهد عبارة عن الأدلة على التوحيد والنبوّة والمراد الوفاء بالعهد ﴿ وإن وجدنا ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة في قوله ﴿ لفاسقين ﴾ وقد عملت في ضمير شأن مقدر والتقدير: وإن الشأن والحديث علمنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والآية اعتراض.
ويحتمل أن يعود الضمير على الأمم المذكورين كانوا إذا عاهدوا الله في ضرر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن نكثوه بعد كشف الضر.
التأويل: ﴿ إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ﴾ الوفي يتضرع إليه عند البلاء ويتوكل عليه والعدوّ يذهل عن الحق ولا يرجع إليه ﴿ ولو أن أهل القرى ﴾ يعني صفات النفس ﴿ آمنوا ﴾ بما يرد إلى صفات القلب والروح من ألطاف الحق ﴿ واتقوا ﴾ مشتبهات النفس ﴿ لفتحنا عليهم ﴾ أسباب العواطف من سماء الروح وأرض القلب ﴿ فأخذناهم ﴾ عاقبناهم بعذاب البعد ﴿ بما كسبوا ﴾ من مخالفات الحق وموافقات الطبع ﴿ بياتاً ﴾ في صور القهر ﴿ ضحى ﴾ في صورة اللطف بسطوات الجذبات ﴿ وهم يلعبون ﴾ يشتغلون بالدنيا.
﴿ إلا القوم الخاسرون ﴾ من أهل القهر هم الذين خسروا سعادة الدارين من أهل اللطف هم الذين خسروا الدنيا والعقبى وربحوا المولى ﴿ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَواْ ﴾ .
قيل: آمنوا واتقوا قبل أن يهلكوا بعد ما أصابهم من الشدائد والبلاياً؛ ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَٰتٍ...
﴾ الآية.
أي: لأعطوا كل خير ينال من السماء والأرض، والبركة ما ينال من كل خير على غير - مؤنة [وقيل:] البركة: كل شيء ينال بلا تبعة عليه ولا شدة - ذكر ها هنا أنه يفتح عليهم بركات من السماء والأرض لو آمنوا واتقوا، وذكر إذا لم يؤمنوا ونسوا ما ذكروا به أنه يفتح عليهم أبواب كل شيء، ولم يذكر البركة، ففيما لم يذكر البركة ينقصهم ما فتح عليهم من كل شيء ويسوؤهم وفيما ذكر فيه البركة بعد الإيمان لا يلحقهم من ذلك تبعة ولا غرم، [والله أعلم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ يحتمل قوله: ولكن كذبوا النعم التي أنعمها عليهم، أي: الرسل، فأخذناهم بما كانوا يكسبون من التكذيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴾ .
خرج هذا في الظاهر مخرج الاستفهام، ولكن في الحقيقة على الإيجاب؛ كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ...
﴾ الآية، هذا في الظاهر وإن خرج مخرج الشك والارتياب، فهو في الحقيقة على الإيجاب؛ كأنه قال: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا أن يحيف الله عليهم، فعلى ذلك قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ ﴾ \[أو أمن أهل القرى\] على الإيجاب، كأنه قال: قد أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى ﴾ الآية.
ثم اختلف في قوله: ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ ﴾ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر: قال الحسن: هذه الآيات في الأمم السالفة، أخبر عن أمنهم بنزول بأس الله وعذابه بهم، لكن ذكر في هذه الأمة ليكونوا على حذر عن مثل صنيعهم.
وقال الآخرون: هذه الآيات في قرى هذه الأمة لا في الأمم السالفة، يقول: أمن هؤلاء بأسنا كما أمن أولئك منه فإنهم إذا صنعوا مثل صنيعهم ينزل بهم في الآخرة من العذاب مثل ما أنزل بأولئك في الدنيا من العذاب.
وقوله: ﴿ بَأْسُنَا بَيَٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴾ و ﴿ ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .
أخبر أن العذاب إنما نزل بهم في حال الأمن وهو وقت النوم واللعب؛ لأنه هو وقت الغفلة والسهو، وآمن ما يكون الإنسان إنما يكون في حال النوم، وإنما نزل بهم في وقت الغفلة والسهو، يذكر بهذا - والله أعلم - أهل مكة وغيرهم من الكفرة بتكذيبهم رسول الله؛ لئلا يكونوا آمنين عن بأس أبداً في وقت من الأوقات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
المكر في الشاهد: هو أن يراقب من عدوه حال غفلة لينتقم منه وينتصر، فإذا كان ما ذكرنا فسمّى ما ينزل بهم من العذاب في حال الغفلة مكراً، وعلى ذلك الامتحان فيما بين الخلق: هو استظهار ما خفي على بعضهم من بعض، فيأمرون بذلك وينهون، فسمى الله - - ذلك امتحاناً لمعنى الأمر والنهي، وإن كانت الخفيات عن الخلق ظاهرة له بادية عنده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
فالآية على المعتزلة؛ لأنهم يأمنون مكر الله في الصغائر [حيث قالوا: الصغائر] مغفورة، ليس له أن يعذبهم عليها، فهو أمن من مكره، وييأسون من رحمته لقولهم في الكبائر: إنه ليس له أن يعفو عنهم، وقد أخبر ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهم قد أيسوا من رحمة الله في الكبائر، وأمنوا مكره في الصغائر، فهاتان الآيتان على المعتزلة.
وقوله: ﴿ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ ﴾ أي: جزاء مكرهم [سمي] جزاء المكر مكراً، [كما] سمى جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء، ولا سيئة، فعلى ذلك تسمية جزاء المكر مكراً، وإن لم يكن [الثانى] مكراً، والله أعلم.
ألا ترى أنه لم يجز أن يسمى مكاراً ولو كان على حقيقة المكر لسمي بذلك؛ فدل أنه جزاء، وجائز أن يكون المراد من مكره جزاء مكرهم سمّي الجزاء باسم المكر؛ لأنه جزاؤه؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ والثانية ليست بسيئة.
<div class="verse-tafsir"
انظروا إلى ما منحهم الله من الإمهال، وأنعم عليهم به من القوة وسعة الرزق استدراجًا لهم؛ أفأمن هؤلاء المكذبون من أهل تلك القرى مكر الله وتدبيره الخفي؟
فلا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون، وأما الموفقون فإنهم يخافون مكره، فلا يغترون بما أنعم به عليهم، وإنما يرون مِنَّته عليهم، فيشكرونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.D9bzm"