الآية ٣ من سورة النازعات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ٣ من سورة النازعات

وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحًۭا ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 141 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة النازعات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وأما قوله : ( والسابحات سبحا ) فقال ابن مسعود : هي الملائكة .

وروي عن علي ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبي صالح مثل ذلك .

وعن مجاهد : ( والسابحات سبحا ) الموت .

وقال قتادة : هي النجوم .

وقال عطاء بن أبي رباح : هي السفن .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا يقول تعالى ذكره: واللواتي تسبح سبحا.

واختلف أهل التأويل في التي أقسم بها جلّ ثناؤه من السابحات، فقال بعضهم: هي الموت تسبح في نفس ابن آدم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا قال: الموت، هكذا وجدته في كتابي (10) .

وقد حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا قال: الملائكة، وهكذا وجدت هذا أيضا في كتابي، فإن يكن ما ذكرنا عن ابن حميد صحيحا، فإن مجاهدا كان يرى أن نـزول الملائكة من السماء سبَّاحة، كما يقال للفرس الجواد: إنه لسابح إذا مرّ يُسرعُ.

وقال آخرون: هي النجوم تَسْبَح في فلكها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا قال: هِي النجوم .

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله .

وقال آخرون: هي السفن.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن واصل بن السائب، عن عطاء وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا قال: السفن .

والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جلّ ثناؤه أقسم بالسابحات سبحا من خلقه، ولم يخصص من ذلك بعضا دون بعض، فذلك (11) كل سابح، لما وصفنا قبل في النازعات (12) .

-------------------- الهوامش : (10) كأن جابرا يرى تفسير السابحات وهي جمع : بالموت وهو مفرد ، ليس بشيء ، ولذلك قال : هكذا وجدته في كتابي .

لعله يريد : هكذا كتبته كما سمعته عن الشيوخ .

(11) فذلك ...

لعل أصل العبارة : فشمل ذلك ...

إلخ .

(12) أي في تأويل لفظ " النازعات " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والسابحات سبحا قال علي - رضي الله عنه - : هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين .

الكلبي : هي الملائكة تقبض أرواح المؤمنين ، كالذي يسبح في الماء ، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع ، يسلونها سلا رفيقا بسهولة ، ثم يدعونها حتى تستريح .

وقال مجاهد وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله ، كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه .

وعن مجاهد أيضا : الملائكة تسبح في نزولها وصعودها .

وعنه أيضا : السابحات : الموت يسبح في أنفس بني آدم .

وقيل : هي الخيل الغزاة ; قال عنترة :والخيل تعلم حين تس بح في حياض الموت سبحاوقال امرؤ القيس :مسح إذا ما السابحات على الونى أثرن غبارا بالكديد المركلقتادة والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها ، وكذا الشمس والقمر ; قال الله تعالى : [ ص: 168 ] كل في فلك يسبحون .

عطاء : هي السفن تسبح في الماء .

ابن عباس : السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى لقاء الله ورحمته حين تخرج .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالسَّابِحَاتِ } أي: المترددات في الهواء صعودا ونزولا { سَبْحًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والسابحات سبحا ) هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرفق به .

وقال مجاهد وأبو صالح : هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد يقال له سابح إذا أسرع في جريه .

وقيل : هي خيل الغزاة .

وقال قتادة : هي النجوم والشمس [ والقمر ] قال الله تعالى : " كل في فلك يسبحون " ( الأنبياء - 33 ) .

وقال عطاء : هي السفن .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والسابحات سبحا» الملائكة تسبح من السماء بأمره تعالى، أي تنزل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها، فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله، فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون -ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك- لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب، يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة، تتبعها نفخة أخرى للإحياء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( والسابحات سَبْحاً ) قسم ثالث بطائفة ثالثة من طوائف الملائكة ، التى تَسْبَحُ فى هذا الكون ، أى : تنطلق بسرعة لتنفيذ أمر الله - تعالى - ، ولتسبيحه ، وتحميده ، وتكبيره ، وتقديسه .أى : وحق الملائكة الذين يسرعون التنقل فى هذا الكون إسراعا شديدا ، لتنفيذ ما كلفهم - سبحانه - به ، ولتسبيحه وتنزيهه عن كل نقص .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوهاً أحدها: أنها بأسرها صفات الملائكة، فقوله: ﴿ والنازعات غَرْقاً ﴾ هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال: أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل، فتقدير الآية: والنازعات إغراقاً، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد، وقوله: ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ النشط هو الجذب يقال: نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطاً نزعتها برفق، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله: ﴿ والنازعات غَرْقاً * والناشطات نَشْطاً ﴾ قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين، أما قوله: ﴿ والسابحات سَبْحاً ﴾ فمنهم من خصصه أيضاً بملائكة قبض الأرواح، ومنهم من حمله على سائل طوائف الملائكة، أما الوجه الأول: فنقل عن علي عليه السلام، وابن عباس ومسروق، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلاً رفيقاً، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ ثم يتركونها حتى تستريح رويداً، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يفرق، فكذا هاهنا يرفقون في ذلك الاستخراج، لئلا يصل إليه ألم وشدة فذاك هو المراد من قوله: ﴿ والسابحات سَبْحاً ﴾ وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة فقالوا: إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد، إنه السابح، وأما قوله: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة، ثم ذكروا في هذا السبق وجوهاً أحدها: قال مجاهد وأبو روق إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة قال تعالى: ﴿ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ .

وثانيها: قال الفراء والزجاج: إن الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء لأن الشياطين كانت تسترق السمع.

وثالثها: ويحتمل أن يكون المراد أنه تعالى وصفهم فقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول  ﴾ يعني قبل الإذن لا يتحركون ولا ينطقون تعظيماً لجلال الله تعالى وخوفاً من هيبته، وهاهنا وصفهم بالسبق يعني إذا جاءهم الأمر، فإنهم يتسارعون إلى امتثاله ويتبادرون إلى إظهار طاعته، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ ، وأما قوله: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ فأجمعوا على أنهم هم الملائكة: قال مقاتل يعني جبريل وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض، وهم المقسمات أمراً، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار، بقي على الآية سؤالان: السؤال الأول: لم قال: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ ، ولم يقل: أموراً فإنهم يدبرون أموراً كثيرة لا أمراً واحداً؟

والجواب: أن المراد به الجنس، وإذا كان كذلك قام مقام الجمع.

السؤال الثاني: قال تعالى: إن الأمر كله لله فكيف أثبت لهم هاهنا تدبير الأمر.

والجواب: لما كان ذلك الإتيان به كان الأمر كأنه له، فهذا تلخيص ما قاله المفسرون في هذا الباب، وعندي فيه وجه آخر: وهو أن الملائكة لها صفات سلبية وصفات إضافية، أما الصفات السلبية فهي أنها مبرأة عن الشهوة والغضب والأخلاق الذميمة، والموت والهرم والسقم والتركيب من الأعضاء والأخلاط والأركان، بل هي جواهر روحانية مبرأة عن هذه الأحوال، فقوله: ﴿ والنازعات غَرْقاً ﴾ إشارة إلى كونها منزوعة عن هذه الأحوال نزعاً كلياً من جميع الوجوه وعلى هذا التفسير: ﴿ النازعات ﴾ هي ذوات النزع كاللابن والتامر، وأما قوله: ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ إشارة إلى أن خروجها عن هذه الأحوال ليس على سبيل التكليف والمشقة كما في حق البشر، بل هم بمقتضى ماهياتهم خرجوا عن هذه الأحوال وتنزهوا عن هذه الصفات، فهاتان الكلمتان إشارتان إلى تعريف أحوالهم السلبية، وأما صفاتهم الإضافية فهي قسمان أحدهما: شرح قوتهم العاقلة أي كيف حالهم في معرفة ملك الله وملكوته والاطلاع على نور جلاله فوصفهم في هذا المقام بوصفين أحدهما: قوله: ﴿ والسابحات سَبْحاً ﴾ فهم يسبحون من أول فطرتهم في بحار جلال الله ثم لا منتهى لسباحتهم، لأنه لا منتهى لعظمة الله وعلو صمديته ونور جلاله وكبريائه، فهم أبداً في تلك السباحة وثانيهما: قوله: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ وهو إشارة إلى مراتب الملائكة في تلك السباحة فإنه كما أن مراتب معارف البهائم بالنسبة إلى مراتب معارف البشر ناقصة، ومراتب معارف البشر بالنسبة إلى مراتب معارف الملائكة ناقصة، فكذلك معارف بعض تلك الملائكة بالنسبة إلى مراتب معارف الباقين متفاوتة، وكما أن المخالفة بين نوع الفرس ونوع الإنسان بالماهية لا بالعوارض فكذا المخالفة بين شخص كل واحد من الملائكة وبين شخص الآخر بالماهية فإذا كانت أشخاصها متفاوتة بالماهية لا بالعوارض كانت لا محالة متفاوتة في درجات المعرفة وفي مراتب التجلي فهذا هو المراد من قوله: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ فهاتان الكلمتان المراد منهما شرح أحوال قوتهم العاقلة.

وأما قوله: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ فهو إشارة إلى شرح حال قوتهم العاملة، وذلك لأن كل حال من أحوال العالم السفلي مفوض إلى تدبير واحد من الملائكة الذين هم عمار العالم العلوي وسكان بقاع السموات، ولما كان التدبير لا يتم إلا بعد العلم، لا جرم قدم شرح القوة العاقلة التي لهم على شرح القوة العاملة التي لهم، فهذا الذي ذكرته احتمال ظاهر والله أعلم بمراده من كلامه.

واعلم أن أبا مسلم بن بحر الأصفهاني طعن في حمل هذه الكلمات على الملائكة، وقال: واحد النازعات نازعة وهو من لفظ الإناث، وقد نزه الله تعالى الملائكة عن التأنيث، وعاب قول الكفار حيث قال: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ .

واعلم أن هذا طعن لا يتوجه على تفسيرنا، لأن المراد الأشياء ذوات النزع، وهذا القدر لا يقتضي ما ذكر من التأنيث.

الوجه الثاني في تأويل هذه الكلمات: أنها هي النجوم وهو قول الحسن البصري ووصف النجوم بالنازعات يحتمل وجوهاً: أحدها: كأنها تنزع من تحت الأرض فتنجذب إلى ما فوق الأرض، فإذا كانت منزوعة كانت ذوات نزع، فيصح أن يقال: إنها نازعة على قياس اللابن والتامر.

وثانيها: أن النازعات من قولهم نزع إليه أي ذهب نزوعاً، هكذا قاله الواحدي: فكأنها تطلع وتغرب بالنزع والسوق والثالث: أن يكون ذلك من قولهم: نزعت الخيل إذا جرت، فمعنى: ﴿ والنازعات ﴾ أي والجاريات على السير المقدر والحد المعين وقوله: ﴿ غَرْقاً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالاً من النازعات أي هذه الكواكب كالغرقى في ذلك النزع والإرادة وهو إشارة إلى كمال حالها في تلك الإرادة، فإن قيل: إذا لم تكن الأفلاك والكواكب أحياء ناطقة، فما معنى وصفها بذلك قلنا: هذا يكون على سبيل التشبيه كقوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ فإن الجمع بالواو والنون يكون للعقلاء، ثم إنه ذكر في الكواكب على سبيل التشبيه والثاني: أن يكون معنى غرقها غيبوبتها في أفق الغرب، فالنازعات إشارة إلى طلوعها وغرقاً إشارة إلى غروبها أي تنزع، ثم تغرق إغراقاً، وهذا الوجه ذكره قوم من المفسرين.

أما قوله: ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ فقال صاحب الكشاف: معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد.

وأقول يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله: ﴿ والنازعات غَرْقاً ﴾ إشارة إلى حركتها اليومية ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية، بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع وعن الثاني بالنشط، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار.

وأما قوله: ﴿ والسابحات سَبْحاً ﴾ فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله: هي النجوم تسبح في الفلك، لأن مرورها في الجو كالسبح، ولهذا قال: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ فقال الحسن وأبو عبيدة: وهي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض، أو بسبب رجوعها أو استقامتها.

وأما قوله تعالى: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى: ﴿ فَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الاهلة قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج  ﴾ وقال: ﴿ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب  ﴾ ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة، ويخلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات والثاني: أنه لما ثبت بالدليل أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها، وإلى صانع يخلقها، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم، فهذا يطعن في الدين البتة، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضاً، لكنا نقول: أن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سبباً لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم، كما جعل الأكل سبباً للشبع، والشرب سبباً للري، ومماسة النار سبباً للاحتراق، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام ألبتة بوجه من الوجوه، والله أعلم بحقيقة الحال.

الوجه الثالث: في تفسير هذه الكلمات الخمسة أنها هي الأرواح، وذلك لأن نفس الميت تنزع، يقال فلان في النزع، وفلان ينزع إذا كان في سياق الموت، والأنفس نازعات عند السياق، ومعنى ﴿ غَرْقاً ﴾ أي نزعاً شديداً أبلغ ما يكون وأشد من إغراق النازع في القوس وكذلك تنشط لأن النشط معناه الخروج، ثم الأرواح البشرية الخالية عن العلائق الجسمانية المشتاقة إلى الاتصال العلوي بعد خروجها من ظلمة الأجساد تذهب إلى عالم الملائكة، ومنازل القدس على أسرع الوجوه في روح وريحان، فعبر عن ذهابها على هذه الحالة بالسباحة، ثم لا شك أن مراتب الأرواح في النفرة عن الدنيا ومحبة الاتصال بالعالم العلوي مختلفة فكلما كانت أتم في هذه الأحوال كان سيرها إلى هناك أسبق، وكلما كانت أضعف كان سيرها إلى هناك أثقل، ولا شك أن الأرواح السابقة إلى هذه الأحوال أشرف فلا جرم وقع القسم بها، ثم إن هذه الأرواح الشريفة العالية لا يبعد أن يكون فيها ما يكون لقوتها وشرفها يظهر منها آثار في أحوال هذا العالم فهي ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ أليس أن الإنسان قد يرى أستاذه في المنام ويسأله عن مشكلة فيرشده إليها؟

أليس أن الابن قد يرى أباه في المنام فيهديه إلى كنز مدفون؟

أليس أن جالينوس قال: كنت مريضاً فعجزت عن علاج نفسي فرأيت في المنام واحداً أرشدني إلى كيفية العلاج؟

أليس أن الغزالي قال: إن الأرواح الشريفة إذا فارقت أبدانها، ثم اتفق إنسان مشابه للإنسان الأول في الروح والبدن، فإنه لا يبعد أن يحصل للنفس المفارقة تعلق بهذا البدن حتى تصير كالمعاونة للنفس المتعلقة بذلك البدن على أعمال الخير فتسمى تلك المعاونة إلهاماً؟

ونظيره في جانب النفوس الشريرة وسوسة، وهذه المعاني وإن لم تكن منقولة عن المفسرين إلا أن اللفظ محتمل لها جداً.

الوجه الرابع: في تفسير هذه الكلمات الخمس أنها صفات خيل الغزاة فهي نازعات لأنها تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب وهي ﴿ ناشطات ﴾ لأنها تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، من قولهم: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي سابحات لأنها تسبح في جريها وهي سابقات، لأنها تسبق إلى الغاية، وهي مدبرات لأمر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها مجاز لأنها من أسبابه.

الوجه الخامس: وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله أن هذه صفاة الغزاة فالنازعات أيدي الغزاة يقال: للرامي نزع في قوسه، ويقال: أغرق في النزع إذا استوفى مد القوس، والناشطات السهام وهي خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها، وكل شيء حللته فقد نشطته، ومنه نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته، والسابحات في هذا الموضع الخيل وسبحها العدو، ويجوز أن يعني به الإبل أيضاً، والمدبرات مثل المعقبات، والمراد أنه يأتي في أدبار هذا الفعل الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها الأمر الذي هو النصر، ولفظ التأنيث إنما كان لأن هؤلاء جماعات، كما قيل: المدبرات، ويحتمل أن يكون المراد الآلة من القوس والأوهاق، على معنى المنزوع فيها والمنشوط بها.

الوجه السادس: أنه يمكن تفسير هذه الكلمات بالمراتب الواقعة في رجوع القلب من غير الله تعالى إلى الله ﴿ والنازعات غَرْقاً ﴾ هي الأرواح التي تنزع إلى اعتلاق العروة الوثقى، أو المنزوعة عن محبة غير الله تعالى: ﴿ والناشطات نَشْطاً ﴾ هي أنها بعد الرجوع عن الجسمانيات تأخذ في المجاهدة، والتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى بنشاط تام، وقوة قوية: ﴿ والسابحات سَبْحاً ﴾ ثم إنها بعد المجاهدة تسرح في أمر الملكوت فتقطع في تلك البحار فتسبح فيها: ﴿ فالسابقات سَبْقاً ﴾ إشارة إلى تفاوت الأرواح في درجات سيرها إلى الله تعالى: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ إشارة إلى أن آخر مراتب البشرية متصلة بأول درجات الملكية، فلما انتهت الأرواح البشرية إلى أقصى غاياتها وهي مرتبة السبق اتصلت بعالم الملائكة وهو المراد من قوله: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ فالأربعة الأول هي المراد من قوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء  ﴾ والخامسة: هي النار في قوله: ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ  ﴾ .

واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصاً، حتى لا يمكن الزيادة عليها، بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملاً لها، فإذا كان احتمال اللفظ لما ذكرناه ليس دون احتماله للوجوه التي ذكروها لم يكن ما ذكروه أولى مما ذكرناه إلا أنه لابد هاهنا من دقيقة، وهو أن اللفظ محتمل للكل، فإن وجدنا بين هذه المعاني مفهوماً واحداً مشتركاً حملنا اللفظ على ذلك المشترك: وحينئذ يندرج تحته جميع هذه الوجوه.

أما إذا لم يكن بين هذه المفهومات قدر مشترك تعذر حمل اللفظ على الكل، لأن اللفظ المشترك لا يجوز استعماله لإفادة مفهومية معاً، فحينذ لا نقول مراد الله تعالى هذا، بل نقول: يحتمل أن يكون هذا هو المراد، أما الجزم فلا سبيل إليه هاهنا.

الاحتمال الثاني: وهو أن تكون الألفاظ الخمسة صفات لشيء واحد، بل لأشياء مختلفة، ففيه أيضاً وجوه: الأول: النازعات غرقاً، هي: القسى، والناشطات نشطاً هي الأوهاق، والسابحات السفن، والسابقات الخيل، والمدبرات الملائكة، رواه واصل بن السائب: عن عطاء الثاني: نقل عن مجاهد: في النازعات، والناشطات، والسابحات أنها الموت، وفي السابقات، والمدبرات أنها الملائكة، وإضافة النزع، والنشط، والسبح إلى الموت مجاز بمعنى أنها حصلت عند حصوله الثالث: قال قتادة: الجميع هي النجوم إلا المدبرات، فإنها هي الملائكة.

المسألة الثانية: ذكر فالسابقات بالفاء، والتي قبلها بالواو، وفي علته وجهان الأول: قال صاحب الكشاف: إن هذه مسيبة عن التي قبلها، كأنه قيل: واللاتي سبحن، فسبقن كما تقول: قام فذهب أوجب الفاء أن القيام كان سبباً للذهاب، ولو قلت: قام وذهب لم تجعل القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: قول صاحب النظم غير مطرد في قوله: ﴿ فالمدبرات أَمْراً ﴾ لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير، وأقول: يمكن الجواب عن اعتراض الواحدي رحمه الله من وجهين: الأول: لا يبعد أن يقال: إنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيرها وإصلاحها، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقولك قام زيد، فذهب، فضرب عمراً.

الثاني: لا يبعد أن يقال: إنهم لما كانوا سابقين في أداء الطاعات متسارعين إليها ظهرت أمانتهم، فلهذا السبب فوض الله إليهم تدبير بعض العالم الوجه الثاني: أن الملائكة قسمان، الرؤساء والتلامذة، والدليل عليه أنه سبحانه وتعالى قال: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت  ﴾ ثم قال: ﴿ حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا  ﴾ فقلنا في التوفيق بين الآيتين: أن ملك الموت هو الرأس، والرئيس وسائر الملائكة هم التلامذة، إذا عرفت هذا فتقول: النازعات، والناشطات والسابحات، محمولة على التلامذة الذين هم يباشرون العمل بأنفسهم، ثم قوله تعالى: ﴿ فالسابقات...

فالمدبرات ﴾ إشارة إلى الرؤساء الذين هم السابقون، في الدرجة والشرف، وهم المدبرون لتلك الأحوال والأعمال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي تخريجها.

من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رسم لهم ﴿ غَرْقاً ﴾ إغراقاً في النزع، أي: تنزعها من أقاصى الأجساد من أناملها وأظفارها أو أقسم بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها عراب.

والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب من قولك: (ثور ناشط) إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر الغلبة والظفر، وإسناد التدبير إليها، لأنها من أسبابه.

أو أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب.

وإغراقها في النزع: أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى الغرب، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فتسبق فتدبر أمراً من علم الحساب.

وقيل النازعات أيدي الغزاة، أو أنفسهم تنزع القسيّ بإغراق السهام، والتي تنشط الأوهاق والمقسم عليه محذوف، وهو (لتبعثن) لدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة.

و ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ منصوب بهذا المضمر.

و ﴿ الراجفة ﴾ الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى: وصفت بما يحدث بحدوثها ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ أي الواقعة التي تردف الأولى، وهي النفخة الثانية.

ويجوز أن تكون الرادفة من قوله تعالى: ﴿ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ [النمل: 72] ، أي القيامة التي يستعجلها الكفرة استبعاداً لها، وهي رادفة لهم لاقترابها.

وقيل (الراجفة) الأرض والجبال، من قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال ﴾ [المزمل: 14] والرادفة: السماء والكواكب؛ لأنها تنشق وتنتثر كواكبها على أثر ذلك.

فإن قلت: ما محل تتبعها؟

قلت: الحال، أي: ترجف تابعتها الرادفة.

فإن قلت: كيف جعلت ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ ظرفاً للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟

قلت: المعنى لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى.

ودلّ على ذلك أنّ قوله: ﴿ تَتْبَعُهَا الرادفة ﴾ جعل حالاً عن الراجفة.

ويجوز أن ينتصب ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ﴾ بما دلّ عليه ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ أي يوم ترجف وجفت القلوب ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ شديدة الاضطراب، والوجيب والوجيف: أخوان ﴿ خاشعة ﴾ ذليلة.

فإن قلت: كيف جاز الابتدء بالنكرة؟

قلت: ﴿ قُلُوبٍ ﴾ مرفوعة بالابتداء و ﴿ وَاجِفَةٌ ﴾ صفتها، و ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبرها فهو كقوله: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ ﴾ [البقرة: 221] ، فإن قلت: كيف صح إضافة الأبصار إلى القلوب؟

قلت: معناه أبصار أصحابها بدليل قوله: ﴿ يَقُولُونَ ﴾ ﴿ فِى الحافرة ﴾ في الحالة الأولى، يعنون: الحياة بعد الموت.

فإن قلت: ما حقيقة هذه الكلمة؟

قلت: يقال: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقه التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه فيها: جعل أثر قدميه حفراً، كما قيل: حفرت أسنانه حفراً: إذا أثر الأكال في أسناخها.

والخط المحفور في الصخر.

وقيل: حافرة، كما قيل: عيشة راضية، أي: منسوبة إلى الحفر والرضا، أو كقولهم: نهارك صائم، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي طريقته وحالته الأولى.

قال: أَحَافِرَةٌ عَلَى صلَعٍ وَشَيْبٍ ** مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ سَفَهٍ وَعَارٍ يريد: أرجوعاً إلى حافرة؟

وقيل: النقد عند الحافرة، يريدون عند الحالة الأولى: وهي الصفقة وقرأ أبو حيوة ﴿ في الحفرة ﴾ والحفرة بمعنى: المحفورة.

يقال: حفرت أسنانه فحفرت حفراً، وهي حفرة؛ وهذه القراءة دليل على أن الحافرة في أصل الكلمة بمعنى المحفورة.

يقال: (نخر) العظم فهو نخر وناخر، كقولك طمع فهو طمع وطامع؛ وفعل أبلغ من فاعل؛ وقد قرئ بهما: وهو البالي الأجوف الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخير.

و ﴿ إِذاً ﴾ منصوب بمحذوف، تقديره: أئذاكنا عظاماً نرد ونبعث ﴿ كَرَّةٌ خاسرة ﴾ منسوبة إلى الخسران، أو خاسر أصحابها.

والمعنى: أنها إن صحت فنحن إداً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم فإن قلت بم تعلق قوله ﴿ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة ﴾ قلت: بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها، فإنما هي زجرة واحدة؛ يعني: لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنها سهلة هينة في قدرته، ما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في جوفها، من قولهم: زجر البعير، إذا صاح عليه.

والساهرة: الأرض البيضاء المستوية، سميت بذلك لأنّ السراب يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة جارية الماء، وفي ضدها: نائمة.

قال الأشعث بن قيس: وَسَاهِرَةٍ يُضْحِى السَّرابُ مُجَلَّلاً ** لأَقْطَارِهَا قَدْ جُبْتُهَا مُتَلَثِّمَا أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة.

وعن قتادة: فإذا هم في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسٌ أوْ سِتٌّ وأرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والنّازِعاتِ غَرْقًا ﴾ ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ هَذِهِ صِفاتُ مَلائِكَةِ المَوْتِ فَإنَّهم يَنْزِعُونَ أرْواحَ الكُفّارِ مِن أبْدانِهِمْ غَرْقًا أيْ إغْراقًا في النَّزْعِ، فَإنَّهم يَنْزِعُونَها مِن أقاصِي الأبْدانِ، أوْ نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ ويَنْشَطُونَ أيْ يُخْرِجُونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ بِرِفْقٍ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ الشَّيْءَ مِن أعْماقِ البَحْرِ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكُفّارِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، أوِ الأُولَيانِ لَهم والباقِياتُ لِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّها أيْ يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ، أوْ صِفاتُ النُّجُومِ فَإنَّها تُنْزَعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجُ مِن نَشِطَ الثَّوْرُ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، ويَسْبَحْنَ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَيُدَبِّرُ أمْرًا أُنِيطَ بِها، كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً سَمّى الأُولى نَزْعًا والثّانِيَةَ نَشْطًا، أوْ صِفاتُ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَ المُفارَقَةِ فَإنَّها تُنْزَعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن إغْراقِ النّازِعِ في القَوْسِ، وتَنْشَطُ إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ فِيها فَتَسْبِقُ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ، أوْ حالَ سُلُوكِها فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ فَتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ، فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ، أوْ صِفاتُ أنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ صِفاتُ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ، وتَسْبَحُ في حَرْبِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ.

أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى قِيامِ السّاعَةِ وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يوم تَرْجُفُ} تتحرك حركة شديدة والرجف شدة الحركة {الرَّاجِفَةُ} النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها لأنها تضطرب بها الأرض حتى يموت كل من عليها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ النّازِعاتِ وتُسَمّى سُورَةَ السّاهِرَةِ والطّامَّةِ، وهي مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ، وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وأرْبَعُونَ في الكُوفِيِّ وخَمْسٌ وأرْبَعُونَ في غَيْرِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ سُورَةِ عَمَّ، وأوَّلُها يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا لِتَحْقِيقِ ما في آخِرِ عَمَّ أوْ ما تَضَمَّنَتْهُ كُلُّها، وفي البَحْرِ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ في آخِرِ ما قَبْلَها الإنْذارَ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ عَلى البَعْثِ ذَلِكَ اليَوْمَ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والنّازِعاتِ غَرْقًا ﴾ ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِطَوائِفَ مِن مَلائِكَةِ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ كَما في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، أوْ أرْواحِ الكَفَرَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وجُوَيْبِرٌ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الحَبْرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٍ ويُنْشِطُونَها؛ أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشِطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ إذا أخْرَجَها ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يُخْرِجُ فَيَسْبِقُونَ ويُسْرِعُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها؛ بِأنْ يُهَيِّئُوها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، ومالَ بَعْضُهم إلى تَخْصِيصِ النَّزْعِ بِأرْواحِ الكُفّارِ، والنَّشْطِ والسَّبْحِ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النَّزْعَ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وقَدْ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَرْقًا ﴾ وهو مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ؛ أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ مِن أقاصِي الأجْسادِ، وقِيلَ: هو نَوْعٌ، والنَّزْعُ جِنْسٌ؛ أيْ: في هَذا المَحَلِّ، وذَلِكَ أنْسَبُ بِالكُفّارِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: تَنْزِعُ المَلائِكَةُ رُوحَ الكُفّارِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ يَرُدُّها في جَسَدِهِ وهَكَذا مِرارًا فَهَذا عَمَلُها في الكُفّارِ، والنَّشْطُ الإخْراجُ بِرِفْقٍ وسُهُولَةٍ وهو أنْسَبُ بِالمُؤْمِنِينَ وكَذا السَّبْحُ ظاهِرٌ في التَّحَرُّكِ بِرِفْقٍ ولَطافَةٍ، قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّ المَلائِكَةَ يَسَلُّونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ سَلًّا رَقِيقًا ثُمَّ يَتْرُكُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ رُوَيْدًا ثُمَّ يَسْتَخْرِجُونَها بِرِفْقٍ ولُطْفٍ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ لِئَلّا يَغْرَقَ فَهم يَرْفُقُونَ في ذَلِكَ الِاسْتِخْراجِ لِئَلّا يَصِلَ إلى المُؤْمِنِ ألَمٌ وشِدَّةٌ، وفي التّاجِ إنَّ النَّشْطَ حَلُّ العُقْدَةِ بِرِفْقٍ، ويُقالُ كَما في البَحْرِ: أنْشَطْتُ العِقالَ ونَشَّطْتُهُ إذا مَدَدْتَ أُنْشُوطَتَهُ فانْحَلَّتْ، والأُنْشُوطَةُ عُقْدَةٌ يَسْهُلُ انْحِلالُها إذا جُذِبَتْ كَعُقْدَةِ التِّكَّةِ، فَإذا جَعَلْتَ النّاشِطاتِ مِنَ النَّشْطِ بِهَذا المَعْنى كانَ أوْفَقَ لِلْإشارَةِ إلى الرِّفْقِ والعَطْفِ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مُناطًا لِاسْتِحْقاقٍ مَوْصُوفَةٍ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، ولَوْ جَعَلْتَ النّازِعاتِ مَلائِكَةَ العَذابِ والنّاشِطاتِ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ كانَ العَطْفُ لِلتَّغايُرِ الذّاتِيِّ عَلى ما هو الأصْلُ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، وانْتِصابُ «نَشْطًا، وسَبْحًا، وسَبْقًا» عَلى المَصْدَرِيَّةِ كانْتِصابِ «غَرْقًا» وأمّا انْتِصابُ «أمْرًا» فَعَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْمُدَبِّراتِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ بِأمْرٍ مِنهُ تَعالى كَما قِيلَ، وزُعِمَ أنَّهُ الأوْلى وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «غَرْقًا» مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ أيْضًا لِلنّازِعاتِ أوْ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِهِ لَها؛ أيْ: نُفُوسًا غَرِقَةً في الأجْسادِ.

وحَمَلَ بَعْضُهم غَرْقَها فِيها بِشِدَّةِ تَعَلُّقِها بِها وغَلَبَةِ صِفاتِها عَلَيْها، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَجَرُّدِ الأرْواحِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الفَلاسِفَةُ وبَعْضُ أجِلَّةِ المُسْلِمِينَ، هَذا ولَمْ نَقِفْ عَلى نَصٍّ في أنَّ المَلائِكَةَ حالَ قَبْضِ الأرْواحِ وإخْراجِها هَلْ يَدْخُلُونَ في الأجْسادِ أمْ لا، وظاهِرُ تَفْسِيرِ «النّاشِطاتِ» أنَّهم حالَةَ النَّزْعِ خارِجَ الجَسَدِ كالواقِفِ «والسّابِحاتِ» دُخُولُهم فِيهِ لِإخْراجِها عَلى ما قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّبْحَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِهِ مُجَرَّدُ الِاتِّصالِ ونَحْوِهِ مِمّا لا تَوَقُّفَ لَهُ عَلى الدُّخُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ فَيَسْبِقُونَ فِيهِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَهُ مِن كَيْفِيَّتِهِ وما لا بُدَّ مِنهُ فِيهِ، ويَعُمُّ ذَلِكَ مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةَ العَذابِ، والعَطْفُ عَلَيْهِ لِتَغايُرِ المَوْصُوفاتِ كالصِّفاتِ، وأيًّا ما كانَ فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ ويَلُوحُ إلَيْهِ الأقْسامُ المَذْكُورَةُ، والتَّقْدِيرُ: «والنّازِعاتِ» إلَخْ لَتُبْعَثُنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّجُومِ السَّيّارَةِ الَّتِي تَنْزِعُ أيْ تَسِيرُ مِن نَزْعِ الفَرَسِ إذا جَرى مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرَقًا في النَّزْعِ وجِدًّا في السَّيْرِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ عَلى ما يَبْدُو لِلنّاسِ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ أيْ تَخْرُجَ مِن نَشْطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ آخَرَ، ومِنهُ قَوْلُ هِمْيانَ بْنِ قُحافَةَ: أرى هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها في السَّيْرِ لِكَوْنِهِ أسْرَعَ حَرَكَةً فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وظُهُورِ مَواقِيتِ العِباداتِ والمُعامَلاتِ المُؤَجَّلَةِ، ولَمّا كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ سَرِيعَةً قَسْرِيَّةً وتابِعَةً لِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ضَرُورَةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ بِإرادَتِها مِن غَيْرِ قَسْرٍ لَها وهي غَيْرُ سَرِيعَةٍ أُطْلِقَ عَلى الأُولى النَّزْعَ؛ لِأنَّهُ جَذْبٌ بِشِدَّةٍ، وعَلى الثّانِيَةِ النَّشْطُ لِأنَّهُ بِرِفْقٍ ورَوِيٍّ حُمِلَ «النّازِعاتُ» عَلى النُّجُومِ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ والأخْفَشِ وابْنِ كَيْسانَ وأبِي عُبَيْدَةَ، وحُمِلَ النّاشِطاتُ عَلَيْها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وحُمِلَ «السّابِحاتُ» عَلَيْها عَنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمَلَها أبُو رَوْقٍ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ مِنها، والمُدَبِّراتِ عَلَيْها مِن مَعاذٍ، وإضافَةُ التَّدْبِيرِ إلَيْها مَجازٌ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ الفاضِلَةِ حالَةَ المُفارَقَةِ لا بُدَّ أنَّها بِالمَوْتِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الأبْدانِ غَرْقًا؛ أيْ نَزْعًا شَدِيدًا مِن أغْرَقَ النّازِعُ في القَوْسِ إذا بَلَغَ غايَةَ المَدى حَتّى يَنْتَهِيَ إلى النَّصْلِ لِعُسْرِ مُفارَقَتِها إيّاها حَيْثُ ألِفْنَهُ وكانَ مَطِيَّةً لَها لِاكْتِسابِ الخَيْرِ ومَظِنَّةً لِازْدِيادِهِ فَتَنْشَطُ شَوْقًا إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وتَسْبَحُ بِهِ فَتَسْبِقُ بِهِ إلى حَظائِرِ القُدْسِ فَتَصِيرُ لِشَرَفِها وقُوَّتِها مِنَ المُدَبِّراتِ أيْ مُلْحَقَةً بِالمَلائِكَةِ أوْ تَصْلُحُ هي لِأنْ تَكُونَ مُدَبِّرَةً كَما قالَ الإمامُ إنَّها بَعْدَ المُفارَقَةِ قَدْ تَظْهَرُ لَها آثارٌ وأحْوالٌ في هَذا العالَمِ فَقَدْ يَرى المَرْءُ شَيْخَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُرْشِدُهُ لِما يُهِمُّهُ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ جالِينُوسَ أنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا عَجَزَ عَنْ عِلاجِهِ الحُكَماءُ فَوُصِفَ لَهُ في مَنامِهِ عِلاجُهُ فَأفاقَ وفَعَلَهُ فَأفاقَ وقَدْ ذَكَرَهُ الغَزالِيُّ ولِذا قِيلَ: ولَيْسَ بِحَدِيثٍ كَما تُوُهِّمَ.

«إذا تَحَيَّرْتُمْ في الأُمُورِ فاسْتَعِينُوا مِن أصْحابِ القُبُورِ» أيْ: أصْحابِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُتَوَفَّيْنَ، ولا شَكَّ في أنَّهُ يَحْصُلُ لِزائِرِهِمْ مَدَدٌ رُوحانِيٌّ بِبَرَكَتِهِمْ، وكَثِيرًا ما تَنْحَلُّ عُقَدُ الأُمُورِ بِأنامِلِ التَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحُرْمَتِهِمْ، وحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى الأحْياءِ مِنهُمُ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ مُوتُوا وقَبْلَ أنْ تَمُوتُوا، وتَفْسِيرُ «النّازِعاتِ» بِالنُّفُوسِ مَرْوِيٌّ عَنِ السُّدِّيِّ إلّا أنَّهُ قالَ: هي جَماعَةُ النُّفُوسِ تَنْزِعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها «والنّاشِطاتِ» بِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ: هِيَ النُّفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ والسّابِقاتُ بِها عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: إقْسامٌ بِالنُّفُوسِ حالَ سُلُوكِها وتَطْهِيرِ ظاهِرِها وباطِنِها بِالِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والتَّرَقِّي في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّها تَنْزِعُ عَنِ الشَّهَواتِ وتَنْشَطُ إلى عالَمِ القُدْسِ فَتَسْبَحُ في مَراتِبِ الِارْتِقاءِ فَتَسْبِقُ إلى الكَمالاتِ حَتّى تَصِيرَ مِنَ المُكَمِّلاتِ لِلنُّفُوسِ النّاقِصَةِ، وقِيلَ: إقْسامٌ بِأنْفُسِ الغُزاةِ أوْ أيْدِيهِمْ تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ وتَنْشَطُ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ وتَسْبَحُ في البَرِّ والبَحْرِ فَتَسْبِقُ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَتُدَبِّرْ أمْرَها، وإسْنادُ السَّبْحِ وما بَعْدَهُ إلى الأيْدِي عَلَيْهِ مَجازٌ لِلْمُلابَسَةِ، وحَمْلُ ( النّازِعاتِ ) عَلى الغُزاةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: هي النّازِعاتُ بِالقِسِيِّ وغَيْرِها، وقِيلَ: بِصِفاتِ خَيْلِهِمْ فَإنَّها تَنْزِعُ في أعِنَّتِها غَرْقًا أيْ تَمُدُّ أعِنَّتَها مَدًّا قَوِيًّا حَتّى تُلْصِقَها بِالأعْناقِ مِن غَيْرِ ارْتِخائِها فَتَصِيرُ كَأنَّها انْغَمَسَتْ فِيها، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الكُفْرِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها فَتَسْبِقُ إلى العَدُوِّ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها إسْنادٌ إلى السَّبَبِ، وحَمْلُ «السّابِحاتِ» عَلى الخَيْلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا وجَماعَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ لا يَلِيقُ بِشَأْنِ جَزالَةِ التَّنْزِيلِ ولَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ مُناسِبَةٌ لِلْمَقامِ ومِنها ما فِيهِ قَوْلٌ بِما عَلَيْهِ أهْلُ الهَيْئَةِ المُتَقَدِّمُونَ مِنَ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ لِلْكَوْكَبِ وهي حَرَكَتُهُ الخاصَّةُ ونَحْوُها مِمّا لَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ بِرِهانٌ؛ ولِذا قالَ بِخِلافِهِ المُحْدَثُونَ مِنَ الفَلاسِفَةِ وفي حَمْلِ «المُدَبِّراتِ» عَلى النُّجُومِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ وجَهَلَةُ المُنَجِّمِينَ وهو باطِلٌ عَقْلًا ونَقْلًا كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ وكَذا في حَمْلِها عَلى النُّفُوسِ الفاضِلَةِ المُفارِقَةِ إيهامُ صِحَّةِ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن سَخَفَةِ العُقُولِ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ وفاتِهِمْ بِنَحْوِ شِفاءِ المَرِيضِ وإنْقاذِ الغَرِيقِ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكُونُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى فَوَّضَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، ومِنهم مَن خَصَّ ذَلِكَ بِخَمْسَةٍ مِنَ الأوْلِياءِ، والكُلُّ جَهْلٌ وإنْ كانَ الثّانِي أشَدَّ جَهْلًا، نَعَمْ لا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُكْرِمُ مَن شاءَ مِن أوْلِيائِهِ بَعْدَ المَوْتِ كَما يُكْرِمُهُ قَبْلَهُ بِما شاءَ فَيُبْرِئُ سُبْحانَهُ المَرِيضَ ويُنْقِذُ الغَرِيقَ ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ ويُنْزِلُ الغَيْثَ وكَيْتَ وكَيْتَ كَرامَةً لَهُ ورُبَّما يُظْهِرُ عَزَّ وجَلَّ مَن يُشْبِهُهُ صُورَةً فَتَفْعَلُ ما سُئِلَ اللَّهُ تَعالى بِحُرْمَتِهِ مِمّا لا إثْمَ فِيهِ اسْتِجابَةً لِلسّائِلِ، ورُبَّما يَقَعُ السُّؤالُ عَلى الوَجْهِ المَحْظُورِ شَرْعًا فَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ نَحْوَ ذَلِكَ مَكْرًا بِالسّائِلِ واسْتِدْراجًا لَهُ، ونَقَلَ الإمامُ في هَذا المَقامِ عَنِ الغَزالِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأرْواحَ الشَّرِيفَةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها ثُمَّ اتَّفَقَ إنْسانٌ مُشابِهٌ لِلْإنْسانِ الأوَّلِ في الرُّوحِ والبَدَنِ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ لِلنَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذا البَدَنِ حَتّى تَصِيرَ كالمُعاوِنَةِ لِلنَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ البَدَنِ عَلى أعْمالِ الخَيْرِ فَتُسَمّى تِلْكَ المُعاوَنَةُ إلْهامًا، ونَظِيرُهُ في جانِبِ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ وسُوسَةٌ انْتَهى.

ولَمْ أرَ ما يَشْهَدُ عَلى صِحَّتِهِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وكَلامِ سَلَفِ الأُمَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ نَفْسُهُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ أكْثَرَ مِن نَفْسٍ بِبَدَنٍ واحِدٍ، وكَذا اسْتِحالَةَ تَعَلُّقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ بِأكْثَرَ مِن بَدَنٍ، ولَمْ يُتَعَقَّبْ ما نَقَلَهُ هُنا فَكَأنَّهُ فَهِمَ أنَّ التَّعَلُّقَ فِيهِ غَيْرُ التَّعَلُّقِ المُسْتَحِيلِ فَلا تَغْفُلْ، وقالَ في وجْهِ حَمْلِ المَذْكُوراتِ عَلى المَلائِكَةِ أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَها صِفاتٌ سَلْبِيَّةٌ وصِفاتٌ إضافِيَّةٌ، أمّا الأُولى فَهي أنَّها مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والمَوْتِ والهَرَمِ والسَّقَمِ والتَّرْكِيبِ والأعْضاءِ والأخْلاطِ والأرْكانِ بَلْ هي جَواهِرُ رُوحانِيَّةٌ مُبَرَّأةٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ؛ «فالنّازِعاتِ غَرْقًا إشارَةٌ إلى كَوْنِها مَنزُوعَةً عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ نَزْعًا كُلِّيًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ عَلى أنَّ الصِّيغَةَ لِلنِّسْبَةِ ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ خُرُوجَها عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَخُرُوجِ البَشَرِ عَلى سَبِيلِ الكُلْفَةِ والمَشَقَّةِ بَلْ بِمُقْتَضى الماهِيَّةِ، فالكَلِمَتانِ إشارَتانِ إلى تَعْرِيفِ أحْوالِهِمُ السَّلْبِيَّةِ، وأمّا صِفاتُهُمُ الإضافِيَّةُ فَهي قِسْمانِ: الأوَّلُ شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العاقِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ في مَعْرِفَةِ مُلْكِ اللَّهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ والِاطِّلاعِ عَلى نُورِ جَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِوَصْفَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فَهم يَسْبَحُونَ مِن أوَّلِ فِطْرَتِهِمْ في بِحارِ جَلالِهِ تَعالى ثُمَّ لا مُنْتَهى لِسَبْحِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا مُنْتَهى لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ صَمَدِيَّتِهِ ونُورِ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ فَهم أبَدًا في تِلْكَ السِّباحَةِ، وثانِيهِما ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ وهو إشارَةٌ إلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في دَرَجاتِ المَعْرِفَةِ وفي مَراتِبِ التَّجَلِّي، والثّانِي شَرْحُ قُوَّتِهِمُ العامِلَةِ وبَيانِ حالِهِمْ فِيها فَوَصَفَهم سُبْحانَهُ في هَذا المَقامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ ولَمّا كانَ التَّدْبِيرُ لا يَتِمُّ إلّا بَعْدَ العِلْمِ قَدَّمَ شَرْحَ القُوَّةِ العاقِلَةِ عَلى شَرْحِ القُوَّةِ العامِلَةِ» انْتَهى.

وهو عَلى ما في بَعْضِهِ مِنَ المَنعِ لَيْسَ بِشَدِيدِ المُناسَبَةِ لِلْمَقامِ، ونَقَلَ غَيْرُ واحِدٍ أقْوالًا غَيْرَ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَذْكُوراتِ فَعَنْ مُجاهِدٍ: «النّازِعاتُ» المَنايا تَنْزِعُ النُّفُوسَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّها الوَحْشُ تَنْزِعُ إلى الكَلَأِ، وعَنِ الأوَّلِ تَفْسِيرُ «النّاشِطاتِ» بِالمَنايا أيْضًا، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُها بِالبَقَرِ الوَحْشِيَّةِ وما يَجْرِي مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وعَنْهُ أيْضًا تَفْسِيرُ «السّابِحاتِ» بِالسُّفُنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرُها بِالمَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرُها بِالسَّحابِ وعَنْ آخَرَ تَفْسِيرُها بِدَوابِّ البَحْرِ، وعَنْ بَعْضٍ تَفْسِيرُ «السّابِقاتِ» بِالمَنايا عَلى مَعْنى أنَّها تَسْبِقُ الآمالَ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ تَفْسِيرُ «المُدَبِّراتِ» بِجِبْرِيلَ يُدَبِّرُ الرِّياحَ والجُنُودَ والوَحْيَ ومِيكالَ يُدَبِّرُ القَطْرَ والنَّباتَ وعِزْرائِيلَ يُدَبِّرُ قَبْضَ الأرْواحِ وإسْرافِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ النّازِلَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِهِ ويُدَبِّرُ النَّفْخَ في الصُّورِ والأكْثَرُونَ تَفْسِيرُها بِالمَلائِكَةِ مُطْلَقًا، بَلْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أحْفَظُ خِلافًا في أنَّها المَلائِكَةُ ولَيْسَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أعْلَمُ وما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا هو المُرَجَّحُ عِنْدِي نَظَرًا لِلْمَقامِ.

واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وآياتها ست وأربعون آية مكية قوله تعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً قال مقاتل يعني: ملك الموت ينزع روح الكافر من صدره، كما ينزع السفود الكثير الشعب من الصوف.

فيخرج نفسه من حلقه منها العروق، كالغريق في الماء وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ملك الموت، ينشط روح الكافر من قدمه إلى حلقه.

وقال الكلبي: وَالنَّازِعاتِ يعني: ملك الموت وأعوانه غَرْقاً كرهاً.

يقال: غرقت نفسه في صدره وذلك، أنه ليس من كافر يحضره الموت، إلا عرضت عليه جهنم، فيراها قبل أن يخرج نفسه، فيرى فيها أقواماً، مرة ينغمسون، ومرة يرتفعون.

فعند ذلك، تغرق روحه في جسده.

وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح المؤمنين بالتيسير، وذلك أنه ما من مؤمن يحضره الموت، إلا ويرى منزلته في الجنة.

ويرى فيها أقواماً من أهل معرفته، وهم يدعون إلى أنفسهم، فعند ذلك ينشط إلى الخروج.

ويقال النَّازِعاتِ الملائكة تنزع النفس أغراقاً، كما يغرق النازع في القوس وَالنَّاشِطاتِ الملائكة تقبض نفس المؤمن، كما ينشط العقال.

وقال عطاء: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً يعني: ألقى وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعني: الأوهاق.

ثم قال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة الذين يقبضون أرواح الصالحين، يسلونها سلاً رقيقاً، ويتركونها حتى تستريح رويداً.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: السفن تجري في الماء.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: الملائكة جعل نزولها في السماء كالسباحة.

ويقال: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً يعني: النجوم الدوارة.

كما قال: وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 33] ثم قال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: الملائكة الذين يسبقون إلى الخير والدعاء.

ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً بالخير يعني: أرواح المؤمنين يعرج بها إلى السماء، سراعاً يفتح لها أبواب السماء.

ويقال: فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً يعني: خيول الغزاة.

فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً يعني: الملائكة الذين جعل إليهم تدبير الخلق، وهم جبريل وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، عليهم السلام.

أما جبريل فعلى الوحي، وإنزال الرحمة، والعذاب على الخلائق بأمر الله وأما ميكائيل فعلى الأمطار والنبات، يقسم على البلاد والعباد بإذن الله.

وأما عزرائيل، وهو ملك الموت، فعلى قبض الأرواح عند انقضاء أجلهم بإذن الله تعالى.

وإما إسرافيل، فعلى النفخ في الصور متى أمره الله تعالى، فهذا كله قسم، وجواب القسم مضمر، فكأنه أقسم بهذه الأشياء، أنهم يبعثون يوم القيامة، لأن في الكلام دليلاً عليه، وهو قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: لتبعثن يوم القيامة في يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني: الصيحة الأولى.

تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ يعني: الصيحة الثانية، يعني: النفخة الأولى للصعق، والنفخة الأخرى للبعث.

وروي عن يزيد بن ربيعة، عن الحسن في قوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قال: هما النفختان، فأما الأولى: فيميت الأحياء، وأما الثانية: فتحيي الموتى.

ثم تلا وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزمر: 68] ثم نفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، وأصل الرجفة الحركة يعني: تزلزلت الأرض زلزلة شديدة عند النفخة الأولى، والرادفة كل شيء تجيء بعد شيء، فهو يردفه.

ثم قال: قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ يعني: خائفة خاشعة من هول ذلك اليوم.

ويقال: يعني: ذليلة.

ويقال: زائلة عن مكانها.

أَبْصارُها خاشِعَةٌ يعني: أبصار الخلائق ذليلة.

ويقال: أبصار القلوب خاشعة.

ثم ذكر قول الكفار، وإنكارهم البعث فقال: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ تعجباً منهم، وفي الآية تقديم ومعناه: أإنا لمردودون في الحياة بعد الموت.

ويقال: أإنا لمردودون في الحافرة، أي: إلى أول أمرنا.

يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته أي: رجع من حيث جاء.

ثم قال: أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً يعني: بعد ما كنا عظاماً بالية.

قرأ حمزة، والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر إِذَا كُنَّا عظاما ناخرة بالألف، والباقون بغير ألف.

قال بعضهم: معناهما واحد هما لغتان.

وقال بعضهم: الناخرة التي أكلت أطرافها، وبقيت أوساطها، والنخرة التي قد فسدت كلها.

وقال مجاهد: عظاماً نخرة، أو مرفوتة كما قال في قوله: عِظاماً وَرُفاتاً قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ يعني: إن كانوا كما يقولون، فنحن بخسران قوله تعالى: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ يعني: يبعثهم صيحة واحدة، وهو نفخ إسرافيل في الصور فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يعني: على وجه الأرض يعني: هم قيام على ظهر الأرض.

ويقال: سميت الأرض ساهرة، لقيام الخلق، وسهرهم عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «النّازعات»

وهي مكّيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً قال ابن عباس وابن مسعود: النَّازِعاتِ:

الملائكة، تنزع نفوس بني آدم «١» ، وغَرْقاً على هذا القول إما أن يكونَ مصدراً بمعنى الإغْراقِ والمبالغةِ في الفعل، وإما أنْ يكونَ كما قال علي وابن عباس: تُغْرِقُ نفوسَ الكفرةِ في نار جهنم «٢» ، وقيل غيرُ هذا، واخْتُلِفَ في النَّاشِطاتِ فقال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكةُ تَنْشطُ النفوسَ عند الموتِ، أي: تَحُلُّها كَحَلِّ العِقَالِ، وتَنْشَطُ بأمْرِ اللَّه إلى حيثُ شَاء «٣» ، وقال ابن عباس أيضاً: الناشطاتُ النفوسُ المؤمِنَة تَنْشَط عند الموتِ للخروج «٤» ، ت: زاد الثعلبيُّ عنه: وذلك أنَّه ليسَ مؤمنٌ يَحْضُرُهُ الموتُ إلا عُرِضَتْ عليه الجنةُ قَبْلَ أَن يموتَ فَيَرى فيها أشْبَاهَاً من أهلِه وأزْواجهِ من الحُور العينِ، فَهُمْ يَدْعُونه إليها فَنَفْسُه إليهم نَشِيطَة أن تخرج فتأتيهم، انتهى، وقيل غيرُ هذا واخْتُلِف في السَّابِحاتِ هنا فقِيلَ:

هي النجوُمُ، وقيل: هي الملائِكَةُ لأَنَّهَا تَتَصَّرفُ في الآفاقِ بأمْرِ اللَّه، وقيلَ: هي الخيلُ، وقيل: هي السفنُ، وقيل: هي الحيتانُ ودوابُّ البَحْرِ، واللَّه أعلم، واخْتُلِفَ في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّازِعاتِ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَنْزِعُ أرْواحَ الكُفّارِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ.

ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، وبِهِ قالَ مَسْرُوقٌ.

والثّانِي: أنَّهُ المَوْتُ يَنْزِعُ النُّفُوسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْزِعُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّها النُّجُومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ تَطْلُعُ ثُمَّ تَغِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ، وابْنُ كَيْسانَ.

والخامِسُ: أنَّها القِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسَّهْمِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ.

والسّادِسُ: أنَّها الوُحُوشُ تَنْزِعُ وتَنْفِرُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والسّابِعُ: أنَّها الرُّماةُ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَرْقًا ﴾ اسْمٌ أُقِيمَ مَقامَ الإغْراقِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: والنّازِعاتِ إغْراقًا، كَما يَغْرَقُ النّازِعُ في القَوْسِ، يَعْنِي: أنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ غايَةَ المَدِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها حِينَ تَنْشَطُ أرْواحُ الكُفّارِ حَتّى تُخْرِجَها بِالكَرْبِ والغَمِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَنْزِعُ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ الكافِرِ، فَإذا بَلَغَتْ تُرْقُوَتَهُ غَرَّقَّها في حَلْقِهِ، فَيَعُذِّبُهُ في حَياتِهِ، ثُمَّ يَنْشِطُها مِن حَلْقِهِ أيْ: يَجْذِبُها- كَما يَنْشَطُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ.

والثّانِي: أنَّها تَنْشَطُ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ بِسُرْعَةٍ، كَما يَنْشَطُ العِقالُ مِن يَدِ البَعِيرِ إذا حَلَّ عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنَ العَرَبِ: كَما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ بِألْفٍ.

تَقُولُ: إذا رَبَطْتَ الحَبْلَ في يَدِ البَعِيرِ: نَشَطْتُهُ، فَإذا حَلَلْتَهُ قُلْتَ: أنْشَطْتُهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وبَيانُهُ أنَّ المُؤْمِنَ يَرى مَنزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ المَوْتِ فَتَنْشَطُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ.

والثّالِثُ: أنَّ النّاشِطاتِ: المَوْتُ يُنْشِطُ نَفْسَ الإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: النُّجُومُ تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ: تَذْهَبُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والأخْفَشُ.

ويُقالُ لِبَقْرِ الوَحْشِ: نَواشِطُ، لِأنَّها تَذْهَبُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والهُمُومُ تَنْشَطُ بِصاحِبِها.

قالَ هِمْيانُ بْنُ قُحافَةَ: أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشَطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطا والخامِسُ: أنَّها النَّفْسُ حِينَ تَنْشَطُ بِالمَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ تَسْبَحُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: يَقْبِضُونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ كالَّذِي يَسْبَحُ في الماءِ.

فَأحْيانًا يَنْغَمِسُ، وأحْيانًا يَرْتَفِعُ، يَسُلُّونَها سَلًّا رَفِيقًا، ثُمَّ يَدَعُونَها حَتّى تَسْتَرِيحَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّماءِ مُسْرِعِينَ، كَما يُقالُ لِلْفَرَسِ الجَوادِ: سابِحٌ: إذا أسْرَعَ في جَرْيِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، والفَرّاءُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبَحُ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّها السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والسّادِسُ: أنَّها الخَيْلُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَلائِكَةُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحُدُّها: أنَّها تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ عَلِيٌّ، ومَسْرُوقٌ.

والثّانِي: أنَّها تَسْبِقُ بِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو رَوْقٍ.

والثّالِثُ: أنَّها سَبَقَتْ بَنِي آدَمَ إلى الإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ المَلائِكَةَ شَوْقًا إلى لِقاءِ اللَّهِ، فَيَقْبِضُونَها وقَدْ عايَنَتِ السُّرُورَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المَوْتُ يَسْبِقُ إلى النُّفُوسِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: أنَّها الخَيْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا في السَّيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَلائِكَةُ.

قالَ عَطاءٌ: وُكِّلَتْ بِأُمُورٍ عَرَّفَهُمُ اللَّهُ العَمَلَ بِها.

وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا أرْبَعَةُ أمْلاكٍ: جِبْرِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالرِّياحِ والجُنُودِ.

ومِيكائِيلُ، وهو مُوَكَّلٌ بِالقَطْرِ والنَباتِ.

ومَلَكُ المَوْتِ، وهو مُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأنْفُسِ.

وإسْرافِيلُ، وهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: بَلْ جِبْرِيلُ لِلْوَحْيِ، وإسْرافِيلُ لِلصُّورِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فالمُدَبِّراتُ أمْرًا: تَنْزِلُ بِالحَلالِ والحَرامِ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ هَذِهِ الأقْسامِ، فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الجَوابَ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: لَتُبْعَثُنَّ، ولَتُحاسَبُنَّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ ﴾ ، وهي النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَمُوتُ مِنها جَمِيعُ الخَلائِقِ.

و " الرّاجِفَةُ " صَيْحَةٌ عَظِيمَةٌ فِيها تَرَدُّدٌ واضْطِرابٌ كالرَّعْدِ إذا تَمَحَّضَ.

و " تَرْجُفُ " بِمَعْنى: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً ﴿ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ﴾ وهِيَ: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ رَدِفَتِ الأُولى، أيْ: جاءَتْ بَعْدَها.

وكُلُّ شَيْءٍ جاءَ بَعْدَ شَيْءٍ فَهو يُرْدِفُهُ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ أيْ: شَدِيدَةُ الِاضْطِرابِ لِما عايَنَتْ مِن أهْوالِ القِيامَةِ ﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ أيْ: ذَلِيلَةٌ لِمُعايَنَةِ النّارِ.

قالَ عَطاءٌ: وهَذِهِ أبْصارُ مَن لَمْ يَمُتْ عَلى الإسْلامِ.

ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ ذَكَرَ مُنْكِرِي البَعْثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ " أئِنّا " بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الأوْلى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، وفَصَلَ بَيْنِهِما بِألِفٍ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الحافِرَةَ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

فالمَعْنى: أنَرْجِعُ أحْياءً بَعْدَ مَوْتِنا؟!

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ، والسُّدِّيِّ.

قالَ الفَرّاءُ: يَعْنُونَ: أنُرَدُّ إلى أمْرِنا الأوَّلِ إلى الحَياةِ؟!

والعَرَبُ تَقُولُ: أتَيْتُ فُلانًا، ثُمَّ رَجَعْتُ عَلى حافِرَتِي، أيْ: رَجَعْتُ مِن حَيْثُ جِئْتُ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، وعَلى حافِرَتِهِ: إذا رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّها الأرْضُ الَّتِي تُحْفَرُ فِيها قُبُورُهُمْ، فَسُمِّيَتْ حافِرَةً، والمَعْنى: مَحْفُورَةً، كَما يُقالُ: ﴿ ماءٍ دافِقٍ  ﴾ و ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ  ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والخَلِيلِ.

فَيَكُونُ المَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ إلى الأرْضِ خَلْقًا جَدِيدًا؟!

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿ فِي الحافِرَةِ ﴾ أيْ: إلى أوَّلِ أمْرِنا.

ومَن فَسَّرَها بِالأرْضِ، فَإلى هَذا يَذْهَبُ، لِأنّا مِنها بُدِئْنا.

قالَ الشّاعِرُ: أحافِرَةٌ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ ∗∗∗ مَعاذَ اللَّهِ مِن سَفَهٍ وعارِ [كَأنَّهُ قالَ: أأرْجِعُ إلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ في شَبابِي مِنَ الغَزَلِ والصِّبا " بَعْدَ ما شِبْتُ وصَلَعْتُ؟!

" .

والثّالِثُ: أنَّ الحافِرَةَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " ناخِرَةً " .

قالَ الفَرّاءُ: وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ.

مِثْلُ طَمِعٍ، وطامِعٍ.

وحَذِرٍ، وحاذِرٍ.

وقالَ الأخْفَشُ: هُما لُغَتانِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: نَخِرَ العَظْمُ يَنْخَرُ، فَهو نَخِرٌ.

مِثْلُ عَفِنَ الشَّيْءُ يَعْفَنُ، فَهو عَفِنٌ.

وناخِرَةٌ عَلى مَعْنى: عِظامًا فارِغَةً، يَجِيءُ فِيها مِن هُبُوبِ الرِّيحِ كالنَّخِيرِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، وقالُوا: نُرَدُّ أحْياءً إذا مِتْنا وبَلِيَتْ عِظامُنا؟!

﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ أيْ: إنْ رُدِدْنا بَعْدَ المَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِما يُصِيبُنا مِمّا يَعِدُنا بِهِ مُحَمَّدٌ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِسُهُولَةِ البَعْثِ عَلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّما هِيَ ﴾ يَعْنِي النَّفْخَةَ الأخِيرَةَ ﴿ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ أيْ: صَيْحَةٌ في الصُّورِ يَسْمَعُونَها مِن إسْرافِيلَ وهم في الأرْضِ فَيَخْرُجُونَ ﴿ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ السّاهِرَةَ: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، واللُّغَوِيُّونَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَأنَّها سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ فِيها نَوْمَ الحَيَوانِ وسَهَرَهم.

والثّانِي: أنَّهُ جَبَلٌ عِنْدَ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّها جَهَنَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها أرْضُ الشّامِ، قالَهُ سُفْيانُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ النازِعاتِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والنازِعاتِ غَرْقًا ﴾ ﴿ والناشِطاتِ نَشْطًا ﴾ ﴿ والسابِحاتِ سَبْحًا ﴾ ﴿ فالسابِقاتِ سَبْقًا ﴾ ﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ ﴾ ﴿ تَتْبَعُها الرادِفَةُ ﴾ ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ ﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ ﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "النازِعاتِ": المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، و"غَرْقًا" -عَلى هَذا القَوْلِ- إمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإغْراقِ والمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: تَغْرَقُ نُفُوسُ الكَفَرَةِ في نارِ جَهَنَّمَ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ: النازِعاتُ: النُفُوسُ تُنْزَعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها، و"غَرْقًا" هُنا بِمَعْنى الإغْراقِ أيْ تَغْرَقُ في الصُدُورِ، وقالَ عَطاءٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: النازِعاتُ: الجَماعاتُ النازِعاتُ بِالقِسِيِّ، و"غَرْقًا" بِمَعْنى الإغْراقِ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ كَيْسانَ، والأخْفَشُ: النازِعاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، وقالَ قَتادَةُ: النازِعاتُ: النُفُوسُ الَّتِي تَحِنُّ إلى أوطانِها وتَنْزِعُ إلى مَذاهِبِها، ولَها نِزاعٌ عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: النازِعاتُ: المَنايا لِأنَّها تَنْزِعُ نُفُوسَ الحَيَوانِ، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: النازِعاتُ: القِسِيُّ أنْفُسُها لِأنَّها تُنْزَعُ بِالسِهامِ.

واخْتُلِفَ في "الناشِطاتِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تُنَشِّطُ النُفُوسَ عِنْدَ المَوْتِ، أيْ تُحِلُّها كَحَلِّ العِقالِ، وتَنْشَطُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى إلى حَيْثُ كانَ، وقالَ مُجاهِدٌ: الناشِطاتُ: المَنايا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، والأخْفَشُ، والحَسَنُ: الناشِطاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ تَذْهَبُ وتَسِيرُ بِسُرْعَةٍ، وَمِن ذَلِكَ قِيلَ لِبَقْرِ الوَحْشِ: النَواشِطُ؛ لِأنَّهُنَّ يَذْهَبْنَ بِسُرْعَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، وقالَ عَطاءٌ: الناشِطاتُ في الآيَةِ: البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطًا وكَأنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذا التَأْوِيلِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَشاطِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا وعِكْرِمَةُ: الناشِطاتُ الأوهانُ، تَقُولُ: نَشِطَتِ البَعِيرُ والإنْسانُ إذا رَبَطَتْهُ، وأنْشَطَتْهُ: إذا حَلَلْتَهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ وخُولِفَ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ « "كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الناشِطاتُ: النُفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ.

والسَبْحُ: العَوْمُ في الماءِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في خَرْقِ الهَواءِ والتَقَلُّبِ فِيهِ، واخْتُلِفَ في "السابِحاتِ" في الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي النُجُومُ لِأنَّها تَسْبَحُ في فَلَكٍ، وقالَ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تَتَصَرَّفُ في الآفاقِ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقالَ أبُو رَوْقٍ:السابِحاتُ: الشَمْسُ والقَمَرُ واللَيْلُ والنَهارُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السابِحاتُ: السَحابُ لِأنَّها كالعائِمَةِ في الهَواءِ، وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: السابِحاتُ: الخَيْلُ، ويُقالُ لِلْفَرَسِ: سابِحٌ، وقالَ آخَرُونَ السابِحاتُ: الحِيتانُ دَوابُّ البَحْرِ فَما دُونَها، وذَلِكَ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، فَيُرْوى أنَّ اللهَ تَعالى بَثَّ في الدُنْيا ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها أرْبَعُمِائَةٍ في البَرِّ وسِتُّمِائَةٍ في البَحْرِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: السابِحاتُ: السُفُنُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: السابِحاتُ: المَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السابِقاتِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الرِياحُ، وقالَ عَطاءٌ: هي الخَيْلُ، وقِيلَ: النُجُومُ، وقِيلَ: المَنايا تَسْبِقُ الآمالَ، وقالَ الشاعِرُ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ وأمّا "المُدَبِّراتُ" فَلا أحْفَظُ خِلافًا أنَّها المَلائِكَةُ، ومَعْناها أنَّها تُدَبِّرُ الأُمُورَ الَّتِي يُسَخِّرُها اللهُ تَعالى وصَرَفَها فِيها كالرِياحِ والسَحابِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ": الأرْضُ بِأهْلِها، تَهْتَزُّ بِنَفْخَةِ الصُوَرِ الأُولى، وقِيلَ الراجِفَةُ النَفْخَةُ نَفْسُها، و"الرادِفَةُ" النَفْخَةُ الأُخْرى، ويُرْوى أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ عَطاءٌ: الراجِفَةُ القِيامَةُ، والرادِفَةُ البَعْثُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ المَوْتُ، والرادِفَةُ الساعَةُ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «كانَ النَبِيُّ  إذا ذَهَبَ رُبْعُ اللَيْلِ قامَ وقالَ: "يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا اللهَ، جاءَتِ الراجِفَةُ، تَتْبَعُها الرادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بِما فِيهِ".» ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُلُوبٍ تَجِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ، أيْ تَرْتَعِدُ خَوْفًا وفَرْقًا مِنَ العَذابِ، ووَجِيفُ القَلْبِ يَكُونُ مِنَ الفَزَعِ ويَكُونُ مِنَ الإشْفاقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: إنَّ بَنِي جَحْجَبى وأُسْرَتَهم ∗∗∗ أكْبادُنا مِن ورائِهِمْ تَجِفُ ورُفِعَ "قُلُوبٌ" بِالِابْتِداءِ، وجازَ ذَلِكَ وهو نَكِرَةٌ لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ".

واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القِسْمِ، أيْ هُوَ؟

فَقالَ الفَرّاءُ والزَجّاجُ: هو مَحْذُوفٌ دَلَّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لِتُبْعَثُنَّ أو لِتُعاقَبُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى  ﴾ ، وهَذا ضَعِيفٌ لِبُعْدِ القَوْلِ، ولِأنَّ المَعْنى هُنالِكَ يَسْتَحِقُّ "أنْ"، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللامِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَوْمٍ، وقالَ آخَرُونَ: هو مَوْجُودٌ في جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ ﴾ ....

﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَجْفُنَ قُلُوبُ يَوْمِ كَذا، ولَمّا دَلَّتِ القُلُوبُ عَلى أصْحابِها ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أبْصارَها وخُشُوعَها، ذُلَّها وما يَظْهَرُ مِنها مِنَ الهَمِّ بِالحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" هي حِكايَةُ حالِهِمْ في الدُنْيا، مَعْناهُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُمْ: "أئِنّا" هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والعَجَبِ والتَكْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "أِئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "آئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أيِنّا" بِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.

و"الحافِرَةِ" لَفْظَةٌ تُوقِعُها العَرَبُ عَلى أوَّلِ أمْرٍ رَجَعَ إلَيْهِ مِن آخِرِهِ، يُقالُ: عادَ فُلانٌ في الحافِرَةِ إذا ارْتَكَسَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشِيبٍ؟

∗∗∗ مَعاذَ اللهِ مِن سَفَهٍ وعارٍ والمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ: إلى الحَياةِ بَعْدَ مُفارَقَتِها بِالمَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ والخَلِيلُ: الحافِرَةُ الأرْضُ، فاعِلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ، وقِيلَ: بَلْ هو عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتُ حَفْرٍ، والمُرادُ القُبُورُ لِأنَّها حُفِرَتْ لِلْمَوْتى، فالمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ أحْياءً في قُبُورِنا؟

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحافِرَةُ النارُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فِي الحُفْرَةِ" بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: هو بِمَعْنى الحافِرَةِ، وقِيلَ: هي الأرْضُ المُنْتِنَةُ المُتَغَيِّرَةُ بِأجْسادِ مَوْتاها، مِن قَوْلِهِمْ: حُفِرَتْ أسْنانُهُ إذا تَأكَلَتْ وتَغَيَرَ رِيحُها.

و"الناخِرَةُ": المُصَوِّتَةُ بِالرِيحِ المُجَوَّفَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأخْلَيْتُها مِن مُخِّها فَكَأنَّها ∗∗∗ قَوارِيرُ في أجْوافِها الرِيحُ تَنْخُرُ ويُرْوى: تَصْفَرُّ.

و"ناخِرَةٌ" هي قِراءَةُ حَمْزَةَ، وعاصِمٍ، في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، ومَسْرُوقٍ، ومُجاهِدٍ، وجَماعَةٍ سِواهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وشِبْلٌ، وقَتادَةُ، وأيُّوبُ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "نَخِرَةٍ" دُونَ ألْفٍ بَعْدِ النُونِ، ومَعْناهُ: بالِيَة مُتَعَفِّنَة قَدْ صارَتْ رميمًا، يُقالُ: نَخِر العُود والعَظْم إذا بَلِيَ وصارَ يَتَفَتَّتُ، وحُكِيَ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وأبِي حاتِمٍ، والفَرّاءِ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الناخِرَةَ والنَخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَطامِعٍ وطَمِعٍ، وحاذِرٍ وحَذِرٍ، والأكْثَرُ مِنَ الناسِ عَلى ما قَدَّمْناهُ،قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الناخِرَةُ الَّتِي لَمْ تُنْخُرْ بَعْدُ، والنَخِرَةُ الَّتِي قَدْ بَلِيَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ابتدئت بالقسَم بمخلوقات ذات صفات عظيمة قَسَماً مراداً منه تحقيقُ ما بعده من الخبر وفي هذا القسَم تهويل المقسم به.

وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جُموع جَرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء لأنها في تأويل جَماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة، فهي جماعات، نازعات، ناشطات، سابحات، سابقات، مدبِّرات، فتلك صفات لموصوفات محذوفة تدلّ عليها الأوصاف الصالحة لها.

فيجوز أن تكون صفاتتٍ لموصوفات من نوع واحد له أصناف تميزها تلك الصفات.

ويجوز أن تكون صفات لموصوفات مختلفة الأنواع بأن تكون كل صفة خاصيَّةً من خواصّ نوع من الموجودات العظيمة قوامُه بتلك الصفة.

والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة أنواع أو أصناف، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة، وأنَّ المعطوفاتتِ بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عُطفت عليه بالفاء، فهي صفات متعددة متفرّع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قَسماً بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها.

وللسلف من المفسرين أقوال في تعيين موصوفات هذه الأوصاف وفي تفسير معاني الأوصاف.

وأحسن الوجوه على الجملةِ أن كلّ صفة مما عُطف بالواو مراداً بها موصوف غير المراد بموصوف الصفة الأخرى، وأن كل صفة عطفت بالفاء أن تكون حالةً أخرى للموصوف المعطوف بالواو كما تقدم.

وسنتعمد في ذلك أظهر الوجوه وأنظَمها ونذكر ما في ذلك من الاختلاف ليكون الناظر على سعَةِ بصيرةٍ.

وهذا الإِجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كلَّ مذهب ممكن، فتكثر خطور المعاني في الأذهان، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقْع كل معنى في نفس له فيها أشدُّ وقْععٍ وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ.

فالنازعات: وصف مشتق من النزع ومعاني النزع كثيرة كلها ترجع إلى الإِخراج والجذب فمنه حقيقة ومنه مجاز.

فيحتمل أن يكون ﴿ النازعات ﴾ جماعات من الملائكة وهم الموكّلون بقبض الأرواح، فالنزع هو إخراج الروح من الجسد شبه بنزع الدلو من البئر أو الركية، ومنهم قولهم في المحْتضَر هو في النزع.

وأجريت صفتهم على صيغة التأنيث بتأويل الجماعة أو الطوائف كقوله تعالى: ﴿ قالت الأعراب آمنا ﴾ [الحجرات: 14].

وروي هذا عن علي وابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومسروق وابن جبير والسدّي فأقسم الله بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات، وخصها بهذا الوصف الذي هو من تصرفاتها تذكيراً للمشركين إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت، ولأنهم شديدٌ تعلقهم بالحياة كما قال تعالى لمَّا ذكر اليهود: ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا ﴾ [البقرة: 96] فالمشركين مَثَل في حب الحياة ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة.

والقسَم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن الموت أول منازل الآخرة فهذا من براعة الاستهلال.

وغرقا: اسم مصدر أغرق، وأصله إغراقاً، جيء به مجرداً عن الهمزة فعومل معاملة مصدر الثلاثي المتعدّي مع أنه لا يوجد غرِق متعدياً ولا أن مصدره مفتوح عين الكلمة لكنه لما جعل عوضاً عن مصدر أغرق وحذفت منه الزوائد قدّر فعله بعد حذف الزوائد متعدياً.

ولو قلنا: إنه سكنت عينه تخفيفاً ورعياً للمزاوجة مع ﴿ نشطاً ﴾ ، و ﴿ سبحا ﴾ ، و ﴿ سبقاً ﴾ ، و ﴿ أمراً ﴾ لكان أرقب لأن متحرك الوسط يخفف بالسكون، وهذا مصدر وصف به مصدر محذوف هو مفعول مطلق للنازعات، أي نَزْعاً غَرقاً، أي مغرقاً، أي تنزع الأرواح من أقاصي الأجساد.

ويجوز أن تكون ﴿ النازعات ﴾ صفة للنجوم، أي تنزع من أفق إلى أفق، أي تسير، يقال: ينزع إلى الأمر الفلاني، أي يميل ويشتاق.

وغرقاً: تشبيه لغروب النجوم بالغَرْق في الماء وقاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة وابن كيسان والأخفش، وهو على هذا متعين لأن يكون مصدر غَرِق وأن تسكين عينه تخفيف.

والقَسَم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مَظهر من مظاهر القدرة الربانية كقوله تعالى: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ [النجم: 1].

ويحتمل أن تكون ﴿ النازعات ﴾ جماعات الرّماة بالسهام في الغزو يقال: نزع في القوس، إذا مدَّها عند وضع السهم فيها.

وروي هذا عن عكرمة وعطاء.

والغَرف: الإِغراق، أي استيفاء مدّ القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسماً بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله، ولم تكن للمسلمين وهم بمكة يومئذٍ غزوات ولا كانوا يرجونها، فالقَسَم بها إنذار للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضْد شوكتهم، فيكون من دلائل النبوءة ووعد وعده الله رسوله صلى الله عليه وسلم و ﴿ الناشطات ﴾ : يجوز أن تكون الموصوفات بالنشاط، وهو قوة الانطلاق للعمل كالسير السريع، وينطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير لقوة ذلك، فيكون الموصوف إما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام تنقلها في دوائرها وإما إبل الغزو، وإما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما أمر الله به من أمر التكوين وكلاهما على وجه الحقيقة، وأيَّاً مَا كان فعطفها على ﴿ النازعات ﴾ عطف نوع على نوع أو عطَف صنف على صنف.

و ﴿ نشطاً ﴾ مصدر جاء على مصدر فَعَلَ المتعدي من باب نَصَر فتعين أن ﴿ الناشطات ﴾ فاعلات النشط فهو متعد.

وقد يكون مفضياً لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي.

ويجوز أن يكون التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز.

وعن ابن عباس: ﴿ الناشطات ﴾ الملائكة تَنشِيط نفوسَ المؤمنين، وعنه هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج.

و ﴿ السابحات ﴾ صفة من السبح المجازي، وأصل السبح العَوْم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض، وروي عن علي بن أبي طالب.

ويجوز أن يراد خِيل الغزاة حين هجومها على العدوّ سريعة كسرعة السابح في الماء كالسابحات في قول امرئ القيس يصف فرساً: مُسِحٌ إذا ما السابحات على الونى *** أثرن الغبار بالكديد المركَّل وقيل: ﴿ السابحات ﴾ النجوم، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم، ﴿ وسبحا ﴾ مصدر مؤكد لإِفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم، وعطف ﴿ فالسابقات ﴾ بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ والصافات صفاً فالزاجرات زجراً فالتاليات ذكرا ﴾ [الصافات: 1 3] قول ابن زيابة: يا لهفَ زَيَّابَةَ للحارث الصّ *** ابح فالغائم فالآيب فلذلك ﴿ فالسابقات ﴾ هي السابقات من السابحات.

والسبق: تجاوز السائر من يَسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله.

ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى: ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ [البقرة: 148] وقال: ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴾ [المؤمنون: 61].

ويطلق السبق على الغلب والقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ [العنكبوت: 4] وقول مُرة بن عداء الفقعسي: كأنكَ لم تُسْبَق من الدهر ليلةً *** إذا أنتَ أدْرَكت الذي كنتَ تطلُب فقولُه تعالى: ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حِيالِه بأن يراد السائرات سيراً سريعاً فيما تعلمه، أو المبادرات.

وإذا كان ﴿ السابحات ﴾ بمعنى الخيل كان ﴿ السابقات ﴾ إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوّهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدوّ، أو على معنى غلبهم أعداءهم.

وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو ﴿ سبقا ﴾ للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق.

و ﴿ المدبرات ﴾ : الموصوفةُ بالتدبير.

والتدبير: جَوَلان الفكر في عواقب الأشياء وبإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له فإن كانت السابحات جماعات الملائكة، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه فعل المدبر المتثبت.

وإن كانت السابحات خيلَ الغزاة فالمراد بالتدبير: تدبير مكائد الحرب من كرّ، وفر، وغارة، وقتل، وأسر، ولحاق للفارين، أو ثبات بالمكان.

وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفُرسان وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير، كما قال تعالى: ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ﴾ [الحج: 27]، فأسند الإِتيان إلى ضمير ﴿ كل ضامر ﴾ من الإِبل لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة يكون بسير الإِبل.

وفي هذا المجاز إيماء إلى حِذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها.

والأمر: الشأن والغرض المهم وتنوينه للتعظيم، وإفراده لإِرادة الجنس، أي أموراً.

وينتظم من مجموع صفات ﴿ النازعات ﴾ ، و ﴿ الناشطات ﴾ ، و ﴿ السابحات ﴾ ، إذا فهم منها جماعات الرماة والجَمَّالَة والفرساننِ أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مُشاة وهم الرماة بالقِسي، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي قدَّام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة.

قال أُنيْف بن زَبَّان الطائي: وتَحْتَ نحور الخَيْل خرْشَفُ رَجْلَةٍ *** تُتَاح لغِرَّاتتِ القُلوب نِبَالُها ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضاً بتهديد المشركين بحرب تشن عليهم وهي غزوة فتح مكة أو غزوة بدر مثل سورة (والعاديات) وأضرابها، وهي من دلائل نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ كانت هذه التهديدات صَريحُها وتعريضُها في مدة مقامة صلى الله عليه وسلم بمكة والمسلمون في ضعف فحصل من هذا القَسم تعريض بعذاب في الدنيا.

وجملة ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ إلى ﴿ خاشعة ﴾ جوابُ القسم وصريحُ الكلام موعظة.

والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام.

وقد علم أن المراد ب ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ هو يوم القيامة لأنه قد عُرِّف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله: ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإِنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه.

و ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ واجفة ﴾ فآل إلى أن المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار.

ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ إلى ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ [البروج: 1 4].

ومثله كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب موالياً لجملة القسم نحو ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ [الأنبياء: 57] ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾ [الحجر: 92]، ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم يكثر اقترانه بلام الجواب ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه، وإن كان صاحب «المغني» استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى: ﴿ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند اللَّه خير ﴾ [البقرة: 103] أن اللام لام جواب قسم محذوف وليست لام جواب (لو) بدليل كون الجملة اسمية، والاسمية قليلة من جواب (لو) فلم يرَ جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام.

وجعل صاحب «الكشاف» تبعاً للفراء وغيره جواب القسم محذوفاً تقديره: لتُبعثُنَّ.

وقُدم الظرف على متعلقة لأن ذلك الظرف هو الأهمّ في جواب القَسَم لأنه المقصود إثبات وقوعه، فتقديم الظرف للاهتمام به والعناية به فإنه لما أكد الكلام بالقسم شمل التأكيدُ متعلقات الخبر التي منها ذلك الظرف، والتأكيد اهتمام، ثم أكد ذلك الظرف في الأثناء بقوله: ﴿ يومئذ ﴾ الذي هو يوم ترجف الراجفة فحصلت عناية عظيمة بهذا الخبر.

والرجف: الاضطراب والاهتزاز وفعله من باب نصَر.

وظاهر كلام أهل اللغة أنه فعل قاصر ولم أر من قال: إنه يستعمل متعدياً، فلذلك يجوز أن يكون إسناد ﴿ ترجف ﴾ إلى ﴿ الراجفة ﴾ حقيقياً، فالمراد ب ﴿ الراجفة ﴾ : الأرض لأنها تضطّرب وتهتزّ بالزلازل التي تحصل عند فناء العالم الدنيوي والمصير إلى العالم الأخروي قال تعالى: ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ [المزمل: 14] وقال: ﴿ إذا رجت الأرض رجاً ﴾ [الواقعة: 4] وتأنيث ﴿ الراجفة ﴾ لأنها الأرض، وحينئذ فمعنى ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ أن رجفة أخرى تتبع الرجفة السابقة لأن صفة ﴿ الراجفة ﴾ تقتضي وقوع رجفة، فالرادفة رجفة ثانية تتبع الرجفة الأولى.

ويجوز أن يكون إسناد ﴿ ترجف ﴾ إلى ﴿ الراجفة ﴾ مجازاً عقلياً، أطلق ﴿ الراجفة ﴾ على سبب الرجف.

فالمراد ب ﴿ الراجفة ﴾ الصيحة والزلزلة التي ترجف الأرض بسببها جعلت هي الراجفة مبالغة كقولهم: عيشة راضية، وهذا هو المناسب لقوله: ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ أي تتبع تلك الراجفة، أي مسبّبة الرجف رادفة، أي واقعة بعدها.

ويجوز أن يكون الرجف مستعاراً لشدة الصوت فشبه الصوت الشديد بالرجف وهو التزلزل.

وتأنيث ﴿ الراجفة ﴾ على هذا لتأويلها بالواقعة أو الحادثة.

و ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ : التالية، يقال: ردف بمعنى تبع، والرديف: التابع لغيره، قال تعالى: ﴿ أني معدكم بألف من الملائكة مردفين ﴾ [الأنفال: 9]، أي تتبع الرجفة الأولى، ثانية، فالمراد: رادفة من جنسها وهما النفختان اللتان في قوله تعالى: ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68].

وجملة ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ حال من ﴿ الراجفة ﴾ .

وتنكير ﴿ قلوب ﴾ للتكثير، أي قلوب كثيرة ولذلك وقع مبتدأ وهو نكرة لإِرادة النوعية.

والمراد: قلوب المشركين الذين كانوا يجحدون البعث فإنهم إذا قاموا فعلموا أن ما وعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم به حق توقّعوا ما كان يحذرهم منه من عقاب إنكار البعث والشرك وغير ذلك من أحوالهم.

فأما قلوب المؤمنين فإن فيها اطمئناناً متفاوتاً بحسب تفاوتهم في التقوى.

والخوف يومئذ وإن كان لا يخلو منه أحد إلا أن أشدّه خوف الذين يوقنون بسوء المصير، ويعلمون أنهم كانوا ضالين في الحياة الدنيا.

والواجفة: المضطربة من الخوف، يقال: وجف كضرف وجَفَّا ووجيفاً ووجوفاً، إذا اضطرب.

و ﴿ واجفة ﴾ خبر ﴿ قلوب ﴾ .

وجملة ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبر ثان عن ﴿ قلوب ﴾ وقد زاد المرادَ من الوجيف بياناً قولُه ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ ، أي أبصار أصحاب القلوب.

والخشوع حقيقته: الخضوع والتذلل، وهو هيئة للإِنسان، ووصف الأبصار به مجاز في الانخفاض والنظرِ من طرْف خفي من شدة الهلع والخوف من فظيع ما تشاهده من سوء المعاملة قال تعالى: ﴿ خشعاً أبصارهم ﴾ في سورة اقتربت الساعة (7).

ومثله قوله تعالى: ﴿ ووجوه يومئذ باسرة ﴾ [القيامة: 24].

وإضافة (أبصار) إلى ضمير القلوب لأدنى ملابسة لأن الأبصار لأصحاب القلوب وكلاهما من جوارح الأجساد مثل قوله: ﴿ إلا عشية أو ضحاها ﴾ [النازعات: 46].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ النّازِعاتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والنّازِعاتِ غَرْقًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٌ.

الثّانِي: هو المَوْتُ يَنْزِعُ النُّفُوسَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: هي النُّفُوسُ حِينَ تُنْزَعُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: هي النُّجُومُ تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، ومِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: هي القِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسَّهْمِ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: هي الوَحْشُ تَنْزِعُ مِنَ الكَلَإ وتَنْفِرُ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، ومَعْنى ﴿ غَرْقًا ﴾ أيْ إبْعادًا في النَّزْعِ.

﴿ والنّاشِطاتِ نَشْطًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ تَنْشُطُ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ بِسُرْعَةٍ كَنَشْطِ العِقالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: النُّجُومُ الَّتِي تَنْشَطُ مِن مَطالِعِها إلى مَغارِبِها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَنْشَطُ نَفْسَ الإنْسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي النَّفْسُ حَيْثُ نَشِطَتْ بِالمَوْتِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: هي الأوْهاقُ، قالَهُ عَطاءٌ.

السّادِسُ: هي الوَحْشُ تَنْشَطُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، كَما أنَّ الهُمُومَ تَنَشَطُ الإنْسانَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ هَمّامِ بْنِ قُحافَةَ أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشَطُ المَناشِطا الشّامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطًا.

﴿ والسّابِحاتِ سَبْحًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هي المَلائِكَةُ سَبَّحُوا إلى طاعَةِ اللَّهِ مِن بَنِي آدَمَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: هي النُّجُومُ تَسْبَحُ في فَلَكِها، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَسْبَحُ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي السُّفُنُ تَسْبَحُ في الماءِ، قالَهُ عَطاءٌ.

الخامِسُ: هي الخَيْلُ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَسْ ∗∗∗ بَحُ في حِياضِ المَوْتِ سَبْحًا وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ تَكُونَ السّابِحاتُ الخَوْضُ في أهْوالِ القِيامَةِ.

﴿ فالسّابِقاتِ سَبْقًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها هي المَلائِكَةُ تَسْبِقُ الشَّياطِينَ بِالوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَسْرُوقٌ.

وَقالَ الحَسَنُ: سَبَقَتْ إلى الإيمانِ.

الثّانِي: هي النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: هو المَوْتُ يَسْبِقُ إلى النَّفْسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: هي النَّفْسُ تَسْبِقُ بِالخُرُوجِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الخامِسُ: هي الخَيْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ تَكُونَ السّابِقاتُ ما سَبَقَ مِنَ الأرْواحِ قَبْلَ الأجْسادِ إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ.

﴿ فالمُدَبِّراتِ أمْرًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هي المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ، فَعَلى هَذا في تَدْبِيرِها بِالأمْرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَدْبِيرُ ما أُمِرَتْ بِهِ وأُرْسِلَتْ فِيهِ.

الثّانِي: تَدْبِيرُ ما وُكِّلَتْ فِيهِ مِنَ الرِّياحِ والأمْطارِ.

الثّانِي: هي الكَواكِبُ السَّبْعَةُ، حَكاهُ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ; وعَلى هَذا في تَدْبِيرِها لِلْأمْرِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَدْبِيرُ طُلُوعِها وأُفُولِها.

الثّانِي: تَدْبِيرُ ما قَضاهُ اللَّهُ فِيها مِن تَقَلُّبِ الأحْوالِ.

وَمِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ ذَكَّرَها بِخالِقِها.

الثّانِي: أنَّهُ أقْسَمَ بِها وإنْ كانَتْ مَخْلُوَقَةً لا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أنْ يُقْسِمَ بِها، لِأنَّ لِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن خَلْقِهِ.

وَجَوابُ ما عُقِدَ لَهُ القَسَمُ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَوْ أظْهَرَ: لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُحاسَبُنَّ، فاسْتَغْنى بِفَحْوى الكَلامِ وفَهْمِ السّامِعِ عَنْ إظْهارِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَظْهَرٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ ﴾ ﴿ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ ﴾ وفِيهِما ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الرّاجِفَةَ القِيامَةُ، والرّادِفَةَ البَعْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الرّاجِفَةَ النَّفْخَةُ الأُولى تُمِيتُ الأحْياءَ، والرّادِفَةَ: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ تُحْيِي المَوْتى، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

وَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (بَيْنَهُما أرْبَعُونَ، ما زادَهم عَلى ذَلِكَ ولا سَألُوهُ، وكانُوا يَرَوْنَ أنَّها أرْبَعُونَ سَنَةً)» .

وقالَ عِكْرِمَةُ: الأُولى مِنَ الدُّنْيا، والثّانِيَةُ مِنَ الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ الرّاجِفَةَ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي تَرْجُفُ الأرْضَ والجِبالَ والرّادِفَةَ إذا دُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ الرّاجِفَةَ أشْراطُ السّاعَةِ، والرّادِفَةَ: قِيامُها.

﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خائِفَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: طائِرَةٌ عَنْ أماكِنِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ أبْصارُها خاشِعَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذَلِيلَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: خاضِعَةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحافِرَةَ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطِيَّةُ.

الثّانِي: أنَّها الأرْضُ المَحْفُورَةُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّها النّارُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: أنَّها الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأوْلى تَكْذِيبًا بِالبَعْثِ، مِن قَوْلِهِمْ رَجَعَ فَلانٌ عَلى قَوْمِهِ إذا رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ، قالَهُ قَتادَةُ، قالَ الشّاعِرُ أحافِرَةُ عَلى صَلَعٍ وشَيْبٍ ∗∗∗ مَعاذَ اللَّهِ مِن جَهْلٍ وطَيْشِ ﴿ أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بالِيَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَفِنَةٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: خالِيَةٌ مُجَوَّفَةٌ تَدْخُلُها الرِّياحُ فَتَنْخُرُ، أيْ تُصَوِّتُ، قالَهُ عَطاءٌ والكَلْبِيُّ.

وَمَن قَرَأ (ناخِرَةً) فَإنَّ النّاخِرَةَ البالِيَةُ، والنَّخِرَةَ الَّتِي تَنْخُرُ الرِّيحَ فِيها.

﴿ تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: باطِلَةٌ لا يَجِيءُ مِنها شَيْءٌ، كالخُسْرانِ، ولَيْسَتْ كاسِبَةً، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ لَئِنْ رَجَعْنا أحْياءً بَعْدَ المَوْتِ لَنَخْسَرَنَّ بِالنّارِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: إذا كُنّا نَنْتَقِلُ مِن نَعِيمِ الدُّنْيا إلى عَذابِ الآخِرَةِ فَهي كَرَّةٌ خاسِرَةٌ.

﴿ فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ يَحْيا بِها الجَمِيعُ فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: الزَّجْرَةُ الغَضَبُ، وهو غَضَبٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ لَأمْرٌ حَتْمٌ لا رَجْعَةَ فِيهِ ولا مَثْنَوِيَّةَ.

﴿ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وجْهُ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ، والعَرَبُ تُسَمِّي وجْهَ الأرْضِ ساهِرَةً لِأنَّ فِيها نَوْمَ الحَيَوانِ وسَهَرَهُ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٌ ∗∗∗ وما فاهُوا بِهِ لَهُمُ مُقِيمُ وَقالَ آخَرُ يَوْمَ ذِي قارٍ لِفَرَسِهِ أقْدِمْ مَحاجِ إنَّها الأساوِرُهُ ∗∗∗ ولا يَهُولَنَّكَ رِجْلٌ بادِرَهْ ∗∗∗ فَإنَّما قَصْرُكَ تُرْبٌ السّاهِرَهْ ∗∗∗ ثُمَّ تَعُودُ، بَعْدَها في الحافِرَهْ مِن بَعْدِ ما صِرْتَ عِظامًا ناخِرَهْ الثّانِي: أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ بِعَيْنِهِ بِالشّامِ، وهو الصُّقْعُ الَّذِي بَيْنَ جَبَلِ أرِيحا وجَبَلِ حَسّانَ، يَمُدُّهُ اللَّهُ تَعالى كَيْفَ يَشاءُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي العاتِكَةِ.

الثّالِثُ: أنَّها جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ جَهَنَّمُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها عَرْضَةُ القِيامِ لِأنَّها أوَّلُ مَواقِفِ الجَزاءِ، وهم في سَهَرٍ لا نَوْمَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عليّ في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار.

وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج جويبر في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هي أرواح الكفار لما عاينت ملك الموت فيخبرها بسخط الله غرقت فينشطها انتشاطاً من العصب واللحم ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ أرواح المؤمنين لما عاينت ملك الموت قال: اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، سبحت سباحة الغائص في الماء فرحاً وشوقاً إلى الجنة ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: تمشي إلى كرامة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: هاتان الآيتان للكفار عند نزع النفس تنشط نشطاً عنيفاً مثل سفود في صوف، فكان خروجه شديداً ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ قال: هاتان للمؤمنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: النفس حين تغرق في الصدور ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الملائكة حين تنشط الروح من الأصابع والقدمين ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ حين تسبح النفس في الجوف تتردد عند الموت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: الملائكة الذين يلون أنفس الكفار إلى قوله: ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: الملائكة ينزعون نفس الإِنسان ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الملائكة ينشطون نفس الإِنسان ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: الملائكة حين ينزلون من السماء إلى الأرض ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: الملائكة ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة يدبرون ما أمروا به.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً ﴾ قال: الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: هو الكافر ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ والسابقات سبقاً ﴾ قال: هي النجوم ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: هي الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ﴿ والنازعات غرقاً ﴾ قال: القسي ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ قال: الأوهاق ﴿ فالسابقات سبقاً ﴾ قال: الخيل.

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار.

قال الله: ﴿ والناشطات نشطاً ﴾ أتدري ما هو؟

قلت يا نبي الله: ما هو؟

قال: كلاب في النار تنشط العظم واللحم» .

وأخرج ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ والسابحات سبحاً ﴾ قال: هي النجوم كلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكوّا سأله عن ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبر أمر الدنيا أربعة جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل، فإما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بالأمر.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت من طريق أبي المتوكل الناجي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فالمدبرات أمراً ﴾ قال: ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم، فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: النفخة الأولى ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: النفخة الثانية ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: خائفة ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الحياة.

وأخرج عبد حميد والبيهقي في البعث عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: ترجف الأرض والجبال، وهي الزلزلة ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: دكتا دكة واحدة.

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وابن المنذر والحكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبيّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف الراجفة رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ يقول: مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه» .

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ قال: النفخة الأولى ﴿ تتبعها الرادفة ﴾ قال: النفخة الثانية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ قال: هما الصيحتان، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله، وأما الأخرة فتحيي كل شيء بإذن الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه سئل عن قول الله: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ قال: هما النفختان، أما الأولى فتميت الأحياء، وأما الثانية فتحيي الموتى، ثم تلا هذه الآية ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [ الزمر: 68] .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجلة متحركة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: خائفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجلة وفي قوله: ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الأرض نبعث خلقاً جديداً ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: مدقوقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ قلوب يومئذ واجفة ﴾ قال: وجفت مما عاينت ﴿ يومئذ أبصارها خاشعة ﴾ قال: ذليلة ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أننا لمبعوثون خلقاً جديداً إذا متنا تكذيباً بالبعث ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: بالية.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: خلقاً جديداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ قال: الحياة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ قال: لما نزلت هذه الآية قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنحشرن، فنزلت ﴿ تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ ﴿ أئذا كنا عظاماً ناخرة ﴾ بألف.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ ناخرة ﴾ بالألف.

وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف ﴿ إئذا كنا عظاماً ناخرة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال: سمعت ابن الزبير يقرؤها ﴿ عظاماً ناخرة ﴾ فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أوليس كذلك؟

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق ابن عباس أنه كان يقرأ التي في النازعات ﴿ ناخرة ﴾ بالألف وقال: بالية.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وعكرمة وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يقرؤون ﴿ ناخرة ﴾ بالألف.

وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر: ما بال صبيان يقرؤون ﴿ نخرة ﴾ إنما هي «ناخرة» وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ عظاماً ناخرة ﴾ قال: بالية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الناخرة العظم يبلى فتدخل الريح فيه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ قالوا تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ قال: إن خلقنا خلقاً جديداً لنرجعن إلى الخسران، وفي قوله: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة ﴾ قال: صيحة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: المكان المستوي في الأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا تلك إذاً كرة خاسرة ﴾ قال: رجعة خاسرة.

قال: فلما تباعد البعث في أنفس القوم قال الله: ﴿ إنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: فإذا هم على ظهر الأرض بعد أن كانوا في جوفها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: كانوا في بطن الأرض ثم صاروا على ظهرها.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سئل عن قوله: ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: الأرض كلها ساهرة.

وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: الساهرة وجه الأرض، وفي لفظ، قال: الأرض كلها ساهرة، ألا ترى الشاعر يقول: صيد بحر وصيد ساهرة وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الشعبي ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: إذا هم بالأرض، ثم تمثل ببيت أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر ** وما فاهوا به أبداً مقيم وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: بالأرض.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: بالأرض كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ بالساهرة ﴾ قال: تسمى الأرض ساهرة بني فلان.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سهل بن سعد الساعدي ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: أرض بيضاء عفراء كالخبزة من النقى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: الساهرة جبل إلى جنب بيت المقدس.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا هم بالساهرة ﴾ قال: في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾ ، قال علي (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) والمعنى على هذا: والسابحات بالأرواح سبحًا، أي يجعلونها (٨) (٩) قال (أبو صالح (١٠) (١١) (١٢) وهو اختيار الفراء، قال: جعل نزولها من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد: إنه لسابح (١٣) مِسَحٍّ إذا ما السّابحاتُ على الونى ...

أثَرْنَ الغُبارَ بالكديدِ المُرَكَّلِ (١٤) وقال الحسن (١٥) (١٦) ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

قال عطاء هي: السفن تسبح في الماء (١٧) وروى عن ابن عباس: أن السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى لقاء الله، وشوقًا إلى رحمته حين تخرج (١٨) (١) "زاد المسير" 8/ 171 بمعناه، وعبارته: "أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين"، ومثله ورد في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.

(٢) بمعناه في "تفسير مقاتل" 226/ ب.

(٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٤) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

وقد ورد بمعنى هذه الرواية عن الكلبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.

(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٧) من قوله: هم الذين يقبضون إلى حتى يستريح رويدًا وردت في "معالم التنزيل" 4/ 442 من غير نسبة لأحد.

(٨) في (ع): يجلونها.

(٩) السَّبْح: المَرُّ السريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سَبَح سَبْحًا وسِباحة، واستعير لِمرِّ النجوم في الفلك، ولجري الفرس، ولسرعة الذهاب في العمل.

انظر: "المفردات في غريب القرآن" 221.

(١٠) "الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8/ 404 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(١١) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(١٢) المراجع السابقة.

وانظر أيضًا: "جامع البيان" 30/ 30، "فتح القدير" 5/ 372 - 373، وعزاه صاحب الدر إلى أبي الشيخ.

(١٣) "معاني القرآن" 3/ 230، وقد زاد الفراء في معانيه عبارة: مرَّ يتمطّى.

ذكر ذلك تفسيرًا لقول العرب للفرس الجواد: إنه لسابح.

ومعنى: مطَّه: أي مده، أي مد في السير.

مختار "الصحاح" 627 مادة: (مطي).

(١٤) ديوانه: 53، ط.

دار صادر.

ومعنى البيت: سح يسح: قد يكون بمعنى صب يصب، وقد يكون بمعنى انصب ينصب، فالمعنى أنه يصب الجري والعدو صبًا بعد صب.

السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عده شبه بالسابح في الماء، الونى: الفتور ..

والفعل ونى يني ونيًا وونى.

الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة.

المركل: من الركل، وهو الدفع بالرجل، والضرب بها.

ومعنى البيت: أن الخيل يجيء يجري بعد جري إذا قلت الخيل السوابح، وأعيت وأثارت الغبار في مثل هذا الموضع.

"ديوانه" 53 - 54.

(١٥) "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8: 405 وعزاه إلى ابن المنذر، "فتح القدير" 5: 373، "تفسير الحسن البصري" 2: 393.

(١٦) "مجاز القرآن" 2/ 284.

(١٧) "جامع البيان" 30/ 30، "الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "النكت والعيون" 6/ 193، "معالم التنزيل" 4/ 442، "المحرر الوجيز" 5/ 431، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.

(١٨) ورد معنى قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8/ 404 وعزاه إلى جويبر في تفسيره.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

اختلف في معنى النازعات والنشاطات والسابقات والسابحات والمدبرات، فقيل: إنها الملائكة وقيل: النجوم، فعلى القول بأنها الملائكة سماهم نازعات؛ لأنهم ينزعون نفوس بني آدم من أجسادها، وناشطات لأنهم ينشطونها أي يخرجونها فهو من قولك: نشطت الدلو من البئر: إذا أخرجتها وسابحات لأنهم يسبحون في سيرهم، أي يسرعون فيسبقون فيدبرون أمور العباد والرياح والمطر وغير ذلك حسبما يأمرهم الله.

وعلى القول بأنها النجوم سماها نازعات لأنها تنزع من المشرق إلى المغرب، وناشطات لأنها تنشط من برج إلى برج، وسابحات لأنها تسبح في الفلك ومنه: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 40] فتسبق في جريها فتدبر أمراً من علم الحساب، وقال ابن عطية: لا أعلم خلافاً أن المدبرات أمراً الملائكة، وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا.

وقد قيل في النازعات والناشطات أنها النفوس، تنزع من معنى النزع بالموت، فتنشط من الأجساد، وقيل: في السابحات والسابقات أنها الخيل وأنها السفن ﴿ غَرْقاً ﴾ إن قلنا النازعات الملائكة ففي معنى غرقاً وجهان: أحدهما: أنها من الغرق أي تغرق الكفار في جهنم، والآخر: أنه من الإغراق في الأمر، بمعنى المبالغة فيه، أي تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله، وإن قلنا إنها النفوس، فهو أيضاً ن الإغراق أي تغرق في الخروج من الجسد، والإعراب غرقاً مصدر في موضع الحال، ونشطاً وسبحاً وسبقاً مصادر، وأمراً مفعول به، وجواب القسم محذوف، وهو بعث الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، وقيل: الجواب: ﴿ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ﴾ على تقدير حذف لام التأكيد، وقيل: هو: ﴿ إن ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ وهذا بعيد لبعده عن القسم، ولأنه إشارة إلى قصة فرعون لا لمعنى القسم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.

ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الآخرون: بالإضافة للتخفيف.

الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله  ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.

ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .

﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.

التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.

والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.

قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.

فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.

قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.

أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.

الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.

وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون  ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.

الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.

الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.

قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".

وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.

ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.

والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.

والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.

ويروى أنه  يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله  أن يفعل ما يشاء.

وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله  ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون  ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال  ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.

وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.

قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله  فتبعت إحداهما الأخرى.

والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.

وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.

ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.

يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.

ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.

ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.

يروى أنه  يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.

والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.

والأظهر أنها أرض الآخرة.

وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي  لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.

والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".

قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.

قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي  " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.

ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.

وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.

ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.

ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.

وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.

وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.

قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.

وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.

ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه  يمهل ولا يهمل.

وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك  ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي  ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.

قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.

وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟

وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله  ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى  ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.

ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.

ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.

وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.

ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.

ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.

فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.

وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.

ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.

قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.

وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.

وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات  ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.

ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.

وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.

وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء  ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.

وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.

ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.

قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.

حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.

والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.

وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.

وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.

وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.

قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.

قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.

وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.

﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين  ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.

قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.

واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.

قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.

قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.

وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.

﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.

ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي  يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".

وعن عائشة  ا لم يزل رسول الله  يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.

وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.

ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.

ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.

وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.

ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.

وقيل: في القبور.

روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.

وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.

قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.

قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.

فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.

ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.

قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.

أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.

قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ ، قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.

وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيجبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.

وقيل: الملائكة يسبحون بين السماء والأرض.

قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ ، أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.

وقيل: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.

وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هم الملائكة المكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطعلن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر الله -  - إلى ما سخرن له.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله: ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، والله أعلم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً ﴾ هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي السفن.

﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ سَبْقاً ﴾ : هن الخيل.

﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ : هي الملائكة، وبه قال عطاء.

ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: ﴿ وَٱلنَّازِعَاتِ ﴾ : هي الأنفس التي تغرق في الصدر، ﴿ وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ﴾ حين تنشط من القدمين.

وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.

﴿ وَٱلسَّابِحَاتِ سَبْحاً ﴾ : هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.

وقوله: ﴿ فَٱلسَّابِقَاتِ ﴾ - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات الله  وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول الله  أنه قال: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر" وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلغ نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يجب مفارقها من شدة ما يرى من عذاب الله  .

وعلى هذا قيل في تأويل قوله -  -: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومنه كره لقاء الله كره الله لقاءه" : إن ذلك عند الموت [أن المؤمن إذا حضره الموت] ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء الله  ، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء الله، وكره الله لقاءه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴾ ، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، والله أعلم.

ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم: فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عز وجل -: ﴿ لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.

ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ ، فأقسم بما ذكر أن النخفتين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء.

ثم اختلفوا بعد هذا: فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.

ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال الله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...

﴾ الآية [الحج: 1-2]، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [النمل: 87]، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ  ﴾ .

ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على الله -  - وسهولته كفخة النفخ على النافخ.

أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال  : ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ .

وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة: والتحرك، ﴿ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ﴾ وهي الزلزلة الأخرى.

ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟

فقال: تكومن واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴾ ، أي: ذليلة.

ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوا لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصرح فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها [من الخوف]؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر؛ ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكن القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبيره؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ ﴾ ، أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.

ويقال: النقد عن الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.

قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً ﴾ و(ناخرة)؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴾ ، قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب للبعث؛ أي: لا يكن أبدا.

وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً  ﴾ فكانوا يظنون أنهم بما أنعم الله -  - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.

ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ﴾ ، قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.

وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأقسم بالملائكة التي تَسْبح من السماء إلى الأرض بأمر الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.J7o2N"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.

والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.

ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟

فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.

فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.

ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.

وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.

وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.

فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.

وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.

(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.

و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.

والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.

و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.

وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.

وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.

وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.

واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.

والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.

(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.

(الواجفة) شديد الاضطراب.

(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.

(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.

يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.

و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.

و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.

و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.

(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.

وفي ذلك تسلية له  ووعد له بالفوز كما فاز موسى.

وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.

(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.

و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.

و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.

هل لك إلى كذا؟

أي: هل ترغب فيه؟

ويقال: هل لك في كذا؟

وهل لك إلى كذا؟

بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟

و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟

ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.

قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.

ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.

(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.

(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.

ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.

(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.

(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.

فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟

(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.

(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.

والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.

وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.

(أغطش الليل) أظلمه.

وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.

و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.

قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.

وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.

(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.

وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.

وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟

أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟

وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.

(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.

فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.

في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.

(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.

وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.

فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.

(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.

(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.

(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.

والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.

(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه  بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.

فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟

أي ما هذه الذكرى الدائمة؟

لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.

وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.

أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.

فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.

(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.

(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.

(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟

أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟

أي: لست في شيء من هذا.

أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.

و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.

وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.

فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.

واللبث الإقامة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد