الإسلام > القرآن > سور > سورة 79 النازعات > الآية ٣٦ من سورة النازعات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة النازعات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أي أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانا.
( وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ ) يقول: وأظْهِرت الجحيم، وهي نار الله لمن يراها، يقول: لأبصار الناظرين.
وبرزت الجحيم أي ظهرت .
لمن يرى قال ابن عباس : يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصر .
وقيل : المراد الكافر لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب .
وقيل : يراها المؤمن ليعرف قدر النعمة ، ويصلى الكافر بالنار .
وجواب فإذا جاءت الطامة محذوف أي إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة .
وقرأ مالك بن دينار : وبرزت الجحيم .
عكرمة وغيره : ( لمن ترى ) بالتاء ، أي لمن تراه الجحيم ، أو لمن تراه أنت يا محمد .
والخطاب له - عليه السلام - ، والمراد به الناس .
{ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى } أي: جعلت في البراز، ظاهرة لكل أحد، قد برزت لأهلها، واستعدت لأخذهم، منتظرة لأمر ربها.
"وبرزت الجحيم لمن يرى"، قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق.
«وبرزت» أظهرت «الجحيم» النار المحرقة «لمن يرى» لكل راءٍ وجواب إذا:
فإذا جاءت القيامة الكبرى والشدة العظمى وهي النفخة الثانية، عندئذ يُعْرَض على الإنسان كل عمله من خير وشر، فيتذكره ويعترف به، وأُظهرت جهنم لكل مُبْصِر تُرى عِيانًا.
وقوله : ( وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى ) معطوف على قوله ( جاءت ) أى : فإذا جاءت الطامة الكبرى ، وتذكر الإِنسان فيها ما كان قد نسيه من أعمال دنيوية ( وَبُرِّزَتِ الجحيم ) أى : وأظهرت إظهاراً واضحا لا خفاء فيه ولا لبس ( لِمَن يرى ) أى : لكل راء .
كان الهول الأعظم
المسألة الثانية: قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى، ثم اختلفوا في أنها أي شيء هي، فقال قوم: إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار، ومن الموقف الهائل، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل، وقال الحسن: إنها هي النفخة الثانية التي عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة، وقال آخرون: إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سعى * وَبُرّزَتِ الجحيم لِمَن يرى ﴾ فالطامة تكون اسماً لذلك الوقت، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى: ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً ﴾ ويحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين: الأول: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سعى ﴾ يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها، وكان قد نسيها، كقوله: ﴿ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ .
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَبُرّزَتِ الجحيم لِمَن يرى ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ لِمَن يرى ﴾ أي أنها تظهر إظهاراً مكشوفاً لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان: أحدهما: أنه استعارة في كونه منكشفاً ظاهراً كقولهم: تبين الصبح لذي عينين.
وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد والثاني: أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين وبصر، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين والكفار، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها، وهذا التأويل متأكد بقوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ ﴾ فإن قيل: إنه تعالى قال في سورة الشعراء: ﴿ ﴾ فخص الغاوين بتبريرها لهم، قلنا: إنها برزت للغاوين، والمؤمنون يرونها أيضاً في الممر، ولا منافاة بين الأمرين.
المسألة الثانية: قرأ أبو نهيك ﴿ وَبُرّزَتِ ﴾ وقرأ ابن مسعود: لمن رأى، وقرأ عكرمة: لمن ترى، والضمير للجحيم، كقوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ وقيل: لمن ترى يا محمد من الكفار الذين يؤذونك.
واعلم أنه تعالى لما وصف حال القيامة في الجملة قسم المكلفين قسمين: الأشقياء والسعداء، فذكر حال الأشقياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الطآمة ﴾ الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب.
وفي أمثالهم: جرى الوادي فطمَّ على القرى، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة.
وقيل: هي النفخة الثانية.
وقيل: الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ﴾ بدل من إذا جاءت، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله: ﴿ أحصاه الله وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6] ، و ﴿ مَا ﴾ في ﴿ مَا سعى ﴾ موصولة، أو مصدرية ﴿ وَبُرّزَتِ ﴾ أظهرت وقرأ أبو نهيك ﴿ وبرزت ﴾ ﴿ لِمَن يرى ﴾ للرائين جميعاً، أي: لكل أحد، يعني: أنها تظهر إظهاراً بينا مكشوفاً، يراها أهل الساهرة كلهم، كقوله: قد بين الصبح لذي عينين، يريد: لكل من له بصر؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد وقرأ ابن مسعود ﴿ لمن رأى ﴾ وقرأ عكرمة ﴿ لمن ترى ﴾ والضمير للجحيم، كقوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [الفرقان: 12] وقيل: لمن ترى يا محمد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ ﴾ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَطِمُّ أيْ تَعْلُو عَلى سائِرِ الدَّواهِي.
الكُبْرى الَّتِي هي أكْبَرُ الطّامّاتِ وهي القِيامَةُ، أوِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ أوِ السّاعَةُ الَّتِي يُساقُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ بِأنْ يَراهُ مُدَوَّنًا في صَحِيفَتِهِ وكانَ قَدْ نَسِيَهُ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ أوْ طُولِ المُدَّةِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِن «إذا جاءَتْ» وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ ﴾ وأُظْهِرَتْ.
﴿ لِمَن يَرى ﴾ لِكُلِّ راءٍ بِحَيْثُ لا تَخْفى عَلى أحَدٍ، وقُرِئَ «وَبَرَزَتِ» و«لِمَن رَأى» و «لِمَن تَرى» عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ الجَحِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ أوْ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ أيْ لِمَن تَراهُ مِنَ الكُفّارِ، وجَوابُ فَإذا جاءَتِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ أوْ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ.
﴿ فَأمّا مَن طَغى ﴾ حَتّى كَفَرَ.
﴿ وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ فانْهَمَكَ فِيها ولَمْ يَسْتَعِدَّ لِلْآخِرَةِ بِالعِبادَةِ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ.
﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ هي مَأْواهُ واللّامُ فِيهِ سادَّةٌ مَسَدَّ الإضافَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ صاحِبَ المَأْوى هو الطّاغِي، وهي فَصْلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ.
<div class="verse-tafsir"
{وبُرِّزَتِ الجحيم} وأظهرت {لمن يرى} لكل راء لظهور بينا
﴿ وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ ﴾ عُطِفَ عَلى: ﴿ جاءَتِ ﴾ وقِيلَ عَلى: ﴿ يَتَذَكَّرُ ﴾ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الإنْسانِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمَوْصُولُ بَعْدُ مُغْنٍ عَنِ العائِدِ، وكِلا القَوْلَيْنِ عَلى ما في الإرْشادِ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ونَحْوُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فَلا تَغْفُلْ.
ومَعْنى: «بُرِّزَتِ» أُظْهِرَتْ إظْهارًا بَيِّنًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ ﴿ لِمَن يَرى ﴾ كائِنًا مَن كانَ يُرْوى أنَّهُ يُكْشَفُ عَنْها فَتَتَلَظّى فَيَراها كُلُّ ذِي بَصَرٍ، وخُصَّ بَعْضُ «مِن» بِالكافِرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأتْ عائِشَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةُ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ «وبَرَزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُخَفَّفًا «لِمَن تَرى» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ جَهَنَّمَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ لَها مَجازًا وهو حَقِيقَةٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيها، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ راءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ﴾ أيْ: لِمَن تَراهُ مِنَ الكُفّارِ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ وأبُو السَّمّالِ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: «وبُرِزَتِ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا.
<div class="verse-tafsir"
ثم وعظ أهل مكة فقال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ يعني: أبعثكم بعد الموت أشد، أم خلق السماء في المشاهدة عند الناس، خلق السماء أشد.
فالذي هو قادر على خلق السماء، قادر على البعث.
ثم قال: بَناها يعني: خلق السماء مرتفعة رَفَعَ سَمْكَها أي: سقفها بغير عمد فَسَوَّاها يعني: سوى خلقها.
ويقال: خلقها مستوية، بلا صدع ولا شق وَأَغْطَشَ لَيْلَها يعني: أظلم ليلها وَأَخْرَجَ ضُحاها يعني: أنوار ضحاها، وشمسها ونهارها، فإنها راجعة إلى السماء.
ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يعني: بعد خلق الأرض السماء، وبسط الأرض ومدها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها يعني: من الأرض ماءها.
يعني: عيونها للناس وَمَرْعاها للدواب والأنعام.
قال القتبي: هذا من جوامع الكلم، حيث ذكر شيئين على جميع ما يخرج من الأرض قوتاً، ومتاعاً للأنعام من العنب، والشجر، والحب، والتمر، والملح والنار، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.
ثم قال عز وجل: وَالْجِبالَ أَرْساها يعني: أوتدها وأثبتها مَتاعاً لَكُمْ يعني: منفعة لكم وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى يعني: الصيحة العظمى، وإنما سميت الطامة، لأنها طمت وعلت فوق كل شيء يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى يعني: يعلم بكل شيء عمله في الدنيا.
ويقال: يوم ينظر الإنسان في كتابه، بما عمل في الخير والشر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ يعني: أظهرت الجحيم لِمَنْ يَرى يعني: لمن وجب له فَأَمَّا مَنْ طَغى يعني: كفر وعلا وتكبر.
وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا يعني: اختار ما في الدنيا على الآخرة.
ويقال: اختار العمل للدنيا على الآخرة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ يعني: خاف المقام بين يدي ربه وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني: منع نفسه عن معاصي الله تعالى، وعمل بخلاف ما تهوى في الحرام فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني: مأوى من كان هكذا.
قال علي بن أبي طالب، - - أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل، واتباع الهوى.
فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق.
<div class="verse-tafsir"
هذا «١» ، ونَخِرَةً معناه بالية، وقرأ حمزة «نَاخِرَةٌ» بألف «٢» ، والنَّاخِرةُ المصوِّتَةُ بالريحِ المُجَوَّفَة، وحُكِيَ عَنْ أبي عُبَيْدَة وغيره: أن الناخرةَ والنَّخِرَةَ بمعنًى واحد «٣» ، وقولهم:
تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ أي: إذ هي إلى النارِ لتكذيبِهم بالبعثِ، وقال الحسن: خاسِرَةٌ معناه عندَهم كاذبة، أي: ليست بكائِنةٍ «٤» ، ثم أخبر تعالى عن حالِ القيامةِ فقال: «إنما هي زجرة واحدة» أي: نفخةٌ في الصور، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ وهي أرضُ المحشر.
وقوله: هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى اسْتِدْعَاءٌ حسنٌ، والتزكِّي: التَّطهرُ من النَقَائِص، والتلبُّسِ بالفَضَائِل، ثم فَسَّر لَه موسى التزكِّي الذِي دَعَاه إليه/ بقوله: وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى والعلمُ تابعٌ للهدى، والخَشْيَةُ تابعةٌ للعِلْمِ، إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [فاطر: ٢٨] والْآيَةَ الْكُبْرى العصا واليد قاله مجاهد وغيره «٥» : وأَدْبَرَ: كِنَايَةً عن إعْرَاضِه، وقيل: حقيقةً قَامَ مُوَلِّيًا عن مُجَالَسَةِ موسى، فَحَشَرَ أي: جمع أهل مملكتِه، وقولُ فرعونَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى نهايةٌ في السِّخَافَةِ والمَخْرَقَةِ، قال ابن زيد: نَكالَ الْآخِرَةِ أي: الدار الآخرة، وَالْأُولى: يعني: الدنيا، أخَذَه اللَّهُ بعذابِ جهنَّمَ وبالغَرَقِ، وقيل غيرُ هذا «٦» ، ثم وقفهم سبحانه مخاطبةً منه تعالى للعالم والمقصد الكفار فقال:
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ...
الآية، والسَّمْكُ: الارْتِفَاعُ، الثعلبي: والمعنى: أأنتم أيها المنكرونَ للبعثِ أشَدُّ خلقاً أم السَّماءُ أشد خلقاً، ثم بيَّن كَيْفَ خَلَقَها، أي: فالذي قَدِرَ على خَلْقِها قادرٌ على إحيائكم بعد الموت، نظيره: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [يس:
٨١] الآية، انتهى، وأَغْطَشَ معناه: أظلم.
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى ﴾ والطّامَّةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تَطِمُّ عَلى ما سِواها، أيْ: تَعْلُو فَوْقَهُ.
وفي المُرادِ بِها هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي فِيها البَعْثُ.
والثّانِي: أنَّها حِينَ يُقالُ لِأهْلِ النّارِ؛ قُومُوا إلى النّارِ.
والثّالِثُ: أنَّها حِينَ يُساقُ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ أيْ: ما عَمِلَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ أيْ: لِأبْصارِ النّاظِرِينَ.
قالَ مُقاتِلٌ: يُكْشَفُ عَنْها الغِطاءُ فَيَنْظُرُ إلَيْها الخَلْقُ.
وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " لِمَن تَرى " بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاذٌ القارِيءُ " لِمَن رَأى " بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الرّاءِ والألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا مَن طَغى ﴾ في كُفْرِهِ ﴿ وَآثَرَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ عَلى الآخِرَةِ ﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ هي المَأْوى لَهُ.
وهَذا جَوابُ ﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ ﴾ فَإنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ [الرَّحْمَنِ: ٤٦] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى ﴾ أيْ: عَمّا تَهْوى مِنَ المَحارِمِ.
قالَ مُقاتِلٌ: هو الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعْصِيَةِ، فَيَذْكُرُ مَقامَهُ لِلْحِسابِ، فَيَتْرُكُها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها ﴾ قَدْ سَبَقَ في [الأعْرافِ: ١٨٧] ﴿ فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها ﴾ أيْ: لَسْتَ في شَيْءٍ مِن عِلْمِها وذِكْرِها.
والمَعْنى: أنَّكَ لا تَعْلَمُها ﴿ إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ﴾ أيْ: مُنْتَهى عِلْمِها ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " مُنْذِرٌ " بِالتَّنْوِينِ.
ومَعْنى الكَلامِ: إنَّما أنْتَ مُخَوِّفٌ مَن يَخافُها.
والمَعْنى: إنَّما يَنْفَعُ إنْذارُكَ مَن يَخافُها، وهو المُؤْمِنُ بِها.
وأمّا مَن لا يَخافُها فَكَأنَّهُ لَمْ يُنْذَرْ ﴿ كَأنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَها ﴾ أيْ: يُعايِنُونَ القِيامَةَ ﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا.
وقِيلَ: في قُبُورِهِمْ ﴿ إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها ﴾ أيْ: قَدْرُ آخِرِ النَّهارِ مِن بَعْدِ العَصْرِ، أوْ أوَّلِهِ إلى أنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والهاءُ والألِفِ في " ضُحاها " عائِدانِ إلى العَشِيَّةِ.
والمَعْنى: إلّا عَشِيَّةً، أوْ ضُحى العَشِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: فَإنْ قِيلَ: لِلْعَشِيَّةِ ضُحًى، إنَّما الضُّحى لِصَدْرِ النَّهارِ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذا ظاهِرٌ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولُوا: آتِيكَ العَشِيَّةَ، أوْ غَداتَها، أوْ آتِيكَ الغَداةَ، أوْ عَشِيَّتَها، فَتَكُونُ العَشِيَّةُ في مَعْنى " آخِرٍ "، والغَداةُ في مَعْنى " أوَّلَ " .
أنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي عُقَيْلٍ: نَحْنُ صَبَحْنا عامِرًا في دارِها عَشِيَّةَ الهِلالِ أوْ سِرارِها أرادَ: عَشِيَّةَ الهِلالِ، أوْ عَشِيَّةَ سِرارِ العَشِيَّةِ، فَهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِهِمْ: آتِيكَ الغَداةَ أوْ عَشِيَّتَها.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ﴾ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى ﴾ ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَماءُ بَناها ﴾ ﴿ رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها ﴾ ﴿ وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ ﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها ﴾ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ ﴿ مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ ﴾ ﴿ فَإذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى ﴾ ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى ﴾ ﴿ وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى ﴾ "نَكالَ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ قَوْمٌ: "الآخِرَةَ" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ ، و"الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، ورُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المُدَّةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ ، و"الآخِرَةِ" قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ ، وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: الأُولى كُفْرُهُ وعِصْيانُهُ، والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُولى الدُنْيا، والآخِرَةُ الدارُ الآخِرَةِ، أيْ: أخَذَهُ اللهُ تَعالى بِعَذابِ جَهَنَّمَ وبِالغَرَقِ في الدُنْيا، وقالَ مُجاهِدٌ: عِبارَةٌ عن أوَّلِ مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ وآخِرِها، أيْ نَكَلَ بِالجَمِيعِ، وَ"نَكالَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ "أخَذَ"؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ، وعَلى رَأْيِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِ "نَكالَ"، كَأنَّهُ قالَ: نَكَّلَهُ نَكالَ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ بِحالِ فِرْعَوْنَ، وتَعْذِيبِهِ، وفي الكَلامِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُخاطَبِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ وقَّفَهم مُخاطَبَةً مِنهُ تَعالى لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَقْصِدُ الكَفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "ءأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا" الآيَةُ.
وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَعْثَ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ لا يَتَعَذَّرُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، و"السُمْكُ" الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَماءِ الأسْفَلِ الَّذِي يَلِينا وبَيْنَ سَطْحِها الأعْلى الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَلَقَها مَلْساءَ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيها مُرْتَفَعٌ ومُنْخَفَضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إتْقانِ خَلْقِها، ولا يُقْصَدُ مَعْنى إمْلاسِ سَطْحِها، واللهُ تَعالى أعْلَمُ كَيْفَ هي.
و"أغْطَشَ" مَعْناهُ: أظْلَمُ، والأغْطَشُ: الأعْمى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَحَرْتُ لَهم مُوهِنًا ناقَتِي ولَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطْشُ ونَسَبَ اللَيْلَ والضُحى إلَيْها مِن حَيْثُ هُما ظاهِرانِ مِنها وفِيها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدَحْها، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها وبَناها، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"الأرْضَ مَعَ ذَلِكَ"، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ "بَعْدَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: مَعَ ذَلِكَ، والَّذِي قُلْناهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ كُلُّها، ونَسَبَ الماءَ والمَرْعى إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هُما مِنها يَظْهَرانِ، ودَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ: دارٌ دَحاها ثُمَّ أسْكَنَنا بِها ∗∗∗ وأقامَ بِالأُخْرى الَّتِي هي أمْجَدُ وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والأرْضَ" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"الجِبالَ أرْساها" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "والجِبالُ" رَفْعًا، و"أرْساها" مَعْناهُ: أثْبَتَها، وجَمَعَ هَذِهِ النِعَمَ إذا تَدَبَّرَتْ فَهي مَتاعٌ لِلنّاسِ و"الأنْعامَ"، يَتَمَتَّعُونَ فِيها وبِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَتاعًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مَتاعٌ" بِالرَفْعِ.
و"الطامَّةُ الكُبْرى" هي القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: النَفْخَةُ الثانِيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ما سَعى" مَعْناهُ: ما عَمِلَ مِن سائِرِ عَمَلِهِ، ويَتَذَكَّرُ ذَلِكَ بِما يَرى مِن جَزائِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبُرِّزَتْ" بِضَمِّ الباءِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِمَن يَرى" بِالياءِ أيْ: لِمَن يُبْصِرُ ويَحْصُلُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "لِمَن تَرى" بِالتاءِ أيْ: تَراهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فالإشارَةُ إلى كُفّارِ مَكَّةَ، أو إشارَةً إلى الناسِ والقَصْدُ كُفّارُ مَكَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن تَراهُ الجَحِيمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِمَن رَأى" عَلى فِعْلٍ ماضٍ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن يكون التفريع على الاستدلال الذي تضمنه قوله: ﴿ أأنتم أشد خلقاً أم السماء ﴾ [النازعات: 27] الآيات، فإن إثبات البعث يقتضي الجزاء إذ هو حكمته.
وإذا اقتضى الجزاء كان على العاقل أن يعمل لجزاء الحسنى ويجتنب ما يوقع في الشقاء وأن يهتم بالحياة الدائمة فيؤثرها ولا يكترث بنعيم زائل فيتورط في اتباعه، فلذلك فرع على دليل إثبات البعث تذكير بالجزاءين، وإرشاد إلى النجدين.
وإذ قد قُدّم قبل الاستدلال تحذيرٌ إجماليّ بقوله: ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ [النازعات: 6] الآية كما يذكر المطلوب قبل القياس في الجدل، جيء عقب الاستدلال بتفصيل ذلك التحذير مع قرنه بالتبشير لمن تحلى بضده فلذلك عبر عن البعث ابتداء بالراجفة لأنها مبدؤه، ثم بالزجرة، وأخيراً بالطامة الكبرى لما في هذين الوصفين من معنى يشمل الراجفة وما بعدها من الأهوال إلى أن يستقر كل فريق في مقره.
ومن تمام المناسبة للتذكير بيوم الجزاء وقوعه عقب التذكير بخلق الأرض، والامتنان بما هَيّأ منها للإِنسان متاعاً به، للإِشارة إلى أن ذلك ينتهي عندما يحين يوم البعث والجزاء.
ويجوز أن يجعل قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ مفرعاً على قوله: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ [النازعات: 13، 14] فإن الطامة هي الزجرة.
ومناط التفريع هو ما عقبه من التفصيل بقوله: ﴿ فأما من طغى ﴾ الخ إذ لا يلتئم تفريع الشيء على نفسه.
(وإذا) ظرف للمستقبل فلذلك إذا وقع بعد الفعل الماضي صُرف إلى الاستقبال، وإنما يُؤتى بعد (إذا) بفعل الماضي لزيادة تحقيق ما يفيده (إذا) من تحقق الوقوع.
والمجيءُ: هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء الموقّت المؤجل بأجل يشبه شخصاً سائراً إلى غاية، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائرُ إلى، إذا بلغ المكان المقصود.
والطامة: الحادثة، أو الوقعة التي تَطِمُّ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها في نوعها، مأخوذ من طَمَّ الماء، إذا غمر الأشياء وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور المهولة ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت ب ﴿ الكبرى ﴾ فكان هذا أصرح الكلمات لتصوير ما يقارن هذه الحادثة من الأهوال.
والمراد بالطامة الكبرى: القيامة وقد وصفت بأوصاف عديدة في القرآن مثل الصاخّة والقارعة والراجفة ووصفت بالكبرى.
و ﴿ يوم يتذكر الإنسان ما سعى ﴾ بدل من جملة ﴿ إذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ بدل اشتمال لأن ما أضيف إليه يوم هو من الأحوال التي يشتمل عليها زمن مجيء الطامة وهو يوم القيامة ويوم الحساب.
وتَذَكُّر الإِنسان ما سعاه: أن يوقَف على أعماله في كتابه لأن التذكر مطاوع ذكَّره.
والتذكر يقتضي سبق النسيان وهو انمحاء المعلوم من الحافظة.
والمعنى: يوم يُذَكَّر الإِنسان فيتذكر، أي يعرض عليه عمله فيعترف به إذ ليس المقصود من التذكر إلا أثره، وهو الجزاء فكني بالتذكر عن الجزاء قال تعالى: ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ﴾ [الإسراء: 14].
وتبريز الجحيم: إظهارها لأهلها.
وجيء بالفعل المضاعف لإِفادة إظهار الجحيم لأنه إظهار لأجل الإِرهاب.
والجحيم: جهنم.
ولذلك قرن فعله بتاء التأنيث لأن جهنم مؤنثة في الاستعمال، أو هو بتأويل النار، والجحيم كل نار عظيمة في حفرة عميقة.
وبنى فعل ﴿ بُرزت ﴾ للمجهول لعدم الغرض ببيان مُبَرّزها إذ الموعظة في الإِعلام بوقوع إِبرازها يومئذ.
و ﴿ لمن يرى ﴾ ، أي لكل راء، ففعلُ ﴿ يرى ﴾ منزّل منزلة اللازم لأن المقصود لمن له بصر، كقول البحتري: أنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَع وَاعِ والفاء في قوله: ﴿ فأما من طغى ﴾ رابطة لجواب (إذا) لأن جملة ﴿ من طغى ﴾ إلى آخرها جملة اسمية ليس فيها فعل يتعلق به (إذا) فلم يَكن بين (إذا) وبين جوابها ارتباط لفظي فلذلك تُجلب الفاء لربط الجواب في ظاهر اللفظ، وأما في المعنى فيعلم أن (إذا) ظرف يتعلق بمعنى الاستقرار الذي بين المبتدأ والخبر.
و (أمَّا) حرف تفصيل وشرط لأنها في معنى: مَهما يكن شيء.
والطغيان تقدم معناه آنفاً.
والمراد هنا: طغى على أمر الله، كما دل عليه قوله: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ .
وقُدّم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا فلما كان مسبباً عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي.
والإِيثار: تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل منهما.
ويعدّى فعل الإِيثار إلى اسم المأثور بتعدية الفعل إلى مفعوله، ويعدّى إلى المأثور عليه بحرف (على) قال تعالى حكاية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ [يوسف: 91]، وقد يترك ذكر المأثور عليه إذا كان ذكر المأثور يشير إليه كما إذا كان المأثور والمأثور عليه ضدين كما هنا لما هو شائع من المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة.
وقد يترك ذكر المأثور اكتفاء بذكر المأثور عليه إذا كان هو الأهم كقوله تعالى: ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ﴾ [الحشر: 9] لظهور أن المراد يؤثرون الفقراء.
والمراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها، أي التي لا تُشاركُها فيها حظوظُ الآخرة، فالكلام على حذف مضاف، تقديره: نعيم الحياة.
ويفهم من فعل الإِيثار أن معه نبْذاً لنعيم الآخرة.
ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة.
وملاك هذا الإِيثار هو الطغيان على أمر الله، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق ولكنهم يكرهون متابعته استكباراً عن أن يكونوا تبعاً للغير فتضيعَ سيادتهم.
وقد زاد هذا المفادَ بياناً قوله بعده: ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ الآية.
وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفيت الأخذُ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم، وهو مقام كثير من عِباد الله الصالحين حكاه الله تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون: ﴿ وابْتَعِ فيما آتاك اللَّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ [القصص: 77].
وقولُه: ﴿ من خاف مقام ربه ﴾ مقابل قوله: ﴿ من طغى ﴾ لأن الخوف ضد الطغيان وقوله: ﴿ نهى النفس عن الهوى ﴾ مقابل قوله: ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ .
ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي والهوى، فجعلت نفس الإِنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن هذه الدعوة، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد، يقولون: قالت له نفسه كذا فعصاها، ويقال: نهى قَلْبَه، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذيْنة: وإذا وجَدْت لها وسَاوس سَلْوة *** شفَع الفُؤاد إلى الضمير فسلها والمراد ب ﴿ الهوى ﴾ ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفعَ الكامل.
وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى: ﴿ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من اللَّه ﴾ [القصص: 50] أن ﴿ بغير هدى ﴾ حال فمؤكدة ليست تقييداً إذ لا يكون الهوى إلا بغير هدى.
وتعريف ﴿ الهوى ﴾ تعريف الجنس.
والتعريف في ﴿ المأوى ﴾ الأول والثاني تعريف العهد، أي مأوَى من طغى، ومأوى من خَاف مقام ربه، وهو تعريف مُغْننٍ عن ذكر ما يضاف إليه ﴿ مأوى ﴾ ومثله شائع في الكلام كما في قوله: غُضَّ الطرف، أي الطرف المعهود من الأمر، أي غض طرفك.
وقوله: واملأ السمعَ، أي سمعك وقوله تعالى: ﴿ وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال ﴾ [الأعراف: 46]، أي على أعراف الحجاب، ولذلك فتقدير الكلام عند نحاة البصرة المأوى له أو مأواه عند نحاة الكوفة، ويسمي نحاة الكوفة الألف واللام هذه عوضاً عن المضاف إليه وهي تسمية حسنة لوضوحها واختصارها، ويأبى ذلك البصريون، وهو خلاف ضئيل، إذ المعنى متفق عليه.
والمأوى: اسم مكان من أوَى، إذا رجع، فالمراد به: المقر والمسكن لأن المرء يذهب إلى قضاء شؤونه ثم يرجع إلى مسكنه.
و ﴿ مقام ربه ﴾ مجاز عن الجلال والمهابة وأصل المقام مكان القيام فكان أصله مكان ما يضاف هو إليه، ثم شاع إطلاقه على نفس ما يضاف إليه على طريقة الكناية بتعظيم المكان عن تعظيم صاحبه، مثل ألفاظ: جناب، وكَنَفَ، وذَرَى، قال تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [الرحمن: 46] وقال: ﴿ ذلك لمن خاف مقامي ﴾ [إبراهيم: 14] وذلك من قبيل الكناية المطلوب بها نسبة إلى المكنى عنه فإن خوف مقام الله مراد به خوف الله والمراد بالنسبة ما يَشمل التعلق بالمفعول.
وفي قوله: ﴿ يوم يتذكر الإنسان ما سعى ﴾ إلى قوله: ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ محسن الجمع مع التقسيم.
وتعريف ﴿ النفس ﴾ في قوله: ﴿ ونهى النفس ﴾ هو مثل التعريف في ﴿ المأوى ﴾ .
وفي تعريف «أصحاب الجحيم» و«أصحاب الجنة» بطريق الموصول إيماء إلى أن الصلتين عِلتان في استحقاق ذلك المأوى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا جاءَتِ الطّامَّةُ الكُبْرى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها السّاعَةُ طَمَّتْ كُلَّ داهِيَةٍ، والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ يُسَمّى الطّامَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها الطّامَّةُ الكُبْرى إذا سِيقَ أهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ إلى النّارِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ الوَلِيدِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.
وَفي مَعْنى ﴿ الطّامَّةُ ﴾ في اللُّغَةِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ: أحَدُها: الغاشِيَةُ.
الثّانِي: الغامِرَةُ.
الثّالِثُ: الهائِلَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى، لِأنَّها تَطُمُّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أيْ تُغَطِّيهِ.
﴿ وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو خَوْفُهُ في الدُّنْيا مِنَ اللَّهِ عِنْدَ مُواقَعَةِ الذَّنْبِ فَيُقْلِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: هو خَوْفُهُ في الآخِرَةِ مِن وُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسابِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ويَكُونُ مَعْنى: خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى، قالَ الكَلْبِيُّ: وزَجَرَ النَّفْسَ عَنِ المَعاصِي والمَحارِمِ.
﴿ فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى ﴾ أيِ المَنزِلُ، وذَكَرَ أنَّها نَزَلَتْ في مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ.
﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَتى زَمانُها، قالَهُ الرَّبِيعُ ﴿ فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فِيمَ يَسْألُكَ المُشْرِكُونَ يا مُحَمَّدُ عَنْها ولَسْتَ مِمَّنْ يَعْلَمُها، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فِيمَ تَسْألُ يا مُحَمَّدُ عَنْها ولَيْسَ لَكَ السُّؤالُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
﴿ إلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ﴾ يَعْنِي مُنْتَهى عِلْمِ السّاعَةِ: فَكَفَّ النَّبِيُّ عَنِ السُّؤالِ وقالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ إنِ اللَّهَ احْتَجَبَ بِخَمْسٍ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِنَّ مَلَكًا مُقَرَّبًا ولا نَبِيًّا مُرْسَلًا فَمَنِ ادَّعى عِلْمَهُنَّ فَقَدْ كَفَرَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿ إنَّما أنْتَ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ يَعْنِي القِيامَةَ.
﴿ كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ يَوْمَ يَرَوْنَ الآخِرَةَ.
﴿ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ في الدُّنْيا.
﴿ إلا عَشِيَّةً ﴾ وهي ما بَعْدُ الزَّوالِ.
﴿ أوْ ضُحاها ﴾ وهو ما قَبْلَ الزَّوالِ، لِأنَّ الدُّنْيا تَصاغَرَتْ عِنْدَهم وقَلَّتْ في أعْيُنِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ﴾
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: بناها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها بغير عمد ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: ابرزه ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ رفع سمكها ﴾ قال: رفع بنيانها ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: نور ضوئها ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: بسطها ﴿ والجبال أرساها ﴾ قال: أثبتها بها أن تميد بأهلها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: العشاء ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: الشمس.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ وأغطش ليلها ﴾ قال: أظلم ليلها ﴿ وأخرج ضحاها ﴾ قال: أخرج نهارها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: مع ذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلاً قال له: آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى فقال: إنما أتيت من قبل رأيك اقرأ ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [ فصلت: 9] حتى بلغ ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ [ فصّلت: 41] وقوله: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: خلق الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحا بعد ما خلق السماء، وإنما قوله: دحاها بسطها.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قال: دحيت من مكة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أخرج منها ماءها ﴾ قال: فجر منها الأنهار ﴿ ومرعاها ﴾ قال: ما خلق الله من نبات أو شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في ﴿ دحاها ﴾ قال: دحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق فيها الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ متاعاً لكم ﴾ قال: منفعة.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عليّ قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما قضى صلاته رفع رأسه فقال: تبارك رافعها ومدبرهاثم رمى ببصره إلى الأرض فقال: تبارك داحيها وخالقها» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: الطامة من أسماء يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن القاسم بن الوليد الهمذاني في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمرو بن قيس الكندي ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ قال: إذا قيل اذهبوا به إلى النار.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ قال: لمن ينظر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإذا جاءت الطامة ﴾ قال: إذا دفعوا إلى مالك خازن النار وفي قوله: ﴿ فأما من طغى ﴾ قال: عصى، وفي قوله: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ قال: حينها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ قال: الساعة.
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: متى تقوم الساعة استهزاء منهم، فنزلت ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ يعني متى مجيئها ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ ما أنت من علمها يا محمد ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ يعني منتهى علمها ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ يعني من يخشى القيامة ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ يعني يرون القيامة ﴿ لم يلبثوا ﴾ في الدنيا ولم ينعموا بشيء من نعيمها ﴿ إلا عشية ﴾ ما بين الظهر إلى غروب الشمس ﴿ أو ضحاها ﴾ ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل عليه ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فلم يسأل عنها.
وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عروة مرسلاً.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت ﴿ فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها ﴾ فكف عنها.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: «كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان فيهم فيقول: إن يعش هذا قرناً قامت عليكم ساعتكم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يدخل الجنة من يرجوها، وإنما يجتنب النار من يخشاها، وإنما يرحم الله من يرحم» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير في قوله: ﴿ إلى ربك منتهاها ﴾ قال: علمها، وفي قوله: ﴿ إلا عشية ﴾ قال: من الدنيا ﴿ أو ضحاها ﴾ قال: العشية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ كأنهم يوم يرونها ﴾ الآية قال: تدق الدنيا في أنفس القوم حين عاينوا أمر الآخرة.
قوله تعالى: ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴾ قال مقاتل: تكشفت عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق (١) وقال الكلبي: يراها كل ذي بصر (٢) وذكر عن ابن عباس (في رواية عطاء) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١) ورد قوله بمعناه في تفسيره: 228/ أ، كما ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 445، "زاد المسير" 8/ 117.
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) في (ع): يراها.
(٦) في (أ): روى.
(٧) في (ع): مععول.
(٨) مالك بن مِغْوَل البَجَليُّ، أبو عبد الله الكوفي، ابن عاصم بن غَربة بن حُرثة بن == جريج بن بجيلة، روى عن نافع مولى ابن عمر، روى عنه سفيان الثوري وغيره، ثقة.
مات سنة 157 هـ روى له الجماعة.
انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 314: ت: 1339، كتاب "الثقات" لابن حبان: 7/ 462، "تهذيب الكمال" 27/ 158: ت: 5753.
(٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).
(١٠) في (ع): القاسم.
(١١) القاسم بن الوليد الهمدانيُّ ثم الخِبْذعِيُّ، روى عن الشعبي، والباقر، وعنه ابنه الوليد، وأبو نعيم.
ثقة.
توفي سنة 141 هـ.
انظر: كتاب "التاريخ الكبير" 7/ 167: ت: 747، "تهذيب الكمال" 23/ 456 ت: 4833، "الكاشف" 2/ 339: ت: 4607.
(١٢) لم أعثر على مصدر لقوله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى ﴾ أي أُظهرت لكل من يرى، فهي لا تخفى على أحد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً ﴾ بالإدغام فيهما: أبو عمرو غير عباس ﴿ أئنا ﴾ ﴿ أئذا ﴾ كما مر في " الرعد " إلا ابن عامر فإنه وافق الكسائي ﴿ ناخرة ﴾ بالألف: حمزة وعلي غير نصير وعتيبة وخلف ورويس وعاصم غير المفضل وحفص و ﴿ طوى ﴾ كما مر في " طه " وكذا ما بعدها إلا حمزة وخلف في اختياره فإنهما يفتحان.
ومناه ﴿ تزكَّى ﴾ بتشديد الزاي: أبو جعفر ونافع وابن كثير وعباس ويعقوب ﴿ منذر من ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الآخرون: بالإضافة للتخفيف.
الوقوف ﴿ غرقاً ﴾ ه لا ﴿ نشطاً ﴾ ه لا ﴿ سبقاً ﴾ ه لا ﴿ أمراً ﴾ ه م لأن جواب القسم محذوف وهو ليبعثن ولأنه وصل لأوهم أن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ المدبرات ﴾ وليس كذلك لأن تدبير الملائكة قد انقضى وقتئذ بل عامل ﴿ يوم ﴾ تتبعها ﴿ الراجفة ﴾ ه لا ﴿ الرادفة ﴾ ه ط ﴿ واجفة ﴾ ه ط ﴿ خاشعة ﴾ ه م لتناهي وصف القيامة وابتداء حكاية قولهم في الدنيا ﴿ في الحافرة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ أئذا ﴾ مستفهماً ﴿ نخرة ﴾ ه ط ﴿ خاسرة ﴾ ه م لتناهي قولهم بالإنكار وابتداء أخبار الله ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ بالساهرة ﴾ ه ط ﴿ موسى ﴾ ه م لأن ﴿ إذ ناداه ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لا ذكر قاله السجاوندي.
ويحتمل عندي تعلقه بالحديث وإن لم يجز تعلقه بإتيان الحديث ﴿ طوى ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ اذهب ﴾ مفعول ﴿ ناداه ﴾ لأنه في معنى القول واحتمال أن يكون مفعول القول المحذوف ﴿ طغى ﴾ ه للآية مع اتفاق الجملتين والوصل أوجه للفاء ﴿ تزكى ﴾ ه لا للعطف ﴿ فتخشى ﴾ ط للآية وانتهاء الاستفهام مع العطف بفاء التعقيب ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لذلك إنما كان الوصل أوجه للفاء واتصال المقصود ﴿ وعصى ﴾ ه ﴿ يسعى ﴾ ه ﴿ فنادى ﴾ ه ﴿ الأعلى ﴾ ه والوصل ههنا ألزم للعبرة بتعجيل المؤاخذة ﴿ والأولى ﴾ ه ط ﴿ يخشى ﴾ ه ط لبتدل الكلام لفظاً ومعنى وابتداء الاستفهام ﴿ أم السماء ﴾ ه ط بناء على أن الجملة لا تقع صفة للمعرفة وتقدير حذف الموصول من ضيق العطن فاعرفه ﴿ بناها ﴾ ه لا ﴿ فسوّاها ﴾ ه لا ﴿ ضحاها ﴾ ه ص ﴿ دحاها ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده كالتفسير للدحو وهو تمهيدها لأجل السكنى، وجوز أن يكون ﴿ أخرج ﴾ حالاً بإضمار " قد " فلا وقف ﴿ مرعاها ﴾ ه ص ﴿ أرساها ﴾ ه ﴿ ولأنعامكم ﴾ ه ط ﴿ الكبرى ﴾ ه ز لأن ﴿ يوم ﴾ ظرف ﴿ جاءت ﴾ وعامل " إذا " مقدّر تقديره أي ترون أو كان ما كان، وجوز أن يكون ﴿ يوم ﴾ مفعول " اذكر " وعامل " إذا " مقدّر قبل يوم، ويجوز أن يكون مجموع الشرط والجزاء وهو قوله ﴿ فأما من طغى ﴾ إلى آخره جوابا لقوله ﴿ فإذا جاءت ﴾ .
﴿ سعى ﴾ ه ط ﴿ لمن يرى ﴾ ه ﴿ طغى ﴾ ه لا ﴿ الدنيا ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ط ﴿ الهوى ﴾ ه لا ﴿ المأوى ﴾ ه ط ﴿ مرساها ﴾ ط ﴿ ذكراها ﴾ ه ط ﴿ منتاها ﴾ ه ط ﴿ يخشاها ﴾ ه ط ﴿ ضحاها ﴾ ه.
التفسير: في الكلمات الخمس المذكورة في أول السورة وجوه على نسق ما سبق في المرسلات أحدها: أنها صفات طوائف الملائكة الذين ينزعون نفوس الكفرة من بني آدم غرقاً أي نزعاً بشدّة من أقاصي الأجساد من أناملها وأظفارها.
والغرق والإغراق في اللغة واحد يقال: نزع في القوس فأغرق أي بلغ غايته حتى انتهى إلى النصل، وبالذين يجذبون نفوس المؤمنين برفق ولين كما ينشط الدلو من البئر، وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فتدبر بإذن الله أمراً من أمور العباد أو جنس الأمر.
قال مقاتل: يعني بهذه الطوائف جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وأعوان كل منهم.
فجبريل موكل بالرياح والجنود، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، وإسرافيل بنفخ الصور، وملك الموت عزرائيل وأعوانه بقبض الأرواح.
قال الإمام فخر الدين الرازي: النازعات هم الذين نزعوا أنفسهم عن الصفات البشرية والأخلاق الذميمة من الشهوة والغضب والموت والهرم والسقم لأنهم جواهر روحانية مجردة، والناشطات إشارة إلى أن خروجهم من هذه الأحوال ليس على سبيل الكلفة والمشقة ولكنه بمقتضى الطبيعة والماهية، والسابحات هم الذين سبحوا في بحار جلال الله فسبق بعضهم بعضاً في ميدان العرفان وحلبة البرهان فدبروا أمر العالم العلوي والعالم السفلي بإذن مبدعهم المنّان.
أقول: ويمكن حمل هذه الأمور على مراتب النفس الإنسانية بمثل التقدير المذكور.
الوجه الثاني وهو قول الحسن البصري أنها النجوم وتلخيص ذلك على الوجه المطابق للغة والشريعة أنها تغرق شبه النزع من المشرق إلى المغرب بالحركة السريعة، وتنشط نشطاً أي تخرج من برج إلى برج من قولك " ثور ناشط " إذا خرج من بلد إلى بلد، وهذا بحركته البطيئة الثابتة.
وأما السابحات فهي السيارة كقوله ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾ ولأن سيرها المتفاوت يصير سبباً لسبق بعضها بعضاً، ويترتب على السبق الاتصالات والانصرافات ومعرفة الفصول والأوقات وتقدّم العلم بالكائنات بل العالم السفلي وتدبيراتها مناط بتلك الحركات بإذن خالق الأرض وفاطر السموات فلهذا أدخل الفاء في القرينتين الأخريين دون الأوليات.
الوجه الثالث أنها صفات خيل الغزاة تنزع في أعنتها نزعاً، تغرق الأعنة فيه لطول أعناقها لأنها عراب، وهى ناشطات تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، وهي سابحات تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الغلبة والظفر وتتسبب فيه.
الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم النازعات أيدي الغزاة وأنفسهم تنزع القسي بإعراق السهام، والناشطات السهام الخارجة من أيديهم أو قسيهم، والسابحات الخيل العاديات أو الإبل، والمدبرات بمعنى المعقبات لأنها تأتي في أدبار هذه الأفاعيل بأمر الغلبة والنصر.
قال جار الله: ﴿ يوم ترجف ﴾ منصوب بجواب القسم المحذوف وهو " لتبعثن ".
وقوله ﴿ تتبعها ﴾ حال.
ثم أورد على نفسه أن هذا يوجب أن يكون البعث عند النفخة الأولة وأجاب عنه بأنهم يبعثون في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان كما يقال " رأيته عام كذا " وإنما رؤيته في ساعة منها.
والراجفة الواقعة التي ترجف عندها الأرض والجبال وهي النفخة الأولى فهي من الإسناد المجازي.
والرادفة رجفة أخرى تتبع الأولى فتضطرب الأرض لإحياء الموتى كما اضطربت في الأولى لموت الأحياء، وقد ورد الخبر أن ما بين النفختين أربعون عاماً.
ويروى أنه يمطر الأرض في هذه الأربعين ويصير ذلك الماء عليها كالنطف فيكون سبباً في الإحياء ولله أن يفعل ما يشاء.
وقيل: الراجفة هي النفخة الأولى، والرادفة هي قيام الساعة من قوله ﴿ عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ﴾ وقيل: الراجفة الأرض والجبال من قوله ﴿ يوم ترجف الأرض والجبال ﴾ والرادفة السماء والكواكب لأنها تنفطر وتنتثر على أثر ذلك.
وقيل: الراجفة هي الأرض تتحرك وتتزلزل، والرادفة زلزلة ثانية تتبع الأولى حتى تنقطع الأرض وتفنى.
قال أبو مسلم بناء على تفسيره الذي روينا عنه إن كلاً من الراجفة والرادفة هي خيل المشركين وأريد بهما طائفتان من المشركين حاربوا رسول الله فتبعت إحداهما الأخرى.
والقلوب الواجفة أي القلقة، والأبصار الخاشعة هي أبصار المنافقين على الأقوال القلوب الموصوفة مبتدأ.
وقوله ﴿ أبصارها خاشعة ﴾ خبره وفي الكلام إضمار أي أصحابها خاشعة بدليل قوله ﴿ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة ﴾ أي الحالة الأولى وهي الحياة وأصله من قولهم " رجع فلان في حافرته " أي طريقه التي جاء فيها، جعل أثر قدميه حفراً فالطريق في الحقيقة محفورة إلا أنها سميت حافرة على الإسناد المجازي أو على وتيرة النسبة أي ذات حفر كما قلنا في " عيشة راضية " ونحوه ﴿ كرة خاسرة ﴾ كما يجيء.
ثم زادوا في الإنكار مع إشارة إلى وجه الإحالة قائلين ﴿ أئذا كنا عظاماً نخرة ﴾ نردّ أو نبعث.
يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر مثل حذر وحاذر وهو الأجوف البالي الذي تمر فيه الريح فيسمع له نخر وهما لغتان فصيحتان، لأن النخر وإن كان أبلغ في المعنى إلا أن الناخرة بالألف أشبه بأخواتها من رؤوس الآي.
ثم أخبر أنهم قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ تلك ﴾ الكرة ﴿ إذا ﴾ أي إذا نحشر ونردّ ونرجع ﴿ كرة خاسرة ﴾ رجعة ذات خسران لأنا كذبنا بها.
ثم أفحمهم بقوله ﴿ فإنما هي زجرة ﴾ أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله فما هي إلا صيحة ﴿ واحدة ﴾ يقال: زجر البعير إذا صاح عليه وهي صيحة إسرافيل في النفخة الثانية.
يروى أنه يحييهم في بطون الأرض فيسمعونها فيقومون.
والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن ساكنها لا ينام خوف الهلاك، أو لأن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة أي جارية.
والأظهر أنها أرض الآخرة.
وقيل: هي أرض الدنيا ثم ذكرهم بقصة موسى لأنه أبهر الأنبياء المتقدّمين معجزة وفيها تسلية للنبي لأن فرعون كان أكثر جمعاً وأشدّ قوة من كفار قريش.
والوادي المقدّس المبارك المطهر، وطوى اسم واد بالشأم عند الطور وقد مر في " طه ".
قوله ﴿ هل لك ﴾ الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف أي هل لك حاجة أو ميل أو التفات ونحو ذلك، وهذه كلمة جامعة لمواجب التكاليف لأن الملكف لا يصير زاكياً إلا بالتخلية عن كل ما لا ينبغي، ويجوز أن يكون التزكي إشارة إلى تطهير النفس الفاسدة.
قوله ﴿ وأهديك ﴾ إشارة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة أقلها وأفضلها التوحيد المرتب على الخشية التي منها تنشأ جوامع الخيرات ولهذا قال النبي " من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل" وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله فمن عرفه لم يقدر أن يعصيه طرفه عين.
ثم ههنا إضمار كأنه قال: فذهب موسى إلى فرعون فقال له ما أمر به فلم يصدقه فرعون وجحد نبوته ﴿ فأراه ﴾ وفي ابتداء المخاطبة بالاستفهام الذي معناه العرض من التلطف والمداراة ما لايخفى فهو كقوله ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ والآية الكبرى العصا أو اليد أو هما كما مر في " طه " ﴿ فكذب ﴾ بالقلب واللسان إذ نسب المعجز إلى السحر ﴿ وعصى ﴾ بإظهار التمرد الطغيان ﴿ ثم أدبر ﴾ خوفاً من الثعبان ﴿ يسعى ﴾ هارباً أو يتحيل في دفع موسى أو تولى عن موسى إظهاراً للجحود.
وجوز أن يكون ﴿ أدبر ﴾ موضوعاً مكان " أقبل" مكان يقال: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى طفق يفعل فكنى عن الإقبال بالإدبار إظهاراً للسخط ولقصد التفاؤل عليه.
ومعنى الفاء في ﴿ فكذب ﴾ أنه لم يلبث عقيب رؤية الآية الكبرى أن بادرها بنقيض مقتضاها لفرط عتوّه ورسوخ تفرعنه.
ومعنى " ثم " في ﴿ ثم أدبر ﴾ تراخي الرتبة فإن الهرب من الحية مع ادعاء الربوبية مما لا يجتمعان وكذا السعاية والمكيدة بين الناس ﴿ فحشر ﴾ جنوده للتشاور أو لجمع السحرة ﴿ فنادى ﴾ في المقام الذي اجتمعوا فيه معه أو أمر منادياً.
وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ما قال.
وانتصب ﴿ نكال الآخرة ﴾ على أنه مصدر مؤكد كأنه قيل: نكل الله به نكالاً وهو مصدر كالتنكيل مثل السلام والتسليم.
قال الحسن وقتادة: عذاب الآخرة الإحراق وعذاب الأولى الإغراق.
وقيل: الآخرة والأولى صفتان لكلمتي فرعون.
ثم اختلفوا فعن مجاهد والشعبي وسعيد بن جبير ومقاتل ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس أن كلمته الأولى ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ والثانية ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وبينهما أربعون سنة أو عشرون، وفيه دليل على أنه يمهل ولا يهمل.
وذكر قوم واستحسنه القفال أن كلمته الأولى تكذيب موسى حين أراه الآية، والأخرى هي قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ وقد يدور في الخلد أن كلمته الأولى هي قوله ﴿ أنا ربكم ﴾ والآخرة وصفه بالأعلى فإنه لو اقتصرعلى الأولى لم يكن كفراً بدليل قول يوسف ﴿ ارجع إلى ربك ﴾ ﴿ إنه ربي أحسن مثواي ﴾ لكنه لما وصفه بالأعلى صار كفراً فأخذه بالأولى والآخرة.
قال الإمم فخر الدين الرازي: إن العاقل لا يشك في نفسه أنه ليس خالق السموات والأرض وما بينهما، فالوجه أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً للصانع والحشر والجزاء وكان يقول ليس لأحد عليكم أمر ولا نهي سواي فأنا ربكم بمعنى مربيكم والمحسن إليكم.
وأقول: كما أن نسبة الإنسان خلق العالم إلى نفسه يوجب الحكم عليه بالجنون وسخافة العقل فالقول بنفي الصانع ونسبة وجود الأشياء إلى ذواتها مع تغيرها في أنفسها يوجب الحكم عليه بعدم العقل فما الفرق بين الأمرين؟
وأيّ استبعاد في ذلك وقد قال الله ﴿ إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى ﴾ وسكر الدنيا أشدّ من سكر الخمر فإن الثمل من الخمر يرجى صحوه والثمل من شراب حب المال والجاه الطافح من خيال الرياسة لا ترجى إفاقته.
ثم ختم القصة بقوله ﴿ إن في ذلك ﴾ الحديث أو النكال وهو في العرف يقع على ما يفتضح به صاحبه ويعتبر به المعتبر ﴿ لعبرة لمن يخشى ﴾ أي يكون من أهل الخشية لا القسوة.
ثم خاطب منكري البعث بقوله ﴿ أأنتم أشدّ ﴾ أي أصعب ﴿ خلقاً أم السماء ﴾ فنبههم على أمر معلوم بالمشاهدة وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.
وإذا كان الله قادراً على إنشاء العالم الأكبر يكون على خلق العالم الأصغر بل على إعادته أقدر.
ثم أشار إلى كيفية خلق السماء فقال ﴿ بناها ﴾ وفيه تصوير للأمر المعقول وهو الإبداع والاختراع بالأمر المحسوس وهو البناء.
ثم ذكر هيئة البناء فقال ﴿ رفع سمكها ﴾ وهو الامتداد القائم على كل من امتدادي الطول والعرض.
فإذا اعتبر من السفل إلى العلو يسمى سمكاً، وإذا اعتبر بالعكس يسمى عمقاً.
وذكر أهل التفسير أن ما بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام.
ولأهل الهيئة طريقة أخرى قد برهنوا عليها في كتبهم.
قوله ﴿ فسوّاها ﴾ زعم أصحاب الهيئة أن المراد بهذه التسوية جعلها كرية ولا ضرر في الدين من هذا الاعتقاد.
وحملها المفسرون على تمام التأليف أو على نفي الفطور عنها.
وأقول: من الجائز أن يراد بها جعلها طبقات مرتبة كقوله ﴿ فسوّاهن سبع سموات ﴾ الغطش الظلمة يقال: غطش الليل وأغطشه الله.
ويقال: أغطش الليل أيضاً مثل أضاء وأظلم.
وعبر بالضحى عن النهار لأن الضحى أكمل أجزائه في النور والضوء.
وإنما أضاف الليل والنهار إلى السماء لأنهما بسبب غروب الشمس وطلوعها الحادثين بسبب حركة الفلك قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قد مر تفسير الدحو في أول سورة " البقرة " وأن بعدية دحو الأرض لا تنافي تقدّم خلق الأرض على السماء في قوله ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ قال أهل اللغة: دحوت أدحو ودحيت أدحى لغتان في حديث عليّ: اللهم داحي المدحيات أي باسط الأرضين السبع.
وقد يروى عن ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جريج أن قوله ﴿ بعد ذلك ﴾ يعنى مع ذلك كقوله ﴿ فك رقبة ﴾ إلى قوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ أي كان مع هذا من أهل الإيمان بالله.
ونصب ﴿ الأرض ﴾ ﴿ والجبال ﴾ فيما يجيء بإضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.
قال المفسرون: أراد بالمرعى جميع ما يأكله الناس والأنعام فيكون الرعي مستعاراً للإنسان ولهذا قال ﴿ متاعاً ﴾ أي فعل كل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم.
حين فرغ من دلائل القدرة على البعث رتب عليه شرح يوم القيامة.
والطامة الداهية التي لا تطاق من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في المشي والجري فإذا وصفت بالكبرى كانت في غاية الفظاعة ونهاية الشدّة، وفي أمثالهم " جرى الوادي فطم على القري " وهو مفرد وجمعه أقرية وقريان وهي الجداول والأنهار.
وأصل الطم الدفن والغلب فكل ما غلب شيئاً وقهره وأخفاه فقد طمه.
وقيل: الطامة النفخة الثانية عن الحسن.
وقيل: هي الساعة التي يساق بها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.
قال جار الله: ﴿ يوم يتذكر ﴾ بدل من ﴿ إذا جاءت ﴾ لأنه إذا رأى أعماله مدوّنة مكتوبة تذكرها وكان قد نسيها.
قوله ﴿ وبرزت الجحيم لمن يرى ﴾ كقولهم " قد بين الصبح لذي عينين " وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد فعلى هذا يكون استعارة ولا يجب أن يراها كل أحد لأن الإخبار إنما وقع عن كونها بحيث لا تخفى على ذي بصر لا عن وقوع البصر.
وقيل: إنها برزت الجحيم ليراها كل من له بصر وعلى هذا يجب أن يراها كل أحد إلا أن المؤمنين يمرون عليها كالبرق الخاطف، وأما الكافرون فيقعون فيها فكأنها برزت لأجلهم فقط، وبهذا الاعتبار قال في موضع آخر.
﴿ وبرّزت الجحيم للغاوين ﴾ وقوله ﴿ طغى ﴾ إشارة إلى فساد القوى النظرية فإن من عرف الله بالكمال عرف نفسه بالنقصان فلم يصدر عنه الطغيان.
قوله ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ رمز إلى اختلال القوّة العملية فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة.
واللام في ﴿ المأوى ﴾ للعهد الذهني أي مأواه اللائق به ولهذا استغنى عن العائد ولا حاجة إلى تكلف أن الألف، واللام بدل من الإضافة.
قوله ﴿ خاف مقام ربه ﴾ نقيض طغى.
قوله ﴿ ونهى النفس ﴾ الأمارة ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ فهذا الشخص إذا كامل في قوّته النظرية والعملية.
وتفسير ﴿ خاف مقام ربه ﴾ قد مر في سورة الرحمن.
﴿ ونهى النفس ﴾ ضبطها وتوطينها على متاعب التكاليف من الأفعال والتروك.
ثم إن المشركين كانوا يسمعون النبي يذكر الطامة والحاقة وغيرهما من أسماء القيامة فيسألون ﴿ أيان مرساها ﴾ أي زمان إرسائها وهو إقامة الله إياها وقد مر في آخر " الأعراف ".
وعن عائشة ا لم يزل رسول الله يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت.
وقوله ﴿ فيم أنت ﴾ على هذا تعجب من كثرة ذكره لها كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها حرصاً على جوابهم إلى ربك منتهى علمها لم يؤته أحداً من خلقه.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ من تتمة السؤال أي يسألونك فيم أنت من العلم بها.
ويحتمل أن يكون فيم إنكار سؤالهم أي فيم هذا السؤال.
ثم قيل: أنت من ذكراها أي إرسالك وأنت آخر الرسل وخاتم الأنبياء ذكر من أذكارها وعلامة من علاماتها فلا حاجة إلى الاستفهام عن وقتها بعد العلم باقترابها، فإن هذا القدر من العلم يكفي في وجوب الاستعداد لها بل لا يتم الغرض من التكليف إلا بإخفاء وقته كالموت ﴿ إنما أنت منذر ﴾ لا تتعداه إلى العلم بالغيب الذي العلم بالساعة جزئي منه.
وخص الإنذار بأهل الخشية لأنهم المنتفعون بذلك.
ثم أخبر أنهم حين يرون الساعة يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا.
وقيل: في القبور.
روى عطاء عن ابن عباس أن الهاء والألف صلة والمعنى لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى.
وقال النحويون: فيه إضمار والتقدير إلا عشية أو ضحى يوم تلك العشية على أن الإضافة في ﴿ ضحاها ﴾ يكفي فيها أدنى ملابسة وهو ههنا إجتماعهما في نهار واحد.
قال صاحب الكشاف: فائدة الإضافة الدلالة على أن مدة لبثهم كانها لم تبلغ يوماً كاملاً.
قلت: سلمنا أن هذه الفائدة مفهومة من عبارة القرآن إلا أنها تحصل أيضاً بتقدير عدم الإضافة كما لا يخفى فلا يصح أن تسند الفائدة إلى الإضافة وحدها.
فالوجه أن يقال: فائدة الإضافة أن يعلم أن مجموع الدنيا في ظنهم كيوم واحد وزمان لبثهم في الدنيا كساعة منه عشية أو ضحاها نظيره قول القائل " ما سرت إلا عشية أو ضحى " فإنه لا يفهم منه إلا السير في بعض يوم مّا، وقد تكون العشية من يوم والضحى من يوم آخر.
ولو قال " إلا عشية أو ضحاها " لم يمكن أن يكون السير إلا في أحد هذين الوقتين من يوم واحد.
قال بعضهم: فائدة الترديد أن زمان المحنة يعبر عنه بالعشية وزمان الراحة يعبر عنه بالضحى فكأنه قيل: ما كان عمرنا في الدنيا إلا هاتين الساعتين.
أقول: ويحتمل أن يقال إن مبدأ اليوم بليلته كان قبل شرعنا في أكثر الأديان من نصف النهار وقد صار المبدأ في شرعنا من أول الفجر وكأنهم حين أرادو التعبير عن بعض اليوم.
قالوا: إن كان المبدأ من نصف النهار فنحن لم نلبث إلا عشية وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وإن كان المبدأ من أول الفجر فلم نلبث إلا من الفجر إلى الضحى فلعل هذا هو السر في تقديم العشية على الضحى مع رعاية الفاصلة والله أعلم بأسرار كلامه.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ قال: الطامة: هي الصيحة، سميت: طامة؛ لأنها تطم الأشياء وتعمها، وسميت: كبرى؛ لأنها إن طمعت بالعذاب فهو يدوم ولا ينقطع، وإن أحاطت بالثواب والكرامة فهو يدوم ولا ينطقع؛ فسميت: كبرى؛ لدوامها.
وقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ ﴾ : ما عمل، وتذكره يكون بوجهين: أحدهما: بقراءته كتابه؛ [كقوله ]: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ والتذكر الثاني يكون بالجزاء.
فالتذكر الأول يكون باللطف من الله ، وإلا فالمرء قد يكتب أشياء، ثم ينساها إذا طالت المدة، ولا يتذكر بالقراءة، ففيما لم يتول كتابته أحق ألا يتذكر، لكن الله - - بلطفه يذكره بالقراءة؛ فيعرف به صدق ما كتبته الملائكة، ويعرف أنه إذا عوقب، عوقب جزاء ما كسبته يداه، ويكون الجزاء أبلغ في التذكير؛ فيتذكر في ذلك الوقت، أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴾ وقرئ (لمن ترى) فتضيف الرؤية إلى الجحيم؛ كقوله: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِمَن يَرَىٰ ﴾ جائز أن يتكون الرؤية كناية عن الدخول؛ فيكون قوله: ﴿ لِمَن يَرَىٰ ﴾ أي: لمن يدخلها ويحضرها، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، ومعناه: أن رحمة الله للمحسنين، وقال : ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ ، وأريد بالقرب: التناول؛ فكنى عنه بالقرب؛ فجائز أن تكون الرؤية هاهنا كناية عن الدخول والحضور؛ فيكون فيه إخبار عن إحاطة العذاب بجميع أبدانهم.
وجائز أن يكون أهل الرؤية هم أهل الجنة، فيرونها مشاهدة؛ فيتلذذون بذلك لما نجوا وفازوا بالنعيم، كما تألموا بذكرها عندما كانت غائبة لا يرونه؛ قال الله : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 60\]، وقالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيۤ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا...
﴾ الآية [الطور: 26-27].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴾ ، أي: عصى، وتمرد.
أو طغى بأنعم الله - - فاستعملها في معاصيه، أو جاوز حدود الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ جائز أن يكون إيثاره أن يبتغي بمحاسنه الحياة الدنيا حتى أنساه ذلك عن الآخرة، وإذا ابتغى بها الحياة الدنيا، لم يبق له في الآخرة نصيب؛ لأنه قد وفى له عمله؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ ، أي: يأوي إليها.
وقوله - -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالمقام حساب ربه أو مقامه عند ربه، فأضيف إلى الله ؛ لأن البعث مضاف إليه، فكل أحواله أضيف إليه أيضا.
وجائز أن يكون الخوف راجعا إلى الحالة التي هو فيها؛ فيخاف أن يكون مقامه في موضع نَهَى الله عن المقام فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ، ليس هذا نهيَ قول، وإنما نهيه إياها أن يكفها عن شهواتها ولذاتها، وكفها أن يشعرها عذاب الآخرة، ويخوفها آلامها وعقابها، فإذا فعل ذلك سهل عليها ترك الشهوات الحاضرة، وسهل عليها العمل للآخرة، والناس في نهي النفس عن هواها على ضربين.
فمنهم من يقهرها فلا يعطيها شهواتها، فهو أبدا في جهد وعناء.
ومنهم من يذكرها العواقب ويريها ما أعد لأهل الطاعة، ويعلمها ما يحل بالظلمة؛ فيصير ذلك لها كالعيان؛ فتختار لَذَّات الآخرة على لذات الدنيا؛ إذ ذلك أدوم وألذ، ويسهل عليه العمل للآخرة، والهوى هو ميل النفس إلى شهواتها ولذتها؛ ففيه أن الأنفس جبلت على حب الشهوات والميل إ ليها، ولا تنتهي عن ذلك إلا بما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : هي القيامة، سميت: ساعة؛ لما يخف أمرها على من إليه تدبيرها.
أو سميت: ساعة؛ لسرعة كونها إذا أتى وقتها.
أو سميت: لقربها إلى الحالة التي كانوا عيها؛ كقوله : ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ .
ثم إن كان هذا السؤال من المؤمنين فهو سؤال استهداء، كأنه لما قيل لهم: ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ ، و ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ﴾ ، قالوا: متى تكون الساعة؟
فنزلت هذه الآية.
وجائز أن يكون السؤال من الكفرة؛ لما ذكرنا أنه ليس في تبيين وقتها كثير منفعة حتى تقع الحاجة للمسلمين إلى تبيينه بالسؤال؛ فيسألونه سؤال استهزاء واستخفاف برسول الله ، ويسألونه استعجالها بقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا ﴾ ؛ فكانوا يسألونه عن شيء يعلمون أنهم متعنتون في السؤال؛ قصدا منهم للتمويه والتلبيس على الضعفة والأتباع؛ لأنهم كانوا يعلمون أن ذلك الوقت ليس هو وقت مجيء الساعة، فإذا طلبوا الاستعجال علما أنه لا يتهيأ له أن يريهم في ذلك الوقت؛ إذ ذلك يخرج مخرج خلاف الوعيد؛ فيحتجون عل الضعفة أنه لو كان صادقا في مقالته: إن الساعة تكون، لكانوا متى طلبوا مجيئها، يأتيهم بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَٰهَا ﴾ ، أي: لست أنت من علمها في شيء.
هذا إن ثبت أن رسول الله لم يطلع عليها [أو لست أنت من أخبرها في شيء؛ إذا لم يثبت، ولم يعلم أن رسول الله لم يطلع عليها].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَٰهَآ ﴾ ، أي: منتهى علمها؛ فيكون هذا نهياً للسائلين عن العود إلى السؤال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَٰهَا ﴾ فهو كان منذرا للعاملين جملة بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، لكنه ينتفع بإنذاره من يخشى الإنذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَٰهَا ﴾ قال أهل التأويل في هذه الآية: إنهم إذا رأوا الساعة، استقصروا هذه الأيام، وقلت الدنيا في قلوبهم حين عاينوا الآخرة.
وجائز أن يكون تأويله: أنهم لو أرادوا الساعة للحالة التي هم فيها، لم يلبثوا فيها إلا عيشة أو ضحاها، فلا يقع ذلك موقع التهويل والتخويف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب].
وجيء بجهنم وأظْهِرت عيانًا لمن يبصرها.
<div class="verse-tafsir" id="91.LZLdR"
(والنازعات إلخ) جاء في الكتاب العزيز ضروب من القسم بالأزمنة والأمكنة والأشياء.
والقسم إنما يكون بشيء يخشى المقسم إذا حنث في حلفه به أن يقع تحت المؤاخذة -نعوذ باللَّه أن يتوهم شيء من هذا في جانب اللَّه- وما كان اللَّه جل شأنه ليحتاج في تأكيد إخباره إلى القسم بما هو صنع قدرته، فليس لشيء في الوجود قدر إذا نسب إلى قدره الذي لا يقدره القادرون، بل لا وجود لكائن إذا قيس إلى وجوده إلا لأنه انبسط عليه شعاع من أشعة ظهوره جل شأنه.
ولهذا قد يسأل السائل عن هذا النوع من تأكيد الخبر الذي اختص به القرآن، وكيف يوجد في كلام اللَّه؟
فيجاب بأنك إذا رجعت إلى جميع ما أقسم اللَّه به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة اللَّه في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قرر اللَّه شأنه عليه، فيقسم اللَّه به إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحقره، أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم أو خانه الفهم.
فمما أقسم اللَّه به يوم القيامة أو القرآن مثلًا، ذلك لتقرير أن الأول واقع لا مفر منه، وأن الثاني كلام اللَّه الحق الذي لا ريب فيه، ثم يكون في ذلك تعظيم كليهما: الأول لما يكون فيه من سعادة وشقاء، والثاني لما فيه من الهداية والشفاء لما يعرو النفوس من الأدواء.
ومن ذلك النجوم: قوم يحقرونها لأنها من جملة عالم المادة، ويغفلون عن حكمة اللَّه فيها وما ناط بها من المصالح، وآخرون يعتقدونها آلهة تتصرف في الأكوان السفلية تصرف الرب في المربوب، فيقسم اللَّه بها موصوفة بأوصاف تدل على أنها من المخلوقات التي تصرفها القدرة الإلهية وليس فيها شيء من صفات الألوهية، كما تراه في مفتتح هذه السورة وفي سورة إذا الشمس كورت، ثم تشير إلى ما نيط بها من المصالح كما سيرد عليك.
وسترى فيما يساق إليك من هذا التفسير في السور الآتية ما يرشدك إلى تفصيل ما أجملناه هنا.
وهناك أمر يجب التنبيه عليه، وهو أن من الأديان السابقة على دين الإسلام ما ظن أهله أن هذا الكون الجسماني وما فيه من نور وظلمة وأجرام وأعراض إنما هو كون مادي لم يشأ اللَّه خلقه إلا ليكون حبسًا للأنفس وفتنة للأرواح، فمن طلب رضا اللَّه فليعرض عنه، وليبعد عن طيباته، وليأخذ بدنه بضروب الإعنات التعذيب وأصناف الحرمان، وليغمض عينيه عن النظر إلى شيء مما يشتمل عليه هذا الكون الفاسد في زعمه، اللهم إلا على نية مقته والهروب منه.
فأقسم اللَّه بكثير من هذه الكائنات ليبين مقدار عنايته بها، وأنه لا يغضبه من عباده أن يتمتعوا بما متعهم به منها متى أدركوا حكمة اللَّه في ذلك المتاع ووقفوا عند حدوده في الانتفاع.
وقد افتتح اللَّه هذه السورة بأن أقسم ببعض مخلوقاته إظهارًا لعظم شأنها، واتقان نظامها، وغزارة فوائدها، وأنها مسخرة له، خاضعة لأمره، لَيَقعنَّ ما يوعدون، مما ذكر في السورة السابقة وما يذكر في هذه لسورة، في يوم تعظم فيه الأهوال، وتضطرب فيه القلوب وتخشع الأبصار، ويعجب فيه المبعوثون من عَوْدِهم إلى حياتهم الأولى بعد أن كانوا عظامًا نخرة بالية تمر فيها الرياح، ويتحققون حينئذ خَسارهم بما أنكروا في هذه الدنيا معادهم، فيجابون على تعجبهم هذا بأن لا تحسبوا تلك الكَرَّة إلى الحياة صعبة على اللَّه، فما الأمر عنده إلا صيحة واحدة فإذا الناس أحياء ظاهرون في أرض المعاد.
(النازعات) من نزع عن القوس رمى عنها.
و(الغرق) هو الإغراق في النزع، أي الإتيان على الغاية منه.
والنازعات غرقًا هي الكواكب تنزع عن قسي دوائرها ما نراه شهبًا ساقطة.
و(الناشطات نشطًا) من نشط ينشط إذا خرج من بلد إلى بلد، وهي الكواكب تفارق مداراتها وتنقلب من برج إلى برج فتختلف أقاليمها.
وهي (السابحات سبحًا)، تتحرك في الهواء، وتسير في الجواء سيرًا سريعًا، وهي السيارات من كواكب وأقمار.
وهي (السابقات) في سبحها، فتتم دورتها حول ما تدور عليه في مدة أسرع مما يتمم غيرها: كالقمر يتمم دورته في شهر قمري، وكالأرض تتم دورتها في سنة شمسية ونحو ذلك من السيارات ومنها ما لا يتمم دورته إلا في سنين، لكن السابقات هي التي انفردت بتدبير بعض الأمور الكونية في عالمنا الأرضي، كما قال (فالمدابرات أمرًا)، وليس التدبير إلا ظهور الأثر، فسبْق القمر عَلَّمنا حساب شهوره، وله من الأثر في السحاب والمطر، وفي البحر من المد والجزر، ولضيائه أيام امتلائه من الفوائد في تصريف منافع الناس والحيوان ما لا يخفى على ذي بصيرة.
وسَبْق الشمس في أبراجها -على ما يرى للناظر- عَلَّمنا حساب شهورها، وسَبْقها إلى تتميم دورتها السنوية، علمنا حساب السنين من جهة، وخالف بين فصول السنة من جهة أخرى.
واختلاف الفصول من أسباب حياة النبات والحيوان، ونسبة التدبير إليها لأنها أسباب ما نستفيده منها.
والمدبر الحكيم هو اللَّه جل شأنه.
(الراجفة) الأرض بمن عليها و(الرادفة) السماء وما فيها، تردفها أي تتبعها فتنشق وتنتشر كواكبها.
(الواجفة) شديد الاضطراب.
(أبصارها خاشعة) أي ذليلة، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأربابها، فهي كناية عنهم.
(الحافرة) الحالة الأولى، أي الحياة بعد الموت ظنوها حياتهم الأولى.
يقال رجع فلان في حافرته أي في طريقه التي جاء فيها.
و(النخرة) البالية الجوفاء التي تمر فيها الرياح و(الكرة) الواحدة من الكر، أي الرجوع، و(الخاسرة) التي يخسر أربابها ولا يربحون.
و(الزجرة) الصيحة يراد بها النفخة الثانية يبعث بها الأموات.
و(الساهرة) الأرض البيضاء، سميت بذلك لأن السراب يجري فيها، من قولهم عين ساهرة أي جارية الماء لا ينقطع جريانه منها.
(هل أتاك إلخ) يريد اللَّه أن يُذَكِّر نبيه بدعوة موسى لفرعون، وأمر اللَّه لنبيه موسى بالتلطف في القول واللين في الدعوة إلى الحق، موافاة للحكمة، وإقامة للحجة في الموعظة، ثم بما كان من عاقبة الدعوة، وعصيان فرعون، واستنكافه عن قبولها، وأخذ اللَّه له، وتنكيله به في الدنيا والآخرة حيث أغرقه، وفي الآخرة سيحرقه.
وفي ذلك تسلية له ووعد له بالفوز كما فاز موسى.
وفيه وعيد شديد لأولئك الذين كانوا يكذبون ما جاء به من التوحيد ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وإنذارهم لهم بأن من أهلك فرعون في عتوه وجبروته قادر على إهلاكهم.
(الوادي المقدس) واد في أسفل جبل طور سيناء من برية الشام.
و(طوى) إما اسم لذلك الوادي، أو هو بمعنى مرتين، أي الوادي الذي قدس مرة بعد أخرى.
و(طغى) جاوز الحد في العدوان على رعيته من بني إسرائيل، وغلا في الكبر والعظمة حتى ظن أنه مظهر الألوهية.
هل لك إلى كذا؟
أي: هل ترغب فيه؟
ويقال: هل لك في كذا؟
وهل لك إلى كذا؟
بمعنى: هل ترغب فيه وترغب إليه؟
و(تزكى) أي تتزكى وتطهر من الشرك وما يتبعه من رذائل الأخلاق، وهو استفهام يقصد به العرض والطلب، وهو أفضل أنواعه وأوفقها باللطف والأدب و(أهديك) أي: هل تحب أن أدلك على ربك فتؤمن به؟
ومتى آمنت خفته وخشيته، فإن خشية اللَّه إنما تكون من العلم.
قال: إنما يخشى اللَّه من عباده.
ومن خشي اللَّه أتَّقاه، ومن أتقاه أمِن عقابه.
(فأراه الآية الكبرى) أي لما لم يقنع بالدليل القولي أظهر له آية ودليلًا يراه بعينه، وهو انقلاب العصا حية، ومع ذلك كذب الداعي وعصى سلطان البرهان.
(ثم أدبر) أي ترك موسى وانقلب (يسعى) في مكايدته (فحشر) أي جمع سحرته وأعوانه وقام فيهم يقول أنا ربكم الأعلى، فلا سلطان يعلو سلطاني.
ولم يزل في عتوه حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر عند خروجهم من مصر، فأغرقه اللَّه في البحر هو وجنوده، وهو معنى قوله (فأخذه اللَّه نكال الآخرة والأولى) أي أن أخذ اللَّه لم يكن قاصرًا على الإغراق في البحر، بل نكل به وعذبه عذاب الآخرة: وهي يوم القيامة، والأولى: وهي هذه الدنيا.
(إن في ذلك لعبرة) أي موعظة (لمن يخشى) أي يخاف، أي لمن له عقل يتدبر به عواقب الأمور ومصائرها، فينظر في حوادث الماضين وأحوال الحاضرين ويتعظ به.
(أأنتم أشد خلقًا) عود إلى خطاب أولئك المكذبين المغرورين لتقريعهم وتسفيه أحلامهم في استبعاد ما يوعدون به من البعث وما يتبعه، أو استبطاء أخذ اللَّه لهم في هذه الدنيا، مع أنه هو الذي أنشأهم وخلقهم أول مرة.
فإن كانوا قد غفلوا عن أنه هو خالقهم فلينظروا إلى السماء وإلى الأرض، ليعلموا أن من خلقهما وأنشأهما لا يصعب عليه خلقهم، ولا يسعهم إنكار أن خالق السماء والأرض هو اللَّه، فكيف ينكرون أنه خالقهم وأنه القادر على إعادتهم كما بدأهم؟
(أشد خلقًا) أصعب إنشاء.
(بناها) بيان لكيفية خلقة السماء.
والبناء ضم الأجزاء المتفرقة بعضها إلى بعض مع ربطها بما يمسكها حتى يكون عنها بنية واحدة.
وهكذا صنع اللَّه بالكواكب: وضع كلًا منها على نسبة من الآخر مع ما يمسك كلًا في مداره حتى كان عنها عالم واحد في النظر سمي باسم واحد وهو السماء التي تعلونا، وهو معنى قوله (رفع سمكها فسواها) والسمك قامة كل شيء، فقد رفع أجرامها فوق رؤوسنا (فسواها) عدلها بوضع كل جرم في موضعه.
(أغطش الليل) أظلمه.
وغطش الليل أظلم، ونسبة الليل إلى السماء لأنه يكون بمغيب كواكبها.
و(ضحاها) نورها وضوء شمسها.
قال تعالى: والشمس وضحاها أي ضوؤها.
وتعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول التابع لحركة بعض السيارات يهيئ الأرض للسكنى، وهو معنى قوله: (والأرض بعد ذلك) تسوية السماء على الوجه السابق وإبراز الأضواء.
(دحاها) أي مهدها وجعلها قابلة للسكنى، وذلك بأن (أخرج منها ماءها) بتفجير الينابيع والعيون والأنهار، (ومرعاها) أي رعيها، وهو النبات الذي يأكل منه الناس والدواب.
وتثبيت الجبال وجعلها مانعة من اضطراب الأرض من تتمة التمهيد وإعداد الأرض لسكنى الأحياء، وهو متأخر عن الاستعداد الأول لإثبات النبات وإن كان بروز الجبال سابقًا على ذلك.
وقد جعل اللَّه ذلك كله ليتمتع به الناس والأنعام، أفلا يكون صانع ذلك كله هو صانعكم؟
أفلا يكون خالقكم وواهبكم ما به تحبون، ورافع السماء فوقكم، وممهد الأرض تحتكم، قادرًا على بعثكم؟
وهل يليق به أن يترككم سدى أن دبركم هذا التدبير، ووفر لكم هذا الخير الكثير.
(فإذا جاءت إلخ) لما تبين أنه القادر على نشر الأموات، كما قَدَر على خلق الأكوان، تبيّن صدق ما أوحى به إلى نبيه من أن ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين لا بد منه.
فإذا جاءت طامته الكبرى التي تفوق كل طامة، ووقت مجيئها هو ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال على العالمين، فيتذكر كل سعيه وعمله، يوم يظهر اللَّه فيه الجحيم ودار العذاب للعيان، فيراها كل من له بصر.
في ذلك اليوم يوزع الجزاء على الأعمال.
(فأما من طغى) وجاوز حدود اللَّه المضروبة في أحكامه، وفضل لذائذ الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، فدار العذاب مأواه ومستقره.
وأما من عرف بسطة السلطان الإلهي، فخاف ذلك الجلال الرفيع، وزجر نفسه عن هواها الباطل الذي يميل بها إلى اتباع الشهوات، فالجنة مأواه.
فعلى هذا يكون جواب إذا محذوفًا للإيجاز، دل عليه التقسيم في قوله: فأما من طغى، وتقديره وزع الجزاء على العمل فأما إلخ.
(الطامة الكبرى) الداهية التي تطم على الدواهي، أي تغلب وتعلو.
(مقام ربه) يراد منه جلاله وعظمته، وإلا فهو منزه عن المقام والقيام.
(المأوى) في الموضعين هو المستقر والمقام.
والتعريف إشارة إلى أنه معلوم لا شبهة فيه.
(يسألونك عن الساعة إلخ)، كان أهل العناد من قريش يعنتون رسول اللَّه بالسؤال عن وقت الساعة ومتى يقيمها اللَّه، فكان النبي يردد في نفسه ما يقولون ويتمنى لو أمكن الجواب عما يسألون، كما هو شأن الحريص على الهداية، الجاهد في الإقناع.
فنهاه اللَّه عن تمني ما لا يرجى، وجاء بالنهي في صورة الاستفهام الإنكاري حيث قال: فيم أنت من ذكراها؟
أي ما هذه الذكرى الدائمة؟
لست في شيء منها، أي لا حاجة لك بها، فإن علم ذلك ينتهي إلى ربك.
وإنما شأنك أن تنذر من يخافها، فتنبهه من غفلته حتى يستعد لما يلقاه يومها.
أما هؤلاء المعاندون فدعهم فإنهم لا يعقلون، ولا تشتغل بالجواب عما يسألون.
فإذا جاءت الساعة ذهبت صورة كل زمان مضى من أذهانهم، سواء طال أو قصر، فحسبوا أنهم لم يلبثوا من يوم خلقوا إلى يوم بعثوا إلا عشية أو ضحاها، أي طرفًا من أطراف النهار، لا نهارًا كاملًا، وذلك لمفاجأتها لهم على غير استعداد لتوقعها.
(الساعة) ساعة يبعث الناس، وهي يوم القيامة.
(أيان مرساها) أي متى إرساؤها أي إقامتها، ومتى حصولها.
(فيم أنت) أي: في أي شيء أنت من مداومة تذكرها؟
أو: في أي شيء أنت من ذكرها لهم وإخبارهم بوقتها؟
أي: لست في شيء من هذا.
أي ليس من شأنك أن تذكر لهم من خبرها شيئًا سوى أنك تنذر من يخافها.
و(العشية) طرف النهار من آخره، و(الضحى) طرفه من أوله.
وإضافة الضحى إلى ضمير العشية إشارة إلى أن العشية والضحى من يوم واحد.
فهم يحسبون أنهم لم يلبثوا إلا بعض يوم واحد، كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.
واللبث الإقامة.