الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > الركن الثاني: الذابح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكن الثانِي: الذَّابحُ:
يُشترطُ في الذابحِ عدَّةُ شُروطٍ حتَّى تُؤكلَ ذَبيحتُه:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ عاقِلًا مُميِّزًا:
يُشترطُ في الذابحِ أنْ يكونَ عاقِلًا مُميِّزًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في مُقابلِ الأظهَرِ والحَنابلةِ، فلا يَحلُّ ذَبحُ مَجنونٍ ولا صَغيرٍ لا يُميِّزُ؛ لفَسادِ قَصدِهم؛ لأنَّ الذبحَ يَحتاجُ إلى القَصدِ والتسميةِ، وهُمَا لا يَصحَّانِ ممَّن لا يَعقلُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: يَصحُّ ذَبحُ مَجنونٍ وغيرِ مُميِّزٍ وسَكرانَ؛ لأنَّ لهم قَصدًا وإرادةً في الجُملةِ، لكنْ معَ الكَراهةِ؛ خَوفًا مِنْ عُدولِهم عن مَحلِّ الذبحِ.
ومَحلُّ الخِلافِ عندَ الشافِعيةِ في السكرانِ والمَجنونِ إذا لم يكنْ لهُمَا تَمييزٌ أصلًا، فإنْ كانَ لهُمَا أدنَى تَمييزٍ حَلَّ قَطعًا (٢).
(١) «المدونة الكبرى» (٣/ ٥٥)، و «القوانين الفقهية» ص (١٨١)، و «الإكليل» (٢/ ٢٠٠، ٢٠٠٨)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٣٣٢)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣، ٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٥٣، ٣٥٩)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٢٩٩)، و «المحيط البرهاني» (٥/ ٦٣٠)، و «الفتاوى الهندية» (٥/ ٤٢١)، و «المغني» (٩/ ٢٩٢)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٢٣٦)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٥٨، ٢٥٩).
(٢) «البيان» (٤/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٦٩٦)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٥٥)، و «مغني المحتاج» (٦/ ١٠٥، ١٠٦).
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ ذَكاةَ المَجنونِ وصَيدَه لا يُستباحُ أكلُه (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ رحمة الله عليه: الذَّكاةُ لا تَصحُّ مِنْ المَجنونِ ومَن لا يَعقلُ، خِلافًا للشافِعيِّ؛ لأنَّ الذَّكاةَ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ؛ بدَليلِ أنها لا تَصحُّ مِنْ المَجوسيِّ، ولو كانَتْ تَصحُّ مِنْ غيرِ نيةٍ لم يَختلفِ الحُكمُ فيها ممَّن وقَعَتْ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويُشترطُ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فإنْ كانَ طِفلًا أو مَجنونًا أو سَكرانَ لا يَعقلُ لم يَصحُّ منه الذبحُ، وبهذا قالَ مالِكٌ، وقالَ الشافِعيُّ: لا يُعتبَرُ العَقلُ، ولهُ فيما إذا أرسَلَ المَجنونُ الكلَبَ على صَيدٍ وَجهانٍ.
ولنا: إنَّ الذكاةَ يُعتبَرُ لها القَصدُ، فيُعتبَرُ لها العَقلُ كالعِبادةِ، فإنَّ مَنْ لا عقْلَ له لا يَصحُّ منه القَصدُ، فيَصيرُ ذَبحُه كما لو وقَعَتِ الحَديدةُ بنَفسِها على حَلقِ شاةٍ فذَبحتْها (٣).
ولا يُشترطُ البلوغُ ولا الذُّكوريةُ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ، فتَحلُّ ذَبيحةُ المَرأةِ والصبيِّ الذي يُطيقُ الذبحَ.
(١) «الإفصاح» (٢/ ٣٤٧).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٤٢، ٣٤٣)، رقم (١٦٨٩).
(٣) «المغني» (٩/ ٣٢١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على إباحةِ ذَبيحةِ الصَّبيِّ والمَرأةِ إذا أطاقَا الذبحَ وأتَيَا على ما يَجبُ أنْ يَؤتَى عليهِ (١).
وقالَ الإمامُ ابن قُدامةَ رحمة الله عليه: كلُّ مَنْ أمكَنَه الذبحُ مِنْ المُسلمينَ وأهلِ الكِتابِ إذا ذبَحَ حَلَّ أكلُ ذَبيحتِه، رَجلًا كانَ أو امرأةً، بالِغًا أو صَبيًّا، حرًّا كانَ أو عَبدًا، لا نَعلمُ في هذا خِلافًا.
قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على إباحةِ ذَبيحةِ المَرأةِ والصبيِّ.
وقد رُويَ أنَّ جارِيةً لكَعبِ بنِ مالكٍ كانَت تَرعَى غَنمًا بسَلْعٍ فأُصيبَتْ شاةٌ منها فأدرَكَتْها فذَكَّتْها بحَجرٍ، فسألَ النبيَّ ﷺ فقالَ: «كُلُوها» مُتفَقٌ عليهِ، وفي هذا الحَديثِ فَوائدُ سَبعٌ:
إحدَاها: إباحةُ ذَبيحةِ المَرأةِ.
والثانيةُ: إباحةُ ذَبيحةِ الأمَةِ.
والثالِثةُ: إباحةُ ذَبيحةِ الحائضِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَستفصِلْ.
والرابعةُ: إباحةُ الذَّبحِ بالحَجرِ.
والخامِسةُ: إباحةُ ذَبحِ ما خِيفِ عليهِ المَوتُ.
والسادِسةُ: حِلُّ ما يَذبحُه غيرُ مالِكِه بغيرِ إذنِه.
والسابعةُ: إباحةُ ذَبحِه لغيرِ مالكِه عندَ الخَوفِ عليهِ (٢).
(١) «الإجماع» (٢٢٢).
(٢) «المغني» (٩/ ٣٢٠، ٣٢١).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الذبائح
الباب الثاني في الذكاة
الْبَابُ الثَّانِي فِي الذَّكَاةِ
ِ - وَفِي قَوَاعِدِ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِصِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
الثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ.
الْمَسْأَلَةُ الأَوْلَى: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ نَحْرٌ وَذَبْحٌ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ الذَّبْحَ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْإِبِلِ النَّحْرَ، وَأَنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَالذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَلَا الذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ أُكِلَ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. وَفَرَّقَ ابْنُ بُكَيْرٍ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، فَقَالَ: يُؤْكَلُ الْبَعِيرُ بِالذَّبْحِ وَلَا تُؤْكَلُ الشَّاةُ بِالنَّحْرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْفِعْلِ لِلْعُمُومِ:
فَأَمَّا الْعُمُومُ: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» .
وَأَمَّا الْفِعْلُ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَذَبَحَ الْغَنَمَ» .
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.