ذكاة الجنين

الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > ذكاة الجنين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

ذكاة الجنين - الأقوال والأدلة

ذَكاةُ الجَنينِ:

البَهيمةُ إذا ذُبحَتْ فوُجدَ في بَطنِها جَنينٌ فإنْ كانَ حيًّا مَقدورًا على ذَكاتِه لم يَحلَّ أكلُه إلا بالذَّكاةِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، فإنْ ماتَ قبلَ الذبحِ لا يُؤكلُ بلا خِلافٍ.

وإنْ خرَجَ مَيتًا فإنْ لم يَكنْ كامِلَ الخَلْقِ لا يُؤكلُ أيضًا في قَولِهم جَميعًا؛ لأنه بمَعنى المُضغَةِ.

وإنْ كانَ كامِلَ الخَلقِ وخرَجَ مَيتًا أو حيًّا قَصُرتْ مُدةُ حَياتِه عن ذَكاتِه فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:

فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ -وهو إجماعُ الصَّحابةِ- إلى أنَّ ذَكاتَه تَكونُ بذَكاةِ أمِّه، ويَحلُّ أكلُه أشعَرَ أو لم يُشعرْ عندَهم إلا المالِكيةَ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ رضي الله عنهما: «بهيمةُ الأنعامِ هي أَجِنَّتُها إذا وُجِدتْ مَيتةً في بُطونِ أمَّهاتِها يَحلُّ أكلُها بذَكاةِ الأمَّهاتِ».

ولِما رَواهُ أبو سَعيدٌ الخُدريُّ رضي الله عنه قالَ: «قُلنا: يا رَسولَ اللهِ نَنحَرُ الناقَةَ ونَذبحُ البَقرةَ والشَّاةَ فنَجدُ في بَطنِها الجَنينَ، أنُلقيهِ أم نَأكلُه؟ قالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أمِّهِ» (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٨٢٧)، وابن ماجه (٣١٩٩).

وعن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما عن رَسولِ اللهِ قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه» (١)، فجعَلَ إحدَى الذَّكاتينِ نائِبةً عنهُما أو قائِمةً مَقامَهما، كما يُقالَ: «مالُ زَيدٍ مالِي، ومالِي مالُ زَيدٍ» يريدُ أنَّ أحَدَ المالَينِ يَنوبُ عن الآخَرِ ويَقومُ مَقامَه.

ولأنَّ هذا إجماعٌ مِنْ الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، فلا يُعوَّلُ على ما خالَفَه، ولأنَّ الجَنينَ مُتصِلٌ بها اتِّصالَ خِلقةٍ يَتغذَّى بغِذائِها، فتَكونُ ذَكاتُها ذَكاتَه كأعضائِها، ولأنَّ الذكاةَ في الحَيوانِ تَختلفُ على حَسبِ الإمكانِ فيه والقُدرةِ؛ بدَليلِ الصَّيدِ المُمتنِعِ والمَقدورِ عليهِ والمُتردِّيةِ، والجَنينُ لا يُتوصَّلُ إلى ذَبحِه بأكثرَ مِنْ ذَبحِ أمِّه، فيَكونُ ذَكاةً له (٢).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زِيادٍ إلى أنَّ مَنْ نحَرَ ناقةً أو ذبَحَ بَقرةً أو شاةً فوجَدَ في بَطنِها جَنينًا مَيتًا لم يُؤكلْ، أشعَرَ أم لم يُشعِرْ، أي: تَمَّ خَلقُه أو لم يَتمَّ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهي اسمٌ لِما ماتَ حَتفَ أنفِه، وهذا مَوجودٌ في الجَنينِ؛ لأنه لا يَموتُ بمَوتِ أمِّه؛ لأنَّها قد تَموتُ ويَبقَى الجَنينُ في بَطنِها حيًّا، ويَموتُ وهي حيَّةٌ، فحَياتُه غيرُ مُتعلِّقةٍ بحَياتِها، فلا تَكونُ ذَكاتُها ذَكاةً له، فصارَا كالشاتَينِ لا تَكونُ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٨٢٨)، والدارمي في «سننه» (١٩٧٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٢، ٤٣)، و «الهداية» (٤/ ٦٧)، و «الاستذكار» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٥)، و «أحكام القرآن» (٣/ ١٨)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٤٨، ١٥٠)، و «المجموع» (٩/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «المغني» (٩/ ٢١٩، ٢٢٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٩٦).

ذَكاةُ إحداهُما ذَكاةً للأُخرَى، ولأنه أصلٌ في الحَياةِ والدمِ؛ لأنه لا يُتصوَّرُ حَياتُه بعدَ مَوتِها، وله دَمٌ على حِدةٍ غيرُ دَمِها، والذَّبحُ شُرعَ لتَنهيرِ الدمِ النَّجسِ مِنْ اللحمِ الطاهرِ، وذَبحُها لا يَكونُ سَببًا لخُروجِ الدمِ منه.

ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقالَ في آخِرِها: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فحرَّمَ اللهُ المَيتةَ مُطلَقًا واستَثنَى المُذكَّى منها، وبيَّنَ النبيُّ الذَّكاةَ في المَقدورِ على ذَكاتِه في النَّحرِ واللبَّةِ، وفي غيرِ مَقدورٍ على ذَكاتِه بسَفحِ دَمِه، فلمَّا كانَتِ الذَّكاةُ مُنقِسمةٌ إلى هَذينِ الوَجهينِ وحكَمَ اللهُ بتَحريمِ المَيتةِ حُكمًا عامًّا، واستَثنَى منه المُذكَّى بالصِّفةِ التي ذكَرْنا على لِسانِ نَبيِّه ولم تَكنْ هذه الصِّفةُ مَوجودةً في الجَنينِ كانَ مُحرَّمًا بظاهرِ الآيةِ.

وبقَولِ النبيِّ : «أحلَّتْ لنا مَيتتانِ ودَمانِ، المَيتتانِ: الحُوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبدُ والطُّحالُ»، وهذه مَيتةٌ ثالِثةٌ يُوجِبُ الخبَرُ أنْ تَكونَ مُحرَّمةً، ولأنه مِنْ جِنسِ ما يُذكَّى، فوجَبَ أنْ لا يَحلَّ إلا بالذَّكاةِ كالأمِّ، ولأنه ذَبحٌ واحِدٌ، فلمْ يَجُزْ أنْ تَكونَ ذَكاةُ الاثنَينِ كما لو خرَجَ الجَنينُ حيًّا، ولأنَّ ما كانَ مَوتُه ذَكاةً في غَيرِ المَقدورِ عليهِ كانَ موتُه ذَكاةً في المَقدورِ عليهِ، وما لم يَكنْ مُوتُه ذَكاةً في المَقدورِ عليهِ لم يَكنْ ذَكاةً في غيرِ المَقدورِ عليهِ كالصَّيدِ والنَّعَمِ، فلمَّا لم يَكنْ مَوتُ المَقدورِ عليهِ مِنْ الأجنَّةِ ذَكاةً لم يكنْ مَوتُ غيرِ المَقدورِ عليهِ ذكاةً (١).

(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٢٦، ٢٢٧)، و «أحكام القرآن» (١/ ١٣٧، ١٣٩)، و «المبسوط» (١٢/ ٦، ٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٤٢، ٤٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٥، ٤٦٦).

قالَ أبو عُمرَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في ذَكاةِ الجَنينِ:

فقالَ مالِكٌ بما رَواهُ عن ابنِ عُمرَ وسَعيدِ بنِ المُسيبِ في ذلكَ، قالَ: إذا تَمَّ خَلقُه وأشعَرَ أُكلَ، وإلا لم يُؤكلْ.

وقالَ أبو حَنيفةَ وزُفرُ: لا يُؤكلُ الجَنينُ إلا أنْ يَخرجَ حيًّا مِنْ بَطنِ أمِّه فيُذكَّى.

وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والثوريُّ والليثُ بنُ سَعدٍ والأوزاعيُّ والشافِعيُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: يُؤكلُ وإنْ كانَ مَيتًا إذا ذُكِّيَتِ الأمُّ، وذَكاةُ أمِّه ذَكاتُه.

قالَ أبو عُمرَ: رُويَ قولُ مالِكٍ في اعتبارِ إشعاره وتَمامِ خَلقِه عن جَماعةٍ مِنْ أهلِ المَدينةِ والحِجازِ وغَيرِهم، منهُم ابنُ عُمرَ وسَعيدُ بنُ المَسيبِ وابنُ شِهابٍ ومُجاهدٌ وطاوسٌ والحَسنُ وقَتادةُ.

ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن عَبدِ اللهِ بنِ كَعبِ بنِ مالكٍ قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ يَقولونُ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه».

وحَدَّثني عبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ قالَ: حدَّثَني مُحمدُ بنُ عُثمانَ قالَ: حَدَّثني إسماعيلُ بنُ إسحاقَ قالَ: حَدَّثني عليُّ بنُ المَدينيُّ قالَ: حَدَّثني سُفيانُ بنُ عُيينةَ قالَ: حَفِظتُ مِنْ الزُّهريِّ عن ابنِ كَعبِ بنِ مالكٍ أنَّ أصحابَ رَسولِ اللهِ

كانَوا يَقولونُ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه»، قالَ سُفيانُ: وقالَ أبانُ بنُ تَغلبَ -وكانَ صاحِبَ عرَبيةٍ-: «إذا أشعَرَ الجَنينُ»، قالَ سُفيانُ: فأمَّا الذي حَفِظتُ أنا مِنْ الزُّهريِّ: «إذا أشعَرَ».

قالَ أبو عمر: قيلَ: أشعَرَ: إذا تَمَّ خَلقُه وإنْ لم يُشعِرْ.

قالَ أبو عَمرٍو الشَّيبانِيُّ: المُشعِرُ: التامُّ الخَلقِ الطَّويلُ.

ورَوى أبو إسحاقَ عن الحارثِ عن عَليٍّ رضي الله عنه قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه إذا أشعَرَ».

ورُويَ مثلُ قَولِ الشافِعيِّ ومَن ذكَرْنا معَه عن إبراهيمَ النخَعيِّ.

ورَوى الثَّوريُّ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ قالَ: ذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه، أشعَرَ أو لم يُشعرْ، إلا أنْ يَقذِرَه.

وابنُ عُيينةَ عن الحَسنِ بنِ عُبيدِ اللهِ النخَعيِّ قالَ: سألتُ إبراهيمَ عن جَنينِ البَقرةِ فقالَ: هو رُكنٌ مِنْ أركانِها.

وابنُ خَديجٍ عن داودَ بنِ أبي عاصِمٍ عن سعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: كُلْه إنْ لم يُشعِرْ.

ورَوى ابنُ المُبارَكِ وغيرُه عن مُجالدِ بنِ سَعيدٍ عن أبي الودَّاكِ جَبْرِ بنِ نَوفٍ قالَ: سَمِعتُ أبا سَعيدٍ الخُدريِّ يَقولُ: «سَألْنا رَسولَ اللهِ عن البَقرةِ أو الناقَةِ أو الشَّاةِ يَنحرُها أحَدُنا فيَجدُ في بَطنِها جَنينًا، أيَأكلُه أم يُلقيهِ؟ قالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أمِّه» (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

قالَ أبو عُمرَ: ليسَ في هذا الحَديثِ المُسنَدِ اشتِراطُ إشعاره ولا غيرُه.

ورَوى ابنُ المُبارَكِ عن ابنِ أبي ليلَى عن أخيهِ عن أبيهِ أو عن الحَكمِ بنِ أبي عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى -الشكُّ مِنْ ابنِ المُبارَكِ- عن عَطيةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: رَسولُ اللهِ : «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه أشعَرَ أو لم يُشعرْ».

ورَواهُ غيرُ ابنُ المُباركِ عن ابنِ أبي ليلَى عن عَطيةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ وابنِ أبي ليلَى، سَيئُ الحِفظِ عندَهم جِدًّا.

ومِن حَديثِ زُهيرِ بنِ مُعاويةَ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه».

وأما قَولُ أبي حَنيفةَ وزُفرَ فليسَ له في حَديثِ النبيِّ عليه السلام ولا في قَولٍ أصحابِه ولا في قَولِ الجُمهورِ أصلٌ.

وزعَمَ أبو حَنيفةَ أنه لم يَرَ ذَكاةً واحِدةً تكونُ لاثنَينِ.

واستَحالَ غيرُه أنْ تكونَ ذَكاةً لنَفسينِ، وهو يَرَى أنَّ مَنْ أعتَقَ حامِلًا فإنَّ عِتقَها عِتقٌ لجَنينِها، فإذا جازَ أنْ يكونَ عِتقٌ واحِدٌ عِتقًا لاثنَينِ فغيرُ نَكيرٍ أنْ تكونَ ذَكاةُ نَفسٍ ذَكاةَ نَفسينِ هذا مِنْ جِهةِ القياسِ، فكيفَ والسُّنةُ مُغنِيةٌ عن كلِّ رَأيٍ؟! وباللهِ التوفيقُ.

وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ في قَولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] قالَ: الجَنينُ.

وعن الحَسنِ قالَ: بَهيمةُ الأنعامِ: الشاةُ والبَقرةُ والبَعيرُ (١).

وقالَ الإمامُ ابن رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا هل تَعملُ ذَكاةُ الأمِّ في جَنينِها أم ليسَ تَعملُ فيه وإنما هو مَيتةٌ؟ أعنِي إذا خرَجَ منها بعدَ ذَبحِ الأمِّ.

فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ ذَكاةَ الأمِّ ذَكاةٌ لجَنينِها، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ خرَجَ حيًّا ذُبحَ وأُكلَ، وإنْ خرَجَ مَيتًا فهو مَيتةٌ.

والذينَ قالَوا: «إنَّ ذَكاةَ الأمِّ ذَكاةٌ له» بَعضُهم اشتَرطَ في ذلكَ تَمامَ خِلقتِه ونَباتَ شَعرِه، وبه قالَ مالِكٌ، وبعضُهم لم يَشترطْ ذلكَ، وبه قالَ الشافِعيُّ.

وسَببُ اختِلافِهم: اختِلافُهم في صِحةِ الأثَرِ المَرويِّ في ذلكَ مِنْ حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، معَ مُخالَفتِه للأصولِ، وحَديثُ أبي سَعيدٍ هو: قالَ: «سَألْنا رَسولَ اللهِ عن البَقرةِ أو الناقةِ أو الشاةِ يَنحرُها أحَدُنا فنَجدُ في بَطنِها جَنينًا، أنَأكلُه أو نُلقيهِ؟ فقالَ: كُلوهُ إنْ شِئتُم؛ فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةَ أمِّه»، وخرَّجَ مثلَه التِّرمذيُّ وأبو داودَ عن جابِرٍ.

واختَلفُوا في تَصحيحِ هذا الأثَرِ، فلمْ يُصحِّحْه بعضُهم وصحَّحَه بعضُهم، وأحَدُ مَنْ صحَّحَه التِّرمذيُّ.

وأما مُخالَفةُ الأصلِ في هذا البابِ للأثَرِ فهو أنَّ الجَنينَ إذا كانَ حيًّا ثم ماتَ بمَوتِ أمِّه فإنما يَموتُ خَنقًا، فهو مِنْ المُنخنِقةِ التي ورَدَ

(١) «الاستذكار» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٥).

النصُّ بتَحريمِها، وإلى تَحريمِه ذهَبَ أبو مُحمدٍ ابنُ حَزمٍ ولم يَرْضَ سنَدَ الحَديثِ.

وأما اختِلافُ القائِلينَ بحِلِّيتَه في اشتِراطِهم نَباتَ الشَّعرِ فيه أو لا اشتِراطِه فالسَّببُ فيه مُعارَضةُ العُمومِ للقياسِ، وذلكَ أنَّ عُمومَ قولِه عليه الصلاة والسلام: «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه» يَقتضي أنْ لا يقَعَ هنالكَ تَفصيلٌ، وكونُه مَحلًّا للذَّكاةِ يَقتضي أنْ يُشترطَ فيه الحَياةُ قياسًا على الأشياءِ التي تَعملُ فيها التذكيةُ، والحَياةُ لا تُوجَدُ فيه إلا إذا نبَتَ شَعرُه وتَمَّ خَلقُه، ويَعضدُ هذا القياسَ أنَّ هذا الشَّرطَ مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ وعن جَماعةٍ مِنْ الصَّحابةِ.

ورَوى مَعمرٌ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ بنِ كَعبِ بن مالك قالَ: كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ يَقولونَ: «إذا أشعَرَ الجَنينُ فذَكاتُه ذَكاةُ أمِّه».

ورَوى ابنُ المُبارَكِ عن ابنِ أبي ليلَى قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أمِّه أشعَرَ أو لم يُشعِرْ»، إلا أنَّ ابنَ أبي ليلَى سيِّئُ الحِفظِ عندَهم، والقياسُ يَقتضي أنْ تكونَ ذَكاتُه في ذَكاةِ أمِّه مِنْ قِبَلِ أنه جُزءٌ منها، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا معنَى لاشتِراطِ الحَياةِ فيهِ، فيَضعفُ أنْ يُخصَّصَ العُمومُ الواردُ في ذلكَ بالقياسِ الذي تَقدَّمَ ذِكرُه عن أصحابِ مالكٍ (١).

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٢٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الذبائح
الباب الثاني في الذكاة

الْبَابُ الثَّانِي فِي الذَّكَاةِ

ِ - وَفِي قَوَاعِدِ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِصِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.

الثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ.

الْمَسْأَلَةُ الأَوْلَى: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ نَحْرٌ وَذَبْحٌ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ الذَّبْحَ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْإِبِلِ النَّحْرَ، وَأَنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ.

وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَالذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَلَا الذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ أُكِلَ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. وَفَرَّقَ ابْنُ بُكَيْرٍ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، فَقَالَ: يُؤْكَلُ الْبَعِيرُ بِالذَّبْحِ وَلَا تُؤْكَلُ الشَّاةُ بِالنَّحْرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْفِعْلِ لِلْعُمُومِ:

فَأَمَّا الْعُمُومُ: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» .

وَأَمَّا الْفِعْلُ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَذَبَحَ الْغَنَمَ» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 714 - 721

ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله