الإسلام > الأطعمة والصيد > أركان الذبح > ذكاة الموقوذة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةذَكاةُ الموقُوذةِ:
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذَكاةِ ما نزَلَ به المَوتُ مِنْ الأنعامِ مثلَ المُتردِّيةِ والنَّطيحةِ والمَوقوذةِ وأكيلَةِ السَّبُعِ والمُنخنقةِ.
فقالَ أبو قُرَّةَ موسَى بنُ طارقٍ: سألتُ مالِكًا عن المُتردِّيةِ والمَفروسةِ تُدرَكُ ذَكاتُها وهي تَتحركُ فقالَ: لا بأسَ بها إذا لم يَكنْ قُطعَ رَأسُها أو نُثرَ بَطنُها.
قالَ: وسَمعتُ مالِكًا يقولُ: إذا غُيِّرَ ما بينَ المَنحرِ إلى المَذبحِ لم تُؤكلْ.
وفي «المُستخرَجة» لمالكٍ وابنِ القاسِمِ أنَّ ما فيه الحَياةُ وإنْ كانَ لا يَعيشُ ولا يُرجَى له بالعَيشِ يُذكَّى ويُؤكلُ في ذلكَ.
وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ: إذا كانَتْ حيَّةً وأخرَجَ السَّبعُ بَطنَها أكَلْنا إلا ما بانَ مِنها، وهو قولُ ابنِ وَهبٍ، وهو الأشهَرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، وبه قالَ إسحاقُ بنُ راهَويهِ.
قالَ المُزنِيُّ: وأحفَظُ للشافعيِّ قولًا آخَرَ أنها لا تُؤكلُ إذا بلَغَ منها السَّبعُ أو التَّردِّي إلى ما لا حَياةَ معه، قالَ المُزنِيُّ: وهو قَولُ المَدنيينَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ في كلِّ ما تُدركُه ذُكاتُه وفيهِ حَياةٌ ما كانَتِ الحَياةُ بأنه ذَكِيٌّ إذا ذُكِّيَ قبلَ أنْ يَموتَ.
ورَوى الشعبيُّ عن الحارِثِ عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إذا أدرَكْتَ ذَكاةَ المَوقوذةِ أو المُتَرديةِ أو النَّطيحةِ وهي تُحرِّكُ يَدًا أو رِجلًا فكُلْها».
وكانَ الشعبيُّ وإبراهيمُ النخَعيُّ وعَطاءٌ وطاوسُ والحَسنُ وقَتادةُ كلُّ هؤلاءِ يَقولُ في قَولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]: إذا أطرَفَتْ بعَينَيها أو مصَعَت بذَنبِها -يعنِي: حرَّكَتْه- وضرَبَتْ بهِ أو ركَضَتْ برِجلِها فذَكَّيتَه فقدْ أحَلَّ اللهُ لكَ ذلكَ، وذكَرَه عن أصحابِه، وهو قَولُ أبي هُريرةَ وابنِ عبَّاسٍ، وإليهِ ذهَبَ ابنُ حَبيبٍ وذكَرَه عن أصحابِ مالكٍ.
ورَوى ابنُ عُيينةَ وشَريكٌ وجَريرٌ عن الرُّكينِ بنِ الرَّبيعِ عن أبي طَلحةَ الأسديِّ قالَ: سَألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن ذِئبٍ عَدَا على شاةٍ فشَقَّ بَطنَها حتَّى انتَثرَ فسقَطَ منه شَيءٌ إلى الأرضِ فقالَ: «كُلْ، وما انتَثرَ مِنْ بَطنِها فلا تَأكلْ» (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا في الأصلِ: المُتردِّيةُ إذا أدرَكَ ذَكاتَها قبلَ أنْ تَموتَ أُكلَتْ، وكذلكَ النَّطيحةُ والمَوقوذةُ، وكذلكَ ما أكَلَ السَّبعُ.
وعن أبي يُوسفَ في «الإِملَاء» أنه إذا بلَغَ به ذلكَ حَالًا لا يَعيشُ مِنْ مِثلِها لم يُؤكلْ وإنْ ذَكَّى قبلَ المَوتِ.
وذكَرَ ابنُ سَماعةَ عن مُحمدٍ أنه إنْ كانَ يَعيشُ منه اليَومِ ونَحوِه أو دُونَه فذَكَّاها حلَّتْ، وإنْ كانَ لا يَبقَى إلا كبَقاءِ المَذبوحِ لم يُؤكلْ وإنْ ذُبحَ، واحتَجَّ بأنَّ عُمرَ رضي الله عنه كانَتْ جِراحتُه مُتلِفةً وصَحَّتْ عُهودُه أوامِرُه، ولو قتَلَه قاتلٌ في ذلكَ الوَقتِ كانَ عليهِ القوَدُ.
(١) «الاستذكار» (٥/ ٢٥٣، ٢٥٤)، و «التمهيد» (٥/ ١٤٩، ١٥٠).
وقالَ مالِكٌ رضي الله عنه: إذا أدرَكَ ذَكاتَها وهي حيَّةً تَضربُ أكلَ.
وقالَ الحَسنُ بنُ حَيٍّ: إذا صارَتْ بحالٍ لا تَعيشُ أبَدًا لم تُؤكلْ وإنْ ذُبحَتْ.
وقالَ الأوزاعِيُّ: إذا كانَ فيها حَياةٌ فذُبحَتْ أُكلَتْ، و المَصبورةُ إذا ذُبحَتْ لا تُؤكلُ.
وقالَ الشافِعيُّ رضي الله عنه في السَّبعُ إذا شَقَّ بَطنَ الشاةِ فاستيقنَ أنها تَموتُ إنْ لم تُذَكَّ فذُكِّيَت فلا بأسَ بأكلِها.
قالَ أبو جَعفرٍ: لم يَختلفُوا في الأنعامِ إذا أصابَتْها الأمراضُ المُتلِفةُ التي قد تَعيشُ معَها مُدةً قَصيرةً أو طَويلةً إنَّ ذَكاتَها بالذَّبحِ؛ فإنها لو صارَتْ في حالِ النَّزعِ و الاضطِرابِ للمَوتِ أنه لا ذَكاةَ لها، فكذلكَ يَنبغي في القياسِ أنْ يَكونَ حُكمُ المُتردِّيةِ ونَحوِها (١).
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: قَولُه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ نُصبَ على الاستثناءِ المُتصِلِ عندَ الجُمهورِ مِنْ العُلماءِ والفُقهاءِ، وهو راجِعٌ على كُلِّ ما أُدركَ ذَكاتُه مِنْ المَذكوراتِ وفيه حَياةٌ، فإنَّ الذَّكاةَ عامِلةٌ فيه، لأنَّ حَقَّ الاستثناءِ أنْ يَكونَ مَصروفًا إلى ما تَقدَّمَ مِنْ الكَلامِ، ولا يُجعلُ مُنقطِعًا إلا بدَليلٍ يجبُ التَّسليمُ له.
رَوى ابنُ عُيينةَ وشَريكٌ وجَريرٌ عن الرُّكينِ بنِ الرَّبيعِ عن أبي طَلحةَ الأسديِّ قالَ: سَألتُ ابنَ عبَّاسٍ عن ذِئبٍ عَدَا على شاةٍ فشَقَّ بَطنَها حتَّى
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٢٠٣، ٢٠٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٢٩٩، ٣٠٠).
انتَثرَ قُصْبُها فأدرَكْتُ ذَكاتَها فذَكَّيتُها فقالَ: «كُلْ، وما انتَثرَ مِنْ قُصبِها فلا تَأكلْ».
قالَ إسحاقُ بنُ راهَويهِ: السُّنةُ في الشاةِ على ما وصَفَ ابنُ عبَّاسٍ؛ فإنها وإنْ خرَجَتْ مَصارينُها فإنها حيَّةٌ بعدُ، ومَوضعُ الذَّكاةِ منها سالمٌ، وإنما يُنظرُ عندَ الذَّبحِ أحيَّةٌ هي أم مَيتةٌ؟ ولا يُنظرُ إلى فِعلٍ هل يَعيشُ مثلُها؟ فكذلكَ المَريضةُ، قالَ إسحاقُ: ومَن خالَفَ هذا فقدْ خالَفَ السُّنةَ مِنْ جُمهورِ الصَّحابةِ وعامَّةِ العُلماءِ.
قلتُ: وإليهِ ذهَبَ ابنُ حَبيبٍ، وذُكرَ عن أصحابِ مالكٍ، وهو قولُ ابنِ وَهبٍ والأشهَرُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ، قالَ المُزنِيُّ: وأحفَظُ للشافِعيِّ قَولًا آخَرَ أنها لا تُؤكلُ إذا بلَغَ منها السبُعُ أو التَّردِّي إلى ما لَا حَياةَ معه، وهو قَولُ المَدنيينَ والمَشهورُ مِنْ قولِ مالِكٍ، وهو الذي ذكَرَه عبدُ الوهابِ في «تَلقينِه»، ورُويَ عن زَيد بنِ ثابِتٍ، ذكَرَه مالِكٌ في «مُوَطئِه»، وإليه ذهَبَ إسماعيلُ القاضِي وجَماعةُ المالِكيينَ البَغداديينَ، والاستِثناءُ على هذا القَولِ مُنقطعٍ، أي: حُرِّمَتْ عليكُم هذهِ الأشياءُ، لكنْ ما ذَكَّيتُم فهو الذي لم يُحرَّمْ.
قالَ ابنُ العرَبيِّ: اختَلفَ قَولُ مالِكٍ في هذهِ الأشياءِ، فرُويَ عنه أنه لا يُؤكلُ إلا ما ذُكِّيَ بذَكاةٍ صَحيحةٍ، والذي في «المُوطَّأ» أنه إنْ كانَ ذبَحَها ونَفَسُها يَجري وهي تَضطربُ فلْيَأكلْ، وهو الصَّحيحُ مِنْ قولِه الذي
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الذبائح
الباب الثاني في الذكاة
الْبَابُ الثَّانِي فِي الذَّكَاةِ
ِ - وَفِي قَوَاعِدِ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي أَنْوَاعِ الذَّكَاةِ الْمُخْتَصَّةِ بِصِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
الثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ.
الْمَسْأَلَةُ الأَوْلَى: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ نَحْرٌ وَذَبْحٌ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ الذَّبْحَ، وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْإِبِلِ النَّحْرَ، وَأَنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَالذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ، وَلَا الذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ أُكِلَ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ. وَفَرَّقَ ابْنُ بُكَيْرٍ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، فَقَالَ: يُؤْكَلُ الْبَعِيرُ بِالذَّبْحِ وَلَا تُؤْكَلُ الشَّاةُ بِالنَّحْرِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْفِعْلِ لِلْعُمُومِ:
فَأَمَّا الْعُمُومُ: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» .
وَأَمَّا الْفِعْلُ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَذَبَحَ الْغَنَمَ» .
ارجع إلى أركان الذبح للاطلاع على جميع المسائل.