ثالثا: أكل الخيل

الإسلام > الأطعمة والصيد > ما يحرم من حيوان البر > ثالثا: أكل الخيل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

ثالثا: أكل الخيل - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ الخرشِيُّ رحمة الله عليه: وأما الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ فالمَشهورُ أنها حَرامٌ، ولو كانَ الحِمارُ وَحشيًّا دجَنَ وصارَ يعمَلُ عليهِ عندَ مالِكٍ في «المُدوَّنة» خِلافًا لابنِ القاسِمِ (١).

ثالِثًا: أكلُ الخَيلِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أكلِ الخَيلِ، هل هو مُباحٌ أم مَكروهٌ أم مُحرَّمٌ؟

فذهَبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى إباحةِ أكلِ الخَيلِ مُطلَقًا.

واستَدلُّوا على إباحةِ أكلِ لَحمِها بما رَواهُ جابر رضي الله عنه أنه قالَ: «نَهَى النبيُّ يومَ خَيبَرَ عن لُحومِ الحُمرِ ورخَّصَ في لُحومِ الخَيلِ» (٢).

وعن أسماءَ رضي الله عنها قالَتْ: «ذبَحْنَا على عَهدِ رَسولِ اللهِ فَرسًا ونَحنُ بالمَدينةِ فأكَلْناهُ» (٣).

ولأنه حَيوانٌ طاهِرٌ مُستَطابٌ ليسَ بذِي نابٍ ولا مِخلبٍ، فيَحلُّ كبَهيمةِ الأنعامِ، ولأنه دخَلَ في عُمومِ الآياتِ والأخبارِ المُبيحةِ (٤).

(١) «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٤٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٨٢). وتحبير المختصر» (٢/ ٣٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٠١)، ومسلم (١٩٤١).
(٣) أخرجه البخاري (٥١٩٢، ٥٢٠٠)، ومسلم (١٩٤٢).
(٤) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٨، ٣٩)، و «البناية شرح الهداية» (١١/ ٥٩٤)، و «الاختيار» (٥/ ١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٩، ٤٧٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «الحاوي الكبير» (١٥/ ١٤٢، ١٤٣)، و «المهذب» (١/ ٢٤٦، ٢٤٧)، و «المجموع» (٩/ ٥)، و «شرح صحيح مسلم» (١٣/ ٩٥، ٩٦)، و «المغني» (٩/ ٣٢٨)، و «الكافي» (١/ ٤٨٨).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ إلى حُرمةِ أكلِ الخَيلِ، وعلى هذهِ الرِّوايةِ عندَ أبي حَنيفةَ أنه مَكروهٌ تَحريمًا.

واستدلَّ على عَدمِ جَوازِ أكلِ لَحمِ الفَرسِ بالكِتابِ والسُّنةِ ودَلالةِ الإجماعِ.

(أما) الكِتابُ العَزيزُ: فقَولُه جَلَّ شَأنُه: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، ففرَّقَ اللهُ بينَها وبينَ الأنعامِ، فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى ذكَرَ الأنعامَ فيما تقدَّمَ ومَنافعَها وبالَغَ في ذلكَ بقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)[النحل: ٥]، وكذا ذكَرَ فيما بعدَ هذهِ الآيةِ الشَّريفةِ مُتصِلًا بها مَنافعَ الماءِ المُنزَّلِ مِنْ السَّماءِ، والمَنافعَ المُتعلِّقةَ باللَّيلِ والنهارِ والشَّمسِ والقَمرِ والنُّجومِ، والمَنافعَ المُتعلِّقةَ بالبَحرِ، على سَبيلِ المُبالغةِ بَيانَ شِفاءٍ لا بَيانَ كِفايةٍ، وذكَرَ في هذهِ الآيةِ أنه خلَقَ الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ للرُّكوبِ والزِّينةِ، ذكَرَ مَنفعةَ الرُّكوبِ والزِّينةِ ولم يَذكرْ مَنفعةَ الأكلِ، فدَلَّ أنه ليسَ فيها مَنفعةٌ أُخرى سِوى ما ذكَرْناهُ، ولو كانَ هناكَ مَنفعةٌ أُخرى سِوى ما ذكَرْنا لم يُحتملْ أنْ لا يَذكرَها عندَ ذِكرِ المَنافعِ المُتعلِّقةِ بها على سَبيلِ المُبالَغةِ والاستِقصاءِ.

فأخبَرَ عن المَقصودِ منها وهو الرُّكوبُ والتجمُّلُ بخِلافِ المَقصودِ مِنْ الأنعامِ.

وقولُه ﷿: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولَحمُ الخَيلِ ليسَ بطيِّبٍ بل هو خَبيثٌ؛ لأنَّ الطِّباعَ السَّليمةَ لا تَستطيبُه، بل تَستخبثُه، حتَّى لا تَجدُ أحَدًا تُركَ بطَبعِه إلا ويَستخبثُه ويُنقِّي طبْعَه عن أكلِه، وإنما يَرغبونَ في رُكوبِه ألا يَرغبَ طَبعُه فيما كانَ مَجبولًا عليهِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ الشرعَ إنما جاءَ بإحلالِ ما هو مُستطابٌ في الطَّبعِ، لا بما هو مُستخبَثٌ، ولهذا لم يَجعَلِ المُستخبَثَ في الطَّبعِ غِذاءَ اليُسرِ، وإنما جعَلَ ما هو مُستطابٌ بلَغَ في الطِّيبِ غايَتَه.

ولأنَّ الخَيلَ آلةُ إرهابِ العَدوِّ، فيُكرهُ أكلُها؛ احتِرامًا لها، ولهذا يُضرَبُ للفَرسِ سَهمانِ في الغَنيمةِ، ولأنَّ في إباحتِها تَقليلًا للجِهادِ.

وأما لَبنُها فلا بأسَ به؛ لأنه ليسَ في شُربِه تَقليلًا للجِهادِ.

(وأمَّا) السُّنةُ: فما رُويَ عن جابرٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «لمَّا كانَ يومُ خَيبَرَ أصابَ الناسَ مَجاعةٌ، فأخَذُوا الحُمرَ الأهليةِ فذَبَحوها، فحرَّمَ رَسولُ اللهِ لُحومَ الحُمرِ الإنسِيةِ، ولُحومَ الخَيلِ والبِغالِ، وكُلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، وكُلِّ ذِي مِخلبٍ مِنْ الطَّيرِ، وحرَّمَ الخِلسةَ والنُّهبةَ» (١).

وعن خالِدِ بنِ الوَليدِ رضي الله عنه أنه قالَ: «نهَى رَسولُ اللهِ عن أكلِ لُحومِ الخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ» (٢).

(١) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٨/ ٦٩).
(٢) ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٧٩٠)، وابن ماجه (٣١٩٨)، وأحمد (١٦٨٦٣).

وفي لَفظٍ: «وحَرامٌ عَليكُم حُمرُ الأهليَّةِ وخَيلُها وبِغالُها وكلُّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ وكلُّ ذي مِخلَبٍ مِنْ الطَّيرِ» (١)، وهذا نَصٌّ على التَّحريمِ.

وعن رَسولِ اللهِ أنه قالَ: «الخَيلُ لثَلاثةٍ، فهي لرَجلٍ سِتْرٌ، ولرَجلٍ أجرٌ، ولرَجلٍ وِزرٌ» (٢)، ولو صَلحَتْ للأكلِ لَقالَ عليه الصلاة والسلام: الخَيلُ لأربَعةٍ، لرُجلٍ سِتْرٌ، ولرَجلٍ أجرٌ، ولرَجلٍ وِزرٌ، ولرَجلٍ طَعامٌ.

(وأمَّا) دَلالةُ الإجماعِ: فهي أنَّ البَغلَ حَرامٌ بالإجماعِ، وهو وَلدُ الفَرسِ، فلو كانَتْ أمُّه حَلالًا لَكانَ هو حَلالًا أيضًا؛ لأنَّ حُكمَ الوَلدِ حُكمُ أمِّه؛ لأنه مِنها وهو كبَعضِها، ألَا تَرَى أنَّ حِمارَ وَحشٍ لو نُزِّيَ على حِمارةٍ أهلِيةٍ فوَلَدتْ لم يُؤكلْ وَلدُها؟! ولو نَزَا حِمارٌ أهليٌّ على حِمارةٍ وَحشيةٍ وولَدَتْ يُؤكلُ وَلدُها؟! ليُعلَمَ أنَّ حُكمَ الوَلدِ حُكمُ أمِّه في الحِلِّ والحُرمةِ دونَ الفَحلِ، فلما كانَ لَحمُ الفَرسِ حَرامًا كانَ لَحمُ البغلِ كذلكَ.

ولأنه ذُو حافرٍ، فَجازَ أنْ يَتعلقَ المَنعُ بأكلِه كالحَميرِ والبِغالِ، ولأنَّ الخَيلَ يُحتاجُ إليها للجِهادِ، وفي إباحةِ أكلِها تَطرُّقٌ إلى انقِطاعِ نَسلِها.

وما رُويَ في بَعضِ الرِّواياتِ عن جابرٍ وما في رِوايةٍ سيِّدتِنا أسماءَ رضي الله عنها يُحتملُ أنه كانَ ذلكَ في الحالِ التي كانَ يُؤكلُ فيها الحُمرُ؛ لأنَّ

(١) ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٨٠٦) قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «المَجموعِ» (٩/ ٥): واتَّفقَ العُلماءُ مِنْ أئمَّةِ الحَديثِ وغيرِهم على أنه حَديثٌ ضَعيفٌ، وقالَ بعضُهم: هو مَنسوخٌ.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٨).

النبيَّ عليه الصلاة والسلام إنما نهَى عن أكلِ لُحومِ الحُمرِ يومَ خَيبَرَ، وكانَتِ الخَيلُ تُؤكلُ في ذلكَ الوَقتِ ثم حُرِّمتْ، يَدلُّ عليهِ ما رُويَ عن الزُّهريِّ أنه قالَ: ما عَلِمْنا الخيلَ أُكلَتْ إلا في حِصارٍ.

وعن الحَسنِ رضي الله عنه أنه قالَ: «كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ يَأكلونَ لُحومَ الخَيلِ في مَغازيهِم»، فهذا يَدلُّ على أنهُم كانُوا يَأكلونَها في حالِ الضَّرورةِ كما قالَ الزُّهريُّ رحمة الله عليه، أو يُحملُ على هذا؛ عَملًا بالدَّليلِ صِيانةً لها عن التَّناقضِ، أو يَترجَّحُ الحاظِرُ على المُبيحِ احتِياطًا، وهذا الذي ذكَرْنا حُجَجُ أبي حَنيفةَ رضي الله عنه على رِوايةِ الحَسنِ أنه يَحرمُ أكلُ لَحمِ الخَيلِ (١).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ إلى كَراهةِ أكلِ لُحومِ الخَيلِ؛ لاختِلافِ الأحاديثِ المَرويةِ في البابِ واختلافِ السلَفِ، فكَرِهَ أكْلَ لَحمِه احتِياطًا لبابِ الحُرمةِ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٨، ٣٩)، و «البناية شرح الهداية» (١١/ ٥٩٤)، و «الاختيار» (٥/ ١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٩، ٤٧٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «الإستذكار» (٥/ ٢٩٧، ٢٩٨)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ٣٨٠، ٣٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٣٠) «التاج والإكليل» (٢/ ٢٤٢)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٣٨٢)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٢٩).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٨، ٣٩)، و «البناية شرح الهداية» (١١/ ٥٩٤)، و «الاختيار» (٥/ ١٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٤٦٩، ٤٧٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 738 - 742

ارجع إلى ما يحرم من حيوان البر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.9 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل