الحالة الثانية: أن يكون الشفيع غائبا

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > الحالة الثانية: أن يكون الشفيع غائبا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: أن يكون الشفيع غائبا - الأقوال والأدلة

كانَت المَسافةُ بَعيدةً؛ لأنَّ العادةَ جَرَت بتَقديمِ ذلك، وإذا لَقيَ المُشتَريَ، وقالَ: «السَّلامُ عليكم، أخَذتُ الشِّقصَ أو الشُّفعةَ بالثَّمنِ الذي اشتَرَيت به»، صَحَّ ذلك، ولا تَبطلُ شُفعتُه بالسَّلامِ؛ لأنَّ السَّلامَ قبلَ الكَلامِ سُنةٌ (١).

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الشَّفيعُ غائِبًا:

الشَّفيعُ إذا كانَ غائِبًا ولم يَعلَمْ بالشُّفعةِ فلا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه أحَقُّ بالشُّفعةِ إذا علِمَ، وأنَّ شُفعتَه لا تَسقُطُ وهو غائِبٌ ولم يَعلَمْ.

قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أمَّا شُفعةُ الغائِبِ فإنَّ أهلَ العِلمِ مُجمِعونَ على أنَّه إذا لم يَعلَمْ ببَيعِ الحِصةِ التي هو فيها شَريكٌ من الدُّورِ والأَرضينَ ثم قدِمَ فعلِمَ فله الشُّفعةُ مع طُولِ مُدةِ غَيبتِه (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: الذي له الشُّفعةُ رَجلانِ: حاضِرٌ أو غائِبٌ.

فأمَّا الغائِبُ فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الغائِبَ على شُفعتِه ما لم يَعلَمْ ببَيعِ شَريكِه (٣).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ (ومَن كانَ غائِبًا وعلِمَ بالبَيعِ في وَقتِ قُدومِه فله الشُّفعةُ وإنْ طالَت غَيبَتُه).

(١) «البيان» (٧/ ١٣١، ١٣٤)، ويُنْظَر: «النجم الوهاج» (٥/ ٢٤٧، ٢٥٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٣٧، ٣٣٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٧٣).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٧، ١٩٨).

وجُملةُ ذلك أنَّ الغائِبَ له شُفعةٌ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، رُوي ذلك عن شُريحٍ والحَسنِ وعَطاءٍ، وبه قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ والعَنبَريُّ وأَصحابُ الرأيِ.

ورُويَ عن النَّخَعيِّ: ليسَ للغائِبِ شُفعةٌ، وبه قالَ الحارِثُ العُكليُّ والبَتِّيُّ إلا للغائِبِ القَريبِ؛ لأنَّ إِثباتَ الشُّفعةِ له يَضرُّ بالمُشتَري ويَمنعُ من استِقرارِ مِلكِه وتَصرُّفِه على حَسبِ اختيارِه خَوفًا من أخْذِه، فلم يَثبُتْ ذلك كثُبوتِه للحاضِرِ على التَّراخي.

ولنا: عُمومُ قَولِه عليه السلام: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» وسائِرُ الأَحاديثِ، ولأنَّ الشُّفعةَ حَقٌّ مالِيٌّ وُجدَ سَببُه بالنِّسبةِ إلى الغائِبِ فيَثبُتُ له كالإِرثِ، ولأنَّه شَريكٌ لم يَعلَمْ بالبَيعِ فتَثبُتُ له الشُّفعةُ عندَ عِلمِه، كالحاضِرِ إذا كتَمَ عنه البَيعَ وكالغائِبِ غَيبةً قَريبةً، وضَررُ المُشتَري يَندفِعُ بإِيجابِ القيمةِ له كما في الصُّورةِ المَذكورةِ.

إذا ثبَتَ هذا أنَّه إذا لم يَعلَمْ بالبَيعِ إلا وَقتَ قُدومِه فله المُطالَبةُ وإنْ طالَت غَيبَتُه -لأنَّ هذا الخيارَ يَثبُتُ لإِزالةِ الضَّررِ عن المالِ- فتَراخي الزَّمانِ قبلَ العِلمِ به لا يُسقِطُه كالرَّدِّ بالعَيبِ (١).

إلا أنَّ فُقهاءَ المَذاهبِ الأربَعةِ اختَلَفوا فيما لو علِمَ وهو غائِبٌ ولم يُشهِدْ أو لم يَطلُبْها، هل تَسقُطُ شُفعتُه أو هو على شُفعتِه أبَدًا حتى يَقدَمَ ولو لم يُشهِدْ؟

(١) «المغني» (٥/ ١٩٠، ١٩١).

قالَ المالِكيةُ: لا تَسقُطُ شُفعتُه؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ من حَديثِ جابِرٍ أنَّه قالَ: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه -أو قالَ بشُفعتِه- ينتَظرُ بها إذا كانَ غائِبًا»، وأيضًا فإنَّ الغائِبَ في الأكثَرِ مُعوَّقٌ عن الأخْذِ بالشُّفعةِ فوجَبَ عُذرُه (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّفيعَ إذا كانَ غائِبًا عن بَلدِ المُشتَري وعلِمَ بالشُّفعةِ فليُشهِدْ على الطَّلبِ أو فليُوكِّلْ إنْ قدِرَ، فإنْ ترَكَ الإِشهادَ أو التَّوكيلَ حينَ العِلمِ مع قُدرتِه عليه بطَلَ حَقُّه.

وفي مُقابِلِ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ: لا يَبطُلُ حَقُّه (٢).

قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَ الشَّفيعُ حين علِمَ بالبَيعِ غائِبًا عن البَلدِ فإنْ أشهَدَ حينَ علِمَ أو وكَّلَ من يأخُذُ له بالشُّفعِة فهو على شُفعتِه، وإنْ علِمَه ولم يُشهِدْ ولم يُوكِّلْ حينَ بلَغَه ذلك مع قُدرتِه عليه وسكَتَ ساعةً بطَلَت شُفعتُه؛ لأنَّ الغائِبَ يَقدِرُ على الطَّلبِ كما يَقدِرُ عليه الحاضِرُ، وإنْ أخبَرَ بكِتابٍ والشُّفعةُ في أوَّلِه أو وَسَطِه وقَرَأ الكِتابَ إلى آخِرِه قبلَ الطَّلبِ بطَلَت شُفعتُه، على هذا عامَّةُ المَشايخِ وهذا على اعتِبارِ الفَورِ.

وعن مُحمدٍ: له مَجلِسُ العِلمِ (٣).

(١) «الاستذكار» (٧/ ٧٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٨).
(٢) «النجم الوهاج» (٥/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٣٨)، و «المغني» (٥/ ١٩٠، ١٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٢)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨).

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ علِمَ وهو في السَّفرِ فلَم يُشهِدْ على مُطالَبتِه فلا شُفعةَ له):

ظاهِرُ هذا أنَّه مَتى علِمَ الغائِبُ بالبَيعِ وقدِرَ على الإِشهادِ وعلى المُطالَبةِ فلم يَفعَلْ فشُفعتُه تَسقُطُ، سَواءٌ قدِرَ على التَّوكيلِ أو عجَزَ عنه، أو سارَ عُقَيبَ العِلمِ أو أقامَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ في رِوايةِ أَبي طالِبٍ في الغائِبِ له الشُّفعةُ إذا بلَغَه أشهَدَ وإلا فليسَ له شَيءٌ، وهو وَجهٌ للشافِعيِّ.

والوَجهُ الآخَرُ: لا يَحتاجُ إلى الإِشهادِ؛ لأنَّه ثبَتَ عُذرُه فالظاهِرُ أنَّه ترَكَ الشُّفعةَ لذلك فقُبلَ قَولُه فيه.

ولنا: أنَّه قد يَتركُ الطَّلبَ للعُذرِ وقد يَتركُه لغَيرِه، وقد يَسيرُ لطَلبِ الشُّفعةِ وقد يَسيرُ لغيرِه، وقد قدِرَ أنْ يُبيِّنَ ذلك بالإِشهادِ، فإذا لم يَفعَلْ سقَطَت شُفعتُه كتارِكِ الطَّلبِ مع حُضورِه.

وقالَ القاضِي: إنْ سارَ عُقَيبَ عِلمِه إلى البَلدِ الذي فيه المُشتَري من غيرِ إِشهادٍ احتَمَل ألَّا تَبطُلَ شُفعتُه؛ لأنَّ ظاهِرَ سَيرِه أنَّه للطَّلبِ، وهو قَولُ أَصحابِ الرأيِ والعَنبَريِّ وهو قَولٌ للشافِعيِّ.

وقالَ أَصحابُ الرأيِ: له من الأجَلِ بعدَ العِلمِ قَدرُ السَّيرِ، فإنْ مَضى الأجَلُ قبلَ أنْ يَبعثَ أو يَطلُبَ بطَلَت شُفعتُه، وقالَ العَنبَريُّ: له مَسافةُ الطَّريقِ ذاهِبًا وجائِيًا؛ لأنَّ عُذرَه في تَركِ الطَّلبِ ظاهِرٌ، فلم يَحتَجْ معه إلى الشَّهادةِ وقد ذَكَرنا وَجهَ قَولِ الخِرقيِّ.

ولا خِلافَ في أنَّه إذا عجَزَ عن الإِشهادِ في سَفرِه فشُفعتُه لا تَسقُطُ لأنَّه مَعذورٌ في تَركِه، فأشبَهَ ما لو ترَكَ الطَّلبَ لعُذرِه أو لعَدمِ العِلمِ، ومتى قدِرَ على الإِشهادِ فأخَّرَه كانَ كتأخيرِ الطَّلبِ للشُّفعةِ، إنْ كانَ لعُذرٍ لم تَسقُطِ الشُّفعةُ، وإنْ كانَ لغيرِ عُذرٍ سقَطَت؛ لأنَّ الإِشهادَ قائِمٌ مَقامَ الطَّلبِ ونائِبٌ عنه، فيُعتبَرُ له ما يُعتبَرُ للطَّلبِ.

ومَن لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه كالصَّبيِّ والمَرأةِ والفاسِقِ فتَرَك الإِشهادَ لم تَسقُطْ شُفعتُه بتَركِه؛ لأنَّ قَولَهم غيرُ مُعتبَرٍ فلم يَلزَمْ إِشهادُهم كالأَطفالِ والمَجانينِ، وإنْ لم يَجِدْ مَنْ يُشهِدُه إلا مَنْ لا يَقدَمُ معه إلى مَوضعِ المُطالَبةِ فلم يُشهِدْ فالأَوْلى أنَّ شُفعتَه لا تَبطُلُ؛ لأنَّ إِشهادَه لا يُفيدُ فأشبَهَ إِشهادَ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه، فإنْ لم يَجِدْ إلا مَستورَيِ الحالِ فلم يُشهِدهما احتَمَل أنْ تَبطُلَ شُفعتُه؛ لأنَّ شهادَتَهما يُمكنُ إِثباتُها بالتَّزكيةِ فأشبَها العَدلَينِ.

ويُحتملُ ألَّا تَبطُلَ؛ لأنَّه يَحتاجُ في إِثباتِ شهادَتِهما إلى كُلفةٍ كَثيرةٍ وقد لا يَقدِرُ على ذلك، فلا تُقبلُ شَهادتُهما، وإنْ أشهَدَهما لم تَبطُلْ شُفعتُه، سَواءٌ قُبِلت شَهادتُهما أو لم تُقبَلْ؛ لأنَّه لم يُمكِنْه أكثَرُ من ذلك فأشبَهَ العاجِزَ عن الإِشهادِ، كذلك إنْ لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ واحِدٍ فأشهَدَه أو ترَكَ إِشهادَه (١).

(١) «المغني» (٥/ ١٩٠، ١٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب إحياء الموات
باب ما يكون إحياء

باب ما يكون إحياءٌ

مسألة

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَالْإِحْيَاءُ مَا عَرَفَهُ النَّاسُ إحياءٌ لِمِثْلِ الْمُحَيَّا إِنْ كَانَ مَسْكَنًا فَبِأَنْ يَبْنِيَ بِمِثْلِ مَا يَكُونُ مِثْلُهُ بِنَاءً وَإِنْ كَانَ لِلدَّوَابِّ فَبِأَنْ يَبْنِيَ مَحْظَرَةً وَأَقَلُّ عِمَارَةِ الزَّرْعِ الَّتِي تُمْلَكُ بِهَا الْأَرْضُ أَنْ يَجْمَعَ تُرَابًا يُحِيطُ بِهَا تَتَبَيَّنُ بِهِ الْأَرْضُ مِنْ غَيْرِهَا وَيَجْمَعَ حَرْثَهَا وَزَرْعَهَا وَإِنْ كَانَ لَهُ عَيْنُ ماءٍ أَوْ بئرٌ حَفَرَهَا أَوْ سَاقَهُ مِنْ نهرٍ إِلَيْهَا فَقَدْ أَحْيَاهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذِكْرَ الْإِحْيَاءَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا، لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهِ عُرْفًا وَكُلُّهُمْ إِلَيْهِ كَمَا أَطْلَقَ ذِكْرَ الْحِرْزِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ وَالتَّفْرِيطِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، لِأَنَّ لِلنَّاسِ فِيهِ عُرْفًا لِأَنَّ مَا لَمْ يَتَقَدَّرْ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ كَانَ تَقْدِيرُهُ مَأْخُوذًا مِنَ الْعُرْفِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَعُرْفُ النَّاسِ فِي الْإِحْيَاءِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُحَيَّا فَيُقَالُ لِلْمُحْيِي لِمَاذَا تريد إحياؤه؟ فإن قال أريد إحياؤه لِلسُّكْنَى قِيلَ فَأَقَلُّ الْإِحْيَاءِ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ مَالِكًا أَنْ تَبْنِيَ حِيطَانًا تَحْظُرُ، وَسَقْفًا يُورِي، فَإِذَا بَنَيْتَ الْحِيطَانَ وَالسَّقْفَ فَقَدْ أَحْيَيْتَهُ وَمَلَكْتَهُ، وَلَوْ بَنَيْتَ وَلَمْ تَسْقُفْ لَمْ يَكْمُلِ الْإِحْيَاءُ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ، لِأَنَّ سُكْنَى مَا لَمْ يَسْقُفْ غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الْعُرْفِ.

فَصْلٌ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 641 - 645

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله