الركن الأول: المأخوذ

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > الركن الأول: المأخوذ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

الركن الأول: المأخوذ - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الأولُ: المَأخوذُ:

وهو المَشفوعُ فيه (مَحلُّ الشُّفعةِ وهو الشَّيءُ الذي يُريدُ الشَّفيعُ أنْ يَتملَّكَه بالشُّفعةِ) وهو الأرضُ والعَقارُ.

الشُّفعةُ تَثبُتُ في أَشياءَ مُتَّفقٍ عليها بينَ الفُقهاءِ، كالشَّريكِ الذي له حِصةٌ شائِعةٌ في العَقارِ المَبيعِ ما لم يُقسَمْ يَثبتُ له حَقُّ الشُّفعةِ بالإِجماعِ.

واختَلَفوا في الجارِ، هل يَثبُتُ له حَقُّ الشُّفعةِ، وكذا الشُّفعةُ في المَنفَعةِ هل تَثبُتُ أو لا؟

وكذا الشُّفعةُ في العُروضِ هل تَثبُتُ أو لا؟ على تَفصيلٍ بَيانُه فيما يَلي:

أولاً: الشُّفعةُ للشَّريكِ في العَقارِ الذي لم يُقسَمْ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه تَثبُتُ الشُّفعةُ للشَّريكِ الذي له حِصةٌ شائِعةٌ في حِصةِ شَريكِه من العَقارِ الذي لم يُقسَمْ، لمَا رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ بالشُّفعةِ في كلِّ شَركةٍ لم تُقسَّمْ رَبعةٍ أو حائِطٍ لا يَحلُّ له أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه، فإنْ شاءَ أخَذَ وإنْ شاءَ ترَكَ، فإذا باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (١).

وعن جابِرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنْ كانَت له شَركةٌ في أرضٍ أو رِباعٍ فليس له أنْ يَبيعَ حتى يَستأذِنَ شَريكَه؛ فإنْ شاءَ أخَذَه، وإنْ شاءَ ترَكَه» (٢).

(١) أخرجه البخاري (٢١٣٨)، ومسلم (١٦٠٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» (١٤٤٠٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٢٢٧٣٠).

قالَ الإِمامُ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ جعَلَ الشُّفعةَ في كلِّ مالٍ لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ.

وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على إِثباتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ الذي لم يُقاسِمْ فيما بِيعَ من أَرضٍ أو دارٍ أو حائِطٍ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ حَديثَ جابِرٍ: اتَّفقَ جَماعةُ الفُقهاءِ على القَولِ بهذا الحَديثِ، وأوجَبوا الشُّفعةَ للشَّريكِ في المَشاعِ من الرِّباعِ، وكلِّ ما تأخُذُه الحُدودُ وتَحتمِلُه القِسمةُ (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الشُّفعةَ -في الدُّورِ والأَرضينَ والحَوانيتِ والرِّباعِ- كلَّها بينَ الشُّركاءِ في المَشاعِ من ذلك كلِّه، وأنَّها سُنةٌ مُجمَعٌ عليها يَجبُ التَّسليمُ لها (٣).

وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلِمونَ على ثُبوتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ في العَقارِ ما لم يُقسَمْ (٤).

واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ما يُمكِنُ قِسمتُه من العَقارِ تَجوزُ الشُّفعةُ فيه، كالحَمَّامِ الكَبيرِ الواسِعِ في البُيوتِ بحيث إذا قُسِّم لم يُضَرَّ بالقِسمةِ، وأمكَنَ الانتِفاعُ به بكَونِه حَمَّامَينِ، فإنَّ الشُّفعةَ تَجبُ فيه، وكذلك البِئرُ متى أمكَنَ

(١) «الإشراف» (٦/ ١٥٢)، و «الإجماع» (٥٠٩).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٧٦).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ٦٧).
(٤) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٤٥).

أنْ يَحصُلَ من ذلك شَيئانِ كالبِئرِ تَنقسِمَ بِئرَينِ يَرتَقي الماءُ منهما وجَبَت الشُّفعةُ، وكذلك إنْ كانَ مع البِئرِ بَياضُ أرضٍ بحيث تَحصُلُ البِئرُ في أحدِ النَّصيبَينِ وجَبَت الشُّفعةُ أيضًا؛ لأنَّه يُمكنُ القَسمُ.

إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا فيما لا يُمكِنُ قِسمتُه أو بحيث إذا قُسِّم بطَلَت مَنفعتُه المَقصودةُ منه، كالحَمَّامِ الصَّغيرِ الذي لا تُمكِنُ قِسمتُه، وكالطَّريقِ الضَّيقِ الذي إذا قُسِّم لم يَحصُلْ منه طَريقانِ، هل تَصحُّ الشُّفعةُ فيه أو لا؟

فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ عنه والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المَبيعُ الذي تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ ممَّا يُمكنُ قِسمتُه، فأمَّا ما لا يُمكنُ قِسمتُه من العَقارِ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ والرَّحى الصَّغيرةِ والعِضادةِ والطَّريقِ الضَّيقةِ بحيث إذا قُسِّمت لم يُصِبْ كلُّ واحِدٍ منها طَريقًا، وكالعِراصِ الضَّيقةِ، فلا شُفعةَ في ذلك؛ لأنَّها تَبطُلُ مَنفَعتُها، فكلُّ ما لو قُسِّم بطَلَت مَنفَعتُه المَقصودةُ منه بألَّا يُنتفَعَ به بعدَ القِسمةِ من الوَجهِ الذي كانَ يُنتفَعُ به قبلَها كحَمَّامٍ ورَحًى صَغيرَينِ لا يُمكنُ تَعدُّدُهما لا شُفعةَ فيه.

وذلك لمَا رُويَ عن النَّبيِّ أنَّه قالَ: «لا شُفعةَ في فِناءٍ ولا طَريقٍ ولا مَنقَبةٍ» (١)، والمَنقَبةُ الطَّريقُ الضَّيقُ بينَ دارَينِ لا يُمكنُ أنْ يَسلكَه أحدٌ، رَواه أَبو الخَطابِ في رُؤوسِ المَسائلِ.

(١) رواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٣/ ١٢١).

ورُويَ عن عُثمانَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «لا شُفعةَ في بِئرٍ ولا فَحلٍ» (١).

ولأنَّ الحَديثَ: «إذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ»، والحُدودُ إنَّما تَقعُ فيما يَقبلُ القِسمةَ، فإذًا تَقديرُ الحَديثِ: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ يَقبلُ القِسمةَ ما لم يُقسَمْ، ولأنَّ إِثباتَ الشُّفعةِ فيما لا يَنقسِمُ يَضرُّ بالبائِعِ؛ لأنَّه لا يُمكنُه أنْ يَتخلَّصَ من إِثباتِ الشُّفعةِ في نَصيبِه بالقِسمةِ، وقد يَمتنِعُ المُشتَري لأجلِ الشَّفيعِ فيَتضرَّرُ البائِعُ، وقد يَمتنِعُ البَيعُ فتَسقطُ الشُّفعةُ فيُؤدِّي إِثباتُها إلى نَفيِها.

ويُمكنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَثبُتُ لدَفعِ الضَّررِ الذي يَلحَقُه بالمُقاسَمةِ؛ لمَا يَحتاجُ إليه من إِحداثِ المَرافقِ الخاصةِ، ولا يُوجدُ هذا فيما لا يَنقسِمُ (٢).

(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٣٩٨)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٤٤٢٨)، وابن أبي شيبة (٢٢٠٧١).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٤٩، ١٥٠)، رقم (١٠٠٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٥١، ٣٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٦٤، ١٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢١٣، ٢١٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٣٣)، و «البيان» (٧/ ١٠٣، ١٠٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٢٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الديباج» (٢/ ٤١٢)، و «المغني» (٥/ ١٨١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٠٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٦٩، ١٧٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٩٨)، و «الروض المربع» (٢/ ١٣١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ ثانيةٍ عنه والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ فيما يُقسَمُ كالدُّورِ والحَوانيتِ والقُرى وما لا يُقسَمُ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ والبِئرِ والرَّحى؛ لأنَّها وُضِعت لإِزالةِ الضَّررِ، ووُجودُه فيما لا يُقسَمُ أبلَغُ منه فيما يُقسَمُ، ولأنَّ النُّصوصَ المُوجِبةَ للشُّفعةِ لم تُفصَّلْ، فعَن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قالَ: «الشُّفعةُ في كلِّ شِركٍ في أرضٍ، أو رَبعٍ، أو حائِطٍ، لا يَصلُحُ أنْ يَبيعَ حتى يَعرِضَ على شَريكِه، فيأخُذَ أو يَدعَ، فإنْ أبَى فشَريكُه أحَقُّ به حتى يُؤذِنَه» (١)، إلى غيرِ ذلك من العُموماتِ، ولأنَّ الشُّفعةَ سَببُها الاتِّصالُ في المِلكِ، والحِكمةُ دَفعُ ضَررِ سُوءِ الجِوارِ، وأنَّه يَنتظِمُ القِسمَينِ، ما يُقسَمُ وما لا يُقسَمُ، والضَّررُ فيما لا يُقسَمُ أبلَغُ منه فيما يُقسَمُ؛ لأنَّه يَتأبَّدُ ضَررُه فتَجوزُ الشُّفعةُ فيه؛ لأنَّ العِلةَ هي دَفعُ ضَررِ الشَّركةِ فيما يَدومُ، وكلٌّ من الضَّررَينِ حاصِلٌ قبلَ البَيعِ، ومن حَقِّ الراغِبِ فيه من الشَّريكَينِ أنْ يُخلِّصَ صاحِبَه منهما بالبَيعِ له، فإذا باعَ لغيرِه سلَّطَه الشَّرعُ على أخذِه منه: «قَضى رَسولُ اللهِ بالشُّفعةِ في كلِّ شَركةٍ لم تُقسَّمْ، رَبعةٍ أو حائِطٍ، لا يَحلُّ له أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه، فإنْ شاءَ أخَذَ وإنْ شاءَ ترَكَ، فإذا باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (٢) (٣).

(١) أخرجه مسلم (١٦٠٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢١٣٨)، ومسلم (١٦٠٨).
(٣) «الهداية» (٤/ ٣٤)، و «العناية» (١٣/ ٤٨٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٩١)، و «الاختيار» (٢/ ٥١)، و «اللباب» (١/ ٥٠٦)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٤٩، ١٥٠)، رقم (١٠٠٢)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٣٥١، ٣٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٦٤، ١٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢١٣، ٢١٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٣٣)، و «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٣٣)، و «البيان» (٧/ ١٠٣، ١٠٤)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٢٢٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الديباج» (٢/ ٤١٢)، و «المغني» (٥/ ١٨١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٦٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٠٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
ركن الهبة

لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ جَعَلَهُ أَمِينًا فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ ضَمِينًا فِيمَا جَعَلَهُ الْعَاقِدُ أَمِينًا.

وَلَوْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فِيمَا خَلَفَ، فَإِنَّهُ يَعُودُ دَيْنًا فِيمَا خَلَفَ الْمُضَارِبُ، وَكَذَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَا تُعْرَفُ الْأَمَانَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّجْهِيلِ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَدِيعَةِ، وَلَا تُصَدَّقُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الْمَالِ.

وَلَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ الْمَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ، يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانَةً فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَيُصَدِّقُونَ عَلَى الْهَلَاكِ وَالدَّفْعِ إلَى صَاحِبِهِ، كَمَا يُصَدِّقُ الْمَيِّتُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْهِبَةِ

رُكْنِ الْهِبَةِ

(كِتَابُ الْهِبَةِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 566 - 570

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله