الركن الرابع: في الأخذ بالشفعة

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > الركن الرابع: في الأخذ بالشفعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الركن الرابع: في الأخذ بالشفعة - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الرابِعُ: في الأخذِ بالشُّفعةِ:

والنَّظرُ في هذا الرُّكنِ يَتضمَّنُ عِدةَ مَسائلَ:

بماذا يأخُذُ الشَّفيعُ الشِّقصَ المَشفوعَ؟

الشَّريكُ إذا باعَ نَصيبَه لأجنَبيٍّ بثَمنٍ مَعلومٍ فأَرادَ الشَّريكُ أنْ يأخُذَه بالشُّفعةِ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:

الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الثَّمنُ حالًّا:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشَّريكَ إذا باعَ بثَمنٍ حالٍّ مَعلومٍ ثم جاءَ شَريكُه الآخَرُ وأَرادَ أنْ يأخُذَ نَصيبَ شَريكِه بالشُّفعةِ فإنَّه يأخُذُه بالثَّمنِ الذي وقَعَ به العَقدُ حالًّا؛ لأنَّ الشَّفيعَ إنَّما استحَقَّ الشِّقصَ بالبَيعِ فكانَ مُستحِقًّا له بالعِوضِ الثابِتِ به، لا بالقيمةِ، فيَدفعُ مثلَ مِثليٍّ، وقيمةَ مُتقوَّمٍ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: إنَّ الشَّفيعَ استحَقَّ أخْذَه بغيرِ رِضا مالِكِه فيَنبَغي أنْ يأخُذَ بقيمَتِه كالمُضطَرِّ يأخُذُ طَعامَ غيرِه، قُلنا: المُضطَرُّ استحَقَّ أخْذَه بسَببِ حاجةٍ خاصةٍ، فكانَ المَرجعُ في بَدلِه إلى قيمَتِه، والشَّفيعُ استحَقَّه لأجلِ البَيعِ، ولهذا لو انتقَلَ بهِبةٍ أو مِيراثٍ لم يَستحِقَّ الشُّفعةَ، وإذا استحَقَّ ذلك بالبَيعِ وجَبَ أنْ يَكونَ بالعِوضِ الثابِتِ بالبَيعِ.

إذا ثبَتَ هذا فإنَّا نَنظُرُ في الثَّمنِ، فإنْ كانَ دَنانيرَ أو دَراهمَ أَعطاه الشَّفيعُ مِثلَه، وإنْ كانَ ممَّا لا مِثلَ له كالثِّيابِ والحَيوانِ فإنَّ الشَّفيعَ يَستحِقُّ الشِّقصَ بقيمةِ الثَّمنِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وبه يَقولُ أَصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن الحَسنِ وسَوَّارٍ أنَّ الشُّفعةَ لا تَجبُ ههنا؛ لأنَّها تَجبُ بمِثلِ الثَّمنِ، وهذا لا مِثلَ له، فتَعذَّرَ الأخْذُ فلم يَجِبْ كما لو جهِلَ الثَّمنَ.

ولنا: أنَّه أحدُ نَوعَيِ الثَّمنِ فجازَ أنْ تَثبُتَ به الشُّفعةُ في المَبيعِ كالمِثليِّ، وما ذَكَروه لا يَصحُّ؛ لأنَّ المِثلَ يَكونُ من طَريقِ الصُّورةِ ومِن طَريقِ القيمةِ، كبَدلِ المُتلَفِ.

فأمَّا إنْ كانَ الثَّمنُ من المِثلياتِ غيرِ الأَثمانِ كالحُبوبِ والأَدهانِ فقالَ أَصحابُنا: يأخُذُه الشَّفيعُ بمِثلِه؛ لأنَّه من ذَواتِ الأَمثالِ فهو كالأَثمانِ، وبه يَقولُ أَصحابُ الرأيِ وأَصحابُ الشافِعيِّ، ولأنَّ هذا مِثلٌ من طَريقِ الصُّورةِ والقيمةِ، فكانَ أَولى من المُماثِلِ في إِحداهما، ولأنَّ الواجِبَ بَدلُ الثَّمنِ، فكانَ مِثلَه كبَدلِ القَرضِ والمُتلَفِ.

فَصلٌ: ويَستحِقُّ الشَّفيعُ الشِّقصَ بالثَّمنِ الذي استقَرَّ عليه العَقدُ: فلو تَبايَعا بقَدرٍ ثم غَيَّراه في زَمنِ الخيارِ بزِيادةٍ أو نَقصٍ ثبَتَ ذلك التَّغييرُ في حَقِّ الشَّفيعِ؛ لأنَّ حَقَّ الشَّفيعِ إنَّما يَثبُتُ إذا تمَّ العَقدُ، وإنَّما يُستحَقُّ بالثَّمنِ الذي هو ثابِتٌ حالَ استِحقاقِه، ولأنَّ زَمنَ الخيارِ بمَنزِلةِ حالةِ العَقدِ، ولأنَّ التَّغييرَ يَلحَقُ بالعَقدِ فيه؛ لأنَّهما على اختيارِهم فيه، كما لو كانَ حالَ العَقدِ، فأمَّا إذا انقَضى الخيارُ وانبَرَم العَقدُ فزادا أو نَقَصا لم يُلحَقْ بالعَقدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ بعدَه

هِبةٌ يُعتبَرُ لها شُروطُ الهِبةِ، والنَّقصُ إِبراءٌ مُبتَدأٌ، ولا يَثبُتُ ذلك في حَقِّ الشَّفيعِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.

وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَثبُتُ النَّقصُ في حَقِّ الشَّفيعِ دونَ الزِّيادةِ، وإنْ كانَ عندَه يُلحَقانِ بالعَقدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ تَضرُّ الشَّفيعَ فلم يَملِكْها بخِلافِ النَّقصِ.

وقالَ مالِكٌ: إنْ بَقيَ ما يَكونُ ثَمنًا أُخذَ به، وإنْ حَطَّ الأكثَرَ أخَذَه بجَميعِ الثَّمنِ الأولِ.

ولنا: أنَّ ذلك يُعتبَرُ بعدَ استِقرارِ العَقدِ فلم يَثبُتْ في حَقِّ الشَّفيعِ كالزِّيادةِ، ولأنَّ الشَّفيعَ استحَقَّ الأخْذَ بالثَّمنِ الأولِ قبلَ التَّغييرِ فلم يُؤثِّرِ التَّغييرُ بعدَ ذلك فيه كالزِّيادةِ، وما ذَكَروه من العُذرِ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ ذلك لو لحِقَ العَقدَ لزِمَ الشَّفيعَ وإنْ أضَرَّ به كالزِّيادةِ في مُدةِ الخيارِ، ولأنَّه حَطَّ بعدَ لُزومِ العَقدِ فأشبَهَ حَطَّ الجَميعِ أو الأكثَرِ عندَ مالِكٍ.

فَصلٌ: وإنْ كانَ الثَّمنُ ممَّا تَجبُ قيمَتُه فإنَّها تُعتبَرُ وَقتَ البَيعِ؛ لأنَّه وَقتُ الاستِحقاقِ، ولا اعتِبارَ بعدَ ذلك بالزِّيادةِ والنَّقصِ، وإنْ كانَ فيه خيارٌ اعتُبِرت القيمةُ حين انقِضاءِ الخيار واستِقرارِ العَقدِ؛ لأنَّه وَقتُ استِحقاقِ الشُّفعةِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ أنَّه يأخُذُه بقيمَتِه يَومَ المُحاكَمةِ، وليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ وَقتَ الاستِحقاقِ وَقتُ العَقدِ، وما زادَ بعدَ ذلك حصَلَ في مِلكِ البائِعِ فلا يَقومُ للمُشتَري، وما نقَصَ فمِن مالِ البائِعِ فلا يَنقُصُ به حَقُّ المُشتَري (١).

(١) «المغني» (٥/ ٢٠٠، ٢٠١)، ويُنْظَر: «شرح الزركشي» (٢/ ١٧٠)، و «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٩٨)، و «المبدع» (٥/ ٢٢٣)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٩٤)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٧٢)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٣٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٠٩)، و «الاختيار» (٢/ ٥٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٩٣)، و «اللباب» (١/ ٥١٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٢١٤، ٢١٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٤٣٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٢٨)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ١٢٦، ١٢٧)، و «الديباج» (٢/ ٤١٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
ركن الهبة

لِرَبِّ الْمَالِ هَذَا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ جَعَلَهُ أَمِينًا فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ ضَمِينًا فِيمَا جَعَلَهُ الْعَاقِدُ أَمِينًا.

وَلَوْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُوجَدْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ فِيمَا خَلَفَ، فَإِنَّهُ يَعُودُ دَيْنًا فِيمَا خَلَفَ الْمُضَارِبُ، وَكَذَا الْمُودِعُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَبْضِعُ وَكُلُّ مَنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَا تُعْرَفُ الْأَمَانَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالتَّجْهِيلِ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَدِيعَةِ، وَلَا تُصَدَّقُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَالتَّسْلِيمِ إلَى رَبِّ الْمَالِ.

وَلَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ الْمَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ عُلِمَ ذَلِكَ، يَكُونُ ذَلِكَ أَمَانَةً فِي وَصِيَّةٍ، أَوْ فِي يَدِ وَارِثِهِ، كَمَا كَانَ فِي يَدِهِ، وَيُصَدِّقُونَ عَلَى الْهَلَاكِ وَالدَّفْعِ إلَى صَاحِبِهِ، كَمَا يُصَدِّقُ الْمَيِّتُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْهِبَةِ

رُكْنِ الْهِبَةِ

(كِتَابُ الْهِبَةِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 616 - 618

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل