ثانيا: الشفعة للجار

الإسلام > الأوقاف والملكية > أركان الشفعة وشروطها > ثانيا: الشفعة للجار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

ثانيا: الشفعة للجار - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الشُّفعةُ للجارِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الجارِ، هل يَثبُتُ له حَقُّ الشُّفعةِ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّها تَثبُتُ للشَّريكِ أولًا.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في الشُّفعةِ أنْ يَكونَ مَشاعًا غيرَ مَقسومٍ، فأمَّا الجارُ فلا شُفعةَ له لمَا رَواه جَابِرُ بنُ عبدِ اللهِ رضي الله عنه قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ بالشُّفعةِ في كلِّ ما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ، فلا شُفعةَ» (١).

وفي لَفظٍ: «إنَّما الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» (٢).

ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ على عَدمِ ثُبوتِ الشُّفعةِ للجارِ؛ لأنَّ قَولَ النَّبيِّ : «إذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ»، فإنَّ الجارَ قد حدَّدَ مالَه من مالِ جارِه، ولا اشتِراكَ له معه، وهذا ضِدُّ قَولِ مَنْ قالَ بالشُّفعةِ للجارِ، وقَولُه : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» يَنفي الشُّفعةَ في كلِّ مَقسومٍ.

فصَدرُ الحَديثِ إِثباتُ الشُّفعةِ في غيرِ المَقسومِ ونَفيُها في المَقسومِ؛ لأنَّ كَلمةَ «إنَّما» لإِثباتِ المَذكورِ ونَفيِ ما عَداه، وآخِرُه نَفيُ الشُّفعةِ عندَ وُقوعِ الحُدودِ وصَرفِ الطُّرقِ، والحُدودُ بينَ الجارَينِ واقِعةٌ والطُّرقُ مَصروفةٌ،

(١) أخرجه البخاري (٢١٣٨)، و «مسلم» (١٦٠٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥١٤)، وابن ماجه (٢٤٩٩).

فكانَت الشُّفعةُ مَنفيةً، ولأنَّ الأخذَ بالشُّفعةِ تَملُّكُ مالِ المُشتَري من غيرِ رِضاه، وعِصمةُ مِلكِه، وكَونُ التَّملُّكِ إِضرارًا يَمنعُ من ذلك، فكانَ يَنبَغي ألَّا يَثبُتَ حَقُّ الأخْذِ أَصلًا إلا أنَّا عَرَفنا ثُبوتَه فيما لم يُقسَمْ بالنَّصِّ غيرَ مَعقولِ المَعنى، فبَقيَ الأمرُ في المَقسومِ على الأصلِ، أو ثبَتَ مَعلولًا بدَفعِ ضَررٍ خاصٍّ، وهو ضَررُ القِسمةِ؛ لكَونِه ضَررًا لازِمًا لا يُمكنُ دَفعُه إلا بالشُّفعةِ، فأمَّا ضَررُ الجِوارِ فليسَ بلازِمٍ، بل هو مُمكنُ الدَّفعِ بالرَّفعِ إلى السُّلطانِ والمُقابَلةِ بنَفسِه، فلا حاجةَ إلى دَفعِه بالشُّفعةِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولأنَّ الشُّفعةَ ثَبتَت في مَوضِعِ الوِفاقِ على خِلافِ الأَصلِ لمَعنًى مَعدومٍ في مَحلِّ النِّزاعِ فلا ثبَتَت فيه، وبَيانُ انتِفاءِ المَعنى هو أنَّ الشَّريكَ ربَّما دخَلَ عليه شَريكٌ فيَتأذَّى به، فتَدعوه الحاجةُ إلى مُقاسَمتِه، أو يُطالِبُ الداخِلُ بالمُقاسَمةِ فيَدخلُ الضَّررُ على الشَّريكِ بنَقصِ قيمةِ مِلكِه وما يَحتاجُ إلى إِحداثِه من المَرافقِ، وهذا لا يُوجدُ في المَقسومِ (١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ففي الحَديثِ دَليلانِ: أَحدُهما: قَولُه: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» فكانَ دُخولُ الألِفِ واللَّامِ مُستوعِبًا لجِنسِ الشُّفعةِ، فلم تَجِبْ في المَقسومِ شُفعةٌ.

والثانِي: قَولُه: «فإذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ»، فصرَّحَ بسُقوطِ الشُّفعةِ مع عَدمِ الخُلطةِ، فإنْ قيلَ: فإنَّما نَفَى الشُّفعةَ عنه بالقِسمةِ الحادِثةِ بعدَه ففيه جَوابانِ:

(١) «المغني» (٥/ ١٧٩)، ويُنْظَر: «التمهيد» (٧/ ٤٨).

أَحدُهما: أنَّه مَحمولٌ على عُمومِ القِسمةِ حادِثةً ومُتقدِّمةً.

والثانِي: أنَّه إنَّما نَفَى الشُّفعةَ عن المَقسومِ بما أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ، فلمَّا أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ بالبَيعِ دَلَّ على أنَّه نَفاها عن المَقسومِ بالبَيعِ، ورَوى أبو داودَ عن أَحمدَ بنِ حَنبَلٍ عن عبدِ الرَّزاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ عن جابِرٍ رضي الله عنه قالَ: «إنَّما جعَلَ رَسولُ اللهِ الشُّفعةَ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» (١)، وهذا أَقوَى استِدلالًا بالوَجهَينِ المَذكورَينِ من الأولِ؛ لأنَّ في قَولِه: «إنَّما» إِثباتًا لمَا اتَّصلَ بها ونَفيًا لمَا انفَصَل عنها كقَولِه: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ» (٢).

فإنْ قيلَ: إنَّما نَفَى الشُّفعةَ بصَرفِ الطُّرقاتِ وهي للجارِ غيرُ مَصروفةٍ.

قيلَ: الطُّرقاتُ التي تُصرَّفُ بالقِسمةِ مُختَصةٌ باستِطراقِ المَشاعِ الذي يَستطرِقُه الشَّريكُ ليَصلَ له إلى مِلكِه، فإذا وقَعَت به القِسمةُ انصرَفَ استِطراقُه من مِلكِ شَريكِه، فأمَّا غيرُه من الطُّرقاتِ المُستحَقةِ فلا تَنصرِفُ أبدًا، ورَوى ابنُ جُريجٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ أو عن أَبي سَعيدٍ أو عنهما جَميعًا عن أَبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «إذا قُسِّمتِ الأرضُ وحُدَّت فلا شُفعةَ فيها».

والدَّليلُ من طَريقِ القياسِ هو أنَّ تَمييزَ «المَبيع يَمنعُ» من وُجوبِ الشُّفعةِ فيه كاللذَينِ بينَهما طَريقٌ نافِذةٌ؛ لأنَّ المَبيعَ إذا لم يَكُنْ له حالٌ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥١٤)، وابن ماجه (٢٤٩٩).
(٢) أخرجه البخاري (١).

تُترقَبُ فيها المُقاسَمةُ لم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ قياسًا على مَشاعِ الغِراسِ والأبنيةِ، ولأنَّ أُصولَ الشَّرعِ مُقرَّرةٌ على الفَرقِ بينَ أَحكامِ المالِ المُشتَركِ والمالِ غيرِ المُشتَركِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ أعتَقَ حِصةً له من عَبدٍ قُوِّم عليه باقيه ولا يُقوَّمُ عليه غيرُه، ولو أعتَقَ بعضَ عَبدِه عُتِق جَميعُه ولا يُعتَقُ غيرُه، ولو بدأ إِصلاحَ بعضِ حائِطِه حُكمَ بإِصلاحِ جَميعِه ولا يُحكمُ بإِصلاحِ غيرِه، فكانَت شَواهِدُ هذه الأُصولِ تُوجِبُ في الشُّفعةِ إذا ثبتَتَ في الشَّركةِ أنْ تَنتَفيَ عن غيرِ الشَّركةِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت لدَفعِ الضَّررِ بها لا لدُخولِ الضَّررِ فيها، وفي وُجوبِها للجارِ ضَررٌ داخِلٌ لتَقاعُدِه بالمالِكِ في بَدلِ النَّجشِ من الثَّمنِ؛ لتُثبتَ أنَّ غيرَه لا يُقدَّمُ على ابتِياعِها مع عِلمِه بشُفعتِه، ولا يُوجدُ مِثلُ ذلك في المُشتَركِ؛ لأنَّ الشَّريكَ يَقدِرُ على دَفعِ هذا الضَّررِ بمُقاسمةِ شَريكِه، وما كانَ مَوضوعًا لرَفعِ الضَّررِ لم يَجزْ أنْ يَدخلَ فيه الضَّررُ؛ لأنَّ استِحقاقَ الشُّفعةِ في المُشتَركِ إنَّما هو لضَررٍ لا يَقدِرُ على دَفعِه، وهو مُؤنةُ القِسمةِ، وهذا المَعنى مَعدومٌ في غيرِ المُشتَركِ (١).

وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: الشُّفعةُ بالجِوارِ لا تُستحَقُّ، خِلافًا لأَبي حَنيفةَ؛ لقَولِه : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ» ففيه ثَلاثةُ أدِلةٍ:

أحدُها: أنَّه أخبَرَ عن مَحلِّ الشُّفعةِ أنَّه فيما لم يُقسَمْ، فانتَفى بذلك وُجوبُها في غيرِه.

(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٢٢٨، ٢٣٠).

والثانِي: دَليلُ الخِطابِ، وهو أنَّه لمَّا علَّقَها بغيرِ المَقسومِ دَلَّ على أنَّ المَقسومَ بخِلافِه.

والثالِثُ: نصُّه على سُقوطِها مع القِسمةِ.

ولأنَّه مِلكٌ مَحوزٌ بحُدودٍ، أَصلُه إذا كانَ بينَهما طَريقٌ نافِذٌ، ولأنَّ كلَّ شُفعةٍ تُستحَقُّ بالشَّركةِ فإنَّها تَسقطُ مع القِسمةِ، أصلُه الدارُ تَكونُ بينَ ثَلاثةٍ، فإنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم الشُّفعةَ فيما يَبيعُ شَريكُه، فإذا قَسَّموها وجُعلَ بابُ أحدِهم في الوَسطِ، وبابُ كلِّ واحِدٍ من الآخَرينَ في الطَّرفِ، ثم باعَ صاحِبُ الطَّرفِ، فإنَّ الشُّفعةَ لصاحِبِ الوَسطِ، ولا يَكونُ لصاحِبِ الطَّرفِ الآخَرِ شُفعةٌ فيما يَبيعُه صاحِبُ الطَّرفِ الآخَرِ، وقد كانَت له شُفعتُه في هذا المَبيعِ قبلَ القِسمةِ، وإنَّما سقَطَت بالقِسمةِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ للجارِ، وذلك لمَا رُويَ عن النَّبيِّ

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٣١، ١٣٢)، رقم (٩٨٨)، ويُنْظَر: «التمهيد» (٧/ ٤٦، ٥٠)، و «الإشراف» لابن المنذر (٦/ ١٥٢، ١٥٣)، و «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٨٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٣، ١٩٤)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٤٧٦)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٥١)، و «البيان» (٧/ ١٠١، ١٠٢)، و «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٤٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٠٩)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٦٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٩٥، ١٩٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ١٠٦)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٦٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠).

أنَّه قالَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها، وإنْ كانَ غائِبًا، إذا كانَ طَريقُهما واحِدًا» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ.

وعنِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ قالَ: «مَنْ كانَت له أرضٌ، فأَرادَ بَيعَها فليَعرِضْها على جارِه» (٢).

وعن سَمُرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ قالَ: «جارُ الدارِ أحَقُّ بدارِ الجارِ أو الأرضِ» (٣).

ولأنَّه مُتصلٌ بالبَيعِ فجازَ أنْ تُستحَقَّ به الشُّفعةُ كالخُلطةِ، ولأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت تَخوُّفًا من سُوءِ عِشرةِ الداخِلِ عليه، وهذا قد يُوجدُ في الدارِ كوُجودِه في الخَليطِ، فاقتَضَى أنْ تَجبَ الشُّفعةُ للجارِ كوُجوبِها للخَليطِ.

ولأنَّ حَقَّ الأَصيلِ -وهو الجارُ- أسبَقُ من حَقِّ الدَّخيلِ، وكلُّ مَعنًى اقتَضى ثُبوتَ الشُّفعةِ للشَّريكِ فمِثلُه في حَقِّ الجارِ، فإنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ في الجِوارِ تَفاوُتًا فاحِشًا، ويَتأذَّى بَعضُهم ببَعضٍ، ويَقعُ بينَهم من العَداوةِ ما هو مَعهودٌ، والضَّررُ بذلك دائِمٌ مُتأبِّدٌ، ولا يَندفِعُ ذلك إلا برِضا الجارِ، إنْ شاءَ أقَرَّ الدَّخيلَ على جِوارِه له وإنْ شاءَ انتزَعَ المِلكَ بثَمنِه واستَراحَ من مُؤنةِ المُجاورةِ ومَفسَدتِها.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥١٨)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، وأَحمد (١٤٢٩٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٤٩٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨).

وإذا كانَ الجارُ يَخافُ التأذِّيَ بالمُجاورةِ على وَجهِ اللُّزومِ كانَ كالشَّريكِ يَخافُ التأذيَ بشَريكِه على وَجهِ اللُّزومِ (١).

ورُويَ عن أبي رافِعٍ: أنَّ سَعدًا ساوَمَه بَيتًا بأربَعمِئةِ مِثقالٍ، فقالَ: لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقبِه» لمَا أعطَيتُك (٢).

وعن إِبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ قالَ: سمِعتُ عَمرَو بنَ الشَّريدِ قالَ: جاءَ المِسورُ بنُ مَخرَمةَ فوضَعَ يَدَه على مَنكِبي، فانطَلَقت معه إلى سَعدٍ فقالَ أَبو رافِعٍ للمِسورِ: ألَا تأمُرُ هذا أنْ يَشتَريَ مني بَيتي الذي في داري؟ فقالَ: لا أَزيدُه على أربَعِمِئةٍ، إمَّا مُقطَّعةً وإمَّا مُنجَّمةً. قالَ: أُعطيتُ خَمسَمِئةٍ نَقدًا. فمنَعتُه، ولولا أنِّي سمِعتُ النَّبيَّ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه» ما بِعتُكَه أو قالَ: ما أعطَيتُكَه (٣)، والصَّقبُ المُلاصِقُ، أي: أحَقُّ بما يَليه وبما يَقرُبُ منه، ورُويَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعتِه»، وهذا نَصٌّ في البابِ.

ففي هذا دَليلٌ على أنَّ مَنْ أرادَ بَيعَ مِلكِه فإنَّه يَنبَغي له أنْ يَعرضَه على جارِه لمُراعاةِ حَقِّ المُجاوَرةِ، قالَ : «ما زالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظنَنتُ أنَّه سيُورِّثُه»، ولأنَّه أقرَبُ إلى حُسنِ العِشرةِ والتَّحرُّزِ عن الخُصومةِ والمُنازعةِ، فلهذا فعَلَه سَعدٌ رضي الله عنه وحَطَّ عنه من الثَّمنِ لتَحقيقِ هذا المَعنى.

(١) «إعلام الموقعين» (٢/ ١٤٦، ١٤٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٥٧٧).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٧٦).

ولأنَّ حَقَّ الشُّفعةِ بسَببِ الشَّركةِ إنَّما يَثبُتُ لدَفعِ أذَى الدَّخيلِ وضَررِه، وذلك مُتوقَّعُ الوُجودِ عندَ المُجاوَرةِ، فوُرودُ الشَّرعِ هناك يَكونُ وُرودًا هنا دِلالةً، وتَعليلُ النَّصِّ بضَررِ القِسمةِ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ القِسمةَ ليسَت بضَررٍ، بل هي تَكميلُ مَنافعِ المِلكِ، وهي ضَررٌ غيرُ واجِبِ الدَّفعِ؛ لأنَّ القِسمةَ مَشروعةٌ، ولهذا لم تَجِبِ الشُّفعةُ بسَببِ الشَّركةِ في العُروضِ دَفعًا لضَررِ القِسمةِ.

وأمَّا قَولُهم: يُمكِنُ دَفعُ الضَّررِ بالمُقابَلةِ بنَفسِه والمُرافعةِ إلى السُّلطانِ فنَقولُ: وقد لا يَندفِعُ بذلك، ولو اندفَعَ فالمُقابَلةُ والمُرافَعةُ في نَفسِها ضَررٌ، وضَررُ الجارِ السَّوءِ يَكثُرُ وُجودُه في كلِّ ساعةٍ فيَبقَى في ضَررٍ دائِمٍ.

وأمَّا الحَديثُ فليسَ في صَدرِه نَفيُ الشُّفعةِ عن المَقسومِ؛ لأنَّ كَلمةَ «إنَّما» لا تَقتَضي نَفيَ غيرِ المَذكورِ، قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦]، وهذا لا يَنفي أنْ يَكونَ غيرُه عليه الصلاة والسلام بَشرًا مِثلَه، وآخِرُه حُجةٌ عليه؛ لأنَّه علَّقَ عليه الصلاة والسلام سُقوطَ الشُّفعةِ بشَرطَينِ، هما: وُقوعُ الحُدودِ وصَرفُ الطُّرقِ، والمُعلَّقُ بشَرطَينِ لا يُتركُ عندَ وُجودِ أَحدِهما، وعندَه يَسقطُ بشَرطٍ واحِدٍ وهو وُقوعُ الحُدودِ وإنْ لم تُصرَّفِ الطُّرقُ، ثم هو مُؤوَّلٌ، وتأويلُه: فإذا وقَعَت الحُدودُ فتَبايَنَت وصُرِفت الطُّرقُ فتَباعَدَت فلا شُفعةَ، أو لا شُفعةَ مع وُجودِ مَنْ لم يَنفصِلْ حَدُّه وطَريقُه، فلا شُفعةَ بالقِسمةِ كما لا شُفعةَ بالرَّدِّ بخِيارِ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ في القِسمةِ مَعنى المُبادلةِ، فكانَ هذا مَوضعَ الإِشكالِ، فأخبَرَ أنَّه لا شُفعةَ ليَزولَ الإِشكالُ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٤، ٥)، و «المبسوط» (١٤/ ٩٠، ٩١)، و «شرح مشكل الآثار» (٤/ ١٢٠، ١٢١)، و «الاختيارات» ص (٢٤٣).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 573 - 580

ارجع إلى أركان الشفعة وشروطها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده