الاختلاف هل كانت الهبة ببدل أو لا؟

الإسلام > الأوقاف والملكية > اختلاف الواهب والموهوب له > الاختلاف هل كانت الهبة ببدل أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الاختلاف هل كانت الهبة ببدل أو لا؟ - الأقوال والأدلة

أو سَويقًا وهو مَلتوتٌ، أو ثَوبًا وهو مَصبوغٌ أو مَخيطٌ، فقالَ المَوهوبُ له: «وهَبتَها لي فبَنَيت فيها وغرَستُ، وهَبتَه لي وهو غيرُ مَلتوتٍ وغَيرُ مَصبوغٍ فلتَتُّه أنا وصبَغتُه وخِطتُه أنا»، وقالَ الواهب: «لا، بل وهَبتُه كذلك»، فالقَولُ قَولُ المَوهوبِ له، وكذلك إذا اختَلَفا في بِناءِ الدارِ وحِليةِ السَّيفِ (١).

وجاءَ في «الفَتاوى الهِندية»: رَجلٌ في يَدَيه دارٌ قالَ لرَجلٍ آخَرَ: «تصَدَّقتَ بها علَيَّ وأذِنتَ لي في قَبضِها فقبَضتُها»، كانَ القَولُ للمُتصدِّقِ، ولو قالَ الذي في يَدِه الدارُ: «كانت في يَدي فتَصدَّقتَ علَيَّ» فجازَت وقالَ المُتصدِّقُ: «لا، بل كانت حينَئذٍ في يَدي وقبَضتَها بغيرِ إذْني»، كانَ القَولُ للمُتصدَّقِ عليه (٢).

وفي «دُرر الحُكامِ شَرح مَجلةِ الأحكام» لو اختَلفَ الواهِبُ والمَوهوبُ له فقالَ الواهِبُ: «قد كانَ المالُ المَدفوعُ قَرضًا»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل هِبةٌ»، فالقَولُ مع اليَمينِ للدافِعِ (٣).

الاختِلافُ هل كانت الهِبةُ ببَدلٍ أو لا؟

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانت الهِبةُ مُطلقةً، أي: غيرَ مُقيدةٍ بثَوابٍ ولا بعَدمِه، ثم اختَلَفا، فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ»، هل القَولُ قَولُ الواهِبِ أو المَوهوبِ له؟

(١) «المحيط البرهاني» (٦/ ١٨٩).
(٢) «الفتاوى الهندية» (٤/ ٣٩٩).
(٣) «درر الحكام» (٢/ ٣٥٥).

فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ؛ لأنَّه لم يُقرَّ لخُروجِ الشَّيءِ من مِلكِه إلا على بَدلٍ (١).

قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ إذا وقَعَت مُطلقةً، أي: غيرَ مُقيدةٍ بثَوابٍ ثم اختَلَفا بعدَ ذلك فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ» فإنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ إنْ شهِدَ له العُرفُ أو لم يَشهدْ له ولا عليه.

أمَّا إنْ شهِدَ العُرفُ للمَوهوبِ له، بأنْ كانَ مِثلَ الواهِبِ لا يَطلُبُ في هِبتِه ثَوابًا، فالقَولُ حينَئذٍ قَولُ المَوهوبِ له.

وهذا إذا قبَضَ المَوهوبُ الهِبةَ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فيُصدَّقُ الواهِبُ مُطلقًا وإنْ شهِدَ العُرفُ بضِدِّه.

ومَحلُّ تَصديقِ الواهِبِ في دَعوى الثَّوابِ في غيرِ هِبةِ النَّقدِ المَسكوكِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وأمَّا هو فلا ثَوابَ فيه؛ لأنَّ العُرفَ أنَّ الناسَ إنَّما يَهبونَ للثَّوابِ ما تَختلفُ فيه الأَغراضُ، والمَسكوكُ لا تَختلفُ فيه الأغراضُ، فهِبتُه للثَّوابِ خِلافُ العُرفِ، فلذا لا يُصدَّقُ الواهِبُ في قَصدِ الثَّوابِ إلا بشَرطٍ من الواهِبِ حالَ الهِبةِ، أو عُرفٍ فيُعملُ بذلك، ويَكونُ العِوضُ عَرضًا أو طَعامًا، ومِثلُ الشَّرطِ العادةُ بخِلافِ الحُليِّ غيرِ المَكسورةِ، والفَرقُ بينَ المَسكوكِ والحُليِّ أنَّ السَّكةَ صَنعةٌ يَسيرةٌ فلا تُنقلُ عن الأصلِ، بخِلافِ الصِّياغةِ؛ فإنَّها صَنعةٌ مُعتبَرةٌ وصيَّرتْه كالمُقوَّمِ (٢).

(١) «المهذب» (١/ ٤٤٨)، و «البيان» (٨/ ١٣٦).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥١٧)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٣٣٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١١٧، ١١٨)، و «مواهب الجليل» (٨/ ٢٣، ٢٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٦، ٢٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة

فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الهبة والعطية
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وإذا فاضل بين ولده في العطية، أمر برده، كأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-

أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ ، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.

٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)

وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه . واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" . فأمَرَهُ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 590 - 591

ارجع إلى اختلاف الواهب والموهوب له للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر