الاتجار بالمال المغصوب والربح الحاصل منه

الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > الاتجار بالمال المغصوب والربح الحاصل منه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

الاتجار بالمال المغصوب والربح الحاصل منه - الأقوال والأدلة

من دَجاجةٍ أو غيرِها فباضَت وحضَنَت بَيضَها، فإنَّ الدَّجاجةَ والفَراريجَ لمُستحِقِّها كما لو ولَدَت، فلو حضَّنَ بَيضَها تحتَ دَجاجةٍ غيرِها أو حضَّنَ تحتَها غيرَ بَيضِها فلا شَيءَ من الفَراريجِ للمُستحِقِّ، وليس له إلا دَجاجتُه وأُجرةُ مِثلِها فيما حضَنَته من بَيضِ غيرِها.

قالَ المَواقُ رحمة الله عليه: من «المُدوَّنة»: قالَ مالِكٌ: إنْ عمِلَ الغاصِبُ من الخَشبةِ بابًا أو غصَبَ تُرابًا يَعملُ منه بَلاطًا أو غصَبَ حِنطةً فزرَعَها وحصَدَ منها حَبًّا كَثيرًا أو غصَبَ سَويقًا فلَتَّه بسَمنٍ أو غصَبَ فِضةً فصاغَها حُليًّا أو ضرَبَها دَراهمَ فعليه في هذا كلِّه مِثلُ ما غصَبَ في صِفتِه ووَزنِه وكَيلِه أو عليه القيمةُ فيما لا يُكالُ ولا يُوزنُ، وكذلك في السَّرقةِ.

المازِريُّ: قالَ ابنُ القاسِمِ: مَنْ غصَبَ قَمحًا فطحَنَه ضَمِنَ مِثلَه، ولا يُمكَّنُ رَبُّ القَمحِ من أخْذِ الدَّقيقِ، خِلافًا لأشهَبَ.

واتَّفَقا إنْ طحَنَ القَمحَ سَويقًا ولَتَّه فليس لرَبِّ القَمحِ أخْذُه (١).

الاتِّجارُ بالمالِ المَغصوبِ والرِّبحُ الحاصِلُ منه:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الغاصِبِ إذا غصَبَ نُقودًا أو عُروضًا وتاجَرَ بها وحصَلَ رِبحٌ، هل يَكونُ الرِّبحُ كلُّه له كما أنَّ الضَّمانَ عليه، أو يَكونُ الرِّبحُ لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِه أو يَقتَسِمانِه بينَهما، أو يَجبُ التَّصدُّقُ به أو

(١) «التاج والإكليل» (٤/ ٣٠٦)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١٣٤، ١٣٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٦٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٨٥، ٣٨٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٢١٧، ٢١٨).

يَكونُ الرِّبحُ لبَيتِ المالِ (أو الرِّبحُ للغاصِبِ لكنَّه لا يَطيبُ له)؟ على أَقوالٍ، وهذا الخِلافُ جارٍ في الوَديعةِ وكذا في كلِّ مالٍ تصرَّفَ فيه إِنسانٌ بغيرِ حَقٍّ من المالِكِ، هل يَكونُ له رِبحُه أو لا؟ وهذا بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه ضامِنٌ للمالِ المَغصوبِ على أي حالٍ، وإنَّما الخِلافُ في الرِّبحِ الحاصِلِ.

القَولُ الأولُ: أنَّ الرِّبحَ الحاصِلَ من التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للغاصِبِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ المَغصوبِ حتى يُؤدِّيَه إلى صاحِبِه، وشَرطُ الطِّيبِ الضَّمانُ وقد وُجدَ، فإنَّ النَّبيَّ «نَهى عن رِبحِ ما لم يَضمَنْ» وهذا رِبحٌ مَضمونٌ، ولأنَّه إذا رَدَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليس عليه أنْ يَتصدَّقَ به.

وهذا مَذهبُ المالِكيةِ وأَبي يُوسفَ من الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ شُريحٍ القاضِي والحَسنِ البَصريِّ والشَّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ والثَّوريِّ واللَّيثِ.

قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ رحمة الله عليه: وأصَحُّ هذه الأَقوالِ قَولُ مَنْ رأى أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ والمُتعدِّي، والحُجةُ له أنَّ العَينَ قد صارَت في ذِمتِه، وهو وغيرُه من مالِه سَواءٌ؛ إذْ لا غرَضَ للناسِ في أَعيانِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وإنَّما غَرضُهم في تَصرُّفِهم فيها، ولو غصَبَها من رَجلٍ ثم أَرادَ أنْ يَدفعَ إليه غيرَها مِثلَها وهي قائِمةٌ بيَدِه، لكانَ له ذلك على أصلِ قَولِ مالِكٍ، فإذا كانَ له أنْ يَدفعَ إليه غيرَها فرِبحُها له، وحَديثُ البابِ حُجةٌ لذلك، ألَا تَرى أنَّ الأَجيرَ حيثُ قالَ له من أجرِه: «كلُّ ما تَرى من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ والرَّقيقِ من

أَجرِك، قالَ له: أتَستَهزئُ بي؟» (١) فدَلَّ هذا أنَّ السُّنةَ كانَت عندَهم أنَّ الرِّبحَ للمُتعدِّي العامِلِ، وأنَّه لا حَقَّ فيه لرَبِّ رأسِ المالِ، وأخبَرَ بذلك النَّبيُّ فأقَرَّه ولم يَنسَخْه.

وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ما يَدلُّ على أنَّ الرِّبحَ له بالضَّمانِ، رَوى مالِكٌ في المُوطَّأِ: «أنَّ أبا موسى أسلَفَ عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ ابنَيْ عُمرَ من بَيتِ المالِ، فاشتَريا به مَتاعًا وحَمَلاه إلى المَدينةِ، فرَبِحا فيه، فقالَ عُمرُ: أدِّيا المالَ ورِبحَه. فقالَ عُبيدُ اللهِ: ما يَنبَغي لك هذا، لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضَمِنَّاه. فقالَ رَجلٌ: لو جعَلتَه قِراضًا يا أَميرَ المُؤمِنينَ. قالَ: نَعَمْ. فأخَذَ منهما نِصفَ الرِّبحِ»، فلم يُنكِرْ عُمرُ قَولَ ابنِه: لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضَمِنَّاه، فلذلك طابَ له رِبحُه، ولا أنكَرَه أحدٌ من الصَّحابةِ بحَضرتِه (٢).

(١) هذا الحَديثُ رَواه الإِمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه» وعَنوَنَ عليه: بابُ مَنِ استأجَرَ أَجيرًا فتَرَكَ الأَجيرُ أجرَهُ فَعَمِلَ فيهِ المُستَأجِرُ فزَادَ أو مَنْ عَملَ في مالِ غَيرهِ فاستَفضَلَ.
(٢) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٧، ٣٩٨)، ويُنْظَر: «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ١٧٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤)، و (٧/ ١٥٤)، و «الهداية» (٤/ ١٣)، و «العناية» (١٣/ ٣٥٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٧٥)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٨٣)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «الذخيرة» (٩/ ١٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٢٦٢، ٢٦٣)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ١١١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ١٢٣، ١٢٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٤٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ١٥٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).

القَولُ الثانِي: أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ لكنْ لا يَطيبُ له، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به إذا اشتَرى بعَينِ النُّقودِ، ويَردُّ رأسَ مالِ الغَصبِ إلى صاحِبِه، وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الرِّبحَ هنا خَبيثٌ لحُصولِه بسَببٍ خَبيثٍ، فكانَ سَبيلُه التَّصدُّقَ به (١).

القَولُ الثالِثُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ للمالِك وليس للغاصِبِ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابِلةِ وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وأَبي قِلابةَ وإِسحاقَ (٢).

قالَ الحَنابِلةُ: إنِ اتَّجرَ الغاصِبُ بعَينِ المالِ المَغصوبِ بأنْ كانَ نَقدًا فاتَّجرَ به أو غصَبَ عُروضًا فباعَها واتَّجرَ بثَمنِها أو اشتَرى في ذِمتِه ثم نقَدَها منه وحصَلَ رِبحٌ فالرِّبحُ والسِّلعُ المُشتراةُ للمالِك، نقَلَه الجَماعةُ؛ لأنَّه لمَّا تعيَّنَ جَعلُ الرِّبحِ للغاصِبِ أو المَغصوبِ منه فجَعْلُه للمالِك أوْلى؛ لأنَّه في مُقابَلةِ مالِه الذي فاتَه بمَنعِه، ولم يُجعَلْ للغاصِبِ شَيءٌ مَنعًا للغَصبِ.

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ١٧٦)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤)، و (٧/ ١٥٤)، و «الهداية» (٤/ ١٣)، و «العناية» (١٣/ ٣٥٥)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٤٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٨٣)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩)، و «المبدع» (٥/ ١٨٧)، و «الإنصاف» (٦/ ٢٠٨).
(٢) «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ١٧٦)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٩٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٣٤)، و «الإشراف» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩)، و «المبدع» (٥/ ١٨٧)، و «الإنصاف» (٦/ ٢٠٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣٨).

قالَ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: وسَواءٌ قُلنا بصِحةِ الشِّراءِ أو ببُطلانِه، وهذه المَسألةُ مُشكِلةٌ جِدًّا على قَواعدِ المَذهبِ؛ لأنَّ تَصرفاتِ الغاصِبِ غيرُ صَحيحةٍ، فكيف يَملِكُ المالِكُ الرِّبحَ والسِّلعَ؟ لكنَّ نُصوصَ أَحمدَ مُتَّفقةٌ على أنَّ الرِّبحَ للمالِك، فخرَّجَ الأَصحابُ ذلك على وُجوهٍ كلُّها ضَعيفةٌ، فبَناه ابنُ عَقيلٍ على صِحةِ تَصرُّفِ الغاصِبِ وتَوقُّفِه على الإِجازةِ، وتَبِعَه في «المُغني» وبَناه في «التَّلخيص» على أنَّها صَحيحةٌ لا تَتوقَّفُ على الإِجازةِ؛ لأنَّ ضَررَ الغَصبِ يَطولُ بطُولِ الزَّمانِ فيَشقُّ اعتِبارُه.

وخَصَّ ذلك بما طالَ زَمنُه، وحمَلَه القاضِي في بَعضِ كُتبِه على أنَّ الغاصِبَ اشتَرى في الذِّمةِ ثم نقَدَ فيه دَراهمَ الغَصبِ، وصرَّحَ بذلك أَحمدُ في رِوايةِ المَروَزيِّ، فيُحملُ مُطلَقُ كَلامِه على مُقيَّدِه، وحمَلَه ابنُ رَجبٍ في «فَوائد القَواعدِ» على أنَّ النُّقودَ لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فيَصيرُ كما لو اشتَرى في ذِمتِه.

وحمَلَه في «المُبدع» على ما إذا تعذَّرَ رَدُّ المَغصوبِ إلى مالِكِه ورَدُّ الثَّمنِ إلى المُشتَري (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا غصَبَ أَثمانًا فاتَّجرَ بها أو عُروضًا فباعَها واتَّجرَ بثَمنِها فقالَ أَصحابُنا: الرِّبحُ للمالِك والسِّلعُ المُشتَراةُ له.

(١) «كشاف القناع» (٤/ ١٣٨)، ويُنْظَر: «المبدع» (٥/ ١٨٧)، و «الإنصاف» (٦/ ٢٠٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ١٦٦)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٦٢).

وقالَ الشَّريفُ أبو جَعفَرٍ وأبو الخَطابِ: إنْ كانَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ فالرِّبحُ للمالِك.

قالَ الشَّريفُ: وعن أَحمدَ أنَّه يَتصدَّقُ به.

وإنِ اشتَراه في ذِمتِه ثم نقَدَ الأَثمانَ فقالَ أَبو الخَطابِ: يَحتملُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ للغاصِبِ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه؛ لأنَّه اشتَرى لنَفسِه في ذِمتِه.

فكانَ الشِّراءُ له والرِّبحُ له، وعليه بَدلُ المَغصوبِ، وهذا قياسُ قَولِ الخِرقيِّ.

ويَحتملُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ للمَغصوبِ منه؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِه، فكانَ له كما لو اشتَرى له بعَينِ المالِ، وهذا هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإنْ حصَلَ خُسرانٌ فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقصٌ حصَلَ في المَغصوبِ، وإنْ دفَعَ المالَ إلى مَنْ يُضاربُ به فالحُكمُ في الرِّبحِ على ما ذَكَرناه.

وليس على المالِك من أَجرِ العامِلِ شَيءٌ؛ لأنَّه لم يَأذَنْ له في العَملِ في مالِه، وأمَّا الغاصِبُ فإنْ كانَ المُضارِبُ عالِمًا بالغَصبِ فلا أجرَ له؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالعَملِ ولم يَغرَّه أحدٌ، وإنْ لم يَعلَمْ بالغَصبِ فعلى الغاصِبِ أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه استَعمَله عَملًا بعِوضٍ لم يَحصُلْ له فلزِمَه أجرُه كالعَقدِ الفاسِدِ (١).

(١) «المغني» (٥/ ١٥٩، ١٦٠)، و «الكافي» (٢/ ٣٩٣).

القَولُ الرابِعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (١).

القَولُ الخامِسُ للشافِعيةِ حيثُ قالوا: لو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ أو بمالِ الغيرِ في يَدِه وَديعةً أو رَهنًا أو سَومًا أو عاريةً بغيرِ إِذنِ المالِك فإنْ باعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملِكُ العِوضَ، وإذا تَسلَّمَ وفاتَ غُرمُ المِثلِ أو القيمةِ، وما حصَلَ من الرِّبحِ إنْ أمكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ رَدَّه، وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.

ولو أسلَمَ أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ صَحَّ العَقدُ وفسَدَ التَّسليمُ، ولا تَبرأُ ذِمتُه من الثَّمنِ، ويَملِكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأَرباحَه (٢).

وقال العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ غصَبَ من رَجلٍ دَراهمَ أو دَنانيرَ فاتَّجرَ في ذِمتِه ونقَدَ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ وربِحَ ففيه قَولانِ:

أَحدُهما: قالَ في القَديمِ: (يَكونُ الرِّبحُ للمَغصوبِ منه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فهو كثَمرةِ الشَّجرةِ، ولأنَّا لو جَعَلنا ذلك مِلكًا للغاصِبِ لأدَّى ذلك إلى ارتِفاقِ الغاصِبِ بمالِ المَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه، فجُعلَ ذلك مِلكًا للمَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه؛ ليَنحَسِمَ البابُ).

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٣/ ٦٨٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣١٢)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٠٩)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٢/ ٣٥٧)، و «بحر المَذهب» للروياني (٧/ ١٠٥).

والثانِي: قالَ في الجَديدِ: (هو مِلكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمُتولَّدٍ من مالِ المَغصوبِ منه، وإنَّما هو نَماءُ مِلكِ الغاصِبِ، فهو كما لو غصَبَ من رَجلٍ أرضًا وزرَعَ فيها زَرعًا) (١).

القَولُ السادِسُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَهما -المالِك والغاصِبُ- فيَقتسِمانه بينَهما كالمُضاربةِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وقالَ: هو أصَحُّ الأَقوالِ.

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه بعدَما ذكَرَ قِصةَ عُمرَ رضي الله عنه مع ابنَيه: فعمِلَ عُمرُ بذلك، وهذا أحسَنُ الأَقوالِ التي تنازَعَها الفُقهاءُ في مَسألةِ التِّجارةِ بالوَديعةِ وغيرِها من مالِ الغيرِ، فإنَّ فيها أربَعةَ أَقوالٍ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه.

هل الرِّبحُ لبَيتِ المالِ بِناءً، أو الرِّبحُ للعامِلِ لأنَّ المِلكَ حصَلَ له باشتِراءِ الأَعيانِ في الذِّمةِ، أو يَتصدَّقان بالرِّبحِ لأنَّه خَبيثٌ، أو يَقتَسِمان بينَهما كالمُضارَبةِ؟ وهذا الرابِعُ الذي فعَلَه عُمرُ (٢).

وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه أيضًا عن المالِ المَغصوبِ من الإبِلِ وغيرِها إذا نَمَت عندَ الغاصِبِ ثم تابَ، كيف يَتخلَّصُ من المالِ، وهل هو حَرامٌ أو لا؟

(١) «البيان» (٧/ ٣٩، ٤٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٣٠)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (٣٧٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الغصب
فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه

هَذَا وَقِيلَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ لَا بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ أَنَّهُ إنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ كَانَ مِلْكَهُ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ.

وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ إنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ فِعْلِ الدِّبَاغِ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ، إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَدَبَغَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ مُلْقَاةً عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الطَّرِيقِ إبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ كَإِلْقَاءِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ، وَلَوْ هَلَكَ الْجِلْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِتْلَافِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 462 - 469

ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله