الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > الحالة الثانية: أن تنقص قيمة المغصوب بدون حدوث شيء فيه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالحالةُ الثانيةُ: أنْ تَنقُصَ قيمةُ المَغصوبِ بدونِ حُدوثِ شَيءٍ فيه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلا أَبا ثَورٍ- على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا نقَصَت قيمَتُها من حينِ الغَصبِ إلى حينِ الرَّدِّ لكَسادِها لا لنَقصٍ حدَثَ فيها كانَت قيمَتُها يَومَ الغَصبِ ألفَ دِينارٍ، ويَومَ الرَّدِّ خَمسَمِئةٍ فإنَّه لا يَجبُ على الغاصِبِ ضَمانُ ما نقَصَ من قيمَتِه؛ لأنَّ الغاصِبَ يَضمَنُ ما غصَبَ، والقيمةُ لا تَدخلُ في الغَصبِ؛ لأنَّه لا حَقَّ للمَغصوبِ منه في القيمةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، والعَينُ باقيةٌ كما كانَت فلم يَلزَمْه شَيءٌ.
قالَ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وبهذا قالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ وجَميعُ العُلماءِ إلا أَبا ثَورٍ، فإنَّه قالَ: يَجبُ عليه رَدُّها ورَدُّ ما نقَصَ من قيمَتِها لرُخصِها.
دَليلُنا: أنَّه رَدَّ العَينَ ولم يَنقُصْ منها عَينٌ ولا أثَرٌ فلم يَجِبْ عليه ضَمانُ شَيءٍ من قيمَتِها، كما لو لم تَنقُصْ قيمَتُها في السُّوقِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وليس على الغاصِبِ ضَمانُ نَقصِ القيمةِ الحاصِلِ بتَغيرِ الأَسعارِ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ.
وحُكيَ عن أبي ثَورٍ أنَّه يَضمنُه؛ لأنَّه يَضمنُه إذا تلِفَت العَينُ فيَلزمُه إذًا رَدُّها كالسِّمَنِ.
ولنا: أنَّه رَدَّ العَينَ بحالِها لم يَنقُصْ منها عَينٌ ولا صِفةٌ فلم يَلزَمْه شَيءٌ كما لو لم تَنقُصْ، ولا نُسلِّمُ بأنَّه يَضمَنُها مع تَلفِ العَينِ.
(١) «البيان» (٧/ ١٢)، و «المهذب» (١/ ٣٦٧).
وإنْ سلَّمنا فلأنَّه وجَبَت قيمةُ العَينِ أكثَرَ ما كانَت قيمَتُها فدخَلَت في التَّقويمِ، بخِلافِ ما إذا رَدَّها؛ فإنَّ القيمةَ لا تَجبُ، ويُخالِفُ السِّمَنَ فإنَّه من عَينِ المَغصوبِ، والعِلمُ بالصِّناعةِ صِفةٌ فيها، وههنا لم تَذهَبْ عَينٌ ولا صِفةٌ، ولأنَّه لا حَقَّ للمَغصوبِ منه في القيمةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، وهي باقيةٌ كلُّها كما كانَت، ولأنَّ الغاصِبَ يَضمَنُ ما غصَبَ، والقيمةُ لا تَدخلُ في الغَصبِ، بخِلافِ زِيادةِ العَينِ، فإنَّها مَغصوبةٌ وقد ذهَبَت (١).
والمَشهورُ عندَ المالِكيةِ أنَّ النَّقصَ لأجْلِ الأَسواقِ في بابِ الغَصبِ غيرُ مُعتبَرٍ بخِلافِه في بابِ التَّعدِّي فإنَّه مُعتبَرٌ، والمَعنى أنَّ مَنْ غصَبَ دابةً مَثلًا ثم وجَدَها رَبُّها وقد نقَصَت أَسواقُها فإنَّه يَأخُذُها ولا شَيءَ له على الغاصِبِ، وسَواءٌ طالَ زَمانُها عندَ الغاصِبِ أو لا، فإنْ زادَت للأَسواقِ عندَ الغاصِبِ فلا كَلامَ لرَبِّها من بابِ أوْلى، وإنْ كانَت نقَصَت في بَدنِها فلرَبِّها أنْ يُغرِّمَ الغاصِبَ قيمَتَها يَومَ الغَصبِ بخِلافِ بابِ التَّعدِّي، فإنَّ رَبَّها إذا وجَدَها وقد نقَصَت في أَسواقِها فله أنْ يُضمِّنَ المُتعدِّيَ قيمَتَها يَومَ تَعدَّى عليها؛ لأنَّه حبَسَها عن أَسواقِها.
ومِن «المُدوَّنة»: ما اغتَصَبه غاصِبٌ فأدرَكَه رَبُّه بعَينِه لم يَتغيَّرْ في بَدنِه فليس له غيرُه، ولا يُنظرُ إلى نَقصِ قيمَتِه باختِلافِ سُوقِه طالَ زَمانُ ذلك سِنينَ أو كانَ ساعةً واحِدةً، إنَّما يُنظرُ إلى تَغيُّرِ بَدنِه.
(١) «المغني» (٥/ ١٥١، ١٥٢)، و «المبدع» (٥/ ١٦٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٣٩٧).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.