الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > ثانيا: زوائد المغصوب المنفصلة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةيَومَ الغَصبِ، وما طرَأَ على أَبعاضِها أو ثَمنِها من نُقصانٍ أو زِيادةٍ فلا حُكمَ له؛ لأنَّه طارِئٌ على عَينٍ مَضمونةٍ، ولأنَّ رُجوعَ العَينِ المَغصوبةِ إلى مالِكِها على الصِّفةِ التي غُصِبت يُوجبُ القَبولَ فوجَبَ سُقوطُ الضَّمانِ، أصلُه ما لم تَزِدْ عندَه، واعتِبارًا بزِيادةِ الأَسواقِ (١).
ثانيًا: زَوائِدُ المَغصوبِ المُنفصِلةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَوائدِ المَغصوبِ المُنفصِلةِ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ وما أشبَهَ ذلك، هل هي أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ أو مَضمونةٌ عليه كالأَصلِ؟
على الخِلافِ السابِقِ نَفسِه في الزَّوائدِ المُتَّصلةِ.
فالحَنفيةُ والمالِكيةُ يَرَوْن أنَّها أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ لا تُضمَنُ إلا بالتَّعدِّي أو التَّفريطِ أو بالمَنعِ إذا طلَبَها المالِكُ.
قالَ الحَنفيةُ: زَوائدُ الغَصبِ ومَنافعُه المُنفصِلةُ كوَلدِ المَغصوبةِ وثَمرةِ البُستانِ المَغصوبِ أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ، إنْ هلَكَت فلا ضَمانَ عليه إلا إذا تَعدَّى في الزِّيادةِ، بأنْ أتلَفَها أو أكَلَها أو باعَها، أو أنْ يَطلُبَها رَبُّها فيَمنعَه إياها فيَضمنَ، والدَّليلُ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ أنَّ الغَصبَ إنَّما هو إِثباتُ اليَدِ على مالِ الغيرِ على وَجهٍ يُزيلُ يَدَ المالِكِ على ما ذَكَرناه، ويَدُ المالِكِ ما كانَت ثابِتةً على هذه الزِّيادةِ حتى يُزيلَها الغاصِبُ.
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٢٣، ١٢٤)، رقم (٩٧٩)، و «المعونة» (٢/ ١٩٠).
ولو اعتُبِرت ثابِتةً على الوَلدِ لا يُزيلُها؛ إذ الظاهِرُ عَدمُ المَنعِ، حتى لو منَعَ الوَلدَ بعدَ طَلبِه يَضمنُه، وكذا إذا تَعدَّى فيه: وذلك بأنْ أتلَفَه أو ذبَحَه وأكَلَه أو باعَه وسلَّمَه كما تقدَّمَ (١).
قالَ المالِكيةُ: وَلدُ المَغصوبةِ الحادِثُ بعدَ الغَصبِ غيرُ مَضمونٍ على الغاصِبِ؛ لأنَّ الغَصبَ لم يَتناوَلِ الوَلدَ الحادِثَ فأشبَهَ وَلدَ المُودَعةِ وأشبَهَ العاريةَ، ولأنَّه نَماءٌ حادِثٌ كالسِّمَنِ.
وكذا الحَملُ غيرُ مَضمونٍ؛ لأنَّه نَماءٌ من جِسمِها بحالِ الغَصبِ فلم يُضمَنْ على الغاصِبِ كالسِّمَنِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الزِّيادةَ المُنفصِلةَ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ مَضمونةٌ كالأصلِ، سَواءٌ تلِفَت بتَعَدٍّ منه أو بتَفريطٍ أو بغيرِ تَعدٍّ أو تَفريطٍ وسَواءٌ طلَبَها منه فمنَعَها أو لم يَطلُبْها فهي مَضمونةٌ على أيِّ حالٍ.
قالَ الشافِعيةُ: زَوائِدُ المَغصوبِ المُنفصِلةُ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ، أو المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ وتَعلُّمِ الصَّنعةِ مَضمونةٌ على الغاصِبِ كالأصلِ، سَواءٌ طالَبَه المالِكُ بالرَّدِّ أو لم يُطالِبْه؛ لأنَّ وَلدَ المَغصوبةِ في يَدِ الغاصِبِ كالأُمِّ،
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٤٣)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ١٧٤)، و «الهداية» (٤/ ١٩)، و «العناية» (١٣/ ٣٨٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٣٧، ١٣٨)، و «اللباب» (١/ ٦٣٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٣٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٣١٢)، و «الاختيار» (٣/ ٨٠))، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٢٠٤).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٣/ ١٢٥)، رقم (٩٨١).
بدَليلِ أنَّه لو ادَّعاه لقُبِلَ قَولُه لمَكانِ يَدِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ ضامِنًا له باليَدِ كأُمِّه، ولأنَّ ضَمانَ الغَصبِ أَقوى من ضَمانِ الصَّيدِ، ثم ثبَتَ أنَّ وَلدَ الصَّيدِ مَضمونٌ على المُحرِمِ فوَلدُ الغَصبِ أوْلى أنْ يَكونَ مَضمونًا، ويَتحرَّرُ من اعتِلالِه قياسانِ: أَحدُهما: أنَّ ما ضُمِنَت به الأُمُّ من التَّعدِّي ضُمنَ به الوَلدُ كالصَّيدِ على المُحرِمِ، والثانِي: أنَّ ما ضُمنَ به وَلدُ الصَّيدِ ضُمنَ به وَلدُ المَغصوبةِ كما لو مُنعَ.
ولأنَّه مُتَّصلٌ بالمَغصوبِ صَحَّ أنْ يَكونَ مَضمونًا كالسِّمَنِ، ولأنَّ ما ضُمنَ بالجِنايةِ ضُمنَ بالغَصبِ كالمُنفصِلِ، ولأنَّ ما صَحَّ أنْ يُضمنَ بالغَصبِ في خارِجِ وِعائِه، صَحَّ أنْ يُضمَنَ به في وِعائِه، كالدَّراهمِ في كِيسٍ والحُليِّ في حُقٍّ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: زَوائِدُ الغَصبِ في يَدِ الغاصِبِ مَضمونةٌ ضَمانَ الغَصبِ مِثلَ السِّمَنِ وتَعلُّمِ الصِّناعةِ وغيرِها، وثَمرةِ الشَّجرةِ ووَلدِ الحَيوانِ مَتى تلِفَ شَيءٌ منه في يَدِ الغاصِبِ ضمِنَه، سَواءٌ تلِفَ مُنفرِدًا أو تلِفَ مع أَصلِه؛ لأنَّه مالُ المَغصوبِ منه حصَلَ في يَدِه بالغَصبِ فيَضمَنُه بالتَّلفِ كالأصلِ (٢).
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ١٥٠)، و «البيان» (٧/ ٣١، ٣٣)، و «الشرح الكبير للرافعي» (٥/ ٤٠٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٥٧).
(٢) «المغني» (٥/ ١٥١)، و «المبدع» (٥/ ١٦٨)، و «الإنصاف» (٦/ ١٦٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ١١٤).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الهبة
فصل في حكم الهبة
فَوَهَبَ مِنْهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ قَابِضًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَوَقَعَ الْعَقْدُ وَالْقَبْضُ مَعًا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ الْقَبْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِيرَ قَابِضًا مَا لَمْ يُجَدِّدْ الْقَبْضَ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ إنْ كَانَتْ يَدُهُ صُورَةً فَهِيَ يَدُ الْمُودَعِ مَعْنَى فَكَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَهَبَ مَا فِي يَدِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ بِالتَّخْلِيَةِ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَانِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْضٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ إذْ الْهِبَةُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ وَكَذَا عَقْدُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَتَمَاثَلَ الْقَابِضَانِ فَيَتَنَاوَبَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ بَيْعِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّ قَبَضَهُمَا لَا يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْبَيْعِ لِأَنَّ قَبْضَ الْهِبَةِ أَمَانَةٌ وَقَبْضَ الْبَيْعِ قَبْضُ ضَمَانٍ فَلَمْ يَتَمَاثَلْ الْقَبْضَانِ بَلْ الْمَوْجُودُ أَدْنَى مِنْ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَتَنَاوَبَا وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِهِ مَغْصُوبًا أَوْ مَقْبُوضًا بِبَيْعِ فَاسِدٍ أَوْ مَقْبُوضًا عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ فَكَذَا يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ وَهُوَ أَصْلُ الْقَبْضِ وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.
ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.