الإسلام > الأوقاف والملكية > وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه > زوائد المغصوب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةيَضمنُه إلا أنْ يَنهدمَ بفِعلِه، أمَّا إنِ انهَدَم البِناءُ بآفَةٍ سَماويةٍ أو بذَهابِ تُرابِه أو بغَلبةِ السَّيلِ على الأرضِ فلا ضَمانَ عليه.
وإنْ تلِفَ العَقارُ بفِعلِه أو نقَصَ من سُكناه في الدارِ وزرَعَه في الأرضِ ضمِنَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه تلِفَ بفِعلِه، والعَقارُ يُضمَنُ بالإِتلافِ (١).
زَوائدُ المَغصوبِ:
المَغصوبُ إذا زادَ عندَ الغاصِبِ إمَّا أنْ يَزيدَ زيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ وتَعليمِ صَنعةٍ وإمَّا أنْ يَزيدَ زيادةً مُنفصِلةً كالثَّمرِ والوَلدِ.
أولاً: ضَمانُ الزيادةِ المُتصِلةِ:
المَغصوبُ إذا زادَ زيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ أو تَعليمِ صَنعةٍ أو ما أشبَهَ ذلك فإنَّ للمالِكِ أخذَه ولا شَيءَ للغاصِبِ، ولا أُجرةَ له لمَا عمِلَ من ذلك؛ لأنَّ المالِكَ لم يَأذَنْ للغاصِبِ فيه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما إذا زادَ هذه الزِّيادةَ ثم تلِفَت، بأنْ حصَلَ للحَيوانِ هُزالٌ أو عادَ لمَا عليه قبلَ السِّمَنِ، هل يَضمنُ هذه الزِّيادةَ التي فاتَت أو لا؟
ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ زَوائدَ المَغصوبِ المُتَّصلةَ مَضمونةٌ على الغاصِبِ ضَمانَ الغَصبِ؛ لأنَّه مالُ المَغصوبِ منه حصَلَ في يَدِه
(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٤/ ١٧٦)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٢٢، ١٢٣)، و «الاختيار» (٣/ ٧٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٣٦، ١٣٧)، و «اللباب» (١/ ٦٣١) المغني» (٥/ ١٤٠، ١٤١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٥٨، ١٥٩).
بالغَصبِ فيَضمَنُه بالتَّلفِ كالأصلِ؛ لأنَّها زيادةٌ في العَينِ المَغصوبةِ فضمِنَها الغاصِبُ، كما لو طالَبَ برَدِّها فلم يَرُدَّها، ولأنَّ استِدامةَ الغَصبِ كابتِدائِه، والغاصِبُ في كلِّ حالٍ مَأمورٌ برَدِّ العَينِ المَغصوبةِ، فإذا لم يَردَّها كانَ بمَنزِلةِ المُبتدئِ للغَصبِ، فعلى هذا يَردُّ الأصلَ وأَرشَ ما نقَصَ عندَه.
فلو غصَبَ دابةً وهي تُساوي مِئةً، فسَمِنت في يَدِه، وبلَغَت قيمَتُها ألفًا ثم هزَلَت، وعادَت إلى مِئةٍ، لزِمَه رَدُّها، ويَردُّ معها تِسعَمِئةٍ، لأَجلِ نَقصِ السِّمَنِ.
وأمَّا إنْ غصَبَها وهي تُساوي مِئةً ثم زادَ السِّعرُ فأصبَحَت تُساوي ألفًا، ثم نقَصَ السِّعرُ فصارَت تُساوي مِئةً فلا يَلزمُه شَيءٌ إلا أنْ تَتلَفَ أو تَموتَ فيَلزمَه أَقصى القيمةِ عندَ الشافِعيةِ كما تقدَّمَ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ زَوائدَ المَغصوبِ المُتصلةَ كالسِّمَنِ والجَمالِ وتَعليمِ صَنعةٍ غيرِ مَضمونةٍ على الغاصِبِ، وهي أَمانةٌ في يَدِه إنْ تلِفَت من غيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، إلا أنْ يُطالَبَ برَدِّها فيَمتنِعَ من رَدِّها.
قالَ الحَنفيةُ: زَوائدُ الغَصبِ ومَنافِعُه المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ والجَمالِ أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ، إنْ هلَكَت فلا ضَمانَ عليه إلا إذا تَعدَّى في الزِّيادةِ بأنْ أتلَفَها
(١) «البيان» (٧/ ٣١، ٣٣)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٥/ ٤٠٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٥٧)، و «المغني» (٥/ ١٥١)، و «المبدع» (٥/ ١٦٨)، و «الإنصاف» (٦/ ١٦٠)، و «كشاف القناع» (٤/ ١١٤).
أو أكَلَها أو باعَها، أو أنْ يَطلُبَها رَبُّها فيَمنعَه إياها فيَضمَنَ، والدَّليلُ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ أنَّ الغَصبَ إنَّما هو إِثباتُ اليَدِ على مالِ الغيرِ على وَجهٍ يُزيلُ يَدَ المالِكِ على ما ذَكَرناه، ويَدُ المالِكِ ما كانَت ثابِتةً على هذه الزِّيادةِ حتى يُزيلَها الغاصِبُ.
فإنِ استَهلَكه بعدَ الزِّيادةِ نَحوَ أنْ يَبيعَه ويُسلِّمَه إلى المُشتَري فهلَكَ في يَدِ المُشتَري فالمَغصوبُ منه بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ قيمَتَه وَقتَ الغَصبِ وجازَ البَيعُ والثَّمنُ للغاصِبِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُشتَريَ قيمَتَه وَقتَ القَبضِ وبطَلَ البَيعُ، وله أنْ يَرجعَ على الغاصِبِ بالثَّمنِ، وليس له أنْ يُضمِّنَ الغاصِبَ وَقتَ التَّسليمِ في قَولِ أَبي حَنيفةَ.
هذا لو غصَبَ شاةً فسمِنَت ثم ذبَحَها ضمِنَ قيمَتَها يَومَ الغَصبِ.
وإنْ غصَبَ عَبدًا أو أَمةً قيمَتُها ألفٌ مَثلًا فازدادَت عندَه زِيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ والجَمالِ حتى صارَت قيمَتُها ألفَينِ فقتَلَها هو أو غيرُه خَطًا فالمالِكُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ ألفًا قيمَتَه يَومَ الغَصبِ حالَّةً في مالِه، وإنْ شاءَ ضمَّنَ عاقِلةَ القاتِلِ ألفَينِ قيمَتَه يَومَ القَتلِ في ثَلاثِ سِنينَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: زَوائدُ المَغصوبِ المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ أو تَعليمِ صَنعةٍ أو زيادةِ تَسوُّقٍ أو ما أشبَهَ ذلك غيرُ مَضمونةٍ على الغاصِبِ؛ لأنَّه ضامِنٌ لها
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٤٣)، و «الهداية» (٤/ ١٩)، و «الجوهرة النيرة» (٤/ ١٣٧، ١٣٨)، و «اللباب» (١/ ٦٣٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ١٣٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٣١٢)، و «الإختيار» (٣/ ٨٠))، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٢٠٤).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الغصب
الباب الأول في ضمان المغصوب
كِتَابُ الْغَصْبِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ضَّمَانِ المغصوب
ِ وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ: فِي الضَّمَانِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ.
وَالثَّانِي: مَا فِيهِ الضَّمَانُ.
وَالثَّالِثُ: الْوَاجِبُ. وَأَمَّا الْبَابُ الثَّانِي: فَهُوَ فِي الطَّوَارِئِ عَلَى الْمَغْصُوبِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الضَّمَانِ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ، فَهُوَ إِمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِأَخْذِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَوْ لِإِتْلَافه، وَإِمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِلسَّبَبِ الْمُتْلِفِ، وَإِمَّا إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ الضَّمَانُ إِذَا تَنَاوَلَ التَّلَفَ بِوَاسِطَةِ سَبَبٍ آخَرَ، هَلْ يَحْصُلُ بِهِ ضَمَانٌ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَفْتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَيَطِيرُ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُضَمَّنُهُ، هَاجَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ أَوْ لَمْ يَهِجْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ عَلَى حَالٍ. وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ أَنْ يَهِيجَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ أَوْ لَا يَهِيجُهُ، فَقَالَ: يُضَمَّنُ إِنْ هَاجَهُ، وَلَا يُضَمَّنُ إِنْ لَمْ يَهِجْهُ.
وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَسَقَطَ فِيهِ شَيْءٌ فَهَلَكَ، فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولَانِ: إِنْ حَفَرَهُ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ حَفْرُهُ تَعَدِّيًا ضُمِّنَ مَا تَلِفَ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يُضَمَّنْ، وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَاشَرَةِ الْعَمْدُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟ فَالْأَشْهُرُ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضَمَّنُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الغصب
فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه
هَذَا وَقِيلَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ خَلَّلَهَا بِالنَّقْلِ مِنْ الظِّلِّ إلَى الشَّمْسِ لَا بِشَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ وَدَبَغَهُ أَنَّهُ إنْ دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالشَّمْسِ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ كَانَ مِلْكَهُ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ.
وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ مُتَقَوِّمٍ قَائِمٍ إنَّمَا فِيهِ مُجَرَّدُ فِعْلِ الدِّبَاغِ، وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا يَتَقَوَّمُ، إلَّا بِالْعَقْدِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَدَبَغَهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَيْتَةُ مُلْقَاةً عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَذَ جِلْدَهَا فَدَبَغَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْجِلْدِ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ فِي الطَّرِيقِ إبَاحَةٌ لِلْأَخْذِ كَإِلْقَاءِ النَّوَى وَقُشُورِ الرُّمَّانِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ، وَلَوْ هَلَكَ الْجِلْدُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ مَا دَبَغَهُ بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِتْلَافِ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ وَقْتَ الْغَصْبِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَمَا صَارَ مَالًا بِالدِّبَاغِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ.
ارجع إلى وجوب رد المغصوب إلى صاحبه وضمانه للاطلاع على جميع المسائل.