الإسلام > الأوقاف والملكية > وجود المعادن في أرض الإحياء
مسائلُ فقهيةٌ في وجود المعادن في أرض الإحياء على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةوُجودُ المَعادنِ في أرضِ الإِحياءِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ فيمَن أَحيا أرضًا مَواتًا فوجَدَ فيها شيئًا في باطنِ الأرضِ، هل يَمتلكُه بذلك أم لا؟
قالَ الشافِعيةُ: لو أَحيا مَواتًا ثُم ظهرَ فيه معدنٌ ظاهرٌ أو باطنٌ كذهبٍ أو فضةٍ أو غيرِ ذلك ولَم يَعلَمْ به مَلَكَه بلا خلافٍ؛ لأنَّه قد ملَكَ الأرضَ بالإِحياءِ، فملَكَها بجميعِ أجزائِها، والمَعدِنُ مِنْ أجزائِها فمَلَكَه، كما لو أَحيا أرضًا فنبَعَ فيها عينُ ماءٍ.
وقيلَ: إنَّ الظاهرَ لا يُملَكُ بالإِحياءِ إنْ علِمَه لظهورِه مِنْ حيثُ إنَّه لا يَحتاجُ إلى علاجٍ.
وإنْ علِمَ أنَّ فيها مَعدِنًا فأَحياها واتَّخذَ عليه دارًا فلا يَملكُه في أحدِ القَولينِ لِفسادِ القصدِ؛ لتَأديَتِه إلى حِرمانِ غيرِه مِنْ الانتِفاعِ.
وفي القولِ الآخرِ: القَطعُ بالملكِ، إلا أنَّه لا يَملِكُ بُقعةَ المَعدِنِ بالإِحياءِ مع عِلمِه به لِفسادِ قَصدِه؛ لأنَّ المَعدِنِ لا يُتَّخذُ دارًا ولا مَزرعةً ولا بُستانًا أو نحوَها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ أَحيا أرضًا فمَلكَها بذلك فظهَرَ فيها مَعدِنٌ؛ ملَكَه ظاهرًا كانَ أو باطنًا إذا كانَ مِنْ المَعادنِ الجامِدةِ كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ
(١) «البيان» (٧/ ٤٩٠)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٢٢)، و «كنز الراغبين» (٣/ ٢٣٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٤٤٠، ٤٤١)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٤٦)، و «تحفة المحتاج» (٧/ ٤٢٦).
والكُحلِ؛ لأنَّه ملَكَ الأرضَ بجَميعِ أَجزائِها وطَبقاتِها وهذا منها، فيَتبعُها في الملكِ كما لو اشتَراها، بخِلافِ الرِّكازِ فإنَّه مُودَعٌ فيها للنَّقلِ وليسَ مِنْ أَجزائِها.
وهذا في المَعدِنِ الظاهرِ، إذا ظهَرَ بإِظهارِه وحَفرِه، وأما ما كانَ ظاهرًا فيها قبلَ إِحيائِها فلا يُملَكُ؛ لأنهَّ قَطعٌ لنفعٍ كانَ واصلًا للمُسلِمينَ، ومَنعُهم انتِفاعًا كانَ لهم، وهاهنا لَم يَقطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه ظهَرَ بإِظهارِه له.
ولو تَحجَّرَت الأرضُ أو أقطَعَها فظهَرَ فيها المَعدِنُ قبلَ إِحيائِها لكانَ له إِحياؤُها، ويَملكُها بما فيها لأنَّه صارَ أحقَّ به بتَحجُّرِه وإِقطاعِه، فلَم يَمنعْ مِنْ إِتمامِ حقِّه.
وأما المَعادنُ الجاريةُ كالقارِ والنّفطِ والماءِ، فهل يَملكُها مَنْ ظهرَتْ في ملكِه؟ فيه رِوايتانِ:
أَظهرهُما وهي المَذهبُ: لا يَملكُها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «المُسلِمونَ شُركَاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكلأِ والنَّارِ وَثمنُه حَرامٌ» (١) وفي لفظٍ «الناسُ شُركاءُ»، ولأنَّها ليسَت مِنْ أَجزاءِ الأرضِ فلَم يَملكْها بملكِ الأرضِ كالكَنزِ، إلا أنَّه أحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لحَديثِ: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه أحدٌ فهو له» رواه أَبو داودَ، وفي لفظٍ: «فهو أحقُّ به» (٢) فهنا أَولى.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢٣١٣٢)، وابن ماجه (٢٤٧٢)، و «اللفظ له والبيهقي في «الكبرى» (١١٦١٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٧١).
والرِّاويةُ الثانيةُ: يَملكُها؛ لأنَّها خارجةٌ مِنْ أرضِه المَملوكَةِ له فأشبَهَتْ الزَّرعَ والمَعادنَ الجامِدةَ (١).
أما المالِكيةُ فقالوا: المَعدِنُ كالذَّهبِ والفِضةِ إما أنْ يَظهرَ في المَواتِ أو الفَيافي في بِلادِ الإِسلامِ فإنَّ الحُكمَ فيه للإمامِ، يُقطعُه لمَن يَعملُ فيه بوَجهِ الاجتِهادِ، ومَعنى إِقطاعِه إيَّاها أنْ يَجعلَ لمَن يُقطعُه إيَّاها الانتِفاعَ بها مدَّةً مَحدودةً أو غيرَ مَحدودةٍ لا يُملِّكُه رقبتَها، كما لا يُقطِعُ أرضَ العَنوةِ تمليكًا، لكنْ قَطيعةُ إِمتاعٍ، والأصلُ للمُسلِمينَ.
وإما أنْ يَظهرَ المَعدِنُ في أرضٍ مَملوكةٍ مَحوزَةٍ لمالكٍ مُعيَّنٍ كزيدٍ مثلًا، ففيه ثَلاثةُ أَقوالٍ في المَذهبِ:
المُعتمَدُ منهما -وهو قولُ ابنِ القاسِمِ-: أنَّ النَّظرَ فيه للإمامِ أيضًا، يُقطِعُه مَنْ يَشاءُ، وذلك لأنَّ المَعادنَ ليسَت تبعًا للأرضِ التي هي فيها مَملوكةً كانَت أو غيرَ مَملوكةٍ؛ لأنَّ المَعادنَ التي في جوفِ الأرضِ أقدَمُ مِنْ ملكِ المالِكينَ لها، فلم يَحصلْ ذلك ملكًا لهم بملكِ الأرضِ فصارَ ما فيها بمنزلةِ ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، قالَ ابنُ القاسمِ: وكذلك مَعادنُ الزّرنيخِ والكُحلِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ هي كمَعادنِ الذَّهبِ والفضَّةِ، للسُّلطانِ أنْ يُقطِعَها لمَن يَعملُ فيها.
(١) «المغني» (٥/ ٣٣٣، ٣٣٤)، و «الكافي» (٢/ ٤٣٧، ٤٣٨)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٢٩، ٢٣٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٢٦١)، و «الإنصاف» (٦/ ٣٦٢)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٨٦، ٢٨٧).
وذلك لأنَّ المَعادنَ قد يَجدُها شِرارُ الناسِ، فلو لم يَكنْ حُكمُه للإمامِ لأدَّى إلى الفِتنِ والهَرجِ.
والقولُ الثانِي: أنَّها تَكونُ مِلكًا لصاحبِها، والنَّظرُ فيها له، وهو قولُ سُحنونٍ، ويَكونُ حُكمُها كالعنبَرِ وما يَخرجُ مِنْ البَحرِ، فهي لِمالكِها.
والثالثُ: إنْ كانَ عينًا -ذهبًا أو فِضةً- فللإمامِ، وإنْ كانَ غيرَ ذلك مِنْ الجَواهرِ فلمالكِ الأرضِ.
وإما أنْ يَظهرَ المَعدِنُ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ انجَلى أهلُها عنها، فإنْ كانوا كُفارًا وانجَلَوا عنها بغيرِ قِتالٍ فحُكمُها للإمامِ قولًا واحدًا، وإنْ كانوا مُسلِمينَ وانجَلَوا عنها فقَولانِ: المُعتمَدُ منهما أنَّها للإمامِ له أنْ يُقطِعَها مَنْ يَشاءُ، والثانِي: لا يَسقطُ مُلكُهم عن أَراضِيهم بانجِلائِهم.
وإما أنْ تَظهرَ المَعادنُ في أرضِ قَومٍ صالَحوا عليها فهي للمَصالحِ، فإنْ أسلَموا رجَعَ أمرُها إلى الإمامِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: المَواتُ يُملَكُ بالإِحياءِ، فإذا أَحيا إِنسانٌ مَواتًا ملَكَه ولا تَنزعُ منه، ويَجبُ عليها العُشرُ أو الخَراجُ حسبَ حالِها، فعلى هذا إذا وجَدَ فيها مَعدِنًا ملَكَه على هذا التَّفصيلِ:
(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ٩٥٥)، و «مواهب الجليل» (٣/ ١٦٥، ١٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٢/ ٢٠٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٩١، ٩٢)، و «حاشية الصاوي» (٣/ ١٨٩).
قالوا: إذا وجَدَ مُسلمٌ أو ذِميٌّ مَعدنًا ذَهبًا أو فِضةً أو حَديدًا أو صُفرًا أو رَصاصًا أو نُحاسًا ونحوَ ذلك في أرضِ خَراجٍ أو عُشرٍ أَخذَ منه الخُمسَ وباقِيه لواجِدِه، وكذا إذا وجَدَ في الصَّحراءِ التي ليسَت بعُشريَّةٍ ولا خَراجيَّةٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «وفي الرِّكازِ الخُمسُ»، والرِّكازُ يَتناولُ الكَنزَ والمَعدِنَ؛ لأنَّ الرِّكازَ عِبارةٌ عما يَغيبُ في الأرضِ وأُخفِيَ فيها وهو مَوجودٌ في الكَنزِ والمَعدِنِ، ولأنَّها كانَت في أيدِي الكُفارِ وقد غلَبْنا عليها فتَكونُ غَنيمةً وفيها الخُمسُ، والواجدُ كالغانمِ فله أربَعةُ الأَخماسِ لعدمِ المَزاحمِ.
وأما المائعُ كالنّفطِ والقارِ ونحوِ ذلك، وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائعٍ كالنّورةِ والجصِّ والجَواهرِ كالياقوتِ والبَلورِ ونحوِ ذلك فلا شيءَ فيها، وكلُّها لواجِدِها؛ لأنَّ الجصَّ والنُّورةَ ونحوَها مِنْ أَجزاءِ الأرضِ فكانَ كالتُّرابِ.
والياقوتُ والفُصوصُ مِنْ جِنسِ الحِجارةِ إلا أنَّها أَحجارٌ مُضيئةٌ ولا خُمسَ في الحَجرِ، وأما المائعُ كالقيرِ والنّفطِ فلأنَّه ماءٌ، وأنَّه مما لا يُقصَدُ بالاستِيلاءِ.
ولو وجَدَ في دارِه مَعدِنًا فليسَ فيه شيءٌ عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه ملَكَها بجَميعِ أَجزائِها، والمَعدِنُ مِنْ أَجزائِها؛ لأنَّ كلَّ جزءٍ مِنْ أَجزاءِ أرضِه لا خُمسَ فيه، فكذا هذا الجزءُ.
وقالَ الصاحِبانِ: فيه الخُمسُ، والباقِي لواجِدِه لإِطلاقِ الحَديثِ.
وإنْ وجَدَه في أرضِه فعن أَبي حَنيفةَ فيه رِوايتانِ: رِوايةُ الأصلِ: لا يَجبُ؛ لأنَّ المَعدِنَ مِنْ أَجزاءِ الأرضِ وليسَ في سائرِ الأَجزاءِ منها خُمسٌ، فكذا في هذا الجزءِ.
وفي رِوايةِ «الجامعِ الصغيرِ»: يَجبُ؛ لأنَّ الأرضَ ما مُلكَت خالِيةً عن المُؤنِ، ألا تَرى أنَّ فيها العُشرَ والخَراجَ بخلافِ الدارِ؛ لأنَّها مُلكَت خاليةً عن المُؤنِ، حتى قالوا لو كانَ في الدارِ نَخلةٌ تَطرحُ في كلِّ سَنةٍ أَكرارًا مِنْ الثِّمارِ لا يَجبُ فيها شيءٌ لَما قُلنا بخِلافِ الأرضِ.
ولو وجَدَ مُسلمٌ مَعدِنًا في دارِ الحربِ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ لأحدٍ فهو للواجدِ ولا خُمسَ فيه؛ لأنَّه ليسَ بغَنيمةٍ؛ لأنَّ الغَنيمةَ ما أُخِذَ عن طريقِ القهرِ والجبْرِ، وهذا أخذٌ عن طَريقِ التَّلصُّصِ.
ولو وجَدَه في ملكِ بعضِهم، فإنْ دخَلَ عليهم بأَمانٍ ردَّه عليهم، ولو لَم يَردَّ وأخرَجَه إلى دارِ الإِسلامِ يَكونُ مِلكًا له إلا أنَّه لا يَطيبُ له، وسَبيلُه التَّصدقُ به، وإنْ دخَلَ بغيرِ أمانٍ يَكونُ له مِنْ غيرِ خُمسٍ.
وإنْ وجَدَ حَربيٌّ مَعدِنًا في دارِ الإِسلامِ فهو فيءٌ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ الغَنائمِ.
ومَن وجَدَ كَنزًا فيه عَلامةُ المُسلِمينَ، بأنْ كانَ فيه مُصحَفٌ أو كانَ مَكتوبًا عليه كَلمةُ الشَّهادةِ أو اسمُ ملكٍ مِنْ مُلوكِ الإِسلامِ فهو لُقَطةٌ؛ لعِلمِنا أنَّه مِنْ وَضعِ المُسلِمينَ فلا يَكونُ غَنيمةً، وإنْ كانَ فيه عَلامةُ الشِّركِ كالصَّليبِ والصَّنمِ ونحوِهما فهو مِنْ مالِ المُشرِكينَ فيَكونُ غَنيمةً، ففيه الخُمسُ والباقِي للواجدِ.
وإن وُجدَ في دارِ رَجلٌ مالٌ مَدفونٌ مِنْ أَموالِ الجاهليَّةِ فهو لمَن كانَت الدارُ له، وهو المُختَطُّ الذي خطَّها الإمامُ له عندَ الفَتحِ (أي المالكِ الأولِ)؛ لأنَّ المُختَطَّ له ملكُ الأرضِ بالحِيازةِ فيَملِكُ ظاهِرَها وباطنَها، والمُشتَري ملَكَها بالعقدِ فيَملِكُ الظاهرَ دونَ الباطنِ، فبَقيَ الكَنزُ على صاحبِ الخطّةِ، ولأنَّ الكَنزَ مُودَعٌ في الأرضِ، فلما ملَكَها الأولُ ملَكَ ما فيها ولا يَخرجُ ما فيها عن ملكِه ببَيعِها كالسَّمكةِ في جَوفِها دُرةٌ.
وإنْ لمَ يُوجدِ المُختَطُّ فلورثَتِه ووَرثةِ ورثَتِه هكذا، فإنْ لَم يُعرَفِ المُختَطُّ فلأقصَى مالكٍ يُعرَفُ لها، وهذا قولُ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: هو لِلواجدِ، وفيه الخُمسُ قِياسًا على المَوجودِ في المَفازةِ؛ لأنَّه هو الذي أظهَرَه وحازَه ولَم يُملِّكْه الإمامُ؛ لأنَّه لو ملَّكَه الكَنزَ مع الأرضِ لم يَكنْ عَدلًا (١).
قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقوا أنَّ مَنْ ملكَ أرضًا مُحياةً ليسَت مَعدِنًا فليسَ للإمامِ أنْ يَنتزعَها منه ولا أنْ يُقطِعَها غيرَه.
واختَلفوا في المَعدِنِ يَظهرُ، هو لربِّ الأرضِ أم للإمامِ أنْ يَفعلَ فيه ما رَأى؟ (٢).
(١) «الاختيار» (١/ ١٥١، ١٥٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ٢٨٨، ٢٩٠)، و «مجمع الأنهر» (١/ ٣١٤، ٣١٥)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٥٢، ٢٥٣)، و «مرشد الحيران» (١/ ٢٤).
(٢) «مراتب الإجماع» ص (٩٥).
ارجع إلى الأوقاف والملكية للاطلاع على جميع الأبواب.