الثاني: البساط

الإسلام > الأيمان والمواريث > أنواع الأيمان > الثاني: البساط

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 40 دقيقة قراءة

الثاني: البساط - الأقوال والأدلة

ذهَبَ الرَّجلُ: تَعرفُه؟ قالَ: لا، ولكنَّه نظَرَ إليَّ، قيلَ: فكيفَ أَثنيتَ عليه؟ قالَ: شَرفُه أُذناه وبيتُه الذي يَسكنُه.

ورُويَ أنَّ رَجلًا أخَذَ على شَرابٍ فقيلَ له: من أنتَ؟ فقالَ:

أنا ابنُ الذي لا يَنْزِلُ الدَّهرَ قِدرُه وإنْ نزَلَتْ يومًا فسَوفَ تَعودُ

تَرى الناسَ أَفواجًا على بابِ دارِه فمِنهُم قِيامٌ حولَها وقُعودُ

فظَنُّوه شَريفًا فخَلَّوا سَبيلَه فإذا هو ابنُ الباقِلانِيِّ.

وأخَذَ الخَوارجُ رافِضيًّا فقالوا له: تبَرَّأْ مِنْ عُثمانَ وعليٍّ فقالَ: أنا مِنْ عليٍّ ومِن عُثمانَ بريءٌ، فهذا وشِبهُه هو التَّأويلُ الذي لا يُعذرُ به الظالِمُ ويَسوغُ لغيرِه مَظلومًا كانَ أو غيرَ مَظلومٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ كانَ يَقول ذلك في المِزاحِ مِنْ غيرِ حاجةٍ به إليه) (١).

الثانِي: البِساطُ:

هو السَّببُ الحامِلُ على اليَمينِ،؛ إذ هو مَظِنةُ النِّيةِ فليسَ هو انتِقالًا عن النِّيةِ بل هو نِيةٌ ضِمنًا وهذا عُدمَت نِيةُ المُستَحلفِ المُحقِّ ونِيةُ الحالفِ وكانَت اليَمينُ عامَّةً أو مُطلَقةً في الظاهِرِ لكنْ كانَ سببُها الذي أَثارَها أو هيَّجَها خاصًّا أو مُقيدًا كانَ ذلك مُقتَضيًا تَخصيصَ اليَمينِ أو تَقييدَها.

وهذا يُسمَّى عندَ المالِكيةِ بِساطَ اليَمينِ أي السَّببَ الحاملَ على اليَمينِ، وعندَ الحَنابِلةِ يُسمونَه السَّببَ المُهيِّجَ لليَمينِ، وعندَ الحَنفيةِ يُعبِّرونَ عنه بيَمينِ الفَورِ، وبَيانُ ذلك فيما يَلي:

(١) «المغني» (٩/ ٤٢٠، ٤٢٢).

قالَ الحَنفيةُ: اليَمينُ المُؤبَّدةُ لَفظًا والمُؤقتَّةُ دِلالةً تُسمَّى يَمينَ الفَورِ، وهو أنْ يَكونَ ليَمينِه سَببٌ، فدَلالةُ الحالِ تُوجِبُ قَصرَ يَمينِه على ذلك السَّببِ، وذلك كلُّ يَمينٍ خرَجَتْ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ فتَتقيَّدُ به بدَلالةِ الحالِ، نحوَ أنْ تَتهيَّأَ المَرأةُ للخُروجِ، فقالَ: «إنْ خرَجْتِ فأنتِ طالِقٌ»، فقعَدَتْ ساعَةً ثم خرَجَتْ لا تَطلُقُ.

وكذا إذا قالَ له: «تَغدَّ معي»، فقالَ: «واللَّهِ لا أتَغدَّى معَك، وإنْ تغدَّيْتُ فعَبدِي حرٌّ» فلَم يتَغدَّ معَه وذهَبَ إلى بَيتِه وتَغدَّى فإنَّه لا يَحنَثُ في هذه الوُجوهِ كلِّها.

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأما المُوقتُ دِلالةً فهو المُسمَّى يَمينَ الفَورِ وأَولُ مَنْ اهتَدى إلى جَوابِها أَبو حَنيفةَ، ثم كلُّ مَنْ سمِعَه استَحسنَه وما رآهُ المُؤمِنونَ حَسنًا فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، وهو أنْ يَكونَ اليَمينُ مُطلقًا عن الوقتِ نصًّا ودِلالةُ الحالِ تَدلُ على تَقييدِ الشَّرطِ بالفَورِ بأنْ خرَجَ جَوابًا لكَلامٍ أو بِناءً على أَمرٍ نحوَ أنْ يَقولَ لآخرَ: «تَعالَ تَغدَّ معِي» فقالَ: «واللهِ لا أَتغَدَّى» فلَم يَتغَدَّ معَه ثم رجَعَ إلى مَنزلِهِ فتَغدَّى لا يَحنَثُ استِحسانًا، والقِياسُ أنْ يَحنَثَ وهو قولُ زُفرَ، وَجهُ القِياسِ أنَّه منَعَ نفسَه عن التَّغدِّي عامًا فصَرفُه إلى البعضِ دونَ البعضِ تَخصيصٌ للعُمومِ.

ولنا: أنَّ كَلامَه خرَجَ جَوابًا للسُّؤالِ فيَنصرِفُ إلى ما وقَعَ السُّؤالُ عنه، والسُّؤالُ وقَعَ عن الغِداءِ المَدعوِّ إليه فيَنصرِفُ الجَوابُ إليه كأنَّه أَعادَ السُّؤالَ وقالَ: «واللهِ لا أَتغَدَّى الغَداءَ الذي دَعوتَني إليه» وكذا إذا قامَت امرَأتُه لتَخرجَ مِنْ الدارِ فقالَ لها: «إنْ خَرجتِ فأنتِ طالقٌ» فقَعدَت ثم

خرَجَت بعدَ ذلك لا يَحنَثُ استِحسانًا؛ لأنَّ دِلالةَ الحالِ تَدلُّ على التَّقييدِ بتلك الخَرجةِ كأنَّه قالَ: «إنْ خرَجتِ هذه الخَرجةَ فأنتِ طالقٌ».

ولو قالَ لها: إنْ خرَجتِ مِنْ هذه الدارِ على الفورِ أو في هذا اليومِ فأنتِ طالقٌ بطَلَ اعتِبارُ الفَورِ؛ لأنَّه ذكَرَ ما يَدلُ على أنَّه ما أَرادَ به الخَرجةَ المَقصودَ إليها وإنَّما أَرادَ الخُروجَ المُطلَقَ عن الدارِ في اليومِ حيثُ زادَ على قَدرِ الجَوابِ.

وعلى هذا يَخرجُ ما إذا قيلَ له: «إنكَ تَغتَسلُ اللَّيلةَ في هذه الدارِ مِنْ جَنابةٍ» فقالَ: «إنِ اغتَسلتُ فعبدِي حرٌّ» ثم اغتَسلَ لا عن جَنابةٍ ثم قالَ: «عَنيتُ به الاغتِسالَ عن جَنابةٍ» أنَّه يُصدَّقُ؛ لأنَّه أَخرَجَ الكَلامَ مَخرجَ الجَوابِ ولَم يَأتِ بما يَدلُّ على إِعراضِه عن الجَوابِ فيُقيدُ بالكَلامِ السابِقِ ويَجعَلُ كأنَّه إِعادةٌ (١).

وقالَ المالِكيةُ: فإنْ لَم يَكنْ للحالِفِ نِيةٌ أو كانَت ونسِيَ ضَبطَها فإنَّه يَنْظُرُ في ذلك إلى بِساطِ يَمينِه، وهو السَّببُ الحامِلُ على اليَمينِ فيَعمَلُ عليه مِنْ تَخصِيصِ أو تَقييدٍ كما يَعملُ على النِّيةِ مِنْ بِرٍّ أو حِنثٍ فيما يَنوِي فيه وغيرُه وليسَ بانتِقالٍ عن النِّيةِ في الحَقيقةِ إنَّما هو مَظِنةٌ لها وتَحويمٌ عليها بحَيثُ إذا تَذكَّرَها الحالِفُ وجَدَه مُناسِبًا لها؛ لأنَّه نِيةٌ حُكمِيةٌ مَحُفوفةٌ بالقَرائنِ، وضَابطُ صِحةِ تَقييدِ يَمينِه بقولِه: «ما دامَ هذا الشَّيءُ أيِ الحامِلُ على اليَمينِ مَوجودًا» كحَلفِه: «لا أَشتَرِي لَحمًا أو لا أَبيعُ في السُّوقِ لزَحمةٍ»

(١) «بدائع الصنائع» (٣/ ١٣)، و «المبسوط» (٨/ ١٣١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩، ١٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٧٦٣).

أيْ: لأَجلِ وُجودِ زَحمةٍ، «أو وُجودِ ظَالمٍ» حمَلَه على الحَلفِ لصحَّةِ تَقييدِ يَمينِه بقولِه: «ما دامَتْ هذه الزَّحمةُ أَوِ الظَّالمُ مَوجودًا»، وكما لو كانَ خادِمُ المَسجدِ أو الحَمامِ يُؤَذيِ إِنسانًا كلَّما دخَلَه فقالَ ذلك الإِنسانُ: «واللهِ لا أَدخلُ هذا المَسجدَ أو هذا الحَمامَ»، فإنَّه يَصحُّ أنْ يُقيَّدَ بقولِه: «مَا دَامَ هذا الخادِمُ مَوجودًا»، فإنْ زالَ هذا الخَادمُ جَازَ له الدُّخولُ وإلا حنِثَ، وكما لو كانَ في طَريقٍ مِنْ الطُّرقِ ظَالمٌ يُؤذِي المارِّينَ بها فقالَ شَخصٌ: «واللهِ لا أَمرُّ في هذه الطَّريقِ»، أَيْ ما دامَ هذا الظَّالمُ فيها، وكذا لو كانَ فاسِقٌ بمَكانٍ فقالَ لزَوجتِه: «إنْ دخَلتِ هذا المَكانَ فأَنتِ طَالقٌ»، فإذا زالَ الفاسِقُ منه ودخَلتْ لَم يَحنَثْ؛ لأنَّه في قُوةِ قَولِه: «ما دامَ هذا الفاسِقُ مَوجودًا في ذلك المَكانِ».

بخِلافِ ما لو سبَّكَ إِنسانٌ فحَلَفتَ: «لا أُكلِّمُه» أو تَشاجَرَ معَ جارِه فحلَفَ: «لَا يَدخلُ بيتَه»، ونحوَ ذلك فليسَ فيه بِساطٌ؛ لأنَّه يُشتَرَطُ في نَفعِ البِساطِ ألا يَكون للحالِفِ مَدخَلٌ في السَّببِ الحامِلِ على اليَمينِ، كما لو تَنازَعَ معَ ولَدِه أو زَوجَتِه أو أَجنَبيٍّ فحلَفَ أنَّه لا يَدخُلُ على مَنْ تَنازَعَ معَه دارًا مَثلًا، ثم زالَ النِّزاعُ واصْطلَحَ الحَالفُ والمَحلوفُ عليه، فإنَّه يَحنَثُ بدُخولِه؛ لأنَّ الحَالفَ له مَدخلٌ في السَّببِ، فالبِساطُ هنا غيرُ نافِعٍ، كما أنَّه لا يَنْفَعُ فيما نجَزَ بالفِعلِ، كما لو تَشاجَرَتْ زَوجَتُه معَ أخِيه مَثلًا فَطلَّقَها ثم ماتَ أَخوه فَلا يَرتَفعُ الطَّلاقُ؛ لأنَّ رَفعَ الواقِعِ مُحالٌ، ومِثلُ ذلك ما لو دخَلَ على زَوجَتِه مَثلًا فوجَدَها أفسَدَتْ شَيئًا في اعتِقادِه فنجَزَ طَلاقُها، فتَبيَّنَ له بعدَ ذلك أنَّه لَم يَفسُدْ فليسَ هنا بِساطٌ.

والبِساطُ يَجرِي في جَميعِ الأَيمانِ سَواءٌ كانَت باللهِ أو بطَلاقٍ أو بعِتقٍ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ لَم يَنوِ الحالفُ شَيئًا وعدِمتِ النِّيةُ نظَرْنا في سَببِ اليَمينِ وما أَثارَها لدِلالتِه على النِّيةِ فإذا حلَفَ لا يَأوي معَ امرَأتِه في هذه الدارِ نظَرْنا فإنْ كانَ سببُ يَمينِه غَيظًا مِنْ جهةِ الدارِ لِضررٍ لحِقَه منها أو منَّةٍ عليه بها اختَصَّت يَمينُه بها وإنْ كانَ لغيظٍ لحِقَه مِنْ المَرأةِ يَقتضِي جَفاءَها ولا أثرَ للدارِ فيه تَعلقَ ذلك بإِيوائِه معَها في كلِّ دارٍ وكذلك إذا حلَفَ لا يَلبسُ ثوبًا مِنْ غَزلِها فإنْ كانَ سببُه المُنيةَ عليه منها فكيفَما انتَفعَ به أو بثَمنِه حنِثَ، وإنْ كانَ سببُ يَمينِه خُشونَة غَزلِها ورَداءَته لَم يَتعَدَّ بيَمينِه لبسَه، ولأنَّ السببَ دَليلٌ على النِّيةِ فيَتعلَّقُ اليَمينُ به، وقد ثبَتَ أنَّ كَلامَ الشارعِ إذا كانَ خاصًّا في شيءٍ لسَببٍ عامٍّ تَعدَّى إلى ما يوجَدُ فيه السببُ كتَنصيصِه علةَ تَحريمِ التَّفاضلِ في أَعيانٍ سِتةٍ أثَبتَ الحُكمَ في كلِّ ما يوجَدُ فيه مَعناها كذلك في كَلامِ الآدمِيِّ مثلُه.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأما إنْ كانَ اللَّفظُ عامًّا وللسببِ خاصًّا مثلَ مَنْ دُعيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ لا يَتغدَّى أو حلَفَ لا يَقعدُ، فإنْ كانَت له نِيةٌ فيَمينُه على ما نَوى وإن لَم تَكنْ له نِيةٌ فكَلامُ أَحمدَ يَقتضِي رِوايتَينِ:

إِحداهُما: أنَّ اليَمينَ مَحمولةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أَحمدَ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ لا يَدخلُ بَلدًا لظُلمٍ رآهُ فيه فزالَ الظُّلمُ، فقالَ: النَّذرُ يُوفَّى به يَعني: لا يَدخلُه.

(١) «التاج والإكليل» (٢/ ٣٠٦، ٣٠٣٠٧)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ٦٨)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٢/ ٤١٩، ٤٢٠)، و «تحبير المختصر» (٢/ ٣٨٣)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٢١٨، ٢١٩).

ووَجهُ ذلك أنَّ لفظَ الشارِعِ إذا كانَ عامًّا لسَببٍ خاصٍّ وجَبَ الأَخذُ بعُمومِ اللَّفظِ دونَ خُصوصِ السَّببِ، كذلك يَمينُ الحالِفِ.

وذكَرَ القاضِي فيمن حلَفَ على زَوجتِه أو عبدِه أنْ لا يَخرجَ إلا بإذنِه فعتَقَ العبَدَ وطلَّقَ الزَّوجةَ وخرَجا بغيرِ إذنِه لا يَحنثُ؛ لأنَّ قَرينةَ الحالِ تَنقُلُ حُكمَ الكَلامِ إلى نفسِها وإنَّما يَملِكُ منعَ الزَّوجةِ والعبدِ معَ وِلايتِه عليهما فكأنَّه قالَ: «ما دُمتُما في مِلكي» ولأنَّ السببَ يَدلُ على النِّيةِ في الخُصوصِ كدِلالتِه عليها في العُمومِ ولو نَوى الخُصوصَ لاختَصَّت يَمينُه به فكذلك إذا وجَدَ ما يَدلُّ عليها.

ولو حلَفَ لعاملٍ لا يَخرجُ إلا بإِذنِه فعزَلَه أو حلَفَ أنْ لا يَرى مُنكرًا إلا رفَعَه إلى فُلانٍ القاضِي فعُزلَ ففيه وَجهانِ بناءً على ما تَقدَّمَ:

أَحدُهما: لا تَنحلُّ اليَمينُ بعَزلِه، قالَ القاضِي: هذا قِياسُ المَذهبِ؛ لأنَّ اليَمينَ إذا تَعلَّقَت بعينٍ مَوصوفةٍ تَعلَّقَت بالعينِ، وإنْ تَغيَّرَت الصِّفةُ وهذا أحدُ الوَجهينِ لأَصحابِ الشافِعيِّ.

والوجهُ الآخرُ تَنحلُّ اليَمينُ بعزلِه وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ لأنَّه لا يُقالُ رفَعَه إليه إلا في حالِ وِلايتِه فعلى هذا إنْ رَأى المُنكرَ في وِلايتِه فأَمكنَه رَفعَه فلَم يَرفعْه إليه حتى عُزلَ لَم يبَرَّ برَفعِه إليه حالَ كَونِه مَعزولًا، وهل يَحنَثُ بفِعلِه؟ فيه وَجهانِ:

أَحدُهما: يَحنَثُ؛ لأنَّه قد فاتَ رَفعُه إليه فأَشبهَ ما لو ماتَ.

والثانِي: لا يَحنثُ؛ لأنَّه لَم يَتحَققْ فَواتُه لاحتِمالِ أنْ يليَ فيَرفعُه إليه

بخِلافِ ما إذا ماتَ فإنَّه يَحنثُ؛ لأنَّه قد تَحقَّقَ فَواتُه، وإذا ماتَ قبلَ إِمكانِ رَفعِه إليه حنِثَ أيضًا؛ لأنَّه قد ماتَ فأَشبهَ ما لو حلَفَ ليَضربَنَّ عبدَه في غدٍ فماتَ العبدُ اليومَ، ويَحتمِلُ أنْ لا يَحنَثَ؛ لأنَّه لَم يَتمَكنْ مِنْ فِعلِ المَحلوفِ عليه فأَشبهَ المُكرهَ، وإنْ قُلنا: لا تَنحَلُّ يَمينُه بعَزلِه فرفَعَه إليه بعدَ عَزلِه برَّ بذلك، فإنِ اختَلفَ السَّببُ والنِّيةُ مثلَ أنِ امتَنَّت عليه امرَأتُه بغَزلِها فحلَفَ أنَّه لا يَلبسُ ثوبًا مِنْ غزلِها يَنوي اجتِنابَ اللّبسِ خاصةً دونَ الانتِفاع بثَمنِه وغيرِه قُدمَت النِّيةُ على السَّببِ وجهًا واحدًا؛ لأنَّ النِّيةَ وافَقت مُقتَضى اللَّفظِ وإن نَوى بيَمينِه ثوبًا واحدًا فكذلك في ظاهرِ كَلامِ الخِرقِي، وقالَ القاضِي: يُقدَّمُ السَّببُ؛ لأنَّ اللَّفظَ ظاهرٌ في العُمومِ، والسَّببُ يُؤكدُ ذلك الظاهِرَ ويُقويِه؛ لأنَّ السَّببَ هو الامتِنانُ وظاهرُ حالِه قَطعُ النِّيةِ، فلا يُلتَفتُ إلى نِيتِه المُخالِفةِ للظاهِرينَ، والأَولُ أَصحُّ؛ لأنَّ السَّببَ إنَّما اعتُبِرَ لدِلالتِه على القَصدِ فإذا خالَفَ حَقيقةَ القَصدِ لَم يُعتَبرْ فكانَ وُجودُه كعَدمِه فلَم يَبقَ إلا لَفظُه بعُمومِه، والنَّيةُ تَخصُّه على ما بيَّنَّاه فيما مَضى (١).

وللإمامِ ابنِ القَيمِ كَلامٌ طَويلٌ ومُفيدٌ في زَوالِ سَببِ اليَمينِ فقالَ رحمة الله عليه:

المَخرَجُ العاشِرُ: مَخرَجُ زَوالِ السَّببِ، وقد كانَ الأَولى تَقديمُه على هذا المَخرَجِ لقوَّتِه وصِحتِه؛ فإنَّ الحُكمَ يَدورُ معَ علَّتِه وسَببِه وُجودًا

(١) «المغني» (١٠/ ٢٥، ٢٦)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٣٣٤)، و «الإنصاف» (١١/ ٥٠، ٥١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٣١٣، ٣١٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٣٩٣، ٣٩٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٢٤، ٤٢٧).

وعَدمًا، ولهذا إذا علَّقَ الشارِعُ حُكمًا بسَببٍ أو علَّةٍ زالَ ذلك الحُكمُ بزَوالِهما كالخَمرِ عُلقَ بها حُكمُ التَّنجيسِ ووُجوبُ الحدِّ لوَصفِ الإِسكارِ، فإذا زالَ عنها وصارَت خلًّا زالَ الحُكمُ، وكذلك وَصفُ الفِسقِ عُلقَ عليه المَنعُ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ والرِّوايةِ، فإذا زالَ الوَصفُ زالَ الحُكمُ الذي عُلقَ عليه، وكذلك السَّفهُ والصِّغرُ والجُنونُ والإِغماءُ تَزولُ الأَحكامُ المُعلِّقةُ عليها بزَوالِها، والشَّريعةُ مَبنِيةٌ على هذه القاعِدةِ، فهكذا الحالِفُ إذا حلَفَ على أمرٍ لا يَفعلُه لسَببٍ فزالَ السَّببُ لَم يَحنَثْ بفِعلِه؛ لأنَّ يَمينَه تَعلَّقَت به لذلك الوَصفِ، فإذا زالَ الوَصفُ زالَ تَعلُّقُ اليَمينِ فإذا دُعيَ إلى شَرابٍ مُسكِرٍ ليَشربَه فحلَفَ أنْ لا يَشربَه، فانقَلبَ خلًّا فشرِبَه لَم يَحنَثْ، فإن منَعَ نفسَه منه نَظيرَ مَنعِ الشارِعِ، فإذا زالَ مَنعُ الشارِعِ بانقِلابِه خلًا وجَبَ أنْ يَزولَ مَنعُ نفسِه بذلك، والتَّفريقُ بينَ الأَمرَينِ تَحكُّمٌ مَحضٌ لا وَجهَ له؛ فإذا كانَ التَّحريمُ والتَّنجِيسُ ووُجوبُ الإِراقةِ ووُجوبُ الحدِّ وثُبوتُ الفِسقِ قد زالَ بزَوالِ سَببِه فما المُوجِبُ لبَقاءِ المَنعِ في صُورةِ اليَمينِ وقد زالَ سَببُه؟

وهل يَقتضِي مَحضُ الفِقهِ إلا زَوالَ حُكمِ اليَمينِ؟ يُوضِّحُه أنَّ الحالِفَ يَعلمُ مِنْ نَفسِه أنَّه لَم يَمنعْها مِنْ شُربِ غيرِ المُسكِرِ، ولَم يَخطرْ ببالِه، فإِلزامُه ببَقاءِ حُكمِ اليَمينِ وقد زالَ سَببُها إِلزامٌ بما لَم يَلتَزمُه هو، ولا أَلزَمه به الشارِعُ، وكذلك لو حلَفَ على رَجلٍ أنْ لا يَقبَلَ له قَولًا ولا شَهادةً لِما يَعلمُ مِنْ فسقِه، ثم تابَ وصارَ مِنْ خِيارِ الناسِ؛ فإنَّه يَزولُ حُكمُ المَنعِ باليَمينِ كما يَزولُ حُكمُ المَنعِ مِنْ ذلك بالشَّرعِ، وكذلك إذا حلَفَ أنْ لا يَأكُلَ هذا الطَّعامَ أو لا يَلبَسَ هذا الثَّوبَ أو لا يُكلِّمَ هذه المَرأةَ ولا يَطأُها

لكَونِه لا يَحلُّ له ذلك، فملَكَ الطَّعامَ والثَّوبَ وتَزوَّجَ المَرأةَ فأكَلَ الطَّعامَ ولبِسَ الثَّوبَ ووطِئَ المرأةَ لَم يَحنثْ؛ لأنَّ المَنعَ بيَمينِه كالمَنعِ بمَنعِ الشارِعِ، ومَنعُ الشارِعِ يَزولُ بزَوالِ الأَسبابِ التي تَرتَّبَ عليها المَنعُ؛ فكذلك مَنعُ الحالفِ، وكذلك إذا حلَفَ «لا دَخلتُ هذه الدارَ» وكانَ سَببُ يَمينِه أنَّها تُعمَلُ فيها المَعاصِي وتُشرَبُ الخَمرُ، فزالَ ذلك وعادَت مَجمعًا للصالِحينَ وقِراءةِ القُرآنِ والحَديثِ، أو قالَ: «لا أَدخُلُ هذا المَكانَ» لأجلِ ما رَأى فيه مِنْ المُنكَرِ، فصارَ بيتًا مِنْ بُيوتِ اللهِ تُقامُ فيه الصَّلواتُ لَم يَحنَثْ بدُخولِه.

وكذلك إذا حلَفَ لا يَأكلُ لفُلانٍ طَعامًا، وكانَ سَببُ اليَمينِ أنَّه يَأكلُ الرِّبا، ويَأكلُ أَموالَ الناسِ بالباطِلِ؛ فتابَ وخرَجَ مِنْ المَظالمِ وصارَ طَعامُه مِنْ كَسبِ يدِه أو تِجارةٍ مُباحةٍ لَم يَحنَثْ بأَكلِ طَعامِه، ويَزولُ حُكمُ مَنعِ اليَمينِ كما يَزولُ حُكمُ مَنعِ الشارِعِ.

وكذلك لو حلَفَ «لا بايَعتُ فُلانًا»، وسَببُ يَمينِه كَونُه مُفلِسًا أو سَفيهًا؛ فزالَ الإِفلاسُ والسَّفهُ؛ فبايعَه لَم يَحنَثْ، وأَضعافُ أَضعافُ هذه المَسائلِ، كما إذا اتُّهمِ بصُحبةِ مُريبٍ فحلَفَ «لا أُصاحِبُه» فزالَت الرِّيبةُ وخلَفَها ضدُّها فصاحَبَه لَم يَحنَثْ، وكذلك لو حلَفَ المَريضُ لا يَأكلُ لَحمًا أو طَعامًا، وسَببُ يَمينِه كَونُه يَزيدُ في مرضِه فصحَّ وصارَ الطَّعامُ نافِعًا له لَم يَحنَثْ بأَكلِه.

وقد صرَّحَ الفُقهاءُ بمَسائلَ مِنْ هذا الجِنسِ، فمنها: لو حلَفَ لوالٍ أنْ «لا أُفارِقَ البلدَ إلا بإِذنِك» فعُزلَ ففارَقَ البلدَ بغيرِ إذنِه لَم يَحنَثْ.

ومنها: لو حلَفَ على زَوجتِه «لا تَخرُجينَ مِنْ بيتِي إلا بإِذنِي»، أو على عبدِه لا يَخرجُ إلا بإِذنِه، ثم طلَّقَ الزَّوجةَ، وأَعتقَ العبدَ فخرَجا بغيرِ إذنِه لَم يَحنَثْ، ذكَرَه أَصحابُ الإمامِ أَحمدَ.

قالَ صاحِبُ «المُغني»: لأنَّ قَرينةَ الحالِ تَنقُلُ حُكمَ الكَلامِ إلى نفسِها، وهو يَملكُ مَنعَ الزَّوجةِ والعبدِ معَ وِلايتِه عليهما؛ فكأنَّه قالَ: «ما دُمتُما في مِلكِي»، ولأنَّ السَّببَ يَدلُّ على النِّيةِ في الخُصوصِ كدِلالتِه عليها في العُمومِ، وكذلك لو حلَفَ لقاضٍ أنْ «لا أَرى مُنكرًا إلا رَفعتُه إليك» فعُزلَ لَم يَحنَثْ بعَدمِ الرَّفعِ إليه بعدَ العَزلِ، وكذلك إذا حلَفَ لامرَأتِه أنْ «لَا أَبيتُ خارجَ بيتِك أو خارجَ هذه الدارِ» فماتَت أو طلَّقَها لَم يَحنَثْ إذا باتَ خارِجَها، وكذلك إذا حلَفَ على ابنِه ألَّا يَبيتَ خارجَ البَيتِ لخَوفِه عليه مِنْ الفُساقِ؛ لكَونِه أَمردَ، فالتَحى وصارَ شيخًا لَم يَحنَثْ بمَبيتِه خارجَ الدارِ، وهذا كلُّه مَذهبُ مالكٍ وأَحمدَ؛ فإنَّهما يَعتبِرانِ النِّيةَ في الأَيمانِ وبِساطِ اليَمينِ وسَببِها وما هيَّجَها؛ فيَحملانِ اليَمينَ على ذلك.

وقالَ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ في كِتابِ الأَيمانِ مِنْ كِتابِه «الكافِي في مَذهبِ مالكٍ»: والأصلُ في هذا البابِ مُراعاةُ ما نَواه الحالِفُ؛ فإنْ لَم تَكنْ له نِيةٌ نظَرَ إلى بِساطِ قِصتِه، وما أَثارَه على الحَلفِ، ثم حُكمَ عليه بالأَغلبِ مِنْ ذلك في نُفوسِ أَهلِ وقتِه.

وقالَ صاحبُ «الجَواهر»: المُقتضَياتُ للبِرِّ والحِنثِ أُمورٌ؛ الأَولُ: النِّيةُ إذا كانَت مما يَصلُحُ أنْ يُرادَ اللَّفظُ بها، سَواءٌ كانَت مُطابِقةً له أو زائِدةً فيه أو ناقِصةً عنه بتَقييدِ مُطلَقِه وتَخصيصِ عامِّه.

الثانِي: السَّببُ المُثيرُ لليَمينِ يَتعرَّفُ منه، ويُعبَّرُ عنه بالبِساطِ أيضًا، وذلك أنَّ القاصِدَ لليَمينِ لا بدَّ أنْ تَكونَ له نِيةٌ، وإنَّما يَذكرُها في بعضِ الأَوقاتِ ويَنساها في بعضِها؛ فيَكونُ المُحركُ على اليَمينِ -وهو البِساطُ- دَليلًا عليها، لكنْ قد يَظهَرُ مُقتضَى المُحركِ ظُهورًا لا إِشكالَ فيه، وقد يَخفَى في بعضِ الحالاتِ، وقد يَكونُ ظُهورُه وخَفاؤُه بالإِضافةِ.

وكذلك أَصحابُ الإمامِ أَحمدَ صرَّحوا باعتِبارِ النِّيةِ وحَملِ اليَمينِ على مُقتضَاها، فإنْ عُدمِت رجَعَ إلى سَببِ اليَمينِ وما هيَّجَها فحُملَ اللَّفظُ عليه؛ لأنَّه دَليلٌ على النِّيةِ، حتى صرَّحَ أَصحابُ مالكٍ فيمن دفَنَ مَالًا ونسِيَ مَكانَه فبحَثَ عنه فلَم يَجدْه فحلَفَ على زَوجتِه أنَّها هي التي أخذَتْه ثم وجَدَه لَم يَحنثْ، قالوا: لأنَّ قَصدَه ونِيتَه إنَّما هو: «إنْ كانَ المالُ قد ذهَبَ فأنتِ التي أخَذتِه»؛ فتَأمَّلْ كيفَ جعَلوا القَصدَ والنِّيةَ في قُوةِ الشَّرطِ، وهذا هو مَحضُ الفِقهِ.

ونَظيرُ هذا ما لو دُعيَ إلى طَعامٍ فظنَّه حَرامًا فحلَفَ «لا أَطعمُه» ثم ظهَرَ أنَّه حَلالٌ لا شُبهةَ فيه فإنَّه لا يَحنَثُ بأَكلِه؛ لأنَّ يَمينَه إنَّما تَعلَّقَت به إنْ كانَ حَرامًا وذلك قَصدُه.

ومِثلُه لو مرَّ به رَجلٌ فسلَّمَ عليه فحلَفَ لا يَردُّ عليه السلام لظنِّه أنَّه مُبتَدعٌ أو ظالِمٌ أو فاجِرٌ، فظهَرَ أنَّه غيرُ ذلك الذي ظنَّه لَم يَحنَثْ بالردِّ عليه.

ومِثلُه لو قُدمَت له دابَّةٌ ليَركبَها فظنَّها قَطوفًا أو جَموحًا أو مُتعَسرةَ الرُّكوبِ فحلَفَ لا يَركبُها فظهَرَت له بخِلافِ ذلك لَم يَحنَثْ برُكوبِها.

وقالَ أَبو القاسمِ الخِرقيُّ في «مُختصَره»: ويَرجعُ في الأَيمانِ إلى النِّيةِ؛ فإنْ لَم يَنوِ شَيئًا رجَعَ إلى سَببِ اليَمينِ وما هيَّجَها.

وقالَ أَصحابُ الإمام أَحمدَ: إذا دُعيَ إلى غَداءٍ فحلَفَ أنْ لا يَتغدَّى أو قيلَ له: «اقعُدْ» فحلَفَ أنْ لا يَقعدَ، اختَصَّت يَمينُه بذلك الغِداءِ وبالقُعودِ في ذلك الوَقتِ؛ لأنَّ عاقِلًا لا يَقصِدُ أنْ لا يَتغدَّى أبدًا ولا يَقعدُ أبدًا.

ثم قالَ صاحبُ «المغني»: إنْ كانَ له نِيةٌ فيَمينُه على ما نَوى، وإن لَم تَكنْ له نِيةٌ؛ فكَلامُ أَحمدَ يَقتضِي رِوايتَينِ؛ إِحداهُما: أنَّ اليَمينَ مَحمولةٌ على العُمومِ؛ لأنَّ أَحمدَ سُئلَ عن رَجلٍ حلَفَ أنْ لا يَدخلَ بَلدًا لظُلمٍ رآهُ فيه فزالَ الظُّلمُ، قالَ أَحمدُ: النَّذرُ يُوفَّى به، يَعني لا يَدخلُه، ووَجهُ ذلك أنَّ لفظَ الشارِعِ إذا كانَ عامًّا لسَببٍ خاصٍّ وجَبَ الأَخذُ بعُمومِ اللَّفظِ دونَ خُصوصِ السَّببِ، كذلك يَمينُ الحالِفِ.

ونازَعه في ذلك شَيخُنا، فقالَ: إنَّما منَعَه أَحمدُ مِنْ دُخولِ البَلدِ بعدَ زَوالِ الظُّلمِ؛ لأنَّه نَذرَ للهِ ألا يَدخُلَها، وأكَّدَ نذرَه باليَمينِ، والنَّذرُ قُربةٌ، فقد نذَرَ التَّقربَ إلى اللهِ بهُجرانِ ذلك البَلدِ؛ فلزِمَه الوَفاءُ بما نذَرَه.

هذا هو الذي فهِمَه الإِمامُ أَحمدُ، وأَجابَ به السائِلَ؛ حيثُ قالَ: النَّذرُ يُوفَّى به؛ ولهذا مَنعَ النَّبيَّ المُهاجِرينَ مِنْ الإِقامةِ بمَكةِ بعدَ قَضاءِ نُسكِهم فوقَ ثَلاثةِ أَيامٍ؛ لأنَّهم ترَكوا دِيارَهم للهِ، فلَم يَكنْ لهم العودُ فيها، وإنْ زالَ السببُ الذي ترَكوها لأَجلِه، وذلك نَظيرُ مَسأَلةِ تَركِ البلدِ للظُّلمِ والفَواحشِ التي فيه إذا نذَرَه الناذِرُ؛ فهذا سرُّ جَوابِه، وإلا فمَذهبُه

الذي عليه نُصوصُه وأُصولُه اعتِبارُ النِّيةِ والسَّببِ في اليَمينِ وحَملُ كَلامِ الحالِفينَ على ذلك، وهذا في نُصوصِه أَكثرُ مِنْ أنْ يُذكرَ فليَنظرْ فيها.

وأما مَذهبُ أَصحابِ أَبي حَنيفةَ فقالَ في كِتاب الذَّخائر في كِتابِ الأَيمانِ:

الفَصلُ السادِسُ في تَقييدِ الأَيمانِ المُطلقةِ بالدِّلالةِ، إذا أَرادَت المَرأةُ الخُروجَ مِنْ الدارِ فقالَ الزَّوجُ: «إن خرَجتِ مِنْ الدارِ فأنتِ طالقٌ» فجلَسَت ساعةً ثم خرَجَت لا تَطلُقُ، وكذلك لو أَرادَ رجلٌ أنْ يَضرِبَه فحلَفَ آخرُ أنْ لا يَضرِبَه، فهذا على تلك الضَّربةِ، حتى لو مكَثَ ساعةً ثم ضرَبَه لا يَحنَثُ، ويُسمَّى هذا يَمينَ الفَورِ، وهذا لأنَّ الخَرجةَ التي قصَدَ والضَّربةَ التي قصَدَ هي المَقصودةُ بالمَنعِ منها عُرفًا وعَادةً؛ فيَتعيَّنُ ذلك بالعُرفِ والعادةِ، وإذا دخَلَ الرَّجلُ على الرَّجلِ فقالَ: تَعالى تَغدَّ معِي، فقالَ: «واللهِ لا أَتَغدَّى»، فذهَبَ إلى بيتِه وتَغدَّى معَ أهلِه لا يَحنَثُ، وكذلك إذا قالَ الرَّجلُ لغيرِه: «كلْ معَ فُلانٍ»، فقالَ: «واللهِ لا آكلُ»، ثم ذكَرَ تَقريرَ ذلك بأنَّه جَوابٌ لقولِ الآمرِ له، والجَوابُ كالمَعادِ في السُّؤالِ؛ فإنَّه يَتضمَّنُ ما فيه، قالَ: وليسَ كابتِداءِ اليَمينِ؛ لأنَّ كلامَه لَم يَخرجْ جَوابًا بالتَّقييدِ، بل خرَجَ ابتِداءً، هو مُطلَقٌ عن القيدِ فيَنصرِفُ إلى كلِّ غِداءٍ.

قالَ: وإذا قالَ لغيرِه: «كلِّمْ لي زَيدًا اليومَ في كذا»، فقالَ: «واللهِ لا أُكلِّمه، فهذا يَختَصُّ باليومِ؛ لأنَّه خرَجَ جَوابًا عن الكَلامِ السابِقِ، وعلى هذا إذا قالَ: «ائتِني اليومَ»، فقالَ: «امرَأتُه طالِقٌ إنْ أَتاكَ»، وقد صرَّحَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ بأنَّ النِّيةَ تَعملُ في اللَّفظِ لتَعيينِ ما احتَملَه اللَّفظُ؛ فإذا تَعيَّنَ باللَّفظِ، ولَم يَكنْ اللَّفظُ مُحتمِلًا لما نَوى لَم تُؤثِّرِ النِّيةُ فيه؛ فإنَّه حينَئذٍ يَكونُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الأيمان
باب جامع الأيمان الثاني

باب جامع الأيمان الثاني

(مسألة:)

قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ فَأَكَلَ رُؤُوسَ الْحِيتَانِ أَوْ رُؤُوسَ الطَّيْرِ أَوْ رُؤُوسَ شيءٍ يُخَالِفُ رُؤُوسَ الْغَنَمِ وَالِإِبِلِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَحْنَثْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ النَّاسُ إِذَا خُوطِبُوا بِأَكْلِ الرُّؤُوسِ إِنَّمَا هِيَ مَا وَصَفْنَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بلادٌ لَهَا صيدٌ يَكْثُرُ كَمَا يَكْثُرُ لَحْمُ الأنعام في السوق وتميز رُؤُوسُهَا فَيَحْنَثُ فِي رُؤُوسِهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُ إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ. مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ عُمُومَ الرُّؤُوسِ كُلِّهَا مِمَّا انْطَلَقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا سُمِّيَ رَأْسًا مِمَّا يُفْصَلُ مِنْ أَبْدَانِهَا، كَرُؤُوسِ الْغَنَمِ أَوْ لَا يُفْصَلُ كَرُؤُوسِ الطَّيْرِ، وَالْحِيتَانِ، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِيمَا انْطَلَقَ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الِاسْمِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ تَخْصِيصَ نَوْعٍ مِنَ الرُّؤُوسِ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا عَدَاهَا، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا وَحْدَهَا، سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي الْعُرْفِ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ. وَلَا يَحْنَثْ بِأَكْلِ مَا عَدَاهَا، اعْتِبَارًا بِمُرَادِهِ فِي التَّخْصِيصِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوصايا
القسم الثاني القول في أحكام الوصايا

عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبْعِ لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» .

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهُ بِهَا الشَّارِعُ أَمْ لَيْسَ بِخَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ وَرَثَتَهُ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» فَمَنْ جَعَلَ هَذَا السَّبَبَ خَاصًّا وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ الْحُكْمَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ، أَوْ جَعَلَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الْوَرَثَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 488 - 500

ارجع إلى أنواع الأيمان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده