ثانيا: الرجوع في الوصية بالفعل والتصرف

الإسلام > الأيمان والمواريث > الرجوع في الوصية وما تبطل به > ثانيا: الرجوع في الوصية بالفعل والتصرف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثانيا: الرجوع في الوصية بالفعل والتصرف - الأقوال والأدلة

ثانيًا: الرُّجوعُ في الوَصيةِ بالفِعلِ والتَّصرفِ:

التَّصرفُ في المُوصَى به من قِبَلِ المُوصي لا يَخلو من حالتَينِ:

الحالةُ الأُولى: تَصرفٌ لا يُعتبَرُ رُجوعًا باتِّفاقِ الفُقهاءِ:

إذا تصرَّفَ المُوصي في العَينِ المُوصَى بها تَصرُّفًا لا يُغيِّرُ حَقيقتَها ولا يُخرجُها عن مِلكِه كالانتِفاعِ بالعَينِ المُوصَى بها مِثلَ أنْ يَركبَ المُوصي الدابةَ المُوصَى بها أو يَسكنَ الدارَ المُوصَى بها أو يَغسلَ الثَّوبَ المُوصَى به، وهكذا، فلا يُعتبَرُ هذا رُجوعًا عن الوَصيةِ بالاتِّفاقِ.

وكذلك إذا أجَّرَ العَينَ المُوصَى بها أو أَعارَها أو أَودَعها، كلُّ هذا لا يُخرجُ العَينَ المُوصَى بها عن الوَصيةِ ولا يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا فيها.

قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ: إذا زادَ شَيئًا يُتوصَّلُ به إليه بغيرِ بَذلٍ كما إذا أَوصَى بدارٍ ثم جصَّصَها أو طَيَّنها فذلك لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ ذلك تَحسينٌ وتَزيينٌ، ويُتوصَّلُ إليه بغيرِ بَذلٍ فلم يَكنْ رُجوعًا، وكانَ ذلك دَليلَ البَقاءِ على الوَصيةِ.

وكذلك لو أَوصَى له بثَوبٍ ثم غسَلَه لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّه ليسَ بزِيادةٍ وإنَّما ذلك لإِزالةِ الدَّرنِ والوَسخِ (١).

وقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ: ولو أَوصَى بثَوبٍ ثم غسَلَه أو بدارٍ ثم جصَّصَها أو هدَمَها لم يَكنْ شَيءٌ من ذلك رُجوعًا؛ لأنَّ الغَسلَ إِزالةُ الدَّرنِ، والوَصيةُ لم تَتعلَّقْ به فلم يَكنْ الغَسلُ تَصرُّفًا في المُوصَى به، وتَجصيصُ الدارِ ليسَ

(١) «المبسوط» (٢٧/ ١٦١).

تَصرُّفًا في الدارِ، بل في البِناءِ؛ لأنَّ الدارَ اسمٌ للعَرصةِ، والبِناءُ بمَنزلةِ الصِّفةِ، فيَكونُ تَبعًا للدارِ، والتَّصرُّفُ في التَّبعِ لا يَدلُّ على الرُّجوعِ عن الأَصلِ، ونَقضُ البِناءِ تَصرُّفٌ في البِناءِ، والبِناءُ صِفةٌ وإنَّها تابِعةٌ (١).

وقالَ المالِكيةُ: لا تَبطلُ وَصيةُ مَنْ أَوصَى لشَخصٍ بدارٍ أو بثَوبٍ ثم إنَّ المُوصيَ جصَّصَ الدارَ بالجِيرِ ونَحوِه، أو صبَغَ ذلك الثَّوبَ، ويأخُذُ المُوصَى له ما ذكَرَ بزِيادتِه؛ لأنَّ ما أَوصَى به يُطلقُ على ما حصَلَ فيه الزِّيادةُ فلم يَتغيَّرْ الاسمُ، كما إذا أَوصَى بعَرضٍ بلَفظِ ثَوبٍ وفصَّلَه (٢).

وقالَ الشافِعيةُ: وليسَ التَّزويجُ والخِتانُ والتَّعليمُ والاستِخدامُ والإِعارةُ والإِجارةُ للمُوصَى به والرُّكوبُ للمَركوبِ واللُّبسُ للثَّوبِ والإذْنُ للرَّقيقِ في التِّجارِة رُجوعًا؛ إذْ لا إِشعارَ لها به، بل هي إمَّا انتِفاعٌ وله المَنفعةُ والرَّقبةُ قبلَ مَوتِه وإمَّا استِصلاحٌ مَحضٌ، ورُبما قصَدَ به إِفادةَ المُوصَى له (٣).

وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ غَسلَ الثَّوبَ المُوصَى به أو لبِسَه أو جصَّصَ الدارَ المُوصَى بها أو انهَدَمت ولم يُزِلِ اسمَها أو سكَنَها أو زرَعَ الأرضَ المُوصَى بها أو أجَّرَ العَينَ المُوصَى بها لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّ ذلك لا يُزيلُ المِلكَ ولا الاسمَ، ولا يَدلُّ على الرُّجوعِ (٤).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٧٩).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٤).
(٣) «البيان» (٨/ ٢٩٨)، و «أسنى المطالب» (٣/ ٦٦)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١١٨).
(٤) «المغني» (٦/ ٩٨)، و «الكافي» (٢/ ٥١٧)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٤)، و «مطالب أولي النهى» (٤/ ٤٦٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في حكم الوصية

الْأَرْضِ، فَنَبَتَتْ وَصَارَتْ بَقْلًا أَوْ بِالْبَيْضَةِ، فَصَارَتْ فَرْخًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ، فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ ضَرُورَةً هَذَا إذَا تَغَيَّرَ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَيْئًا آخَرَ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَاسْمِهِ، فَتَعَذَّرَ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ فِيمَا أَوْصَى بِهِ.

وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَحُكْمُهُ يُذْكَرُ فِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَوْ أَوْصَى بِرُطَبِ هَذَا النَّخْلِ، فَصَارَ بُسْرًا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِتَغَيُّرِ الْمُوصَى بِهِ، وَهُوَ الرُّطَبُ مِنْ الرُّطُوبَةِ إلَى الْيُبُوسَةِ.

وَزَوَالِ اسْمِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الذَّاتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ بَقِيَ مِنْ وَجْهٍ.

أَلَا يَرَى أَنَّ غَاصِبًا لَوْ غَصَبَ رُطَبَ إنْسَانٍ، فَصَارَ تَمْرًا فِي يَدِهِ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ بَلْ يَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ تَمْرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ رُطَبًا مِثْلَ رُطَبِهِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ: وَصِيَّةٌ بِالْمَالِ، وَوَصِيَّةٌ بِفِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَالِ، أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ فَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَالِ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الوصايا
باب ما يكون رجوعا في الوصية

باب ما يكون رجوعا في الوصية

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُوصِي الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا مِلْكُ مُعْطِيهَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي عَطَايَا مَرَضِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ.

ثُمَّ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ يَكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ دَلَالَةٍ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

وَإِذَا كَانَ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ جَارِيًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَصُورَةُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِزَيْدٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لعمرو فقد اختلف الناس في حكم ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ أنه يكون وَصِيَّةً لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ.

وَالثَّانِي: وهو مذهب الحسن وعطاء وطاوس أَنَّهُ يَكُونُ وَصِيَّةً لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالرُّجُوعِ أَشْبَهُ.

وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ لَا تصح لواحد منها لِإِشْكَالِ حَالِهِمَا.

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وأبى حنيفة.

أَنَّهَا تَكُونُ وَصِيَّةً لَهُمَا فَتُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ، جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا. وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَابِعٍ جَعَلْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: ثَلَاثَةُ معاني:

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 336 - 337

ارجع إلى الرجوع في الوصية وما تبطل به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد