الرجوع في الوصية وما تبطل به

الإسلام > الأيمان والمواريث > الرجوع في الوصية وما تبطل به

مسائلُ فقهيةٌ في الرجوع في الوصية وما تبطل به على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 6 دقيقة قراءة

تعريف الرجوع في الوصية وما تبطل به وحكمها

فصل في الرُّجوعِ في الوَصيةِ وما تَبطلُ به

صِفةُ الوَصيةِ من حيثُ اللُّزومُ وعَدمُه والرُّجوعُ عنها:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الوَصيةَ عَقدٌ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ إذا لم تَكُنْ في حَقٍّ واجِبٍ، وجائِزٌ للمُوصي أنْ يَرجعَ في وَصيتِه أو في بعضِها ما دامَ حَيًّا؛ لأنَّ الوَصيةَ عَقدُ تَبرعٍ فجازَ له الرُّجوعُ كما في الهِبةِ قبلَ القَبضِ، ولأنَّ تَمامَها بمَوتِ المُوصي، ولأنَّ القَبولَ يَتوقَّفُ على المَوتِ، ولأنَّ الإِيجابَ المُفردَ يَجوزُ إِبطالُه في المُعاوَضاتِ كالبَيعِ، ففي التَّبرعِ أوْلى؛ لأنَّ الذي وُجدَ من المُوصي حالَ حَياتِه هو الإِيجابُ فقط، فجازَ الرُّجوعُ فيه قبلَ القَبولِ كما في سائِرِ العُقودِ، كالبَيعِ وغيرِه، بل هو أَولى بالإِبطالِ من غيرِه قبلَ القَبولِ؛ لأنَّه عَقدُ تَبرعٍ (١).

قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَرجعَ في جَميعِ ما يُوصي به إلا العِتقَ (٢).

(١) «الأم» (٤/ ١١٨)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٦/ ٦٥٨)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٥٥٥)، و «الديباج» (٣/ ٩٦).
(٢) «الإجماع» (٣٤٧)، و «الإشراف» (٤/ ٤٥٤).

وقالَ أَبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: لا يَختلِفُ العُلماءُ على أنَّ للإِنسانِ أنْ يُغيرَ وَصيتَه ويَرجعَ فيما شاءَ منها (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للوَصيِّ أنْ يَرجعَ في جَميعِ ما أَوصَى به وفي بَعضِه، إلا الوَصيةَ بالإِعتاقِ، والأَكثرونَ على جَوازِ الرُّجوعِ في الوَصيةِ به أيضًا.

رُويَ عن عُمرَ رحمة الله عليه أنَّه قالَ: «يُغيِّرُ الرَّجلُ ما شاءَ من وَصيتِه»، وبه قالَ عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والزُّهريُّ وقَتادةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ وأبو ثَورٍ (٢).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: والوَصيةُ بالجُملةِ هي هِبةُ الرَّجلِ مالَه لشَخصٍ آخَرَ أو لأَشخاصٍ بعدَ مَوتِه، أو عِتقُ غُلامِه، سَواءٌ صرَّحَ بلَفظِ الوَصيةِ أو لم يُصرِّحْ به، وهذا العَقدُ هو من العُقودِ الجائِزةِ باتِّفاقٍ، أَعني أنَّ للمُوصيَ أنْ يَرجعَ فيما أَوصَى به (٣).

وقالَ الإِمامُ ابنُ عَرفةَ رحمة الله عليه: يَجوزُ رُجوعُ المُوصي عن وَصيتِه إِجماعًا في صِحةٍ أو مَرضٍ (٤).

(١) «التمهيد» (١٤/ ٣٠٩)، ونقله أيضًا القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٦١).
(٢) «المغني» (٦/ ٩٧).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٥٢).
(٤) «المختصر الفقهي» (١٦/ ٩٢).

وقالَ الإِمامُ الخَرشيُّ: عَقدُ الوَصيةِ جائِزٌ غيرُ لازِمٍ إِجماعًا، فللمُوصي أنْ يَرجعَ فيها ويُبطلَها ما دامَ حَيًّا، وسَواءٌ اشتَرَط عَدمَ رُجوعِه فيها أو لا، وسَواءٌ كانَت بعِتقٍ أو غيرِه كانَت في صِحتِه أو في مَرضِه أو في سَفرِه (١).

واستدَلَّ العُلماءُ على هذا بما رَواه ابنُ أَبي شَيبةَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ بنِ أَبي رَبيعةَ أو الحارِثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبي رَبيعةَ قالَ: «قُلتُ لعُمرَ: شَيءٌ يَصنعُه أهلُ اليَمنِ يُوصي الرَّجلُ ثم يُغيِّرُ وَصيتَه. قالَ: ليُغيِّرْ ما شاءَ من وَصيتِه» (٢).

وفي لَفظِ الدارِميِّ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي رَبيعةَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه قالَ: «يُحدِثُ الرَّجلُ في وَصيتِه ما شاءَ ومِلاكُ الوَصيةِ آخِرُها» (٣).

إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا بعَدمِ جَوازِ الرُّجوعِ فيما بَتَله المَريضُ في مَرضِ مَوتِه من صَدقةٍ أو حَبسٍ أو هِبةٍ.

قالَ الخَرشيُّ: وأمَّا ما بَتَله (٤) المَريضُ في مَرضِه من صَدقةٍ أو حَبسٍ أو هِبةٍ فليس له الرُّجوعُ فيه، مع أنَّ حُكمَه حُكمُ الوَصيةِ، قالَه في «المُدوَّنة» في كِتابِ الصَّدقةِ، وبالَغَ على الرُّجوعِ في المَرضِ لئلَّا يُتوهَّمَ أنَّ الرُّجوعَ فيه انتِزاعٌ للغيرِ فلا يُعتبَرُ (٥).

(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٢).
(٢) رواه ابن أَبي شيبة في «مصنفه» (٦/ ٢١٦)، رقم (٣٠٨٠٤).
(٣) رواه الدارمي (٣٢١١).
(٤) أيْ: فصَله عن غَيرِه. «المعجم الوسيط»: (بتله).
(٥) «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٧٢).

مسائل الرجوع في الوصية وما تبطل به الفقهية

ارجع إلى الأيمان والمواريث للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله