صبغ الثوب ولت السويق وطحن الحنطة

الإسلام > الأيمان والمواريث > الرجوع في الوصية وما تبطل به > صبغ الثوب ولت السويق وطحن الحنطة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

صبغ الثوب ولت السويق وطحن الحنطة - الأقوال والأدلة

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه ليسَ برُجوعٍ؛ لأنَّه لا يُزيلُ المِلكَ، وإنَّما هو نَوعُ انتِفاعٍ كالاستِخدامِ؛ لأنَّ مِلكَ المُوصي لم يَنتقِلْ، فإذا ماتَ فتَخليصُه على الوارِثِ إذا ترَكَ المَيتُ ما يَفي بالدَّينِ، وإلا بِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ وبطَلَت الوَصيةُ (١).

٧ - صَبغُ الثَّوبِ ولَتُّ السَّويقِ وطَحنُ الحِنطةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قامَ المُوصي بتَغييرِ المُوصَى به عن صِفتِه بأنْ صبَغَ الثَّوبَ أو لَتَّ السَّويقَ بنَحوِ سَمنٍ أو طَحَنَ الحِنطةَ، هل يُعتبَرُ ذلك رُجوعًا عن الوَصية أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على تَفصيلٍ بينَهم سيَأتي إلى أنَّ المُوصيَ لو فعَلَ فِعلًا يُغيرُ المُوصَى به عن صِفتِه فهذا يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ.

قالَ الحَنفيةُ: ويَحصلُ الرُّجوعُ بفِعلٍ لو فعَلَه الغاصِبُ يَنقطِعُ به حَقُّ المالِكِ عنه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّ الفِعلَ إذا أثَّرَ في قَطعِ مِلكِ المالِكِ فلَأنْ يُؤثِّرَ في المَنعِ أوْلى، وكذا إذا خلَطَ المُوصَى به بغيرِه بحيث لا يُمكنُ تَمييزُه.

(١) «الذخيرة» (٧/ ١٤٧)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٥٣٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٤٩٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١١/ ١٣)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣١٧، ٣١٨)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١١٨)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١١٠)، و «المغني» (٦/ ٩٧)، و «الفروع» (٤/ ٥٠٠)، و «الإنصاف» (٧/ ٢١٢)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٣).

وكذا بفِعلٍ يَزيدُ في المُوصَى به ما يَمنعُ تَسليمَه إلا به، ولا يُمكنُ تَسليمُه بدونِ الزِّيادةِ، ولا سَبيلَ إلى نُقصانِها؛ لحُصولِها بفِعلِ المالِكِ في مِلكِه مثل لَتِّ السَّويقِ المُوصَى به بسَمنٍ والبِناءِ في الدارِ المُوصَى بها (١).

وقالَ الشافِعيةُ: إذا خلَطَ المُوصي الحِنطةَ المُعيَّنةَ المُوصَى بها بحِنطةٍ أُخرى لا يُمكنُ تَمييزُها؛ فإنَّ ذلك رُجوعٌ عن الوَصيةِ، سَواءٌ أخلَطَها بمِثلِها أم بغيرِه؛ لتَعذُّرِ التَّسليمِ بما أحدَثَه في العَينِ.

وكذا لو وَصَّى بصاعٍ من صُبرةٍ مُعيَّنةٍ فخلَطَها المُوصي بأجوَدَ منها فرُجوعٌ؛ لأنَّه أحدَثَ بالخَلطِ زِيادةً لا يَلزمُه تَسليمُها ولا يُمكنُ بدونِها.

وإنْ خلَطَها بمِثلِها فلا يُعدُّ رُجوعًا؛ لأنَّه لم يُحدِثْ تَغييرًا، وكذا إنْ خلَطَها بأردَأَ منها في الأصَحِّ.

وفي مُقابلِ الأصَحِّ: يُعتبَرُ رُجوعًا؛ لأنَّه غيرُه فأشبَهَ الخَلطَ بالأجوَدِ.

فإنْ أَوصَى بصاعٍ من حِنطةٍ ولم يَصِفْها ولم يُعيِّنِ الصاعَ فلا أثَرَ للخَلطِ، ويُعطيه الوارِثُ ما شاءَ من حِنطةِ التَّركةِ.

فإنْ قالَ: «مِنْ مالي» حصَّلَه الوارِثُ، فإنْ وصَفَها وقالَ: «من حِنطَتي الفُلانيةِ» فالوَصفُ مَرعيٌّ، فإنْ بطَلَ بخَلطِه بطَلَت الوَصيةُ.

ويَحصلُ الرُّجوعُ بطَحنِ الحِنطةِ المُوصَى بها وبَذرِها، وكذا بعَجنِ دَقيقٍ وخَبزِ عَجينٍ وذَبحِ شاةٍ وإِحضانِ بَيضٍ لنَحوِ دَجاجٍ ليَنفرِخَ، ودَبغِ جِلدٍ

(١) «الهداية» (٤/ ٢٣٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٢٢)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ١٨٦)، و «الاختيار» (٥/ ٨١)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٤٠٨)، و «اللباب» (٢/ ٦٠٢).

وطَبخِ لَحمٍ وغَزلِ قُطنٍ ونَسجِ غَزلٍ وقَطعِ ثَوبٍ قَميصًا وصَبغِه أو قِصارتِه وجَعلِ الخَشبِ بابًا وبِناءٍ وغِراسٍ في عَرصةٍ، فكل ذلك يُعتبَرُ رُجوعًا عن الوَصيةِ لمَعنيَينِ:

أَحدُهما: زَوالُ الاسمِ قبلَ استِحقاقِ المُوصَى له فكان كالتَّلفِ.

والثاني: الإِشعارُ بالإِعراضِ عن الوَصيةِ.

فلو طبَخَ الوَصيُّ اللَّحمَ أو شَواه أو جعَلَه وهو لا يَفسُدُ قَديدًا أو جعَلَ الخُبزَ فَتيتًا أو حَشا القُطنَ فِراشًا أو جُبةً كانَ رُجوعًا؛ لإِشعارِ ذلك بالصَّرفِ عن الوَصيةِ، ولأنَّ القَديدَ لا يُسمَّى لَحمًا على الإِطلاقِ، وإنَّما يُسمَّى لَحمَ قَديدٍ، بخِلافِ ما لو جفَّفَ رُطبًا أو قدَّدَ لَحمًا قد يَفسُدُ؛ فإنَّه ليسَ برُجوعٍ؛ لأنَّ ذلك صَونٌ للرُّطبِ واللَّحمِ عن الفَسادِ فلا يُشعِرُ بتَغيرِ القَصدِ.

وهذا بخِلافِ ما لو خاطَ الثَّوبَ وهو مَقطوعٌ حينَ الوَصيةِ أو غسَلَه أو نقَلَ المُوصَى به إلى مَكانٍ آخَرَ ولو بَعيدًا عن مَحلِّ الوَصيةِ، فلا يَكونُ ذلك رُجوعًا؛ إذْ لا إِشعارَ لكلِّ منها بالرُّجوعِ.

ولو عمَرَ بُستانًا أو أَوصَى به لم يَكنْ رُجوعًا إلا إنْ غيَّرَ اسمَه، كأنْ جعَلَه خانًا أو لم يُغيِّرْه لكنْ أحدَثَ فيه بابًا من عِندِه يَكونُ رُجوعًا (١).

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٥٥٨)، و «النجم الوهاج» (٦/ ٣١٩، ٣٢٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ١١٩، ١٢٠)، و «تحفة المحتاج» (٨/ ٢٦١، ٢٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١١٠، ١١١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: وإنْ وَصَّى بحَبٍّ ثم طحَنَه أو بدَقيقٍ فعجَنَه أو بعَجينٍ فخبَزَه أو بخُبزٍ ففَتَّه أو جعَلَه فَتيتًا كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه أَزالَ اسمَه وعرَّضَه للاستِعمالِ، فدَلَّ على رُجوعِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وإنْ وَصَّى بكَتانٍ أو قُطنٍ فغزَلَه أو بغَزلٍ فنسَجَه أو بثَوبٍ فقطَعَه أو بنَقرةٍ فضرَبَها أو شاةٍ فذبَحَها كانَ رُجوعًا، وبهذا قالَ أَصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ في ظاهِرِ مَذهبِه، واختارَ أَبو الخَطابِ أنَّه ليسَ برُجوعٍ، وهو قَولُ أَبي ثَورٍ؛ لأنَّه لا يُزيلُ الاسمَ.

ولنا: أنَّه عرَّضَه للاستِعمالِ فكانَ رُجوعًا كالتي قَبلَها، ولا يَصحُّ قَولُه: إنَّه لا يُزيلُ الاسمَ؛ فإنَّ الثَّوبَ لا يُسمَّى غَزلًا والغَزلَ لا يُسمَّى كَتَّانًا.

فَصلٌ: وإنْ وَصَّى بشَيءٍ مُعيَّنٍ ثم خلَطَه بغيرِه على وَجهٍ لا يَتميَّزُ منه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه يَتعذَّرُ بذلك تَسليمُه فيَدلُّ على رُجوعِه، فإنْ خلَطَه بما يَتميَّزُ منه لم يَكنْ رُجوعًا؛ لأنَّه يُمكنُ تَسليمُه، وإنْ وَصَّى بقَفيزِ قَمحٍ من صُبرةٍ ثم خلَطَها بغيرِها لم يَكنْ رُجوعًا، سَواءٌ خلَطَها بمِثلِها أو بخَيرٍ منها أو دونَها؛ لأنَّه كانَ مَشاعًا وبَقيَ مَشاعًا.

وقيلَ: إنْ خلَطَه بخَيرٍ منه كانَ رُجوعًا؛ لأنَّه لا يُمكنُه تَسليمُ المُوصَى به إلا بتَسليمِ خَيرٍ منه، ولا يَجبُ على الوارِثِ تَسليمُ خَيرٍ منه فصارَ مُتعذَّرَ التَّسليمِ بخِلافِ ما إذا خلَطَه بمِثلِه أو بما دونَه (١).

(١) «المغني» (٦/ ٩٧، ٩٨)، و «الإنصاف» (٧/ ٢١٥)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤٢٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الأيمان
فصل في الحلف على الأكل والشرب ونحوهما

حَنِثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا نِيَّةٌ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ إنَّمَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ أَنْ يَقْرَأَ بِمَوْضُوعِ الْعَرَبِ وَذَلِكَ الْمُعَرَّبُ دُونَ الْمَلْحُونِ،.

فَأَمَّا الْعَجَمِيُّ فَإِنَّمَا يُرِيدُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْعَجَمِيَّةِ وَالْمَلْحُونُ يُعَدُّ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 344 - 347

ارجع إلى الرجوع في الوصية وما تبطل به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل