المسألة الثانية: هل تجب الوصية للأقربين غير الوارثين

الإسلام > الأيمان والمواريث > الوصية للأقربين غير الوارثين > المسألة الثانية: هل تجب الوصية للأقربين غير الوارثين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 21 دقيقة قراءة

المسألة الثانية: هل تجب الوصية للأقربين غير الوارثين - الأقوال والأدلة

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لو كانَ للمَيتِ أَقاربُ لا يَرِثونَ كانَت الوَصيةُ لهم أَولى من الوَصيةِ بالعِتقِ وما أعلَمُ في هذا خِلافًا (١).

وقالَ أيضًا: ولهذا يُؤمرُ بأنْ يُوصيَ لأَقاربِه الذين لا يَرِثونَ، إمَّا أمْرَ إِيجابٍ على قَولِ بعضِ العُلماءِ وإمَّا أمْرَ استِحبابٍ كقَولِ الأَكثَرينَ، وهُما رِوايتانِ عن أَحمدَ، واللهُ أعلَمُ (٢).

المَسألةُ الثانيةُ: هل تَجبُ الوَصيةُ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الوَصيةِ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ هل تَجبُ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الوَصيةَ لهم أَولى من غيرِهم، وعلى استِحبابِها لهم على ما تقدَّمَ.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في أحدِ القَولَينِ إلى أنَّها مُستحبةٌ ولا تَجبُ، سَواءٌ للأَقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ أو الأجنَبيِّينَ، وعلى أنَّ الوَصيةَ لغيرِ الأَقرَبينَ جائِزةٌ ولا تُردُّ.

قالَ الإِمامُ الشافِعيُّ رضي الله عنه: وكانَ فَرضًا في كِتابِ اللهِ تَعالى على مَنْ ترَكَ خَيرًا -والخَيرُ المالُ- أنْ يُوصيَ لوالِدَيه وأَقرَبيه، ثم زعَمَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالقُرآنِ أنَّ الوَصيةَ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ مَنسوخةٌ.

واختلَفوا في الأقرَبينَ غيرِ الوارِثينَ فأكثَرُ مَنْ لَقيتُ من أهلِ العِلمِ ممَّن

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٧٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣١/ ٢٣).

حفِظتُ عنه قالَ: الوَصايا مَنسوخةٌ؛ لأنَّه إنَّما أُمرَ بها إذا كانَت إنَّما يُورَثُ بها، فلمَّا قسَّمَ اللهُ -تَعالى ذِكرُه- المَواريثَ كانَت تَطوُّعًا.

قالَ الشافِعيُّ: وهذا -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- كلُّه كما قالوا.

فإنْ قالَ قائِلٌ: ما دَلَّ على ما وَصفتَ؟ قيلَ له: قالَ اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أخبَرَنا ابنُ عُيَينةَ عن سُليمانَ الأَحولِ عن مُجاهدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «لا وَصيةَ لوارِثٍ»، وما وَصفتُ من أنَّ الوَصيةَ للوارِثِ مَنسوخةٌ بآيِ المَواريثِ وأنَّه لا وَصيةَ لوارِثٍ ممَّا لا أعرِفُ فيه عن أحدٍ ممَّن لَقيتُ خِلافًا.

قالَ الشافِعيُّ: وإذا كانَت الوَصايا لمَن أمَرَ اللهُ تَعالى ذِكرُه بالوَصيةِ مَنسوخةً بآيِ المَواريثِ، وكانَت السُّنةُ تَدلُّ على أنَّها لا تَجوزُ لوارِثٍ وتَدلُّ على أنَّها تَجوزُ لغيرِ قَرابةٍ، دَلَّ ذلك على نَسخِ الوَصايا للوَرثةِ، وأشبَهَ أنْ يَدلَّ على نَسخِ الوَصايا لغيرِهم، قالَ: ودَلَّ على أنَّ الوَصايا للوالِدَينِ وغيرِهما ممَّن يَرثُ بكلِّ حالٍ إذا كانَ في مَعنى غَيرِ وارِثٍ فالوَصيةُ له جائِزةٌ، ومِن قِبَلِ أنَّها إنَّما بطَلَت وَصيتُه إذا كانَ وارِثًا، فإذا لم يَكنْ وارِثًا فليس بمُبطِلٍ للوَصيةِ، وإذا كانَ المُوصي يَتناولُ مَنْ شاءَ بوَصيتِه كانَ والِدُه دونَ قَرابتِه إذا كانوا غيرَ وَرثةٍ في مَعنى مَنْ لا يَرثُ ولهم حَقُّ القَرابةِ وصِلةِ الرَّحمِ.

فإنْ قالَ قائِلٌ: فأينَ الدِّلالةُ على أنَّ الوَصيةَ لغيرِ ذي الرَّحمِ جائِزةٌ؟ قيلَ له -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى-: حَديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكينَ له ليسَ له مالٌ غيرُهم، فجَزَّأهم النَّبيُّ ثَلاثةَ أجزاءٍ، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً» (١) والمُعتَقُ عَربيٌّ، وإنَّما كانَت العَربُ تَملِكُ مَنْ لا قَرابةَ بينَها وبينَه، فلو لم تَجُزِ الوَصيةُ إلا لذي قَرابةٍ لم تَجُزْ للمَملوكينَ، وقد أجازَها لهم رَسولُ اللهِ (٢).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: اختلَفوا فيمَن أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه الذين لا يَرِثونَ، فرُويَ عن عُمرَ أنَّه أوصى لأُمَّهاتِ أَولادِه لكلِّ واحِدةٍ بأربَعةِ آلافٍ، ورُويَ عن عائِشةَ أنَّها أوصَت لمَولاةٍ لها بأَثاثِ البَيتِ، ورُويَ عن سالِمٍ مِثلُ ذلك، قالَ الضَّحاكُ: «إنْ أوصَى لغيرِ قَرابتِه فقد ختَمَ عَملَه بمَعصيةٍ»، وقالَ طاوُسٌ: «مَنْ أوصَى فسَمَّى غيرَ قَرابتِه وترَكَ قَرابَتَه مُحتاجينَ رُدَّت وَصيتُه على قَرابتِه» ذكَرَه عبدُ الرَّزاقِ عن مَعمَرٍ عن ابنِ طاوُسٍ عن أَبيه، وهو مَشهورٌ عن طاوُسٍ، ورُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ مِثلُه، وقالَ الحَسنُ أيضًا وجابِرُ بنُ زَيدٍ وسَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «إذا أوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قرابَتَه؛ فإنَّه يَردُّ إلى قَرابتِه ثُلثَي الثُّلثِ ويُمضي ثُلثَه لمَن أوصَى له»، وبه قالَ إِسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ، ذكَرَه إِسحاقُ الكَوسَجُ عنه حدَّثَناه أَحمدُ بنُ مُحمدِ بنِ أَحمدَ وعُبيدُ بنُ مُحمدٍ قالا: حَدَّثنا الحَسنُ ابنُ سَلمةَ قالَ: حَدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ الجارودِ قالَ: حَدَّثنا إِسحاقُ بنُ مَنصورٍ عن إِسحاقَ فذكَرَه.

(١) أخرجه مسلم (١٦٦٨).
(٢) «الأم» (٤/ ٩٨، ٩٩).

وقالَ مالِكٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَصحابُهم: إذا أَوصَى لغيرِ قَرابتِه وترَكَ قَرابتَه مُحتاجِينَ أو غيرَ مُحتاجينَ جازَ ما صنَعَ، وبئسَما فعَلَ إذا ترَكَ قرابَتَه مُحتاجينَ وأَوصَى لغيرِهم، وبه قالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ: وهو قَولُ عُمرَ وعائِشةَ وابنِ عَباسٍ وعَطاءٍ ومُجاهدٍ وقَتادةَ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وجُمهورِ أهلِ العِلمِ، واحتَجَّ الشافِعيُّ وغيرُه في جَوازِ الوَصيةِ لغيرِ الأَقاربِ بحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ في الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه في مَرضِه لا مالَ له غيرَهم فأقرَعَ رَسولُ اللهِ بينَهم فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً، فهذه وَصيةٌ لهم في ثُلثِه؛ لأنَّ أَفعالَ المَريضِ كلَّها وَصيةٌ في ثُلثِه، وهُم لا مَحالةَ من غيرِ قَرابتِه، وحَسبُكَ بجَماعةِ أهلِ الفِقهِ والحَديثِ يُجيزونَ الوَصيةَ لغيرِ القَرابةِ، وفي ذلك ما يُبيِّنُ لك المُرادَ من مَعاني الكِتابِ وباللهِ العِصمةُ والتَّوفيقُ (١).

وذهَبَ الإِمامُ أَبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ من الحَنابِلةِ وجَماعةٌ من العُلماءِ إلى أنَّ الوَصيةَ للأَقرَبينَ الذين لا يَرِثونَ واجِبةٌ.

قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: ولا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، فأمَّا الوَصيةُ بجُزءٍ من مالِه فليسَت بواجِبةٍ على أحدٍ في قَولِ الجُمهورِ، وبذلك قالَ الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ وغيرُهم،

(١) «التمهيد» (٣٠٠، ٣٠٢)، و «الاستذكار» (٧/ ٢٦٥).

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أجمَعوا على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ إلا على مَنْ عليه حُقوقٌ بغيرِ بَيِّنةٍ وأَمانةٍ بغيرِ إِشهادٍ، إلا طائِفةً شَذَّت فأوجَبَتها.

رُويَ عن الزُّهريِّ أنَّه قالَ: جعَلَ اللهُ الوَصيةَ حَقًّا ممَّا قَلَّ أو كثُرَ، وقيلَ لأَبي مِجلَزٍ: على كلِّ مَيتٍ وَصيةٌ؟ قالَ: إنْ ترَكَ خَيرًا.

وقالَ أَبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ: هي واجِبةٌ للأَقرَبينَ الذين لا يَرِثونَ. وهو قَولُ داودَ، وحُكيَ ذلك عن مَسروقٍ وطاوُسٍ وإِياسٍ وقَتادةَ وابنِ جَريرٍ، واحتَجُّوا بالآيةِ وخَبَرِ ابنِ عُمرَ وقالوا: نُسخَت الوَصيةُ للوالِدَينِ والأَقرَبينَ الوارِثينَ وبَقيَت فيمَن لا يَرثُ من الأَقرَبينَ.

ولنا: أنَّ أكثَرَ أَصحابِ رَسولِ اللهِ لم يُنقَلْ عنهم وَصيةٌ، ولم يُنقَلْ لذلك نَكيرٌ، ولو كانَت واجِبةً لم يُخِلُّوا بذلك ولنُقِلَ عنهم نَقلًا ظاهِرًا، ولأنَّها عَطيةٌ لا تَجبُ في الحَياةِ فلا تَجبُ بعدَ المَوتِ كعَطيةِ الأَجانبِ، فأمَّا الآيةُ فقالَ ابنُ عَباسٍ: نسَخَها قَولُه : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وقالَ ابنُ عُمرَ: نسَخَتها آيةُ المِيراثِ. وبه قالَ عِكرِمةُ ومُجاهدٌ ومالِكٌ والشافِعيُّ.

وذهَبَ طائِفةٌ ممَّن يَرى نَسخَ القُرآنِ بالسُّنةِ إلى أنَّها نُسخَت بقَولِ النَّبيِّ : «إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيةَ لوارِثٍ»، وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (١).

(١) «المغني» (٦/ ٥٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوصايا
٩٦٦ - مسألة؛ قال: (والوصية بالحمل وللحمل جائزة، إذا أتت به لأقل من ستة أشهر منذ تكلم بالوص

فصل: وإن وَصَّى بالحَمْلِ المَوْجُودِ، اعْتُبِرَ وُجُودُه كما في حَمْلِ الأمَةِ بما يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَمْلِ المُوصَى له. وإن كان حَمْلَ بَهِيمةٍ، اعْتُبِرَ وُجُودُه بما يَثْبُتُ به وُجُودُه في سائِرِ الأحْكامِ.

فصل: وإذا أَوْصَى لما تَحْمِلُ هذه المَرْأَةُ، لم يَصِحَّ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعيِّ: يَصِحُّ، كما تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بما تَحْمِلُ هذه الجارِيَةُ. ولَنا، أنَّ الوَصِيّةَ تَمْلِيكٌ، فلا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ، بخِلَافِ المُوصَى به، فإنَّه يُمْلَكُ، فلم يُعْتَبَرْ وُجُودُه، ولأنَّ الوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولو ماتَ إنْسانٌ لم يَرِثْهُ من الحَمْلِ إلَّا مَنْ كان مَوْجُودًا، كذلك الوَصِيَّةُ. ولو تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مالٌ بعد مَوْتِه، بأن يَسْقُطَ في شَبَكَتِه صَيْدٌ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُه، ولذلك قَضَيْنَا بثُبُوتِ الإِرْثِ في دِيَتِه، وهى تَتَحَدَّدُ بعد مَوْتِه، فجازَ أَنْ تُمْلَكَ بالوَصِيَّةِ. فإن قيل: فلو وَقَفَ على مَنْ يَحْدُثُ مِن وَلَدِه أو وَلَدِ فُلانٍ صَحَّ، فالوَصِيّةُ أَوْلَى؛ لأنَّها تَصِحُّ بالمَعْدُومِ والمَجْهُولِ، بخِلَافِ الوَقْفِ. قُلْنا: الوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيرَاثِ، ولا يَحْصُلُ المِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ، فكذا الوَصِيَّةُ، والوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ، فمن ضَرُورَتِه إثْباتُه لِلْمَعْدُومِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الأقضية واليمين مع الشاهد وما دخل فيه من اختلاف الحديث وغير ذلك)
( [باب الشهادة في الوصية] )

( باب الشهادة في الوصية )

(مسألة)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِعَبْدٍ أَنَّ فُلَانًا الْمُتَوَفَّى أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ وَشَهِدَ وَارِثَانِ لِعَبْدٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي الِاثْنَيْنِ فَسَوَاءٌ وَيُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ (قَالَ الْمُزَنِيُّ) قِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ قَالَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هِيَ فِي الْعِتْقِ النَّاجِزِ فِي الْمَرَضِ، أَوِ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ؟

وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَحْتَمِلُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّه قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَهُوَ الثُّلُثُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ لعبد غيره أنه أعتقه وهو الثلث في وَصِيَّتِهِ، فَلَهُمْ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ تَأْوِيلَانِ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ بِهَا:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِنَّهَا مَقْصُورَةٌ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في ركن الوصية

عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»

وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ: تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 37 - 41

ارجع إلى الوصية للأقربين غير الوارثين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله