الإسلام > الأيمان والمواريث > حكم الوصية > الوجوب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةحُكمُ الوَصيةِ حَسبَ صِفةِ حُكمِها الشَّرعيِّ:
الوَصيةُ تَجري عليها الأَحكامُ التَّكليفيةُ الخَمسةُ: الوُجوبُ والاستِحبابُ والإِباحةُ والكَراهةُ والحُرمةُ.
١ - الوُجوبُ:
تَكونُ الوَصيةُ واجِبةً باتِّفاقِ العُلماءِ إذا كانَ على الإِنسانِ دُيونٌ مَجهولةٌ، إمَّا للآدَميِّ وإمَّا للهِ تَعالى، كما سيَأتي تَفصيلُها والخِلافُ فيها بعدُ، أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، ولمَا رَواه نافِعٌ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما حَقُّ امرِئٍ مُسلمٍ له شَيءٌ يُوصي فيه يَبيتُ لَيلتَينِ إلا ووَصيَّتُه عندَه مَكتوبةٌ»، قالَ ابنُ عُمرَ: ما مَرَّت علَيَّ لَيلةٌ مُذْ سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ ذلك إلا وعندي وَصيَّتي (١)، وحَديثُ ابنِ عُمرَ هذا مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على أحدٍ إلا أنْ يَكونَ عليه دَينٌ أو تَكونَ عندَه وَديعةٌ أو أَمانةٌ فيُوصيَ بذلك (٣).
(١) أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٥٥).
(٣) «التمهيد» (١٤/ ٢٩٢).
وقالَ الإِمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الوَصيةِ على مَنْ خلَّفَ مالًا، بعدَ إِجماعِهم على أنَّها واجِبةٌ على مَنْ قِبَلَه وَدائعُ وعليه دُيونٌ، وأكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الوَصيةَ غيرُ واجِبةٍ على مَنْ ليسَ قِبَلَه شَيءٌ من ذلك، وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ والثَّوريِّ، مُوسرًا كانَ المُوصي أو فَقيرًا (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ رحمة الله عليه: لا تَجبُ الوَصيةُ إلا على مَنْ عليه دَينٌ أو عندَه وَديعةٌ أو عليه واجِبٌ يُوصي بالخُروجِ منه؛ فإنَّ اللهَ تَعالى فرَضَ أَداءَ الأَماناتِ، وطَريقُه في هذا البابِ الوَصيةُ، فتَكونُ مَفروضةً عليه، وحَديثُ ابنِ عُمرَ مَحمولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ أو عندَه وَديعةٌ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ على الإِنسانِ دَينٌ أو حَقٌّ أو عندَه وَديعةٌ ونَحوُها لَزِمه الإِيصاءُ بذلك (٣).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: الخامِسةُ: هذا الذي تقدَّمَ من حَملِ الأمرِ بالوَصيةِ على الاستِحبابِ هو في غيرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، أمَّا إذا كانَ عندَ الإِنسانِ وَديعةٌ أو في ذِمتِه حَقٌّ للهِ تَعالى كزَكاةٍ أو حَجٍّ أو دَينٍ لآدَميٍّ؛ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ به، وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ في شَرحِ «العُمدة» كانَ الحَديثُ إنَّما يُحملُ على هذا النَّوعِ، ووقَعَ في كَلامِ الرافِعيِّ من أَصحابِنا في الكَلامِ على الوَصايا أنَّها مُستحَبةٌ في رَدِّ المَظالِمِ وقَضاءِ الدُّيونِ وتَنفيذِ
(١) «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٥٩).
(٢) «المغني» (٦/ ٥٥).
(٣) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٤، ٧٥)، و «البيان» (٨/ ١٥١).
الوَصايا وأُمورِ الأَطفالِ، وهذا مُخالفٌ لما تقرَّرَ في كَلامِه وكَلامِ غيرِه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ، وحمَلَه النَّوويُّ في المَظالمِ وقَضاءِ الدُّيونِ على ما إذا كانَ قادِرًا عليهما في الحالِ، فإنْ كانَ عاجِزًا عنهما وجَبَ عليه أنْ يُوصيَ بهما، وعندي أنَّ الاستِحبابَ الذي في كَلامِ الرافِعيِّ هنا إنَّما مَرجعُه إلى تَعيينِ شَخصٍ يُسنَدُ تَعاطي ذلك إليه، فأمَّا الإِعلامُ به إذا لم يَكنْ به إِشهادٌ مُتقدِّمٌ فهو واجِبٌ، وليسَ في كَلامِه ما يُخالفُه، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
هذا الذي ذكَرناه من وُجوبِ الوَصيةِ بالحُقوقِ الواجِبةِ مَحلُّه ما إذا لم يَعلمْ به غيرُه، فأمَّا إذا علِمَ به غيرُه فلا تَجبُ، كذا عبَّرَ به الرافِعيُّ من أَصحابِنا، وقالَ النَّوويُّ: المُرادُ إذا لم يَعلمْ به مَنْ يَثبُتُ بقَولِه. وقُصدَ بذلك إِخراجُ الكافِرِ والفاسِقِ والصَّبيِّ والعَبدِ والمَرأةِ؛ فإنَّه لا يَكفي عِلمُهم، مع دُخولِهم في تَعبيرِ الرافِعيِّ، قالَ شَيخُنا الإِمامُ جَمالُ الدِّينِ عبدُ الرَّحيمِ الإِسنَويُّ: وهو غيرُ كافٍ أيضًا؛ فإنَّ قَولَ الوَرثةِ كافٍ في الثُّبوتِ مع أنَّ المُتَّجَهَ أنَّ عِلمَهم لا يَكفي؛ لأنَّهم الغُرماءُ، فلا بُدَّ من حُجةٍ تَقومُ عليهم عندَ إِنكارِهم (١).
وسيَأتي تَمامُ ذلك مُفصَّلًا فيما تَصحُّ وتَجبُ الوَصيةُ به في أَركانِ الوَصيةِ.
(١) «طرح التثريب في شرح التقريب» (٦/ ١٦٢، ١٦٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الكفارات
فصل في شرائط وجوب كل نوع
وَلَا يَجُوزُ الْفِدَاءُ عَنْهُ بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِهِ ثُمَّ مَاتَ فَغَدَّى الْوَصِيُّ عَشَرَةً ثُمَّ مَاتُوا يَسْتَأْنِفُ فَيُغَدِّي وَيُعَشِّي غَيْرَهُمْ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَفْرِيقِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ عَلَى شَخْصَيْنِ لِمَا نَذْكُرُ، وَلَا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إذْ لَا صُنْعَ لَهُ فِي الْمَوْتِ، وَلَوْ قَالَ أَطْعِمُوا عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ غَدَاءً وَعَشَاءً وَلَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةً فَغَدَّوْا عَشَرَةً ثُمَّ مَاتُوا يُعَشُّوا عَشَرَةً غَيْرَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ كَفَّارَةً فَكَانَ سَبَبُهُ النَّذْرَ فَجَازَ التَّفْرِيقُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى عَزَّ شَأْنُهُ - أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ وُجُوبِ كُلِّ نَوْعٍ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى حكم الوصية للاطلاع على جميع المسائل.