الحالة الثانية: ألا يكون للموصي ورثة

الإسلام > الأيمان والمواريث > مقدار الوصية > الحالة الثانية: ألا يكون للموصي ورثة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الحالة الثانية: ألا يكون للموصي ورثة - الأقوال والأدلة

الحالةُ الثانيةُ: ألاَّ يَكونَ للمُوصي وَرثةٌ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو لم يَكنْ للمُوصي وَرثةٌ، هل يَجوزُ له أنْ يُوصيَ بزِيادةٍ على الثُّلثِ أو لا يَجوزُ كمَن عندَه وَرثةٌ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ (وهو مَرويٌّ عن ابنِ مَسعودٍ وأبي موسى الأَشعريِّ وإِسحاقَ) إلى أنَّ الإِنسانَ الذي لا وارِثَ له لا بنَسبٍ ولا نِكاحٍ جازَ له أنْ يُوصيَ بمالِه كلِّه؛ لأنَّ المَنعَ من الزِّيادةِ على الثُّلثِ إنَّما كانَ لتَعلُّقِ حَقِّ الوَرثةِ؛ بدَليلِ قَولِ النَّبيِّ : «إنَّك أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ في أَيديهم» (١)، ومَن لا وارِثَ له فليس ممَّن عُنيَ بالحَديثِ، وهو هنا لا وارِثَ له يَتعلَّقُ حَقٌّ بمالِه فأشبَهَ حالَ الصِّحةِ، ولأنَّه لم يَتعلَّقْ بمالِه حَقُّ وارِثٍ ولا غَريمٍ أشبَهَ حالَ الصِّحةِ أو أشبَهَ الثُّلثَ.

ولأنَّ المُسلِمينَ لا يَستحِقونَ مالَه بعدَ مَوتِه على سَبيلِ المِيراثِ؛ لأنَّه لو كانَ كذلك لمَا جازَ أنْ يَستحقَّه الرَّجلُ مع أَبيه؛ لأنَّ الأبَ والجَدَّ لا يَجتمِعانِ في مِيراثٍ واحِدٍ، فعلِمنا أنَّهم لا يَستحِقُّونه على جِهةِ المِيراثِ وإنَّما يُعطيهم الإِمامُ من جِهةِ أنَّه مالٌ لا مالِكَ له، وكانَ للإِمامِ أنْ يَضعَه حيثُ يَرى، فمالِكُه أَولى بذلك من الإِمامِ؛ لأنَّه كانَ مالِكًا له إلى أنْ تُوفِّيَ، ألَا تَرى أنَّه إذا كانَ له وارِثٌ فأَوصَى بأكثَرَ من الثُّلثِ أنَّه إذا لم تُجِزْه الوَرثةُ

(١) أخرجه البخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (١٦٢٨).

رُدَّ إليه ما زادَ؛ لأنَّه يأخُذُه مِيراثًا، فإذا لم يَكنْ مِيراثٌ فالوَصيةُ جائِزةٌ كالثُّلثِ الذي لا يُورَثُ إذا أَوصَى به.

وأيضًا فللإِمامِ أنْ يَجعلَه لرَجلٍ من المُسلِمينَ، فالمُوصي بذلك أَولى منه كما كانَ في حالِ الحَياةِ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ ولا يَنفُذُ تَصرُّفُه فيما زادَ على الثُّلثِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ مَنْ له وارِثٌ ومَن ليس له وارِثٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ في حَديثِ سَعدِ بنِ أَبي وَقاصٍ رضي الله عنه: «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ» (٢).

وقالَ رَسولُ اللهِ : «إنَّ اللهَ تَصدَّقَ عليكم عندَ وَفاتِكم بثُلثِ أَموالِكم زِيادةً لكم في أَعمالِكم وحَسناتِكم» (٣). وهذا يَدلُّ على أنَّه لا شَيءَ له في الزائِدِ عليه، ولم يَخصَّ مَنْ كانَ له وارِثٌ أو غيرُه.

وحَديثُ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ رضي الله عنه «أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أَوصَى عندَ مَوتِه بعِتقِ سِتةِ أعبُدٍ لا مالَ له غيرَهم، فدَعاهم رَسولُ اللهِ

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٥/ ٥٣، ٥٤)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٣، ٣٥)، و «البحر الرائق» (٨/ ٤٦٠)، و «المغني» (٦/ ١٢٣، ١٢٤)، و «المبدع» (٦/ ١٠)، و «الإنصاف» (٧/ ١٩٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤٤٤)، و «كشاف القناع» (٤/ ٤١٠)، و «منار السبيل» (٢/ ٣٧٦، ٣٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (١٦٢٨).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٧٠٩)، وأَحمد (٢٧٥٥٢).

فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً وقالَ له قَولًا شَديدًا» (١)، قالَ الماوَرديُّ: ولم يَكنْ له وارِثٌ، ولأنَّه لو كانَ له وارِثٌ لوقَفَ على إِجازتِه، ولأنَّ مالَ مَنْ لا وارِثَ له يَصيرُ إلى بَيتِ المالِ إِرثًا لأمرَينِ:

أَحدُهما: أنَّه يَخلُفُ الوَرثةَ في استِحقاقِ مالِه، والثاني: أنَّه يَعقلُ عنه كوَرثتِه، فلمَّا رُدَّت وَصيتُه مع الوارِثِ إلى الثُّلثِ رُدَّت إلى الثُّلثِ مع بَيتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثٌ، وقد تحرَّرَ منه قِياسانِ:

أَحدُهما: أنَّ كلَّ جِهةٍ استحَقَّت التَّركةَ بالوَفاةِ مُنِعت من الوَصيةِ بجَميعِ المالِ كالوَرثةِ.

والثاني: أنَّ ما مُنعَ من الوَصايا مع الوَرثةِ مُنعَ منها مع بَيتِ المالِ كالدُّيونِ.

فأمَّا الجَوابُ عن قَولِه : «أنْ تَدعَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَدعَهم عالةً» فهو أنَّه لم يَجعَلْ ذلك تَعليلًا لرَدِّ الزِّيادةِ على الثُّلثِ، ولو كانَ ذلك تَعليلًا لجازَت الزِّيادةُ على الثُّلثِ مع غِناهم إذا لم يَصيروا عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ، وإنَّما قالَه صِلةً في الكَلامِ وتَنبيهًا على الحَظِّ، وأمَّا قَولُ ابنِ مَسعودٍ: «يَضعُ مالَه حيثُ يَشاءُ»، فمالُه الثُّلثُ وَحدَه وله وَضعُه حيثُ شاءَ، وأمَّا الصَّدقةُ فهي كالوَصيةِ، إنْ كانَت في الصِّحةِ أُمضيَت مع وُجودِ الوارِثِ وعَدمِه، وإنْ كانَت في المَرضِ رُدَّت إلى الثُّلثِ مع وُجودِ الوارِثِ وعَدمِه (٢).

(١) أخرجه مسلم (١٦٦٨).
(٢) «الحاوي الكبير» (٨/ ١٩٥، ١٩٦)، و «التمهيد» (٨/ ١٤٨، ١٥٠)، و «المغني» (٦/ ١٢٣، ١٢٤)، و «المبدع» (٦/ ١٠)، و «الإنصاف» (٧/ ١٩٢).

وقالَ الزَّرقانِيُّ: قيلَ: وجَوازُ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن لا وارِثَ له؛ لأنَّ مَفهومَ قَولِه: «أنْ تَذرَ وَرثتَك أَغنياءَ» أنَّ مَنْ لا وارِثَ له لا يُبالي بالوَصيةِ بما زادَ؛ لأنَّه لا يَتركُ من يَخشَى عليه الفَقرَ، وتُعقِّبَ بأنَّه ليسَ تَعليلًا مَحضًا وإنَّما فيه تَنبيهٌ على الأحَظِّ الأنفَعِ، ولو كانَ تَعليلًا مَحضًا لاقتَضَى جَوازَ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن وَرثتُه أَغنياءُ، ولنفَذَ ذلك عليهم بغيرِ إِجازتِهم، ولا قائِلَ به، وعلى تَقديرِ أنَّه تَعليلٌ مَحضٌ فهو للنَّقصِ عن الثُّلثِ لا للزِّيادةِ عليه، فكأنَّه لمَّا شرَعَ الإِيصاءَ بالثُّلثِ وأنَّه لا اعتِراضَ فيه على المُوصي، قالَ: إلا أنَّ الانحِطاطَ عنه أوْلى، ولا سيَّما لمَن ترَكَ وَرثتَه فُقراءَ (١).

وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أمَّا مَنْ لا وارِثَ له فمَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ أنَّه لا تَصحُّ وَصيتُه فيما زادَ على الثُّلثِ، وجوَّزَه أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه وإِسحاقُ وأَحمدُ في إِحدَى الرِّوايتَينِ عنه، ورُويَ عن علِيٍّ وابنِ مَسعودٍ رضي الله عنهما (٢).

وقالَ القاضي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ: إذا لم يَكنْ له وارِثٌ مُعيَّنٌ لم يَكنْ له أنْ يُوصيَ إلا بالثُّلثِ، فإنْ زادَ كانَ ما زادَ لبَيتِ المالِ مِيراثًا، وقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يُوصيَ بكلِّ مالِه.

(١) «شرح الزرقاني» (٤/ ٨٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٧٧)، و «البيان» (٨/ ١٥٦).

فدَليلُنا قَولُه : «إنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ لكم ثُلثَ أَموالِكم عندَ مَوتِكم زِيادةً في أَعمالِكم»، وهذا نَهيٌ أنْ يَكونَ للمَريضِ حَقُّ تَصرُّفٍ فيما زادَ على الثُّلثِ، ولأنَّها عَطيةٌ تَلزمُ بالمَوتِ فكانَت في الثُّلثِ، أصلُه إذا كانَ له وارِثٌ مُعيَّنٌ، ولأنَّ له مَنْ يَعقِلُ عنه فلم يَكنْ له أنْ يُوصيَ بزِيادةٍ على الثُّلثِ، كما لو كانَ له أَموالٌ، ولأنَّ أَسبابَ التَّوارثِ مُختلفةٌ في القُوةِ والضَّعفِ، والنَّسبُ أَولى من الوَلاءِ، والوَلاءُ أَقوى من مُوالاةِ الدِّينِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ مع بعضِ هذه الأَسبابِ ليسَ له أنْ يَزيدَ على الثُّلثِ فكانَ مع ما ضعُفَ عنها أوْلى.

فإنْ قيلَ: هذا مَبنيٌّ على أنَّ المالَ يَنتقِلُ إلى المُسلِمينَ إِرثًا فدَلُّوا على ذلك، قُلنا: لأنَّهم يَعقِلونَ عنه فجازَ أنْ يَرِثوه كالمَولَى، ولأنَّه مَيتٌ من أهلِ الإِسلامِ فلم يَنفَكَّ عن وارِثٍ كالذي له نَسبٌ مُعيَّنٌ (١).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا اختِلافُهم في جَوازِ الوَصيةِ بأكثَرَ من الثُّلثِ لمَن لا وارِثَ له فإنَّ مالِكًا لا يُجيزُ ذلك والأَوزاعيَّ، واختَلفَ فيه قَولُ أَحمدَ، وأَجازَ ذلك أَبو حَنيفةَ وإِسحاقُ، وهو قَولُ ابنِ مَسعودٍ.

وسَببُ الخِلافِ هل هذا الحُكمُ خاصٌّ بالعِلةِ التي علَّله بها الشارِعُ أو ليسَ بخاصٍّ؟ وهو ألَّا يَتركَ وَرثتَه عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ كما قالَ : «إنَّك أنْ تَذرَ وَرثتَك أَغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَذرَهم عالةً يَتكفَّفونَ الناسَ» فمَن جعَلَ هذا السَّببَ خاصًّا وجَبَ أنْ يَرتفعَ الحُكمُ بارتِفاعِ هذه

(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ١٧٣، ١٧٤)، رقم (١٩٢٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوصايا
فصل في صفة عقد الوصية

مُنَازَعَتُهُمَا فِيهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ فَصَارَ لِصَاحِبِ الْجَمِيعِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ فَلَمَّا صَارَ هَذَا الْعَبْدُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ صَارَ الْعَبْدُ الْآخَرُ عَلَى سِتَّةٍ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَصَارَ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَا وَصِيَّةَ فِيهِ، وَسَهْمٌ فِي الْعَبْدِ الَّذِي فِيهِ وَصِيَّةٌ، وَوَصِيَّةُ صَاحِبِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ جَمِيع الْمَالِ اثْنَا عَشَرَ فَثُلُثُهَا أَرْبَعَةٌ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 54 - 58

ارجع إلى مقدار الوصية للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله