جواز المثلة قصاصا

الإسلام > الجنايات والحدود > أحكام الأسرى > جواز المثلة قصاصا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

جواز المثلة قصاصا - الأقوال والأدلة

وهو ظاهِرٌ في أنَّه لو تَمكَّن من كافرٍ حالَ قيامِ الحَربِ ليسَ له أنْ يُمثِّل به بل يَقتلُه، ومُقتَضى ما في الاختيارِ أنَّ له ذلك، كيف وقد عَلَّل بأنَّها أبلَغُ في كَبتِهم وأضَرُّ بهم نَهرًا (١).

وقالَ الحَطابُ رحمة الله عليه: «والمُثلةُ»: قالَ الأقفَهسِيُّ: أي: يَحرُمُ أنْ يُمثَّلَ بالمَقتولِ، قالَ في الاستِذكارِ: والمُثلةُ مُحرَّمةٌ في السُّنةِ المُجمَعِ عليها، وهذا بعدَ الظَّفرِ وأمَّا قبلَه فلنا قَتلُه بأيِّ مُثلةٍ أمكَنَنا. وهذا الأخيرُ في النَّوادِرِ (٢).

جَوازُ المُثلةِ قِصاصًا:

لكنْ إنْ مثَّلَ الكُفارُ بالمُسلِمينَ يَجوزُ للمُسلِمينَ حينَئذٍ أنْ يُمثِّلوا بهم، كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ والحَنابِلةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ.

قالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: (و) حرُمَ بعدَ القُدرةِ عليهم (المُثلةُ) بضَمِّ الميمِ وسُكونِ المُثلَّثةِ: العُقوبةُ الشَّنيعةُ، كرَضِّ الرأسِ وقَطعِ الأُذنِ أو الأنفِ إذا لم يُمثِّلوا بمُسلمٍ وإلا جازَ (٣).

قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (وحرُمَ بعدَ القُدرةِ عليهم) أي: وأمَّا قَبلَ القُدرةِ عليهم فيَجوزُ لنا أنْ نَقتُلَهم بأيِّ وَجهٍ مِنْ وُجوهِ القَتلِ، ولو كانَ في ذلك الوَجهِ تَمثيلٌ.

قَولُه: (وإلا جازَ) أي: وإلا جازَ التَّمثيلُ بهم بعدَ القُدرةِ عليهم (٤).

(١) «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٣١)، وانظر: «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٥٨).
(٢) «مواهب الجليل» (٣/ ٣٥٤).
(٣) «الشرح الكبير» (٢/ ١٧٩).
(٤) «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٧٩)، و «بلغة السالك» (٢/ ١٨٢).

وقالَ في «مِنحِ الجَليلِ»: وحرُمَ المُثلةُ -بضَمِّ الميمِ وسُكونِ المُثلَّثةِ- أي: التَّمثيلُ بالكُفارِ بقَطعِ أطرافِهم وقَلعِ أعيُنِهم بعدَ القُدرةِ عليهم، ولم يُمثِّلوا بمُسلمٍ، فيَجوزُ حالَ القِتالِ قبلَ القُدرةِ عليهم أو بعدَ تَمثيلِهم بمُسلمٍ، قالَه الباجيُّ في أسيرٍ كافرٍ عندَنا وقد مَثَّلوا بأسيرٍ مُسلمٍ عندَهم (١).

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وإنْ مثَّلَ الكُفارُ بالمُسلِمينَ فالمُثْلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستِيفاءِ وأخذِ الثَّأرِ ولهم تَركُها، والصبْرُ أفضَلُ، وهذا حيثُ لا يَكونُ في التَّمثيلِ السائِغِ لهم دُعاءٌ إلى الإيمانِ وحِرزٌ لهم عن العُدوانِ؛ فإنَّه هنا من إقامةِ الحُدودِ والجِهادِ، ولم تَكُنِ القَضيةُ في أُحدٍ كذلك، فلهذا كانَ الصبْرُ أفضَلَ، فأمَّا إنْ كانَت المُثْلةُ حقَّ اللهِ تَعالى فالصبْرُ هناك واجِبٌ كما يَجبُ حيثُ لا يُمكِنُ الانتِصارُ ويَحرُمُ الجَزعُ (٢).

وقالَ في مَوضِعٍ آخرَ: فأمَّا التَّمثيلُ في القَتلِ فلا يَجوزُ إلا على وَجهِ القِصاصِ، وقد قالَ عِمرانُ بنُ حُصينٍ رضي الله عنهما: ما خطَبنا رَسولُ اللهِ خُطبةً إلا أمَرَنا بالصَّدَقةِ ونَهانَا عنِ المُثْلةِ، حتى الكُفارُ إذا قتَلْناهم فإنَّا لا نُمثِّلُ بِهم بعدَ القَتلِ ولا نَجدَعُ آذانَهم وأُنوفَهم ولا نَبقُرُ بُطونَهم، إلا أنْ يَكونوا فعَلوا ذلك بنا فنَفعَلَ بهم مِثلَ ما فعَلوا، والتَّركُ أفضَلُ كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦، ١٢٧] (٣).

(١) «منح الجليل» (٣/ ٣٥٤).
(٢) «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٦١٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١٤).

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: ويُكرَهُ نَقلُ رُؤوسِهم من بَلدٍ إلى آخَرَ، والمُثلةُ بقَتلاهم، ويُكرَهُ رَميُها بمَنجَنيقٍ، نَصَّ عليه (أي: أحمدُ)، وأوَّلُ من حُمِلت إليه الرُّؤوسُ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ، قالَ أحمدُ: ولا يَنبَغي أنْ يُعذِّبوه.

وعنه: إنْ مثَّلوا مُثِّل بهم، ذكَرَه أبو بَكرٍ.

قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ رحمة الله عليه: المُثْلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستيفاءِ وأخْذِ الثَّأرِ، ولهم تَركُها والصبْرُ أفضَلُ (١).

وقالَ في «الفُروعِ»: قالَ شَيخُنا: المُثلةُ حقٌّ لهم، فلهم فِعلُها للاستيفاءِ وأخذِ الثأرِ، ولهم تَركُها والصبْرُ أفضَلُ، وهذا حيثُ لا يَكونُ في التَّمثيلِ بهم زيادةٌ في الجِهادِ، ولا يَكونُ نَكالًا لهم عن نَظيرِها، فأمَّا إذا كانَ في التَّمثيلِ الشائِعِ دُعاءٌ لهم إلى الإيمانِ أو زَجرٌ لهم عن العُدوانِ فإنَّه هنا من إقامةِ الحُدودِ، والجِهادِ المَشروعِ، ولم تَكُنِ القِصةُ في أُحدٍ كذلك، فلِهذا كانَ الصبْرُ أفضَلَ، فأمَّا إذا كانَ المُغلَبَ حقَّ اللهِ تَعالى فالصبْرُ هناك واجِبٌ، كما يَجبُ حيثُ لا يُمكِنُ النَّصرُ ويَحرُمُ الجَزعُ، هذا كَلامُه، وكذا قالَ الخَطابيُّ رحمة الله عليه: إنْ مثَّل الكافِرُ بالمَقتولِ جازَ أنْ يُمثَّلَ به (٢).

ومِن الأدِلةِ التي استدَلُّوا بها على جَوازِ القِصاصِ بالمِثلِ ما رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي قِلابةَ عن أنسِ بنِ مَالِكٍ: أنَّ رَهطًا من عُكلٍ -أو قالَ: عُرَينةَ، ولا أعلَمُه إلا قالَ من عُكلٍ- قَدِموا المَدينةَ فأمَرَ لهم النَّبيُّ

(١) «المبدع» (٣/ ٣٤٩)، و «الفروع» (٦/ ٢٠٣).
(٢) «الفروع» (٦/ ٢٠٣).

بلِقاحٍ وأمَرَهم أن يَخرُجوا فيَشرَبوا من أبوالِها وألبانِها، فشَرِبوا حتى إذا بَرِئوا قتَلوا الرَّاعيَ واستاقوا النَّعَمَ، فبلَغ النَّبيَّ غُدوةً فبعَثَ الطَّلبَ في إثرِهم، فما ارتفَع النَّهارُ حتى جيءَ بهم، فأمَرَ بِهم فقطَع أيديَهم وأرجُلَهم وسمَرَ أعيُنَهم فأُلقوا بالحَرَّةِ يَستسقونَ فلا يُسقَوْن، قالَ أبو قِلابةَ: هؤلاء قَومٌ سَرَقوا وقتَلوا وكَفَروا بعدَ إيمانِهم وحارَبوا اللَّهَ ورَسولَه» (١).

وقد تَرجَم الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه لهذا الحَديثِ بقَولِه: (بابُ إذا أحرَق المُشرِكُ المُسلِمَ هل يُحرَقُ). قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: استَدلَّ منه البُخاريُّ على أنَّه لمَّا جازَ تَحريقُ أعيُنِهم بالنارِ ولو كانُوا لم يَحرِقوا أعيُنَ الرِّعاءِ، أنَّه أوْلى بالجَوازِ تَحريقُ المُشرِكِ إذا أحرَقَ المُسلِمَ (٢).

قد تَرجَم الإمامُ ابنُ حِبانَ في «صَحيحِه» (٣) لهذا الحَديثِ بقَولِه: «ذِكرُ البَيانِ بأنَّ المُصطَفى إنَّما سمَرَ أعيُنَ العُرَنيِّينَ؛ لأنَّهم سمَروا أعيُنَ الرِّعاءِ».

عن أنَسٍ قالَ: «إنَّما سمَلَ النَّبيُّ أعيُنَ أولئك؛ لأنَّهم سمَلوا أعيُنَ الرِّعاءِ» (٤).

(١) رواه البخاري (٦٤٢٠)، ومسلم (١٦٧١).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٥/ ١٧٩).
(٣) (١٠/ ٣٢٥).
(٤) رواه مسلم (١٦٧١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه

مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.

وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.

وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.

وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.

وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه

أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 135 - 138

ارجع إلى أحكام الأسرى للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله