الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الركن الثالث: المال المسروق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالثُ: المالُ المسرُوقُ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ لإقامةِ الحَدِّ أنْ يكونَ المالُ المَسروقُ مُتقومًا شَرعًا، وأنْ يَبلغَ المالُ المَسروقُ نِصابًا، وأنْ يكونَ المالُ المَسروقُ في حِرزٍ، وبَيانُ هذهِ الشُّروطِ فيما يلي:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يكونَ مالاً:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في المَسروقِ حتى يُقامَ الحَدُّ على السارقِ أنْ يَكونَ مالًا، فما ليسَ بمالٍ فلا يُقامُ عليهِ الحَدُّ، وبِناءً عليه اختَلفُوا في:
سَرقَة الصَّبيِّ الحُرِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ سَرقَ صَبيًّا حُرًّا، هل يُقامُ عَليهِ الحَدُّ أم لا؟ وهل يُشترطُ أنْ يكونَ عليهِ مِنْ الحُليِّ ما يَبلغُ نِصابًا أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وابنُ الماجشُونِ مِنْ المالِكيةِ إلى أنه لا يُقطَعُ مَنْ سَرقَ طِفلًا صَغيرًا؛ لأنه ليسَ بمالٍ، ووُجوبُ القَطعِ يَختصُّ بسَرقةِ مالٍ مُتقومٍ.
واختَلفوا فيما لو كانَ عليهِ حُليٌّ يَبلغُ نِصابًا، هل يُقطعُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ يَدَ الصَّبيِّ ثابتةٌ على ما مَعَه مِنْ الحُليِّ، ولهذا لو وُجدَ مَنبوذًا ومعهُ حُليٌّ كانَ له الحُليُّ، فلمْ يَجبِ القَطعُ بسَرقتِه كما لو سَرقَ مَتاعًا ومالكُه نائمٌ عليه.
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يُقطَعُ إنْ كانَ عليه حُليٌّ يَبلغُ النِّصابَ؛ لأنَّ قِيمةَ الحُليِّ نِصابٌ كامِلٌ لو سرَقَه وحْدَه يَلزمُه القَطعُ، فكذا معَ الصَّبيِّ، ولأنَّ المَقصودَ الحَليُّ دونَ الصَّبيِّ (١).
ولو سرَقَ صَبيًّا عَبدًا لا يَتكلَّمُ ولا يَعقلُ يُقطعُ في قَولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنه مالٌ مِنْ كُلِّ وَجهٍ؛ لوُجودِ معنَى الماليةِ فيه على الكَمالِ ولا يَدَ له على نَفسِه، فيَتحقَّقُ رُكنُ السَّرقةِ كالبَهيمةِ، وكونُه آدَميًّا لا يَنفي كونَه مالًا، فهو آدَميٌّ مِنْ كُلِّ وَجهٍ ومالٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ؛ لعَدمِ التنافي، فيَتعلَّقُ القَطعُ بسَرقتِه مِنْ حَيثُ إنه مالٌ لا مِنْ حَيثُ إنه آدَميٌّ، بخِلافِ العاقلِ؛ لأنَّه وإنْ كانَ مالًا مِنْ كلِّ وَجهٍ لكنَّه في يَدِ نَفسِه، فلا يُتصوَّرُ ثُبوتُ يَدِ غيرِه عليهِ؛ للتَّنافي، فلا يَتحقَّقُ فيه رُكنُ السَّرقةِ وهو الأخذُ.
ورُويَ عن أبي يُوسفَ رحمة الله عليه أنه لا يُقطَعُ؛ لأنَّ العبدَ ليسَ بمالٍ مَحضٍ، بل هو مالٌ مِنْ وَجهٍ آدَميٌّ مِنْ وَجهٍ، فكانَ مَحلَّ السَّرقةِ مِنْ وَجهٍ دونَ وَجهٍ، فلا تَثبتُ المَحلِّيةُ بالشكِّ، فلا يُقطَعُ كالصبيِّ العاقلِ (٢).
(١) «المبسوط» (٩/ ١٦١)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٧)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٠٤)، و «المهذب» (٢/ ٢٨١)، و «البيان» (١٢/ ٤٦٩)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٤٨، ١٤٩)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٨٣)، و «الكافي» (٤/ ١٧٦)، و «الفروع» (٦/ ١٢٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٧٥).
(٢) «المبسوط» (٩/ ١٦١)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ١٥٤)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٧).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ مَنْ سرَقَ طِفلًا حُرًّا أو عَبدًا ذَكرًا أو أنثى مِنْ حِرزِه قُطعَ، وإنْ كانَ عَبدًا كَبيرًا فَصيحًا لم يُقطَعْ، وإنْ كانَ أعجَميًّا أو مَجنونًا قُطعَ، وسَواءٌ كانَ معه نِصابٌ أو لم يَكنْ معهُ، وسَواءٌ انتَفعَ السارقُ بكُلٍّ مِنْ الصَّبيِّ أو المَجنونِ أم لا.
وحِرزُ الصبيِّ أنْ يَكونَ بدارِ أهلِه، وكذا إذا كانَ معهُ مَنْ يَخدمُه أو يَحفظُه، فإنْ لم يَكنْ كذلكَ فلا قطْعَ (١).
وهذا الخِلافُ السابقُ في سَرقةِ الحُرِّ، وأما العَبدُ فقدْ حكَى ابنُ المُنذِرِ الإجماعَ على أنَّ مَنْ سرَقَه فإنه تُقطَعُ يَدُه، قالَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنه مَنْ سَرقَ عَبدًا صَغيرًا مِنْ الحِرزِ أنَّ عليهِ القَطعَ (٢).
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: (وإنْ سرَقَ عَبدًا صَغيرًا لا يَعقلُ أو أعجَميًّا مِنْ حِرزٍ قُطعَ، وإنْ كانَ يَعقلُ لم يُقطَعْ).
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وهذا صَحيحٌ، وليسَ يَخلوُ حالُ العَبدِ إذا سُرقَ مِنْ أنْ يَكونَ في حِرزٍ أو في غيرِ حِرزٍ، فإنْ كانَ في غيرِ حِرزٍ فلا قطْعَ على سارقِه، صَغيرًا كانَ أو كَبيرًا، وإنْ كانَ في حِرزٍ -وحِرزُه إمَّا أنْ يَكونَ دارًا مُغلقةَ البابِ أو مع سيِّدِه- فلا يَخلو حالُه مِنْ أحَدِ أمرَينِ:
(١) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٤٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٩٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٣٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٦٣)، و «الكافي» (٤/ ١٧٦)، و «الفروع» (٦/ ١٢٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٧٥).
(٢) «الإجماع» (٦١٤).
أحَدُهما: أنْ يكونَ عاقلًا مُميِّزًا يُفرِّقُ بينَ أمرِ سيِّدِه وغيرِ سيِّدِه، فلا قطْعَ على سارقِه؛ لأنَّ هذا يَكونُ مُخادعًا ولا يكونُ مَسروقًا.
والثَّاني: أنْ يَكونَ صَغيرًا أو أعجَميًّا لا يَعقلُ عقْلَ المُميزِ ولا يُفرِّقُ بينَ أمرِ سيِّدِه وغيرِه، فالقَطعُ على سارقِه واجبٌ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ ومُحمدٌ، وقالَ أبو يُوسفَ: «لا قطْعَ عليهِ؛ لأنه لمَّا لم يُقطَعْ بسَرقتِه إذا كانَ كَبيرًا لم يُقطعْ بها إذا كانَ صَغيرًا كالحُرِّ»، وهذا خَطأٌ؛ لأنه حَيوانٌ مَملوكٌ لا تَمييزَ له، فوجَبَ أنْ يُقطَعَ بسَرقتِه كالبَهيمةِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ سرَقَ عَبدًا صَغيرًا فعَليهِ القَطعُ في قولِ عامةِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، منهُم الحسَنُ ومالكٌ والثوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ.
والصَّغيرُ الذي يُقطَعُ بسَرقتِه هو الذي لا يُميِّزُ، فإنْ كانَ كَبيرًا لم يُقطَعْ سارقُه، إلا أنْ يَكونَ نائمًا أو مَجنونًا أو أعجَميًّا لا يُميِّزُ بينَ سيِّدِه وبينَ غيرِه في الطاعةِ فيُقطَعُ سارقُه.
وقالَ أبو يُوسفَ: لا يُقطعُ سارقُ العبدِ وإنْ كانَ صَغيرًا؛ لأنَّ مَنْ لا يُقطعُ بسَرقتِه كبيرًا لا يُقطعُ بسَرقتِه صَغيرًا كالحُرِّ.
ولنا: إنه سرَقَ مالًا مَملوكًا تَبلغُ قِيمتُه نِصابًا، فوجَبَ القطعُ عليهِ كسائرِ الحيَواناتِ، وفارَقَ الحُرَّ؛ فإنه ليسَ بمالٍ ولا مَملوكٍ، وفارَقَ الكبيرَ؛ لأنَّ
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٠٢).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان صفات الحدود
لَا يَجُوزُ - وَالْمَسْأَلَةُ مَرَّتْ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ - وَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ حَضْرَةَ الْمَقْذُوفِ بِنَفْسِهِ شَرْطُ جَوَازِ الِاسْتِيفَاءِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَتَقُومُ حَضْرَةُ الْوَكِيلِ مَقَامَ حَضْرَتِهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدَّ عِنْدَهُ حَدُّ الْمَقْذُوفِ عَلَى الْخُلُوصِ، فَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالِاسْتِيفَاءِ جَمِيعًا.
(وَلَنَا) أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ اسْتِيفَاءٌ مَعَ الشُّبْهَةِ؛ لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَصَدَّقَ الْقَاذِفَ فِي قَذْفِهِ، وَالْحُدُودُ لَا تُسْتَوْفَى مَعَ الشُّبُهَاتِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَوْ بَعْدَهَا - سَقَطَ الْحَدُّ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يُورَثُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يُورَثُ - وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي مَوْضِعِهَا - هَذَا إذَا كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْقَذْفِ.
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.