الركن الرابع: الأخذ خفية

الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الركن الرابع: الأخذ خفية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الركن الرابع: الأخذ خفية - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الرابعُ: الأخذُ خُفيَةً:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُشترطُ لتَحقُّقِ السَّرقةِ أنْ يأخُذَ السارقُ المَسروقَ على وَجهِ الخُفيةِ والاستِتارِ، فإنِ اختَطفَ المالَ أو انتَهبَه أو اختَلسَ لم يُكنْ سارِقًا ولا قطْعَ عليهِ عندَهم جَميعًا؛ لحَديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما: قالَ رَسولُ اللهِ : «ليسَ على المُنتهِبِ قَطعٌ، ومَن انتَهبَ نُهبةً مَشهورةً فلَيسَ منَّا، وقالَ: ليسَ على الخائنِ قَطعٌ» (١)، وفي رِوايةٍ: «ولا على المُختلِسِ قَطعٌ» (٢).

وفي لَفظِ ابنِ حبَّانَ: «ليسَ على مُنتهِبٍ ولا مُختلِسٍ ولا خائِنٍ قَطعٌ» (٣).

وعَلى هذا أجمَعَ العُلماءُ أنه لا قطْعَ على خائنٍ ولا مُختلِسٍ ولا مُنتَهبٍ ولا غاصبٍ؛ لأنَّ الواجِبَ قَطعُ السارقِ، وهذا غيرُ سارقٍ، ولأنَّ الاختِلاسَ نَوعٌ مِنْ الخَطفِ والنَّهبِ، وإنما يَستخفِي في ابتِداءِ اختِلاسِه، بخِلافِ السارقِ (٤).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أنْ لا قطْعَ على المُختلِسِ، وانفَردَ إياسُ بنُ مُعاويةَ فقالَ: أقطَعُه.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩١، ٤٣٩٢)، والنسائي (٤٩٧٣، ٤٩٧٤)، وأحمد (١٥١١٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٩٣).
(٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٤٤٥٧).
(٤) «بدائع الصنائع» (٧/ ٦٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٦٠)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٦٧)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٥٠٧).

وأجمَعُوا أنْ لا قطْعَ على الخائنِ (١).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الخِلسةَ لا قطْعَ فيها ولا في الخِيانةِ، ولا أعلَمُ أحَدًا أوجَبَ في الخِلسةِ القَطعَ إلَّا إياسَ بنَ مُعاويةَ، وسائرُ أهلِ العِلمِ لا يَرونَ فيها قَطعًا (٢).

وقالَ أيضًا: وأجمَعُوا أنه ليسَ على الغاصِبِ ولا على المُكابِرِ الغالبِ قَطعٌ، إلا أنْ يكونَ قاطِعَ طَريقٍ شاهِرًا بالسَّلاحِ على المُسلمينَ مُخيفًا للسُّبلِ، فحُكمُه ما تَقدَّمَ ذِكرُه في المُحارِبينَ (٣).

وقالَ أيضًا: وأجمَعَ عُلماءُ المُسلمينَ أنه ليسَ على الخائنِ قَطعٌ، وكفَى بهذا (٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: أجمَعُوا أنه ليسَ في الخِيانةِ ولا في الاختِلاسِ قَطعٌ، إلا إياسَ بنَ مُعاويةَ فإنه أوجَبَ في الخِلسةِ القَطعَ.

وكذلكَ أجمَعُوا على أنهُ ليسَ على الغاصبِ ولا على المُكابِرِ المُغالِبِ قَطعٌ، إلا أنْ يَكونَ قاطعَ طَريقٍ شاهِرًا للسَّلاحِ على المُسلمينَ مُخيفًا للسَّبيلِ، فحُكمُه حُكمُ المُحارِبِ (٥).

(١) «الإجماع» (٦١٨، ٦١٩).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٥٦٥).
(٣) «الاستذكار» (٧/ ٥٦٦).
(٤) «الاستذكار» (٧/ ٥٦٨).
(٥) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣٤).

وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه لا قطْعَ على المُختلِسِ والمُنتهِبِ؛ لعَدمِ الحِرزِ فيهِ، فلمَّا لم يَهتِكْ حِرزًا لم يُلزمْه أحَدٌ قَطعًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ المُختلِسَ والمُنتهِبَ والغاصِبَ والخائِنَ على عِظَمِ جِنايتِهم وآثامِهم فإنه لا قطْعَ على واحدٍ منهُم (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: القَولُ في المُختلِسِ لا يَخلُو مِنْ أحَدِ وَجهينِ:

إما أنْ يكونَ اختَلسَ جِهارًا غيرَ مُستَخفٍ مِنْ الناسِ فهذا لا خِلافَ فيهِ أنه ليسَ سارقًا ولا قطْعَ عليهِ.

أو يكونُ فعَلَ ذلكَ مُستخفِيًا عن كُلِّ مَنْ حَضرَ، فهذا لا خِلافَ بَيننَا وبينَ الحاضِرينَ مِنْ خُصومِنا في أنه سارقٌ وأنَّ عليه القَطعَ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنِ اختَطفَ أو اختَلسَ لم يَكنْ سارقًا ولا قطْعَ عليهِ عندَ أحَدٍ عَلِمْناه غيرَ إياسِ بنِ مُعاويةَ قالَ: «أقطَعُ المُختلِسَ؛ لأنه يَستخفِي بأخذِه، فيَكونُ سارقًا»، وأهلُ الفِقهِ والفَتوى مِنْ عُلماءِ الأمصارِ على خِلافِه (٤).

(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١١١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٨٥).
(٣) «المحلى» (١١/ ٣٢٦).
(٤) «المغني» (٩/ ٩٣).

المُرادُ بالمُنتهِبِ: هو الآخِذُ على وَجهِ العَلانيةِ والقَهرِ في بَلدٍ أو قَريةٍ (١).

والمُرادُ بالمُختلِسِ: المُختطِفُ: وهو الذي يَخطفُ المالَ بحَضرةِ صاحبِه في غَفلتِه ويَذهبُ بسُرعةٍ جَهرةً، سَواءٌ كانَ مَجيئُه سِرًّا أو جَهرًا (٢).

وقيلَ: مَنْ يَخطفُ المالَ مِنْ غيرِ غَلبةٍ ويَعتمدُ الهَربَ، ثمَّ قيلَ: يَكونُ ذلكَ في غَفلةِ المالكِ، وقيلَ: مع مُعايَنتِه، هذا هو الصَّحيحُ (٣).

والفَرقُ بينَ المُنتهِبِ والمُختطِفِ أنَّ المُنتهِبَ: هو الذي يَعتمدُ على القُوةِ والغَلبةِ ويَأخذُ الشَّيءَ جَهرةً مع سُكونٍ منهُ وطُمأنينةٍ، والمُختلِسُ: هو الذي يَتعمَّدُ الهَربَ فيَأخذُ الشَّيءَ جَهرةً، ولكنْ مع سُرعةٍ وخَوفٍ، وأما السَّرقةُ فعَلى وَجهِ الاختِفاءِ (٤).

والخِيانةُ: هي الأخذُ ممَّا في يَدِه على وَجهِ الأمانةِ، كالرَّجلِ يُدخلُه آخَرُ في بيتِه لضِيافتِه أو لحاجَةٍ فيَسرقُه، أو كالمُستعيرِ أو المُودَعِ أو الأجيرِ أو الشَّريكِ (٥).

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٥١)، و «حاشية الصاوي» (١٠/ ٣٠٣)، و «البحر الرائق» (٥/ ٦٠).
(٢) «البحر الرائق» (٥/ ٦٠)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٧٦).
(٣) «تحرير ألفاظ التنبيه» ص (٣٢٧).
(٤) «روضة الطالبين» (٦/ ٥٦٧)، و «حاشية اللبدي» ص (٤٠٢).
(٥) «البحر الرائق» (٥/ ٦٠)، و «الكافي» لابن عبد البر (٥٧٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 444 - 447

ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله