الإسلام > الجنايات والحدود > أركان السرقة > الشرط الرابع: أن يكون المال المسروق محرزا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوالأصلُ في ذلكَ أنه لمَّا ثبَتَ باتِّفاقِ الفُقهاءِ مِنْ السَّلفِ ومَن بعدَهم أنَّ القَطعَ لا يَجبُ إلا في مِقدارٍ متَى قَصُرَ عنه لم يَجبْ وكانَ طَريقُ إثباتِ هذا الضَّربِ مِنْ المَقاديرِ التَّوقيفُ أو الاتِّفاقُ ولم يَثبُتِ التَّوقيفُ فيما دونَ العَشرةِ وثبَتَ الاتفاقُ في العَشرةِ أثبَتْناها ولم نُثبِتْ ما دونَها؛ لعَدمِ التَّوقيفِ والاتفاقِ فيهِ.
ويُعتبَرُ أنْ يَكونَ قيمةُ المَسروقِ عَشرةٌ مِنْ حينِ السَّرقةِ إلى حينِ القَطعِ، فإنْ نقَصَ السِّعرُ فيما بينَهُما لم يُقطَعْ.
وإذا سرَقَ المالَ في بَلدٍ وتَرافعَا إلى حاكِمٍ في بَلدٍ آخَرَ فلا بُدَّ أنْ تَكونَ قِيمةُ المَسروقِ نِصابًا في البَلدينِ جَميعًا (١).
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَكونَ المالُ المسروقُ مُحرَّزًا:
الحِرزُ: هو المَوضعُ الذي يُحرزُ فيه ذلكَ المَسروقُ مِنْ دارٍ أو حانوتٍ أو ظَهرِ دابَّةٍ أو سَفينةٍ ممَّا جَرتْ عادةُ الناسِ أنْ يَحفَظوا فيه أموالَهم، وقد يَختلفُ ذلكَ باختلافِ عَوائدِ الناسِ (٢).
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في المالِ المَسروقِ حتى يُقامَ الحَدُّ على السارقِ أنْ يكونَ سرَقَه مِنْ حِرزٍ؛ لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جَدِّه «أنَّ رَجلًا مِنْ مُزَينةَ أتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا
(١) «أحكام القرآن» (٤/ ٦٤، ٦٥)، و «الاختيار» (٤/ ١٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨١، ٣٨٣)، و «اللباب» (٢/ ٣٢١).
(٢) «القوانين الفقهية» ص (٢٣٦).
رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في حَريسةِ الجَبلِ؟ فقالَ: هي ومِثلُها والنَّكَالُ، وليسَ في شَيءٍ مِنْ الماشِيةِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ المُراحُ فبلَغَ ثَمنَ المِجَنِّ ففيهِ قَطعُ اليَدِ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ، قالَ: يا رَسولَ اللهِ كيفَ ترَى في الثَّمرِ المُعلَّقِ؟ قالَ: هو ومِثلُه معه والنَّكالُ، وليسَ في شيءٍ مِنْ الثَّمرِ المُعلَّقِ قَطعٌ إلا فيما آواهُ الجَرينُ، فما أُخذَ مِنْ الجَرينِ فبلَغَ ثمَنَ المِجنِّ ففيهِ القَطعُ، وما لم يَبلغْ ثَمنَ المِجنِّ ففيهِ غَرامةُ مِثلَيهِ وجَلَداتُ نَكالٍ» (١)، فأسقَطَ القَطعَ في الماشِيةِ إلا ما آواهُ المُراحُ، وهو المَكانُ الذي تَبيتُ فيه الماشِيةُ، وأسقَطَ في الثَّمرِ المُعلَّقِ إلا ما آواهُ الجَرينُ، وليسَ بينَ الحالينِ فَرقٌ، إلا أنَّ الشيءَ مُحرزٌ في أحَدِ المَوضعينِ دونَ الآخَرِ، فدَلَّ على أنَّ الحِرزَ شَرطٌ في إيجابِ القَطعِ.
ولأنَّ رُكنَ السَّرقةِ هو الأخذُ على سَبيلِ الاستِخفاءِ، والأخذُ مِنْ غيرِ حِرزٍ لا يَحتاجُ إلى الاستِخفاءِ، فلا يَتحقَّقُ رُكنُ السرقةِ، ولأنَّ القَطعَ وجَبَ لصِيانةِ الأموالِ على أربابِها قَطعًا لأطماعِ السُّرَّاقِ عن أموالِ الناسِ، والأطماعُ إنما تَميلُ إلى ما لهُ خَطرٌ في القلوبِ، وغَيرُ المُحرَّزِ لا خطَرَ له في القلوبِ عادةً، فلا تَميلُ الأطماعُ إليه، فلا حاجةَ إلى الصِّيانةِ بالقَطعِ، وبهذا لم يُقطَعْ فيما دُونَ النِّصابِ وما ليسَ بمالٍ مُتقومٍ مُحتمِلِ الادِّخارَ (٢).
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١٧١٠)، والترمذي (١٢٨٩)، والنسائي (٤٩٥٩)، وابن ماجه (٢٥٩٦)، وأحمد (٦٦٨٣).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٧٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٨٤)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٨٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٧٧)، و «البيان» (١٢/ ٤٤٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
باب القطع في السرقة
باب القَطْع في السَّرِقَة
والأصلُ فيه الكتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛ أما الكتابُ، فقولُ اللَّه تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وأمَّا السُّنَّةُ، فروَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" . وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ" . مُتَّفَقٌ عليهما . في أخبارٍ سِوَى هذَيْن، نذْكرُها إن شاء اللَّه تعالى في مَواضِعها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجوبِ قَطْعِ السارقِ في الجملةِ.
١٥٧٩ - مسألة؛ قال أبو القاسم، رحمه اللهُ: (وَإذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينارٍ مِنَ الْعَيْنِ،
أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ من الْوَرِقِ، أو قِيمَةَ ثلاثةِ دَرَاهِمَ، طَعَامًا كَانَ أو غَيْرَهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ، قُطِعَ)
ارجع إلى أركان السرقة للاطلاع على جميع المسائل.